‫الرئيسية‬ العالم العربي تداعيات ملء المرحلة الأولي لسد النهضة دون اتفاق ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان
العالم العربي - أغسطس 3, 2020

تداعيات ملء المرحلة الأولي لسد النهضة دون اتفاق ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان

بعد نفي رسمي لعدة أيام، أعلنت أديس أبابا اكتمال المرحلة الأولى من ملء خزان السد بفعل موسم الأمطار ودون قرار من الحكومة، بسيناريو “الملء القدري” يفي آبي أحمد ببدء ملء السد رغم رفض مصري- سوداني ويرمم شعبيته المتضررة من أزمات داخلية.

مصر على ما يبدو اضطرت لامتصاص بدء الملء لتعزيز موقفها إفريقيًا ودوليًا في حال ردت على ارتكاب إثيوبيا “مخالفات دولية فيما السودان ينتظر نتائج المفاوضات وتحركات مصر واستمرار تموضعه بين القاهرة وأديس أبابا يجعله أقرب لجني مكاسب من الطرفين.

وبعد ماراثون طويل من مفاوضات سد النهضة، وصل لسبع سنوات من حكم عبد الفتاح السيسي لمصر، عقب انقلاب عسكري دموي، نجحت إثيوبيا في الوصول لهدفها الاستراتيجي بإكمال بناء سد النهضة ، وتجريب قدراته الاستيعابية، والملء الأولي لسد النهضة، بشكل منفرد، ودون توقيع أتفاق ملزم لها، خلال مراحل التشغيل واكمال التعبئة، رغم حملات وايحاءات التطمين الذي مارسها السيسي ونظامه على عقول المصريين، مستخدما آلة اعلامية تخلت عن دورها الحقيقي في البيان والتوضيح والرقابة، إلى التطبيل والتهليل للحاكم، مطلقا مانشيتات كاذبة عدة، من عينة: “السيسي خلصها”، “اطمئنوا”، “ما ضيعتكمش قبل كدا علشان اضيعكم الآن”.

 

استراتيجية إثيوبيا بإدارة الملف

 

وجاء النجاح الإثيوبي في الوصول بمفاوضات سد النهضة لتحقيق الأهداف الإثيوبيا، عبر خطة، يمكن جمع خيوطها منذ أن تولى آبي أحمد السلطة، محاولا كسب شعبية عبر السد، أمام أزمات داخلية متصاعدة، عقب تأجيل انتخابات محلية، كانت مقررة في أغسطس الماضي، إلى أجل غير مسمى، خشية من جائحة “كورونا، وهذه الخطة رُسمت عبر ست مناورات، بينها ما هو تعبوي بزيادة طموحات الداخل وكسب تأييده، وإطالة أمد المفاوضات لكسب وقت لبناء وملء السد، وإرباك الخارج بتلويح عسكري، وصدمات عبر التراجع عن مسار واشنطن.

 وجاء السيناريو القدري، الذي لجأت إليه اثيوبيا مؤخرا، في تبرير للملء المنفرد للسد، مفضوحا، لأن أديس أبابا كان بإمكانها فتح بوابات الخزن لمرور المياه الزائدة التي ملأت المرحلة الأولى، إلا أن تغريدة وزير الخارجية الإثيوبي، غيدو أندارغاشو، عبر “توتير” الأربعاء، فضحت المخطط الاثيوبي، قائلا: “تهانينا.. سابقا كان النيل يتدفق، والآن أصبح في بحيرة، ومنها ستحصل إثيوبيا على تنميتها المنشودة، في الحقيقة النيل لنا.

 

 6 مناورات: تضمنتها استراتيجية إثيوبيا:

 

1 تعبئة داخلية: لجأت حكومة آبي أحمد لهذه المناورة، التي سُمع ضجيج طحينها في الإعلام ، بخلاف سابقاتها، حيث ركزت على التعبئة الداخلية وزيادة طموحات الإثيوبيين، أملا في ارتفاع شعبيتها، عبر التمسك ببناء وتشغيل السد، لتوليد الطاقة الكهربائية، وهو الهدف الرئيس من السد، وعقب المرحلة الأولى من الملء، قال آبي أحمد، في خطاب تعبوي الأربعاء: أهنئ كل الشعب الإثيوبي على الإنجاز، فهذا السد كان يجب أن يتحقق قبل 200 عام على الأقل، فهو الرمز والأيقونة لهذا الجيل والضوء الساطع للإثيوبيين على مدى سنوات، ونقطة تحول للإثيوبيين للتألق مرة أخرى، والقضاء على الفقر والتخلف.

2-  إطالة أمد المفاوضات: لم تكن إطالة أمد المفاوضات استراتيجة آبي أحمد وحده، فهو نهج إثيوبي متواصل، منذ نحو شهر من وضع أول حجر بالسد، في 2 أبريل 2011. ففي 13 مايو 2011، زار رئيس وزراء مصر آنذاك، عصام شرف، نظيره حينها ميليس زيناوي، واتفقا على تشكيل لجنة ثلاثية لبحث دراسات متعلقة بالسد، ومرت أكثر من 9 سنوات في حلقة مفرغة من المفاوضات دون اتفاق شامل.

وشهد 2012 اجتماعات فنية دون اتفاق، تلاها بعام توقف المفاوضات، قبل أن تتفق القاهرة وأديس أبابا على استئنافها في صيف 2014، وإجراء مباحثات فنية لم تسفر عن شيء، وفي 2015 توصلت الدول الثلاث إلى اتفاق إعلان مبادئ، وشهد 2016 اجتماعات فنية حول السد، وظهر في العام التالي رفض إثيوبي لمشاركة البنك الدولي في المفاوضات، ولم تسفر لقاءات 2018 عن حل للخلاف بشأن الملء والتشغيل.

وقبلت الدول الثلاث أواخر 2019 برعاية الولايات المتحدة للمفاوضات، وانتهت الرعاية الأمريكية في فبراير الماضي، بتوقيع مصري أولى لاتفاق بشأن السد، وامتناع إثيوبي بدعوى ضرورة إجراء مشاورات مع الداخل، وكذلك تحفظ سوداني، ولم تفلح دعوة سودانية، في مايو الماضي، في حلحلة الخلافات المصرية- الإثيوبية، وانتهت اجتماعات بين 3 و13 يوليو الجاري، برعاية الاتحاد الإفريقي، بقمة مصغرة الثلاثاء، أعلنت الدول الثلاث بعدها العودة إلى المفاوضات، إضافة إلى إعلان إثيوبي عن بدء ملء السد، رغم رفض مصري- سوداني، ومنذ مجئ آبي أحمد للسطة، كان خطاب الخارجية المصرية أكثر وضوحا في اتهامه للجانب الإثيوبي بـ”مماطلة وإطالة” أمد المفاوضات لكسب الوقت، وعادة ما كانت إثيوبيا تنفي، وتتحدث عن حقها في التنمية، دون إضرار بأحد ولا استحواذ الآخرين على حقوقها.

 3-إرباك القاهرة والخرطوم: بدأت مناورة إثيوبيا لإرباك خطط مصر والسودان، بالتلويح بإمكانية خوض حرب للحفاظ على السد، ففي 22 أكتوبر 2019، قال آبي أحمد: إذا كانت هناك حاجة لخوض حرب بشأن سد النهضة، فإثيوبيا مستعدة لحشد الملايين، بحسب وسائل إعلام، وأعلنت القاهرة رفضها لهذا التصريح، إن صح، مع تصعيد إعلامي مصري ضد آبي أحمد.

وبعد يومين عُقد لقاء بين عبد الفتاح السيسي، وآبي أحمد، في منتجع سوتشي الروسي، وقال آبي أحمد حينها إن تصريحه (بشأن خوض حرب) تم اجتزاؤه من سياقه، وشدد على تمسك بلاده بالمفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي، وفي مايو ويونيو الماضيين، أعلن الجيش السوداني إحباط هجومين، أحدهما لـ”مليشيا إثيوبية”، مسنودة من الجيش الإثيوبي، ويرى مراقبون ارتباطا لتكرار هذه “التحرشات الحدودية” بالملف المتعثر للسد، بينما يذهب آخرون إلى أن فترات الإعداد للموسم الزراعي والحصاد في المناطق الحدودية السودانية مع إثيوبيا، عادة ما تشهد اعتداءات من عصابات مسلحة، خارجة عن سيطرة أديس أبابا، للاستيلاء على الموارد.

4- صدمة واحتواء: قبل إقرارها ببدء الملء، لجأت إثيوبيا لمناورة الصدمة مع مصر والسودان، بتراجعها عن مسار واشنطن، وكان مراقبون ذهبوا إلى أن تدخل دولة كبرى، كالولايات المتحدة لرعاية المفاوضات سينجز الأمر، غير أن فبراير/ شباط الماضي، شهد رفضا إثيوبيًا للتوقيع على اتفاق أولى وقعته مصر، تلك الصدمة “الإثيوبية” التي صنعها داخل متوتر، لم تكن بعيدة عن خطة أديس أبابا لملء السد، فمع عودة المفاوضات برعاية إفريقية، رفضت إثيوبيا مجددا طلب مصر إدراج نتائج مسار واشنطن ضمن مسار المحادثات، ولم يكن إعلان التلفزيون الإثيوبي بدء الملء إلا مناورة ثانية باستراتيجية الصدمة، والتي احتوتها أديس أبابا بنفي رسمي، قبل أن تعود الثلاثاء وتقر بالملء، لكن وفق سيناريو خارج عن إرادتها، وهي الطبيعة.

5-هروب إلى الأمام: مبكرا، لجأت حكومة آبي أحمد إلى استراتيجة الهروب إلى الأمام واختيار الراعي الذي يتيح لها استكمال سيناريو البناء والملء، للوقوف في وجه أي تحرك مصري محتمل، ففي 12 يناير الماضي، طلب آبي أحمد من رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، الوساطة لأن بلاده ستتسلم رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2020 خلفا لمصر، وكان واضحا أن هذا الطلب، أثناء مفاوضات مسار واشنطن، هو محاولة للقفز إلى الأمام للحيلولة دون اتهام أديس أبابا مستقبلا بأنها لا تريد مفاوضات أو حلول، وبالتالي تكسب الوقت لإنهاء الملء المأمول.

6-قصف رسمي وإعلامي: في الأشهر الأخيرة لاسيما يونيو الماضي، صعدت إثيوبيا، خاصة عبر خارجيتها، لهجة غير دبلوماسية تبدو قريبة من لغة “الحروب الباردة”، وقال وزير الخارجية الإثيوبي في تصريحات صحفية، إن بلاده ماضية في ملء السد، في يوليو  حتى من دون اتفاق، واعتبر أن ذهاب مصر بملف السد إلى مجلس الأمن “لا تأثير له”، في ظل حق أديس أبابا بالتنمية، وأضاف أندارغاشو: “المصريون يلعبون مقامرة سياسية، يبدو بعضهم كما لو أنهم يتوقون إلى اندلاع حرب”. وهي تصريحات اعتبرها نظيره المصري سامح شكري “استفزازية” و”تبدو متتالية وبنبرة غير مناسبة، تحول القصف الإثيوبي من إعلامي إلى دبلوماسي، ليس محض صدفة، فهذا لا يحدث إلا بضوء أخضر من حكومة آبي أحمد، التي تحتاج لمزيد من التجييش الشعبي.

 

انكسار مصري

 

وجاء الانجاز الإثيوبي، عبر إعلان الخارجية الإثيوبية الجمعة الماضية، بدء عملية ملء سد النهضة والتي وصفتها بـ”نصر دبلوماسي”، بالتزامن مع تصاعد التوتر في مصر والسودان حيال تعثر المفاوضات بشأنه، وقال المتحدث باسم الوزارة “دينا مفتي”، في مؤتمر صحفي إن “ملء السد بنجاح نصر دبلوماسي عزز مصداقية إثيوبيا على الساحة الدولية، وتأتي هذه التصريحات رغم تعثر وصول مفاوضات السد الإثيوبي إلى اتفاق قانوني مُلزم حول ملء وتشغيل “النهضة”، ومناشدات القاهرة والخرطوم مرارا بضرورة الالتزام بعدم اتخاذ إجراءات أحادية حيال السد المتنازع عليه.

والثلاثاء الماضي، عقدت قمة أفريقية افتراضية مصغرة بشأن سد النهضة، بمشاركة “عبدالفتاح السيسي” ونظيره الجنوب أفريقي ورئيس الاتحاد الأفريقي “سيريل رامافوزا”، ورئيسي الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك”، والإثيوبي “آبي أحمد، وفي اليوم ذاته، أقرت أديس أبابا باكتمال المرحلة الأولى من مل سد النهضة، بعد أيام من نفي رسمي للملء، وقال مكتب “آبي أحمد”، في بيان على “تويتر” آنذاك: “أصبح من الواضح على مدى الأسبوعين الماضيين في موسم الأمطار أن عملية ملء سد النهضة في السنة الأولى قد تحققت وأن السد قيد الإنشاء.

 

أخطاء السيسي

 

وتدفع مصر ثمن سلسلة من الأخطاء السياسية، وعلى رأسها بطبيعة الحال توقيع السيسي على اتفاق المبادئ في مارس 2015، الذي اعترف أولاً بحق إثيوبيا في بناء السدّ، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت إليه من قبل، وأقرّ ثانياً بحقها السيادي في إدارته، ولم يقرر أي جزاء قانوني دولي عليها حال مخالفة الاتفاقيات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل، وبصفة خاصة عامي 1902 و1993.

 

خيار المفاوضات وفقط!

 

رغم ذلك، أعلنت الخارجية المصرية في بيان الأربعاء الماضي، التوافق خلال القمة الإفريقية على مواصلة التفاوض، وضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم قانونا، يتضمن آلية لفض النزاعات بين الأطراف الثلاثة، وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان السودان “انحسارا مفاجئا” في مستوى مياه نهر النيل، وخروج عدد من محطات مياه الشرب عن الخدمة، وإعلان مصر بدء خطة شاملة لترشيد استهلاك المياه، بحثا عن مَخرج في ظل استمرار الخلافات مع إثيوبيا.

وتتمسك إثيوبيا بملء وتشغيل خزان السد، خلال موسم الأمطار الحالي الذي بدأ في يوليو الجاري، فيما ترفض مصر والسودان إقدام أديس أبابا على هذه الخطوة قبل التوصل إلى اتفاق ثلاثي، وتخشى مصر المساس بحصتها السنوية من مياه نهر النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، وتطالب باتفاق حول ملفات، بينها أمان السد، وتحديد قواعد ملئه في أوقات الجفاف، وتمارس إثيوبيا، خلال الايام القليلة الماضية تلاعبا كبيرا بمصر والسودان، وجاءت تصريحات المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية، السفير الإثيوبي السابق في القاهرة، دينا مفتي، مثيرة بشكل فج واستفزازية، حيث قال إن بلاده تبحث عن اتفاق يمكن مراجعته في أي وقت عندما تحتاج إثيوبيا إلى ذلك”، بدلاً من اعتماد اتفاق ملزم للجميع، حسبما جاء في القمة المصغّرة، التي فشلت القاهرة في تحقيق أي مكسب منها.

وتداولت وكالات أنباء ووسائل إعلام مختلفة تصريحات مفتي، باعتبار أنه تحدث عن التوصل إلى اتفاق غير ملزم، بينما تعمّدت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية “إينا” عدم الإشارة إلى مسألة الإلزام من عدمه، أو ثبات الاتفاق من عدمه، في محاولة معتادة للتعتيم على السلوك الحقيقي للسياسة الدبلوماسية لأديس أبابا وإطلاق تصريحات متناقضة أو مغايرة لبعضها، ليسهل التراجع عن أي منها، وقبل تصريحات مفتي ببضع ساعات، أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً رسمياً عن حصيلة القمة المصغّرة، قال فيه بشكل واضح، وللمرة الأولى، إنه قد تم الاتفاق على الانتهاء من المفاوضات “بنصّ اتفاق ملزم” بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، الذي ينبغي أن يتضمن اتفاقاً شاملاً بشأن التطورات المستقبلية على النيل الأزرق، وبذلك أصبحت القضية متعددة المستويات من ناحية تمييز طبيعة الاتفاقات ونطاقها؛ فهناك خلاف بين مصر وإثيوبيا على مدى الإلزامية “القانونية” للاتفاق على قواعد تشغيل السد، وهناك خلاف على مسألة تحديد آلية ملزمة لفض المنازعات بين الدول الثلاث، وهناك رغبة إثيوبية في أن تظل جميع قواعد الملء والتشغيل استرشادية، ويحق لأديس أبابا وحدها تغييرها بحسب حاجتها للتخزين، وما يضعف موقف مصر والسودان في هذه النقطة أن المبدأ الخامس من اتفاق المبادئ الموقع في مارس 2015، الذي يتحدث عن التعاون في الملء الأول وإدارة السد، يكتفي بالنص على التشارك في وضع “الخطوط الإرشادية والقواعد” من دون تفاصيل التشغيل، ويجيز لإثيوبيا إعادة ضبط سياسة التشغيل من وقت لآخر، بشرط “إخطار” وليس أخذ رأي أو استئذان مصر والسودان، وتستند إثيوبيا إلى البند الثاني من المبدأ ذاته، لتبرّر أن القواعد التي يجب الاتفاق عليها لا يمكن اعتبارها ملزمة بأي حال، لأنها موصوفة في الاتفاق بأنها “استرشادية”، فضلاً عن كونها غير مقتصرة على خطة واحدة يجب اتّباعها، فهي بحسب النص “ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد”، ويحمل البند نفسه نصاً يؤيد الرؤية الإثيوبية، يتحدث عن “الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد”، مما تعتبره إثيوبيا سنداً لها لإنجازها الملء الأول بالفعل، بالتوازي مع المفاوضات طالما لم يكتمل بناء السد حتى الآن. ويتضمن هذا المبدأ بنداً آخر تفسّره إثيوبيا لصالحها فقط، وهو “الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر”، وعليه ترى إثيوبيا أن مصر اعترفت بتوقيعها على هذا البند بالسيادة المطلقة لها على السد، وبالتالي ترفض مشاركتها والسودان في تحديد قواعد التشغيل طويلة الأمد، إلا في حدود التأكد من “عدم الإضرار”، باعتباره مبدأ منصوصاً عليه في الاتفاق ذاته، وبحسب تفسير أديس أبابا، فإن الإخطار المسبق “الوحيد” الذي تكلف به إثيوبيا ضمن الاتفاق هو “إخطار دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد بواسطتها”.

وكانت مصادر دبلوماسية، أكدت أن إصدار بيان القمة المصغرة تأخر ثلاثة أيام بسبب خلافات مصر وإثيوبيا حول نصّ النقطة الخاصة بالإلزام في تحديد القواعد مع مصر والسودان، وأن الحل في النهاية جاء بوساطة جنوب أفريقيا التي ترأس الاتحاد الأفريقي، بالنصّ على الإلزام حسبما جاء في القمة، مع إضافة عبارة “التطورات المستقبلية على النيل الأزرق” تلبية للطلب الإثيوبي.

ويفتح البيان الباب واسعا، أمام مفاوضات “قد تكون طويلة الأمد”، تتضمن الاتفاق على قواعد الملء السنوي والتشغيل المستمر، وإعادة المحاصصة في مياه النيل الأزرق بين إثيوبيا والسودان ومصر، وإلغاء كل اتفاقيات تقاسم المياه السابقة، وعلى رأسها اتفاقية 1959م، كذلك أتاح البيان مسألة التعامل مع المشروعات المستقبلية التي يمكن لإثيوبيا إنشاؤها على النيل الأزرق في المسافة الواقعة بين المنابع وسد النهضة، وهي النقطة التي أصرّت كل من مصر والسودان على أن تكون ضرورة الإخطار المسبق قبل فترة كافية واضحة فيها، وجاءت إضافة هذه العناصر للاتفاق، بعدما كان مرفوضاً لمصر والسودان التطرق إليها في المفاوضات السابقة، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من البحث والخلافات، لكن الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا يرغب في حسم الاتفاق النهائي “الشامل” خلال فترة رئاسته الحالية للاتحاد الأفريقي، باعتبار أنه سيكون إنجازاً تاريخياً يحسب له ولبلاده، وبناء على الوضع الفني الحالي بالنسبة للسد، فإنه لم يعد هناك واقعياً ما يستدعي الإسراع أو السباق مع الزمن للتوصل إلى اتفاق، لأنه لن يكون هناك أي تغيير على خريطة الملء والتشغيل حتى شهر فبراير المقبل على الأقلّ، أي حتى تبدأ إثيوبيا في تجربة مولدات الكهرباء بتشغيل اثنين من التوربينات الخاصة بالتوليد في السد، وتقييم عملهما، تمهيداً لإتمام تركيب 11 توربيناً آخر، لحين الانتهاء تماماً من الأعمال الإنشائية في السد.

 

مخاطر مصرية

 

وبعيدا عن المهاترات الإعلامية والسجالات الدبلوماسية، فإن مجمل الأمور في مصر باتت في خطر كبير، على الصعيد المائي، فعلى الرغم من أن بحيرة ناصر لم تتأثر بإتمام تخزين الكميات المطلوبة من المياه في إثيوبيا، نظراً إلى اتخاذ الوزارة الاحتياطات لتعويضها لمدة عام، فضلاً عن أنها في الواقع، وبالنسبة لفترة الرخاء الحالية، كمية تقل كثيراً عن كميات المياه التي كانت تنقص في السنوات العشرين السابقة من إيراد النيل لأسباب مختلفة، وهي كميات تتراوح بين 6 و9 مليارات متر مكعب.

إلا أن الخبراء يجمعون على أن مصر يمكن أن تتأثر بشدة في حال حجز مزيد من الكميات قبل تجربة المولدات الكهرومائية، بجانب مخاطر احتمالات زيادة معدلات تبخر المياه خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يستدعي تعويضها بتخزين كميات إضافية قبل تجريب التوليد، كما أن عملية التوليد نفسها ستنبئ عن معدلات الاستخدام المتوقعة مستقبلاً مع زيادة عدد المولدات قياساً بارتفاع مستوى المياه، ويتعاظم الخطر الأكبر، بخطط إثيوبيا لبيع المياه لمصر وشعبها، وبالتالي توقف الحياة وعلى رأسها الزراعة.

ووفق مراقبين، في حال بوار 1.8 مليون فدان فقط من الأراضي الزراعية، سيؤدي ذلك إلى فقدان 1.3 مليون فرصة عمل من إجمالي 6 ملايين و500 ألف مشتغل في قطاع الزراعة والصيد (يمثل العاملون في قطاع الزراعة والصيد 25% من عدد المشتغلين في مصر البالغ 26 مليونا عام 2017، حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ويحتاج توفير فرص عمل بديلة لـ1.3 مليون شخص نحو 600 مليار جنيه) قدر البنك الدولي كلفة فرصة العمل الواحدة بين 25 و30 ألف دولار، وقدرت الهيئة العامة للتنمية الصناعية متوسط كلفة فرصة العمل الواحدة في القطاع الصناعي في مصر بنحو 326 ألف جنيه – قبل تعويم الجنيه عام 2016، أي ما يعادل 35 ألف دولار.

بجانب ما يؤكده  الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، بأن إقامة السد حتى لو لم تقلص حصة مصر المائية، فإنها سوف تمنع أي مطالبات مصرية مستقبلية بزيادة حصتها السنوية من المياه عن 55.5 مليار متر مكعب. وأن هذه الكمية سوف تحد كثيرا من خطط التوسع العمراني والتنمية الزراعية في مصر على وجه الخصوص، موضحا أن ذلك قد يدفع مصر إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية، خاصة في السواحل الشرقية لمصر، على البحر الأحمر، لكن هذا سيكون مرتبطا بأولويات خطط التنمية.

 كما ستتأثر زراعة محاصيل الحبوب، مثل القمح والذرة الصفراء، والأخيرة عدم زراعتها أو تقليل المساحات المخصصة لها، سيؤديان إلى زيادة أسعار الأعلاف، وبالتالي ارتفاع أسعار اللحوم والأسماك والدواجن، ومن ضمن التأثيرات انخفاض محاصيل الخضر والفاكهة، وتحميل الاقتصاد المصري تبعات ذلك بالاستيراد من الخارج لتغطية احتياجات المواطنين، كما أن الخريطة الزراعية بالكامل ستتغير باستحداث أصناف ومحاصيل تتأقلم مع ملوحة المياه المتوقعة، وأيضا فإن تأثيرات ملء السد لن تتوقف على الزراعة وملوحة التربة فقط، لكن ستصل إلى مياه الشرب بارتفاع الأسعار وتحديد كميات محددة لكل مواطن مثل سلع التموين (سلع مدعمة)،

بجانب  أن نصيب الفرد المصري من المياه يتضاءل كل عام، ففي عام 1959 كان 2000 متر مكعب سنوياً، وانخفض ليصل نصيب الفرد إلى 500 متر عام 2019، وسط توقعات بأن يصل إلى أقل من 400 متر بحلول 2050، وهو ما يشير إلى دخول مصر وبشدة في مرحلة الفقر المائي، كما سيؤدي نقص حصة مصر من المياه إلى عدم القدرة على إنتاج الكهرباء من محطة توليد كهرباء السد العالي، ما يعني احتمال فقدان 2100 ميغاوات يوميا من الكهرباء، هي الطاقة القصوى لإنتاج السد العالي.

وخلال الجدال الدائر بين مصر واثيوبيا مؤخرا، تبرز المصفوفات الإثيوبية المقدمة في المفاوضات ولمجلس الأمن وإلى الاتحاد الأفريقي والتي تفيد بعدم إيقاع أي أضرار بمصر في أي مرحلة من ملء وتشغيل السد، على النقيض تماماً من المصفوفات والتقارير الفنية المصرية، التي لا تتحدث فقط عن خروج آلاف الأفدنة من الرقعة الزراعية على مراحل، ربما تبدأ في عام 2021، ولكن أيضاً بسبب الأموال الضخمة التي يتحتم على مصر أن تنفقها في المستقبل البعيد لتحسين الظروف البيئية للمياه وتحسين جودتها وجعلها صالحة للشرب، بالنظر للتوسع الكبير الذي سيطرأ على استخدامها للأغراض الزراعية والصناعية والتنموية في كل من إثيوبيا والسودان.

وقبل كل الاعتبارات الفنية والبيئية والاقتصادية التي تجعل من تشغيل سد النهضة بالصورة التي تم بها الملء الأول خطراً محدقاً على الشعب المصري، فسيكون للسد، لحظة تشغيله، تأثير خطير على الموقف الاستراتيجي لمصر، بوضعها تحت رحمة إثيوبيا، وهو ما عبّر عنه جميع المراقبين وحتى المسؤولين الحكوميين المصريين مراراً، خصوصاً أن التقديرات المصرية والسودانية تتفق على أنه لا يمكن قبول الرواية الإثيوبية الدائمة بأن سد النهضة يهدف في الأساس لتوليد الكهرباء وحسب، بل إن ضخامة هذا السد لن تسمح له فقط بالإسهام في تحقيق نهضة غير مسبوقة للزراعة في إثيوبيا على مدار تاريخها، ويسمح لها أيضاً بممارسة ضغوط استراتيجية على السودان ومصر، وهو أمر سيصعب التعامل معها مستقبلاً، وقد تكون منفذاً لممارسة قوى أخرى تلك الضغوط من خلال أديس أبابا، وكذلك الإسهام في تحويلها إلى مركز الثقل السياسي الرئيسي في منطقة شرق أفريقيا، فضلاً عن زيادة فرض منافستها لمصر على اجتذاب المشروعات التنموية من المستثمرين بمختلف دول العالم، الذين كانوا يفضلون مصر بسبب أفضليتها اللوجستية ومرافقها قياساً بباقي دول المنطقة.

 

 رهانات مصرية

 

وبحسب خبراء، فإن الإعلان الرئاسي المصري، الثلاثاء الماضي، يستهدف حصر إثيوبيا في خانة “بلورة اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة”، مع تحرك أديس أبابا لملء السد، وتأمل القاهرة على ما يبدو أن يلي ذلك “بلورة اتفاق شامل لكافة أوجه التعاون المشترك بين الدول الثلاث فيما يخص استخدام مياه النيل”، وفق بيان رئاسي، وبذلك تريد مصر أن تنهي آخر بنود الرفض الإثيوبي المتكرر خلال المفاوضات، فالقاهرة كانت تتحدث عن اتفاق قانوني شامل بينما ترفض أديس أبابا.

لكن مع تحرك إثيوبيا لملء السد، تريد مصر أن تدفعها مجددا إلى اتفاق ملزم أولا، يقلل أي خسائر متوقعة للقاهرة وحصتها المائية (55.5 مليار متر مكعب سنويا)، حتى لا يضيع الوقت، ومن ثم تبحث القاهرة الشق الآخر، وهو حقوق استخدام نهر النيل، عبر استراتيجية جديدة، فلا يزال أمامها وقت لمحادثات موسعة محلية ودولية وإفريقية.

أما الخرطوم، فيبدو أنها لن ترفع حاليا صوتها الغاضب، انتظارا لما تسفر عنه المفاوضات وتحركات القاهرة، خاصة وأن السودان مشغول بداخل مليء بالتحديات منذ الإطاحة، في 11 أبريل 2019، بحكم عمر البشير(1989: 2019) ، كما أن استمرار وقوف السودان في المنتصف، بين جارتيه مصر وإثيوبيا، يجعله أقرب إلى أن يكسب من الطرفين متى لاحت مكاسب عند أي منهما، ولاسيما المكاسب المحتملة من سد “النهضة”، خاصة على صعيد الطاقة الكهربائية.

 

اللجوء للمخزون الاستراتيجي

 

ومن ضمن الرهانت المستقبلية، ولمواجهة تراحع منسوب مياة النيل، بجانب التعليمات السيادية لكافة وسائل الإعلام بعدم نشر أي أخبار أو تقارير صحافية وإعلامية متعلقة بحالات الجفاف التي ضربت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في عدد من محافظات الدلتا، بعد شكاوى عدة من فلاحين بمحافظات منها الغربية وكفر الشيخ، بشأن نقص حاد في مياه الري، ما تسبب في جفاف الأرض وتلف المحاصيل، وتشقق التربة، وهو ما يجري التعمية عليها والتستر، مع تصعيد خطة حكومية للتعامل مع النقص الذي ستواجهه مصر، خلال موسم الفيضان الحالي، وبدء أديس أبابا لعمليات الملء، من خلال التصريف من خزان بحيرة السد العالي، لتعويض النقص في حصة مصر من مياه النيل، لحين التوصل لاتفاق مع الجانب الإثيوبي، بحيث يتم تعويض تلك الكميات المصرفة من بحيرة السد العالي.

وهو على ما يبدو أنه خيار ضعيف، لن يدوم طويلا، في ظل تمسك اثيوبيا برفض التصور الخاص بالربط بين السد العالي المصري، وسد النهضة، بحيث يتم تحقيق التكامل بينهما في حالة الجفاف الممتد، والشح المائي، معتبرة أن ذلك التصور يُقلل من سيطرتها على مياه النهر، الذي أكد الوفد الإثيوبي أكثر من مرة خلال جولات التفاوض أنه ينبع من بلادهم، وبالتالي يجب أن تكون الكلمة العليا في إدارة النهر، وانسياب مياهه لهم، وهو ما يؤكده إعلان وزارة الري والموارد المائية السودانية عن  تراجع منسوب المياه عند محطة الديم الحدودية مع إثيوبيا في حدود 90 مليون متر مكعب يومياً، بما يؤكد غلق بوابات سد النهضة، وهي رهانات تؤكد فشل غير مسبوق في إدارة القضية من قبل النظام المصري الحالي، وذلك على جميع الأصعدة، الدبلوماسية والسياسية والفنية والقانونية.

على أن الخطورة الرئيسية من إتمام الملء ليست في فداحة الأثر السلبي على مصر، من حيث تقليل كميات المياه الواصلة إلى بحيرة ناصر، ذلك لأن إجمالي المياه التي تم تخزينها خلال فترة الملء الأول وهي 4.9 مليارات متر مكعب، قد تم بالفعل أخذ الاحتياطات اللازمة لتعويضها لمدة عام، فضلاً عن أنها في الواقع -وبالنسبة لفترة الرخاء الحالية- كمية تقل كثيراً عن كميات المياه التي كانت تنقص في السنوات العشرين السابقة من إيراد نهر النيل لأسباب مختلفة، وهي كميات تتراوح بين 6 و9 مليارات متر مكعب.

لكن الأثر السلبي الحقيقي هو أن إثيوبيا، التي خرجت منتصرة من القمة الأفريقية المصغرة، ستتجرأ على التحكم في مياه النيل مستقبلاً، دون ضابط أو رادع، متخذة من سابقة ملئها السد، بقرار سيادي، حجة للخروج عن أي اتفاق يمكن إبرامه مع مصر والسودان، وإقدامها على تغيير نسب التدفق ومعدلات التشغيل بين فترة وأخرى، أخذاً في الاعتبار استنادها الدائم إلى اتفاق المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في مارس 2015، الذي يجيز لها إعادة ضبط القواعد من وقت لآخر، وأن الإخطار المسبق الوحيد الذي تكلف به إثيوبيا ضمن الاتفاق هو إبلاغ دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة، أو طارئة، تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد.

وأمام النجاح الاثيوبي، جاء الفشل المصري سياسي ودبلوماسي في الأساس، لأن الرهان الوحيد للقاهرة الذي نقلت به القضية إلى ساحة مجلس الأمن كان على قوة التدخلات والضغوط الأميركية، التي فشلت في إيجاد حل نهائي للأزمة خلال مفاوضات واشنطن في وقت سابق هذا العام، وأدى هذا الأمر إلى اتخاذ مصر خطوة دبلوماسية كبيرة كان من المفترض أن تكون الأخيرة، دون أن تجرى الحسابات اللازمة الكاملة على جميع المستويات، فانكشف العجز الأميركي عن إجبار أعضاء مجلس الأمن على مناصرة مصر، وتبين الدور الصيني والروسي المساند للإثيوبيين بلا مواربة، ورغبة باقي الدول في إبعاد القضية عن ساحة مجلس الأمن من الأساس، لاعتبارات بعضها دولي أو له علاقة باستثمارات مستقبلية في إثيوبيا، وبعضها خاص بتلك الدول ونزاعاتها الحدودية والبحرية والنهرية مع جيرانها.

وبالتالي كانت خطوة الانتقال لمجلس الأمن دون الوثوق الكامل في إصدار قرار أو حتى بيان، مؤدية بالضرورة إلى الانصياع للموقف الإثيوبي، الذي طالب بعودة القضية إلى ساحة التفاوض القاري الأفريقية، التي كانت مصر ترفضها منذ بداية المفاوضات، ورغم طرح احتمال الانسحاب من المفاوضات، وكشف الممارسات الإثيوبية أمام العالم، ووضعها أمام مسؤولياتها أكثر من مرة بين الخارجية والرئاسة، بحسب مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى، فإن عبد الفتاح السيسي اعترض دائماً على الانسحاب، وأصر على استكمال المفاوضات الفنية والقانونية هذا الشهر، وحضور القمة المصغرة الأخيرة، بل ونجحت إثيوبيا من خلال خطابها المصطنع للاستضعاف والمظلومية أمام مجلس الأمن في ابتزاز مصر وصدها عن التلويح ضمنياً بالحلول العسكرية، وهو الأمر الذي لم يخرج يوماً من حيز التلميح إلى جرأة التصريح.

ومهما حاول نظام السيسي تجميل الموقف المأزوم بإعلان التوافق خلال القمة الأخيرة، على أن يكون الاتفاق النهائي ملزماً قانوناً لجميع الأطراف، فإن الهدف الرئيس من لجوء مصر لمجلس الأمن والمفاوضات الأفريقية لم يتحقق حتى الآن، فقد كان من المنشود أن يتضمن الاتفاق على قواعد الملء الأول قبل أي شيء آخر، وحتى إذا كانت الكمية المطلوبة للملء قد تم تأمينها في وقت قياسي، كما ذكر رئيس الوزراء الإثيوبي، فكيف سيتم التشغيل بناءً على سرعة الملء، وكيف ومتى سيتم فتح أنفاق تدفق المياه؟ وتلك بعض النقاط التي علقت ولم يتم حلها في المفاوضات الفنية الأخيرة، وكانت الوفود الفنية تنتظر حسمها في القمة المصغرة، خصوصاً أن الإثيوبيين كانوا يتشبثون من البداية بإرجاء حسم النقاط العالقة الأساسية إلى ما بعد الملء الأول، وهو ما نجحوا بالفعل في تحقيقه.

أما النقطة الأكثر خطورة التي ذكرت في جميع البيانات عقب القمة، فهي الإشارة للمرة الأولى إلى احتمالية إعادة المحاصصة في مياه النيل، وهو ما كانت تطالب به أديس أبابا منذ وقت مبكر وترفضه القاهرة، فالبيان المصري الصادر عن الرئاسة قال ما نصه “على أن يتم لاحقاً العمل على بلورة اتفاق شامل لكافة أوجه التعاون المشترك بين الدول الثلاث، فيما يخص استخدام مياه النيل”. وتعتبر هذه الإشارة ارتداداً كبيراً عن موقف مصري ثابت ضد الخطة الإثيوبية لإعادة المحاصصة، الأمر الذي تفسره المصادر الفنية والدبلوماسية بالكشف عن أن “إثيوبيا اشترطت للمضي قدماً في المفاوضات للوصول إلى اتفاق كامل بشأن قواعد الملء والتشغيل، أن يتم الاتفاق أيضاً على خطة جديدة للتعاون في الاستخدام المُنصف والعادل لمياه النيل الأزرق، أي بين مصر والسودان وإثيوبيا فقط، والانعكاس المباشر لهذا الأمر هو إلغاء جميع الاتفاقيات السابقة لتقسيم المياه بين دولتي المصب، خصصوصاً اتفاقية عام 1959 التي سيفرغها سد النهضة عملياً من مضمونها.

ومنذ البداية، كانت أديس أبابا تصر على أن يكون أي اتفاق على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة “استرشادياً” طالما استمرت القاهرة والخرطوم في تمسكهما باتفاق المحاصصة الموقع في العام 1959، باعتبار أنه من المستحيل الوفاء بذلك التقسيم المائي في حالة الأخذ بأي مصفوفة من أي طرف تتعلق بتتظيم تدفق المياه من السد. ويتضح من البيانات الصادرة عن القمة، أن إثيوبيا نجحت فعلاً في مساعيها لاقتران اتفاق الملء والتشغيل باتفاق جديد ينظم محاصصة جديدة لمياه النيل الأزرق، وبصورة “عادلة” تتعامل واقعياً مع استفادة مصر من كميات أكبر بكثير من حصتها المنصوص عليها، واستفادة السودان المتوقعة من كميات إضافية أيضاً حال البدء في ملء السد النهضة، وتفعيل مصفوفات التدفق في حالتي الفيضان والشح المائي.

وحتى الآن، تستفيد القاهرة من فوائض الحصص، أو بواقي الفيضان. ورغم أهميتها، فإن إثيوبيا والسودان تبالغان في تقدير كميتها، وتعتبران أن مصر تستفيد منها بشكل كبير، وكانتا تقولان، خلال مفاوضات واشنطن، إن مصر يصل إليها حالياً أكثر من 80 مليار متر مكعب، أي أكثر من الحصة المنصوص عليها في اتفاقية 1959 مع السودان بواقع 30 ملياراً. وتجادل إثيوبيا بأن ملء بحيرة سد النهضة سيخفض الحصة المصرية (الفعلية) إلى رقم يتراوح بين 52 و55 مليار متر مكعب، شاملة بواقي الفيضان، مقابل ارتفاع نصيب الخرطوم (الفعلي) إلى ما يتراوح بين 18 و20 مليار متر مكعب، بدلاً من 8 مليارات كان منصوصاً عليها في اتفاقية 1959. وسبق ورفضت السودان ومصر تلك الحسابات وذلك الاتجاه الإثيوبي، خصوصاً الخرطوم التي صرح مسؤولوها أكثر من مرة، بعد فشل المفاوضات الفنية الأخيرة، بأن الاتفاق المنشود لا يجوز أن يمتد لإعادة المحاصصة. كما أشارت إلى ذلك في خطابها إلى مجلس الأمن في مايو الماضي وخطابات مسؤوليها.

أما مصر فرغم أنها ستكون المتضرر الأكبر من إعادة المحاصصة، وهي أيضاً الهدف الأول من التصعيد الإثيوبي، فقد استخدمت خلال المفاوضات الأخيرة ذلك الطلب كوسيلة لفتح حديث أوسع عن الموارد المائية المتاحة لدى كل بلد، لإثبات أنها الطرف الأضعف في المعادلة والأكثر تضرراً على الدوام، وليس الجانب الإثيوبي الذي يروج على نطاق واسع لرواية مفادها أن مصر هي الطرف الأكثر استفادة من النيل وأنها تحرم أديس أبابا من الاستفادة من مواردها الطبييعة، وترغب في استمرار حرمانها.

 

اشكالات مستقبلية

 

وتبقى الإشكالية الخاصة بإعادة المحاصصة، حيث تبدو  مصر “مصممة” على اشتراط التوصل إلى الاتفاق الملزم ذي الآلية الواضحة لفض المنازعات، قبل التطرق إلى مسألتي المحاصصة والمشروعات المستقبلية، وكانت مصادر فنية بوزارة الري المصرية أكدت مؤخرا، بأن المفاوضات حالياً “مجمّدة”، وأن الرئاسة لم تطلب من الوزارة القيام بأي خطوات جديدة، في انتظار تحديد جدول زمني للمفاوضات الجديدة الشاملة.

 

خاتمة

 

وقبل جميع الاعتبارات الفنية والبيئية والاقتصادية التي تجعل من تشغيل سد النهضة بالصورة التي تم بها الملء الأول خطراً محدقاً على الشعب المصري، فإنه سيكون للسد، حال تشغيله بمعزل عن الإرادة أو حتى المراقبة، تأثير خطير على الموقف الاستراتيجي لمصر، بوضعها تحت رحمة إثيوبيا، وهو ما عبر عنه جميع المراقبين وحتى المسؤولين الحكوميين المصريين مراراً، خصوصاً وأن التقديرات المصرية والسودانية تتفق على أنه لا يمكن قبول الرواية الإثيوبية الدائمة بأن سد النهضة يهدف في الأساس لتوليد الكهرباء وحسب، بل إن ضخامة هذا السد لن تسمح له فقط بالإسهام في تحقيق نهضة غير مسبوقة للزراعة في إثيوبيا على مدار تاريخها، بل أيضاً سيسمح لها بممارسة ضغوط استراتيجية على السودان ومصر سيصعب التعامل معها مستقبلاً، كما أنها قد تكون منفذاً لممارسة قوى أخرى لتلك الضغوط من خلال أديس أبابا، وكذلك الإسهام في تحويلها إلى مركز الثقل السياسي الرئيسي بمنطقة شرق أفريقيا، فضلاً عن زيادة فرض منافستها لمصر على اجتذاب المشاريع التنموية من المستثمرين بمختلف دول العالم، والذين كانوا يفضلون مصر بسبب أفضليتها اللوجيستية والمرافقية قياساً بباقي دول المنطقة، وتدفع مصر ثمن سلسلة من الأخطاء السياسية، وعلى رأسها بطبيعة الحال توقيع السيسي على اتفاق المبادئ في مارس 2015، الذي اعترف أولاً بحق إثيوبيا في بناء السد، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت به من قبل، وأقر ثانياً بحقها السيادي في إدارته، ولم يقرر أي جزاء قانوني دولي عليها حال مخالفة الاتفاقات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل، وبصفة خاصة عامي 1902 و1993.

وتعدّ الصياغة غير المحكمة لاتفاق المبادئ من الأسباب الرئيسية التي أوقعت مصر في هذا المأزق، فعلى الرغم من أحقيتها وفق قواعد القانون الدولي وسوابق المحاكم الدولية في الحصول على إخطار مسبق بأي تصرف على النيل سيؤثر على حصتها من المياه، فإنّ تمسكها قبل أديس أبابا باتفاق المبادئ وحده لا يكفي لإنجاح المفاوضات، ولا يقنع المراقبين بمنطقية مطالباتها بالاتفاق على جميع النقاط المستقبلية العالقة قبل الملء الأول، فيما تطالب إثيوبيا بتأجيل بعض النقاط إلى ما بعده.

كما أنّ الرهان المصري على أميركا أيضاً لا يضمنه شيء، لأنّ الأخيرة من أقل الدول مساعدة لإثيوبيا في مشروع السد وتأثيراً عليها في هذا الإطار، أمّا الدول الأكثر مساعدة لها اليوم واستفادة من السد غداً، مثل الصين وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، فهي ما زالت مقتنعة إلى حدّ كبير بالمصفوفات الإثيوبية التي تزعم عدم إيقاع أي أضرار بمصر في أي مرحلة من مراحل ملء وتشغيل السد، وذلك على النقيض تماماً من المصفوفات والتقارير الفنية المصرية، التي لا تتحدث فقط عن خروج آلاف الأفدنة من الرقعة الزراعية على مراحل، ربما تبدأ في العام بعد المقبل، ولكن أيضاً عن المصروفات الضخمة التي يتحتم على مصر أن تنفقها في المستقبل البعيد لتحسين الظروف البيئية للمياه، وتحسين جودتها وجعلها صالحة للشرب، بالنظر للتوسّع الكبير الذي سيطرأ على استخدامها للأغراض الزراعية والصناعية والتنموية في كل من إثيوبيا والسودان.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …