‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر ترسيم الحدود البحرية مع اليونان.. لماذا يفرط السيسي في سيادة مصر وثرواتها؟
مصر - أغسطس 12, 2020

ترسيم الحدود البحرية مع اليونان.. لماذا يفرط السيسي في سيادة مصر وثرواتها؟

وقعت وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري، مساء الخميس 6 أغسطس 2020م مع نظيره اليوناني “نيكوس دنديناس”، اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، بعد سنوات من التفاوض والإعداد لهذه الخطوة التي من شأنها إثارة مزيد من الأزمات في منطقة شرق البحر المتوسط، بين مصر واليونان وقبرص من جهة وتركيا من جهة أخرى.

الاتفاق المصري اليوناني يأتي بعد أيام قليلة من توقيع أثينا وروما اتفاقاً بشأن الحدود البحرية، والاتفاق على إقامة منطقة اقتصادية حصرية بين البلدين، ويكاد هناك شبه إجماع بين الخبراء والمتخصصين أن الاتفاق الذي عقدته حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي مع اليونان لا يخدم المصالح المصرية، بل واصل السيسي من خلاله التفريط في ثروات مصر وسيادتها على بعض مياهها الإقليمية والاقتصادية لحساب اليونان نكاية في تركيا ومحاولة لحصارها حتى لو على حساب الأمن القومي المصري وإهدار بعض ثروات مصر وحقوقها المائية في منطقة تشهد اكتشافات هائلة من الغاز والنفط، وكان السيسي قد وقع اتفاقا إطاريا مع قبرص واليونان لتعيين الحدود البحرية عام 2014، بغرض الانتقاص من المياه الاقتصادية لتركيا لحساب اليونان، الأمر الذي دفع أنقرة لعدم الاعتراف بها.

الاتفاق الجديد يستهدف “محاولة منع تركيا من التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط”، في وقت لا تعترف فيه أنقرة بالجزر اليونانية، ووُقعت مذكرتي تفاهم في 27 نوفمبر2019م، مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دولياً “فايز السراج” بشأن التعاون الأمني والعسكري، وتحديد مناطق النفوذ البحري بين البلدين، وكان السيسي قد أعاد ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، بما ينتقص من حدود مصر البحرية لصالح الأخيرة، بعد ظهور اكتشافات جديدة للغاز في منطقة المياه الاقتصادية بينهما، فيما ترفض تركيا الاتفاقات التي توصلت إليها حكومة قبرص مع دول أخرى تطل على البحر المتوسط بشأن المناطق البحرية الاقتصادية، ويستمر الخلاف بين قبرص وتركيا منذ سنوات بشأن ملكية وقود أحفوري في شرق البحر المتوسط، إذ تؤكد أنقرة أنه يحق للقبارصة الأتراك الحصول على حصة من الموارد، وهو ما دفعها في وقت سابق إلى إرسال سفينتي حفر وسفينة تنقيب إلى المنطقة.[[1]]

 

رفض تركي

واعتبرت تركيا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين القاهرة وأثينا باطلة، وقالت الخارجية التركية في بيان لها أنه لا توجد حدود بحرية بين اليونان ومصر وأن ما تسمى بـ “اتفاقية ترسيم مناطق الصلاحية البحرية” الموقعة بين مصر واليونان باطلة بالنسبة إلى تركيا وأن المنطقة المزعومة تقع ضمن الجرف القاري التركي الذي تم إبلاغ الأمم المتحدة بها من قبل أنقرة، وأضافت أن مصر تخلت عن 11.500 كم مربع بموجب الاتفاقية الموقعة مع قبرص الرومية في 2003م، وأن مصر تفقد مرة أخرى من صلاحية حدودها البحرية عبر هذه الاتفاقية المزعومة مع اليونان، والتي تمثل محاولة لاغتصاب حقوق ليبيا بحسب البيان التركي، وشددت أنقرة على أنها لن تسمح لأي أنشطة ضمن المنطقة المذكورة، وستواصل الدفاع عن الحقوق المشروعة لتركيا وللقبارصة الأتراك شرقي المتوسط.[[2]]

 

أزمة قانون البحار

ويجري ترسيم الحدود البحرية بين الدول أو تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بكل دولة (EEZ) وفقا لمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، والتي تسمح بـ12 ميلا بحريا كحد أقصى لكل دولة كمياه إقليمية لها،  في حين يمكن أن تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى إجمالي مئتي ميل. وبالتالي يحق للدول صاحبة المناطق الاقتصادية الخالصة بالتنقيب والأنشطة الاستكشافية على النفط والغاز على امتداد 200 ميل طولي من سواحلها، ويفرض عليها في الوقت نفسه توفير سلامة الملاحة البحرية، تنفيذ هذا القانون في إقليم به حوض بحري ضيق تحاصره الاضطرابات والصراعات مثل شرق المتوسط يبقى أمرا معقدا دون التوافق بين الأطراف المشتركة والمتداخلة في الحدود البحرية.

هناك عدة دول لم تنضم لقانون البحار ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وإسرائيل وفنزويلا، ورفضت تركيا الانضمام لهذا القانون لأنه يمنح الجزر حق امتلاك مناطق اقتصادية خالصة بغض النظر عن مساحتها ووضعها الجغرافي، وبالتالي فإن الجزر الملاصقة لتركيا والتي كانت تخضع للسيادة التركية وجرى انتزاعها من تركيا لحساب اليونان في أعقاب هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1919)، هذه الجزر وفقا لقانون البحار سوف يهدر مساحات كبيرة من المناطق الاقتصادية الخالصة أمام السواحل التركية لحساب اليونان التي تمتلك آلاف الجزر، وبمنحها سلطة بحرية واسعة، إلى جانب قبرص، فإن الاتفاقيات الثنائية بينهما ستُحاصر تركيا فعلياً، وتركيا لديها ساحلٌ ممتد، ويؤكد خبراء مستقلون أن تركيا يحق لها تعيين منطقة بحرية أكبر، حسب مجلة National Interest الأمريكية.[[3]]

الجانب الثاني من المشكلة في حوض شرق المتوسط أنه ضيق ويضم سواحل دول متشابكة ومتداخلة لدرجة تجعل المناطق الاقتصادية لهذه الدول تتداخل وهو مايتضح بشكل خاص في الحالة التركية اليونانية، وبالتالي فإن الاتفاق المصري مع اليونان يمثل إقرارا بالعدوان على حقوق تركيا ومحاولة لشرعنة المظالم التي تعرضت لها منذ الحرب العالمية الأولى، بينما يمثل الاتفاق التركي الليبي خدمة للمصالح المصرية ويمنحها مساحات أكبر من تلك التي تمنحها الاتفاقية مع اليونان.

 

أبرز التحفظات والملاحظات

الملاحظة الأولى، أن مصر رفضت ترسيم الحدود البحرية مع اليونان في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حيث جرى ترسيم الحدود البحرية مع قبرص فقط سنة 2003م، ورغم الإلحاح من جانب اليونان إلا أن طلبها قوبل بالرفض من جانب القاهرة أكثرة من مرة؛ لأسباب: الأول يتعلق بفهم مصر لطبيعة الأزمة بين تركيا واليونان، وإدراك القاهرة أن ترسيم حدودها مع أي من الطرفين يجب أن يكون بعد وصول الطرفين التركي واليوناني لتفاهم حول حدودهما البحرية، والثاني أن اليونان كانت تريد ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة وفقا للرؤية اليونانية، وظل الأمر معلقا بسبب إدراك القاهرة أن طريقة ترسيم أثينا للاتفاقية ستكون نتيجتها خسارة مصر جزءاً من المناطق الاقتصادية الخالصة الخاصة بها، وهو ما يعني خسائر احتياطات غاز محتملة في هذه المياه يمكن أن توفر مكاسب اقتصادية هائلة لمصر، بالإضافة إلى مزيد من الأهمية الجيوسياسية في شرق المتوسط.

الملاحظة الثانية، أن نظام السيسي الذي أعلن عن التوقيع على الاتفاقية أحجم عن نشر نصها ومضمونها في أي وسيلة إعلامية حتى كتابة هذه السطور وبعد الإعلان بأسبوع كامل، ما يدلل على أن محتوى الاتفاق يضر بالمصالح المصرية ويكشف عن إصرار مدهش من جانب السيسي على التفريط في سيادة مصر على أراضيها ومياهها الإقليمية، ويبدو أن النظام حريص على التكتم على محتوى الاتفاق لما يتضمنه من كوارث وتنازلات بهدف الكيد والنكاية في تركيا حتى لو على حساب الأمن القومي المصري، وحتى رد خارجية السيسي على البيان التركي جرى حذفه من عدة وسائل إعلام تابعة للنظام بناء على تعليمات من أجهزة سيادية، وحذفت مواقع مصرية حكومية، بينها “بوابة الأهرام”، وأخرى تابعة للمخابرات العامة، بينها (مبتدأ والدستور والوطن)، ردّ الخارجية المصرية بعد وقت قليل من نشره، وهو ما جرى تفسيره على نحو يدعي أن النظام حريص على عدم التصعيد مع تركيا بهذا الشأن.[[4]]

الملاحظة الثالثة، أن هناك وثائق جرى تسريبها ونشرها صادرة عن الخارجية المصرية سنة 2017م تكشف عن رفض الوزارة  للطرح اليوناني لترسيم الحدود؛ لتمسُّكه بمواقف قد تؤدي إلى خسارة مصر مساحات من مياهها الاقتصادية، مع استمرار المفاوضات للتوافق والاستفادة من الموارد، هذه الوثائق تتهم أثينا باللجوء إلى “مغالطات وادعاءات وأساليب ملتوية” في المفاوضات عن تعمُّد “استغلال التوافق السياسي بين البلدين لإحراج فريق التفاوض المصري”.

الملاحظة الرابعة، أن رفض القاهرة للاتفاق التركي الليبي في نوفمبر 2019م استند  إلى مواقف أيديولوجية لا علاقة لها بمصالح مصر، وحتى وزير خارجية السيسي سامح شكري اعترف بأن هذا الاتفاق لا يمس مصالح مصر وحدودها المائية، بل إن اتفاق ترسيم الحدود البحرية التركي الليبي يخدم المصالح المصرية  بشكل مباشر، لسببين: الأول أنه يعيد لمصر 7000 كم من حدودها البحرية التي تنازلت عنها لحساب اليونان، والثاني أنه يعرقل خط غاز (East Med)  الذي تنوي إسرائيل وقبرص واليونان، باهتمام من الاتحاد الأوروبي، إنشاءه في المياه العميقة للبحر المتوسط والذي سينقل الغاز من إسرائيل وقبرص إلى اليونان ومنه إلى أوروبا، ليصبح أحد البدائل التي تسعى إليها أوروبا؛ في محاولة لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي الذي يسيطر على أكثر من ثلث السوق الأوروبية، وإذا دخل هذا الخط حيز التنفيذ فسيعني خسارة مصر دورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط.

الملاحظة الخامسة، أن تركيا رغم خلافها السياسي والأخلاقي والمبدئي مع حكومة السيسي؛ لأنها جاءت بانقلاب عسكري دموي على مسار ديمقرطي، إلا أن أنقرة أبدت تجاوبا بشأن الاتفاق مع القاهرة بشأن ترسيم الحدود البحرية بما يحقق مصالح البلدين على اعتبار أن التوتر القائم طارئ لاعتبارات أيديولوجية طارئة؛ كما أن المصالح المصرية والتركية متقاربة إلى حد كبير، في حين أن مصالح اليونان وقبرص وإسرائيل تتعارض مع المصالح المصرية الجغرافية والاقتصادية، وسبق أن قال نائب الرئيس التركي، ياسين أقطاي، إن “تركيا ومصر لهما مصالح مشتركة في مياه البحر المتوسط الدولية”، مضيفاً: “لذلك، الأفضلُ أن نغضَّ الطرف عن الخلافات بيننا في هذا الموضوع، فنحن عندما نختلف في قضية ليس من الحكمة أن نكون أعداء في كل القضايا، فعلى سبيل المثال نحن نتفق مع روسيا في أمور ونختلف في مواضيع أخرى”.

الملاحظة السادسة، أن ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وفقا للتصورات والخرائط التي طرحتها أثينا ربما يمثل حصارا قانونيا للاتفاق التركي الليبي، لكن ذلك سوف ينعكس على مصر من ناحية استمرار تهديد خط East Med لتموضع مصر كمنصة إقليمية مع خسارة مساحات ليست بالقليلة من المناطق الاقتصادية الخالصة”. ووفقا للباحث السياسي خالد فؤاد في ورقة بحثية له فإن مصر قد تخسر منطقة بحرية بمساحة تقارب 15 ألف كيلومتر مربع، أي إنها تعادل مساحة محافظة الجيزة تقريباً، وتمثل 130 ضعف مساحة جزيرتي تيران وصنافير، ويمكن أن تخسرها مصر إذا ما رسمت حدودها البحرية مع اليونان وفق هوى الأخيرة، وبالتالي ووفقا للطرح اليوناني فإن مصر ستخسر مساحات مائية هائلة في منطقة واعدة بالثروات يتنازع جميع أطرافها للحصول على أي مساحة مائية مهما كانت صغيرة، تمكنهم من التنقيب عن النفط والغاز، واعتبر خطوة السيسي تكرارا لكارثة التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير” لترضية حلفاء النظام على حساب الأمن القومي المصر وسيادة مصر على أراضيها ومياهها الإقليمية والاقتصادية وما تضمه من ثروات هائلة.[[5]]

إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق يورط  الدولة المصرية العربية المسلمة في الخلاف التركي اليوناني المعقد بطبيعته ويؤكد انحياز السيسي باستمرار إلى كل طرف (إسرائيل ــ الهند ــ  الصين ــ اليونان ــ بشار ــ حفتر..) يعادي المبادئ والقيم والتوجهات الإسلامي ومصالح المسلمين، هذا النهج من جانب السيسي بالتوقيع على ترسيم الحدود البحرية مع اليونان دون الأخذ في الإعتبار طبيعة وأبعاد الأزمة بين أنقرة وأثينا من شانه أن يعقد الأزمة ويربك الحسابات ويجعل وصول  الأطراف إلى اتفاق شامل أمرا بعيد المنال.

الملاحظة السابعة، أن الاتفاق مع اليونان يخالف المادة 151 من دستور 2014م، والتي تمنع من عقد الاتفاقيات التي تتعلق بتعيين حدود الدولة دون عرضها على مجلس النواب أولا، وموافقته عليها قبل اعتمادها، وتنص على أن “يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً لأحكام الدستور، ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف، وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، وفي جميع الأحوال، لا يجوز إبرام أي معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة”، وهو ما دأب عليه نظام السيسي خلال السنوات الماضية فقد أبرم اتفاق المبادئ مع أثيوبيا في مارس 2015 دون العودة إلى البرلمان، كما أبرم اتفاقا مع صندوق النقد دون موافقة المجلس، وتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير دون موافقة المجلس إلا بعد مسار قضائي أجبره على ذلك لاستيفاء الشكل القانوني.[[6]]

الملاحظة الثامنة، أن الاتفاق المصري اليوناني جرى بضوء أخضر أمريكي، وبحسب تقارير إعلامية “فقد مورست ضغوط من لوبي يوناني وإسرائيلي من خلال مجموعات تشريعية وأكاديمية من أصول يونانية لتحقيق ذلك”، وتدعم إدارة دونالد ترامب التحركات المناوئة لتركيا فانضمت بصفة مراقب لمنتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم مصر وإسرائيل وقبرص وإيطاليا، بالتوازي مع سعي الدوائر اليهودية وذات الأصول اليونانية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي لسرعة تمرير مشروع القانون المتداول حالياً في الكونغرس، باسم “قانون شراكة الطاقة والأمن في شرق المتوسط”، الذي أعده النواب روبرت مينديز وماركو روبيو وكريس فان هولين وغاري بيترز وكريس كونز، ويحظى بدعم واسع من الدوائر اليهودية وذات الأصول اليونانية بالحزبين الديمقراطي والجمهوري، ويهدف مشروع القانون لإنشاء مركز أميركي للطاقة في المنطقة، ووضع خطة متكاملة لتدشين تعاون استراتيجي مع الثلاثي الرئيسي، اليونان وقبرص وإسرائيل، للدفاع عن مصالحها المشتركة في مواجهة تركيا.[[7]]

 

مستقبل الصراع

يمكن تفسير إصرار نظام السيسي على التفريط في سيادة مصر على حوالي “11.5” ألف كم مربع إلى 27 ألف كم مربع من مياهها الاقتصادية من خلال التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان؛  لحرصه الشديد على حماية نظامه من السقوط في ظل أزمة اقتصادية عنيفة تفاقمت بشدة مع  تفشي جائحة كورونا، وأمام اعتماد النظام على التوسع في الاقتراض وفرض المزيد من الضرائب والرسوم مع عدم قدرة عواصم الخليج الداعمة له على تقديم مساعدات مالية جديدة فإن نظام السيسي يرى في ترسيم الحدود البحرية فرصة لزيادة الاستثمار في قطاع الطاقة الذي يراهن عليه النظام.

من جهة ثانية، لا يعتبر توقيع اتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان مجرد حلقة جديدة في مسلسل التصعيد بين القاهرة وأنقرة، بل يمثل خطوة يصادر بها نظام السيسي مستقبل العلاقات بين البلدين والشعبين لسنوات وربما عقود مقبلة، بإقدامه على إهداء الخصم التاريخي والإقليمي الأول للأتراك مفتاحاً لتعقيد قضية الحدود اليونانية التركية التي لا أفق لحلها في المستقبل القريب، باستمرار النزاع بين البلدين على ملكية بعض الجزر، فضلاً عن ترسيم المناطق البحرية الخاصة بكل منهما.

ووفقاً لبعض المواقع اليونانية التي نشرت الإحداثيات، فإنّ الاتفاق يؤكّد خسارة مصر لمساحة بحرية كبيرة، كما أنّه يُدخل القاهرة في نزاع مباشر مع كل من تركيا وليبيا. بمعنى آخر، الاتفاق زاد على الإشكال التركي ـ اليوناني، والليبي ـ اليوناني بُعداً مصرياً، إذ إنّه نجح في إقحام مصر في صراع مباشر مع الطرفين، كما أنّه خلق مشكلة عربية ـ عربية من خلال السماح بالتعدي على الحقوق الليبية، وفي هذا السياق، فإنّ الاتفاق المصري ـ اليوناني يشتّت الأنظار عن مسألة النيل وإثيوبيا، ويصعّد الوضع مع ليبيا بشكل كبير، ويسدد لجهود الوساطة الألمانية ضربة قوّية.

إزاء ما سبق، سوف يتجه نظام السيسي نحو تعيين الحدود البحرية بين مصر وليبيا واليونان سوياً، من أجل مواجهة شح الموارد، وقد طرحت أجهزة السيسي بالفعل على أثينا ونيقوسيا منذ أشهر خلال اجتماعات استخباراتية رفيعة المستوى مقترح استخدام برلمان شرق ليبيا الموالي لحفتر وتتحكم فيه مصر والإمارات كطرف رسمي لإبرام اتفاقية ثلاثية، بل وضم البرلمان إلى منتدى شرق المتوسط صورياً، لكن المقترح تعطل بسبب التخوف من التصعيد العسكري، وفي 9 أغسطس 2020م، زار عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق القاهرة ؛من أجل بحث ملف ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة ضمن ملفات أخرى تستهدف بالأساس الحد من النفوذ التركي في ليبيا والمنطقة.

الاتفاق بناء على هذه الحيثيات، يدفع باتجاه معادلة صفريّة في شرق البحر المتوسط كما أنّه يهدد بعسكرة الصراع بشكل متزايد وخطير ويبدو ذلك واضحاً من خلال الرد التركي الأولي على هذا التطوّر السلبي، حيث ذكّر الجانب التركي نظام السيسي بأنّ اتفاق القاهرة مع قبرص أدّى إلى خسارة مصر ١١٥٠٠ كلم مربع من حقوقها، وأنّ اتفاقه مع اليونان يضيف خسائر أخرى لهذه الخسائر، لكن الأهم في التعليق التركي هو أنّ أنقرة أكّدت أنّها لن تسمح لأحد بالتعدي على حقوقها وأنّها ستمنع أي نشاطات في المنطقة المذكورة التي تنتهك حقوقها في الجرف القاري وأنّها ستثبت أنّ الاتفاق وكأنه لم يكن بالنسبة إليها على طاولة المفاوضات وفي الميدان على حدٍ سواء.

 

 

 

[1] توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان: تحدٍ جديد لتركيا/العربي الجديد 06 اغسطس 2020

[2] تركيا: ما يسمى “الاتفاقية البحرية” المصرية اليونانية باطلة/ وكالة الأناضول 6 أغسطس 2020

 

[3] رفضه مبارك، والأتراك قدموا له بديلاً أفضل.. فلماذا أصر السيسي على ترسيم الحدود البحرية مع اليونان؟/ عربي بوست 7 أغسطس 2020

 

[4] وسائل إعلام تابعة للمخابرات المصرية تحذف رد الخارجية على تركيا بشأن الحدود البحرية/ العربي الجديد 07 اغسطس 2020

[5] خالد فؤاد/ خسارة 15 ألف كيلومتر من المنطقة الاقتصادية.. هل يكرر النظام المصري كارثة تيران وصنافير؟/ عربي بوست23 يونيو 2020

[6] هل يخالف اتفاق مصر واليونان المادة 151 من الدستور؟/ العربي الجديد 09 اغسطس 2020

[7] الاتفاق المصري اليوناني: ضوء أخضر أميركي لمحاصرة تركيا/ العربي الجديد 08 اغسطس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…