‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان رفع العقوبات الدولية..هل يكون ثمن التطبيع السوداني مع إسرائيل؟
السودان - أغسطس 20, 2020

رفع العقوبات الدولية..هل يكون ثمن التطبيع السوداني مع إسرائيل؟

في تسارع للأحداث، ينم عن جهود حثيثة تدار سرا بالمنطقة العربية، ترددت أنباء وتصريحات عديدة عن أن السودان والبحرين سيكونا المحطة التالية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ودخلت الساحة السودانية، بؤرة الأخداث الملتهبة، شعبيا وسياسيا، إصر تصريحات المتحدث بإسم الخارجية السودانية عن قرب توقيع اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسودان.

وعلى إثر التصريح، جرت إقالته من منصبه، فرد بشكل فاضح للدور العسكري في مسار الإعداد لتطبيع علني،حيث طالبـ، الأربعاء 19 أغسطس، المتحدث بإسم الخارجية السودانية المقال “السفير حيدر بدوي” رئيس المجلس السيادي الحاكم بالسودان عبدالفتاح البرهان، بمصارحة السودانيين بما يدور في الخفاء مع إسرائيل،وقال “بدوي” في رسالة وجهها لـ”البرهان” قبيل إعفاءه من منصبه: “احترموا شعبكم واكشفوا له ما يدور في الخفاء بشأن العلاقة مع إسرائيل”.

وكان “بدوي” كشف  عن سعي بلاده لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا قبل ساعات من إقالته، إن الاتصالات قائمة بين الخرطوم وتل أبيب من أجل تطبيع العلاقات، وأضاف أنه في “حال توقيع اتفاق سلام فإن السودان سيكون أهم بلد تطبّع معه إسرائيل، حتى أهم من مصر.

ووصف “بدوي” لقاء “البرهان” مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، قبل أسابيع، بأنه كان “خطوة جريئة فتحت الباب أمام اتصالات يمكن أن تتم بين الطرفين وأكد أن بلاده تطمح إلى تطبيع قائم على مكاسب للجميع، مشيرا إلى أن قرار السودان ليس تبعا لقرار الإمارات التطبيع مع إسرائيل.

 

ورطة

وتسببت تصريحات الناطق بإسم الخارجية السودانية، في حرج بالغ للحكومة السودانية، ما دفع وزير الخارجية السوداني المكلف “عمر قمر الدين” إلى نفيها، ولاحقا إعفاء “بدوي” من منصبه.

وقال “قمر الدين” في تصريح صحفي، إن الوزارة “تلقت بدهشة تصريحات السفير حيدر بدوي صادق الناطق بإسم الوزارة عن سعي السودان لإقامة علاقات مع إسرائيل، وأوجدت هذه التصريحات وضعا ملتبسا يحتاج لتوضيح.

وشددت الخارجية السودانية على أن “أمر العلاقات مع إسرائيل لم تتم مناقشته في وزارة الخارجية بأي شكل كان، ولم يتم تكليف السفير حيدر بدوي للإدلاء بأي تصريحات بهذا الشأن.

 

ترحيب إسرائيلي

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، رحب بتصريحات المتحدث بإسم الخارجية السودانية، قائلا إنها “تعكس القرار الشجاع الذي اتخذه رئيس مجلس السيادة السوداني، والذي دعا للعمل على تعزيز العلاقات بين البلدين.

والثلاثاء الماضي، رجح رئيس الموساد الإسرائيلي “يوسي كوهين” أن يكون السودان والبحرين أول دولتين تحذوان حذو الإمارات في التطبيع.

 

تنسيق بين سيسي مصر وبرهان السودان

ويكشف الجدل القائم عن مخططات العسكر السودانيين بالتعاون مع قدوتهم بمصر عبد الفتاح السيسي، الذي يقود ومخابراته تسويقا واسع المدى مع الدول العربية والأفريقية لتطبيع شامل مع الكيان الصهيوني، من أجل إقامة نظام إقليمي يضم إسرائيل، ويحاصر من خلاله النفوذ التركي والإيراني والقطري.

وقد زار عباس كامل مدير مخابرات السيسي السودان عدة مرات مؤخرا، للتسويق وترتيب اتفاق سلام شامل على شاكلة الاتفاق مع الإمارات، ووصل التمدد العسكري المصري التطبيعي إلى موريتانيا، التي هنئت بدورها الإمارات بقرار التطبيع مع إسرائيل.

فيما أعربت، الأحد الماضي، السفيرة الإسرائيلية في القاهرة، “أميرة أورون” عن تقديرها لعبدالفتاح السيسي، بسبب دعمه اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، جاء ذلك في تغريدات لها على “تويتر” تعليقا على موقف القاهرة من اتفاق تطبيع العلاقات الإماراتي الإسرائيلي الذي تم برعاية أمريكية، الخميس الماضي، وزعمت “أميرة” أن مصر هي “رائدة عملية السلام منذ عام 1979″، مضيفة أن تل أبيب “على دراية بأهمية هذه الاتفاقية التاريخية وتسعى باتخاذ الخطوات الصادقة نحو تحقيق السلام في الشرق الأوسط”.

ولعل موقف الخارجية السودانية يبدو مفهوما، في ضوء استفراد العسكر بقيادة البرهان، في التحكم في مفاصل الحكم داخليا وخارجيا، بالرغم من اتفاق تقاسم السلطة، وهو ما دفع المتحدث باسم الخارجية لفضح البرهان ونظامه العسكري، الذين يستفردون بملف التطبيع بعيدا عن الخارجية السودانية.

 

مسار ممتد تمهيدا للتطبيع

وبحسب مراقبين للشأن السوداني، يوشك قطار التطبيع بين الخرطوم وإسرائيل على بلوغ محطته الأخيرة بعد ترحيب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتصريحات المنسوبة للخارجية السودانية التي تؤكد وجود اتصالات متبادلة وتتطلع للسلام مع إسرائيل، وتؤكد التصريحات السودانية والإسرائيلية على وجود حوار بين البلدين يجري في الخفاء تمسك بأطرافه شخصيات غير معروفة في الحكومة السودانية بعد وفاة عرابة التطبيع نجوى قدح الدم في مايو الماضي.

واللافت أن ملف التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب ما زالت خيوطه تدار خارج وزارة الخارجية السودانية على الرغم من توصية بإحالة الملف للخارجية إثر أزمة داخلية تسبب فيها لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعنتيبي الأوغندية في فبراير الماضي، بسبب ما اعتبرته الحكومة السودانية عدم إطلاعها المسبق باللقاء.

ويحاط ملف التطبيع بحرج بالغ مع وجود أصوات تسانده جهرا، وطبقا لدبلوماسي في الخارجية السودانية فإن الوزارة خالية حتى الآن من أي إدارة مختصة بإسرائيل، ويقول الدبلوماسي لـ”الجزيرة نت” إن هناك إدارات في وزارة الخارجية مثل الإدارة العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية والأميركتين، دون استحداث أي دائرة تعنى بالتطبيع مع إسرائيل،وظلت نجوى قدح الدم تدير في صمت ملف التطبيع إبان حقبتي البشير والبرهان كسفيرة في القصر الرئاسي، قبل أن تلقى حتفها متأثرة بجائحة كورونا.

كما أن ما نقلته هيئة البث الإسرائيلي عن وزير الاستخبارات الإسرائيلي “إيلى كوهين” بشأن توقيع اتفاقية سلام بين الخرطوم وتل أبيب قبل نهاية العام الجاري يدل على أن الحوار لم ينقطع بوفاة قدح الدم وثمة شخصية سودانية أخرى تمسك بالملف، وكانت الهيئة قد أفادت بأن الاتصالات بين البلدين مستمرة، كما أن بعثات من الطرفين تواصل الاستعدادات على قدم وساق للتوصل إلى هذا الاتفاق.

وايضا جاء عبور أول طائرة إسرائيلية قادمة من الأرجنتين فبراير الماضي، دليل آخر على عملية حوار متصلة ربما تسفر عن اتفاق يقنن لعبور الطيران التجاري الإسرائيلي أجواء السودان، فيما نقلت وسائل إعلام -على صلة وثيقة بصناع القرار في الحكومة الانتقالية- أن ثمة تطورا مهما سيحدث في ملف علاقات السودان وإسرائيل قبل نهاية العام الجاري مصحوبا برفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

ومن المرجح أن يكون رفع العقوبات الأميركية عن السودان في غضون أسابيع بعدها سيكون الطريق ممهدا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولعل عودة ملف التطبيع من مجلس السيادة لوزارة الخارجية مؤخرا، بعد لقاء البرهان ونتنياهو، لتدارس التفاصيل الدقيقة، إلا أن جمودا طرأ على الملف لعدم إقدام تل أبيب على خطوة تقابل قرار البرهان بلقاء نتنياهو، وهو ما يمكن تفسيره بعامل التوقيت الخاص بالانتخابات الإسرائيلية فضلا عن قلة المعلومات التي تحتاجها وزارة الخارجية السودانية للإمساك بالملف الذي بدأ خارج أروقتها.

الرفض الشعبي

ولعل ما يفسر قرار إقالة المتحدث باسم الخارجية السودانية، هو حالة الثورة التي ما زال بعض السودانيين يتشبثون بها، كما تتسع جبهة الرفض للتطبيع مع إسرائيل بين القوى السياسية السودانية، يسارا ويمينا، وأيضا نسبة مقدرة ترفض التطبيع وصوتها أعلى، تتمثل في حزب الأمة القومي والحزب الشيوعي والأحزاب العروبية، والأحزاب الإسلامية بمختلف توجهاتها، ما عدا حزب الوسط الإسلامي بزعامة يوسف الكودة، كما يتصادم قطار التطبيع في السودان، بإن الحكومة الانتقالية ليس لديها تفويض للتطبيع مع إسرائيل لكن يبدو أن الأمر يمضي في الخفاء وما بدا للعلن أظهرته إسرائيل لمكاسب سياسية.

وعلى عكس ذلك، يرى مؤيدون لتطبيع أنه لدى الحكومة الانتقالية تفويضا للتطبيع مع إسرائيل من واقع مسؤوليتها تجاه إعادة تأسيس الأوضاع الشائهة بعودة السودان للمجتمع الدولي ورفع العقوبات وتحسين الاقتصاد.

 

مصالح صهيونية

وكان نتنياهو قال أمام قيادات اليهود الأميركيين في فبراير الماضي، إن الطائرات التجارية الإسرائيلية بدأت تطير في أجواء السودان نتيجة الاجتماع المهم الذي عقده مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، مطلع فبراير 2020، وأضاف “الآن نحن نبحث التطبيع السريع، أول طائرة إسرائيلية مرت أمس في أجواء السودان،هذا الخط الجوي قلص الرحلة من إسرائيل إلى أميركا الجنوبية بنحو ثلاث ساعات.

 

دبلوماسية الطائرات

ويرى خبراء أن سر طلب إسرائيل لأجواء السودان يتمثل في موقع البلاد الجغرافي المناسب لعبور الطائرات الإسرائيلية إلى أميركا اللاتينية، فالموقع الإستراتيجي للسودان يجعله أفضل ممر جوي يربط الممرات الشرقية والغربية لقارات العالم، بما يوفر ساعات طيران ووقودا للطائرات الإسرائيلية، وكانت سلطة الطيران السودانية نفذت عملية لإعادة ترسيم المسار الجوي عام 2018 رفعت الممرات الجوية من 18 إلى 42 ممرا تمكّن الطائرات العابرة من بلوغ وجهاتها بأقل تكلفة وأقصر طرق وأكثرها سلامة.

وتبرز أهمية السودان لشركات الطيران الإسرائيلية من واقع بنية تحتية منتشرة تتمثل في ستة رادارات و14 نقطة اتصال مرتبطة بالأقمار الصناعية، مكنته من احتلال المرتبة الثانية أفريقيًّا في الملاحة الجوية بعد جنوب أفريقيا، أي أن المجال الجوي السوداني مؤهل فنيا، وأن مركزه الملاحي مطلوب من أي دولة لخدمة طائراتها ومخاطبتها صوتيا وإلكترونيا لإرشادها إلى المسارات الجوية.

ويروي الأمين العام السابق لغرفة النقل الجوي في السودان “عمر علي عبد الماجد” في تصريحات إعلامية، كيف حاولت إسرائيل في وقت سابق عبر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) تغيير مسار “الممر الأحمر” المار بالسودان، لكنها فشلت لارتفاع تكلفة الطيران خارجه، ويشير عبد الماجد في حديثه لـ”الجزيرة نت” إلى أنه في حال تطبيع العلاقات فإن إسرائيل التي كانت محرومة من الممر الأحمر ستستفيد، لأن رحلاتها إلى الجنوب الأفريقي كانت تكلفها عشر ساعات إضافية بتحاشيها أجواء السودان.

ويقول إن الطائرات الإسرائيلية كانت تقلع من تل أبيب وتضطر للطيران عبر تشاد أو موريتانيا وصولا إلى كمبالا أو نيروبي أو جوهانسبرغ، لكنها الآن تعبر إلى مصر والسودان ومنه إلى أقصى نقطة في جنوب القارة الأفريقية، ويرى أن هناك فوائد للسودان تتمثل في رسوم العبور التي تحسب بالميل البحري، حيث تحسب ساعة الطيران بنحو 350 دولارا مقابل الخدمات الملاحية. كما أنه في حال تطور العلاقات، سيكون متاحا للطائرات الإسرائيلية إذن الهبوط بشقيه الفني للتزود بالوقود، والتجاري لخدمة نقل الركاب والبضائع، وهو ما يؤكد أن الحكومة عمليا مضت في اتفاقات مع إسرائيل دون النظر إلى المعارضين حتى داخل ائتلاف قوى الحرية والتغيير الحاكم، وهو ما يؤكد أن التطبيع أصبح سياسة مطبقة، وأن الخطوة القادمة ربما تكون ما عرضته إسرائيل من مساعدة السودان في الزراعة والطاقة.

 

تاريخ العلاقات السودانية ـ الإسرائيلية

وبحسب تقديرات استراتيجية، أخرج لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأوغندا 7 فبراير 2020، العلاقات بين البلدين من كواليس اللقاءات السرية إلى الفضاء المفتوح، لينضم السودان لقائمة الدول التي تجري حوارات مع إسرائيل.

وتعود العلاقات السرية بين السودان وإسرائيل، إلى مطلع ثمانينات القرن المنصرم، عندما تمت لقاءات سرية بين الرئيس السوداني الأسبق، جعفر محمد نميري، ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون، عبر وسيط عربي، مهدت لاحقا لصفقة ترحيل اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى تل أبيب.

وبعد أن كشفت الصحافة العالمية اللقاء، طلب الرئيس نميري من إسرائيل وأميركا إيقاف العملية، وعدم كشف دوره في تهريب اليهود الفلاشا، غير أن الولايات المتحدة الأميركية عادت في عام 1985 ومارست ضغوطا كثيفة على النميري، خلال زيارة قام بها نائب الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش، إلى الخرطوم، لاستئناف عمليات ترحيل الفلاشا التي عرفت باسم عملية (سبأ) الشهيرة، ورضخ الرئيس نميري للضغوط الأميركية، بيد أنه اشترط أن يتم نقل الفلاشا إلى دول أوروبية ومنها إلى إسرائيل.

وذكر شارون في مذكراته، أن اللقاء الأول، مع الرئيس جعفر نميري، تم في مراسم تشييع، الرئيس المصري، محمد أنور السادات، بالقاهرة، ضمن الوفد الإسرائيلي لتقديم العزاء، ويقول شارون: “اجتمعت بالنميري في لقاء ثان، في عام 1982 للتباحث معه في قضايا استراتيجية تخص القارة الأفريقية، تم ترتيب اللقاء عبر ضابط سابق بالمخابرات الإسرائيلية يعقوب نمرود، ورجل أعمال عربي”، ويضيف شارون: “بحثت مع النميري في ذلك اللقاء موضوع آخر يهم السودان وإسرائيل بدرجة وثيقة، في إشارة منه إلى ترحيل اليهود الفلاشا (الإثيوبيين) إلى إسرائيل، وانقطعت الاتصالات السرية بين إسرائيل والسودان، بعد سقوط نظام الرئيس جعفر نميري بثورة شعبية في عام 1985″، وجرت محاكمات لمسؤولين سودانيين في الأجهزة الأمنية والنظام لمشاركتهم في ترحيل الفلاشا.

من جهته، نصب نظام الرئيس المعزول، عمر البشير، منذ مجيئه بانقلاب عسكري في عام 1989، العداء الظاهر لإسرائيل، لتوجهاته الآيديولوجية الإسلامية، وانخرط في معسكر الدول المعادية للوجود الإسرائيلي في المنطقة، وظل ملف تطبيع العلاقات مع إسرائيل حاضرا خلال المفاوضات الماراثونية التي جرت بين نظام الرئيس المعزول، والمخابرات الأميركية (CIA) في ملف مكافحة الإرهاب، بعد أحداث11 سبتمبر 2001.

 

ورقة العقوبات الدولية

وتفيد معلومات موثوقة بأن من بين الشروط التي ظلت تضعها الولايات المتحدة الأميركية على طاولة التفاوض مع الجانب السوداني، لرفع اسمه من قائمة الإرهاب وإنهاء العقوبات الاقتصادية، اتخاذ موقف إيجابي من إسرائيل، الذي لم يقابل بالرفض من المفاوضين السودانيين.

وإزاء الضغوط الأميركية المكثفة على النظام المعزول، وتزايد العزلة الدولية عليه، استجاب بقطع علاقاته مع إيران ووقف دعم حركة حماس، وهو موقف يصب في مصلحة إسرائيل، ويرى مراقبون أن النظام المعزول أرسل خلال السنوات الماضية، إشارات إيجابية تجاه إسرائيل، عبّر عنها وزير الخارجية الأسبق، إبراهيم غندور، الذي لم يستبعد مناقشة تطبيع العلاقات مع إسرائيل خلال الحوار مع الولايات المتحدة بشأن رفع العقوبات.

كما سرب موقع “ويكيليكس” حديثا لمستشار الرئيس المعزول، مصطفى عثمان إسماعيل، أنه دفع باقتراح للولايات المتحدة، أن “تتضمن عودة العلاقات مع واشنطن تطبيع العلاقات مع تل أبيب”، وأثير موضوع تطبيع العلاقات مع إسرائيل بكثافة، خلال مجريات الحوار الوطني، بين حزب النظام المعزول، وبعض الأحزاب السياسية، في عام 2015، وجرى التداول حوله في أجواء مفتوحة لأول مرة في السودان، وصرح مبارك الفاضل المهدي، وزير الاستثمار، في التشكيل الوزاري الأخير لحكومة البشير قبل سقوطها، علناً، بدعمه لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والسودان، وقال:”السودانيون لا يعتقدون أن هناك مشكلة في العلاقات مع إسرائيل“.

 

رفع العقوبات أولا أم التطبيع؟

وعانى السودان اقتصاديًا لأسباب متعددة منها العقوبات الأمريكية التي منعت عليه الإقتراض الدولي وصعبت على المستثمرين التوجه إليها (رُفعت العقوبات في نهاية 2017)، فهي واحدة من أفقر 20 دولة في العالم، ورغم كل الأموال العربية التي دُست في الخزائن السودانية، إلّا أن واقع الحال لم يتغير كثيرًا، لذلك قد يكون التطبيع مفتاحًا.

بيدَ أن إسرائيل تملك ورقة ضغط أخرى، فالجالية اليهودية من أصول سودانية داخل إسرائيل قد تلعب دوراً في هذا الصدد، وهي التي هاجرت هناك بشكل قوي منذ حرب 1967، وخصوصًا في عهد جعفر النميري الذي فرض الشريعة الإسلامية، ويعدّ هذا الموضوع من أكثر المواضيع حساسية في السودان، خاصة عندما دعا وزير الأوقاف نصر الدين مفرح في سبتمبر 2019 الجالية اليهودية السودانية في إسرائيل إلى العودة، في وقت لا تخفي فيه هذه الأخيرة أنها تهتم للتطورات في بلدها الأصلي، كما فعلت خلال وقفات نظمتها في تل أبيب دعماً للمتظاهرين في السودان.

 

أفاق التطبيع

ولعل ما يرسم مستقبل التطبيع السوداني الاسرائيلي، عدة عوامل ، في مقدمتها موقف السودان الدولي، ووضعها على قوائم الارهاب، وهو ما سيستغله عسكريون السودان للترويج لتطبيع العلاقات، بجانب الأزمة المالية الطاحنة بالبلاد، بعد أن أدارت الدول الداعمة للعسكر؛ الإمارات والسعودية، عن الاستمرار في تمويل السودان في المرحلة المقبلة، وهو ما يفتح شهية النظام العسكري للولوغ في أتون التطبيع ، كطريق لتنمية اقتصادية وعدت بها إسرائيل في مجالات الطاقة والزراعة والمياة، إضافة لدور النظام المصري الحاكم، والذي يدير دورا كبيرا للتسويق للتطبيع مع إسرائيل كطريق أمن للاستقرار الأمني والاقتصادي.

كما أن انحسار الدور التركي والقطري في السودان، بعد توغل الإمارات في تاجير الموانئ السودانية لشركة دبي للموانئ، يلعب دورا سلبيا في ضعضعة مواقف القوى الرافضة للتطبيع مع إسرائيل، وأخيرا الإختراق الذي نجحت فيه إسرائيل داخل القارة الإفريقية وتقويتها لعلاقاتها مع عدة دول هناك، ومن ذلك تطلعها لأن تفتتح أوغندا سفارة لها في القدس.

ويبقى السودان ذا أهمية استراتيجية بالغة لإسرائيل، فهو تقع في منطقة لها علاقات مع الأخيرة، سواء جارته الشمالية مصر، أو دول أخرى جارة في الجنوب كجنوب السودان وأوغندا وإريتريا، ومن شأن إدخال السودان إلى “مجموعة الشركاء” أن يعطي لإسرائيل دفعة قوية في توسيع حضورها الخارجي، فضلاً عن منافع اقتصادية كبيرة، منها مزاحمة قوى إقليمية، كتركيا والسعودية، تتسابق لكسب النفوذ في السودان، كما أن رحيل عمر البشير عن الحكم، فتح المجال أمام السودان لإعادة النظر في ثوابت علاقاته الخارجية.

وحسب أوجيني كونتوروفيش، أستاذ القانون الدولي في جامعة جورج ماسون الأمريكية، فإن السودان تحوّل من “مكان انطلق العرب منه لرفض إسرائيل، إلى مكان ينطلقون منه للرّد على الرفض”، في إحالة منه إلى تهديدات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع كل العلاقات مع إسرائيل.

ويمضي كونتوروفيش في الحديث لـ”DW إنجليزي قائلا إن الموقف السوداني ذو أهمية خاصة لأنه يأتي بعد تقديم واشنطن لرؤيتها الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط، وأن كل التوقعات برد فعل عربي قوي ضد الإدارة الأمريكية بعد إعلان الصفقة لم تتحقق، بل “صرنا نرى دولا عربية لا تريد أن تكون رهينة عدمية السلطة الفلسطينية” حسب قوله، غير أن ما يقف في وجه إسرائيل هو الرفض الشعبي القوي داخل السودان لأي تطبيع في العلاقات.

وفي هذا الإطار يقول الطيب العباس، الأمين العام لنقابة المحامين السودانيين، والقيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير، إن أيّ اتفاق بين نتنياهو والبرهان، سواء أكان مخططا له أو وقع بشكل عرضي، “مرفوض تمامًا بالنسبة للشعب السوداني المتمسك بالقضية الفلسطينية.

ويضيف العباس في حديث هاتفي لـDW  عربية أن الوثيقة الدستورية لا تمنح الحق لمجلس السيادة في توقيع مثل هذه الاتفاقيات، وإذا ما تأكد التوقيع فعلا، فـ”سيشهد السودان ثورة عارمة ضد البرهان”، ويتهم القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير إسرائيل بأنها “ساهمت في عدم استقرار البلاد، خاصة تدخلها في مناطق الحروب، ودورها الكبير في انفصال جنوب السودان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إقليم دارفور بعد اتفاق جوبا … التحديات الحقيقية في مواجهة الاتفاق

  في الوقت الذي يراقب فيه السودانيون تطور الأوضاع بعد البشير، تدهورت الحالة الأمنية و…