‫الرئيسية‬ إفريقيا الأزمة السياسية في مالي
إفريقيا - أغسطس 25, 2020

الأزمة السياسية في مالي

مالي هي أحد دول الساحل الإفريقي، نظام الحكم فيها ديمقراطي جمهوري، وقد عانت منذ استقلالها من الأزمات السياسية؛ نتيجة للانقلابات العسكرية المتتالية، والتدخل السافر لفرنسا في شؤونها الداخلية؛ نظرًا لموقع مالي المتميز في الساحل الإفريقي، وقربها من المغرب العربي، وما تمتلكه من ثروات اقتصادية كبيرة.

 

جذور الأزمة

شهدت مالي انتقال زمام الحكم بين خمسة رؤساء منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1960، وهم على الترتيب: موديبو كايتا ما بين 22 سبتمبر1960 و19 نوفمبر 1968، الذي أُطيح به بانقلاب عسكري من قبل الملازم موسى تراوري، والذي تولى الحكم من 19 نوفمبر 1968 وحتى 26 مارس 1991، وأُطيح به بانقلاب عسكري من طرف الكولونيل أمادو توماني توري، الذي تولى رئاسة الهيئة الانتقالية بتاريخ 26 مارس1991 حتى 8 يونيو 1992، ونظم انتخابات رئاسية ديمقراطية فاز فيها المعارض ألفا عمر كوناري، وأُعيد انتخابه لفترة ثانية في مايو 1997 وحتى 8 يونيو 2002، وانتُخب لعهدتين متتاليتين، حسب ما يسمح به الدستور؛ حيث عمل على محاربة الفساد، وتحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي، وأصبح وسيطًا بارزًا في النزاعات الإفريقية، ليأتي بعده أمادو توماني توري من 8 يونيو 2002، وأُعيد انتخابه سنة 2007، وأُطيح به بانقلاب عسكري بقيادة الكابتن أمادو سانوغو في 22 مارس 2012، وقاد الحكومة الانتقالية بعدها من أبريل 2012 ديانكوندا تراوري، رئيس البرلمان السابق وأحد المقربين من الرئيس السابق أمادو تومانيتوري، حتى أتى إبراهيم أبو بكر كيتا بعد الانتخابات التي عُقدت في 5 سبتمبر 2013[1].

وهكذا يتبين من الانقلابات المتتالية في تاريخ مالي مدى عمق الأزمة السياسية التي تعيشها تلك الدولة منذ الاستقلال، التي تفاقمت في السنوات الأخيرة؛ نتيجة لحدثين رئيسين وقعا في نهاية مارس وبداية أبريل 2012، أدخلا البلاد ومنطقة الساحل الإفريقي في أزمة كبيرة: أولهما: الانقلاب العسكري على حكومة الرئيس أمادو توماني توري وتعليق المؤسسات الدستورية في البلاد، الذي لم تعترف به أية دولة  في العالم، وثانيهما: سيطرة قوات حركة تحرير الأزواد -مع ثلاث حركات جهادية أخرى (هي القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الدين، وحركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا)- على شمال البلاد، وبعد ذلك أعلنت حركة الأزواد عن وقف العمليات، ومن ثمَّ إعلان استقلال تلك المنطقة؛ لأنها منطقة شعب الأزواد كما تقول، وقد رفضت القوى الدولية الاعتراف بهذا الاستقلال، ويرتبط الحدث الأول بالثاني في الأسباب، والمسارات المحتملة لموازين القوى داخل البلاد، وفي الجوار الإقليمي؛ فالعسكريون انقلبوا –على حد قولهم- احتجاجًا على خذلان القيادة السياسية والعسكرية لهم في قتالهم لقوات حركة تحرير الأزواد؛ حيث لم توفر لهم السلاح والدعم الكافيين، وعجزت عن قيادة العمليات العسكرية، إلا أن الانقلاب أحدث نتيجة عكسية للهدف الذي أعلنه منفذوه، حيث قضى على القيادة السياسية الشرعية، وأحدث شرخًا في الجيش المالي بين مؤيد للانقلاب ومعارض له، ووجَّه مجهود الانقلابيين إلى تأمين سلطتهم الجديدة؛ مما أضعف القوات المالية المقاتلة في الشمال، فانتهزت حركة الأزواد الفرصة، وسيطرت على كل شمال مالي في مدة 3 أيام، دون قتال تقريبًا، وهو الأمر الذي وجدت فيه فرنسا حجة للتدخل في مالي؛ بحجة وقف تقدمهم للجنوب، وحماية العاصمة باماكو[2].

 

الحراك الأخير في مالي

في الفترة الأخيرة تم تأسيس حراك 5 يونيو، المُطالب بإسقاط الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وبدأ الحراك بشكل عملي يوم الجمعة 5 يونيو الماضي، وتوالت حلقاته خلال الأسابيع التالية، وذلك مع مظاهرات مساء كل جمعة، غير أن التوتر بين الأطراف وتوجه المعارضة إلى الاحتكام للشارع بدأ منذ عدة أشهر، وذلك على خلفية ما يعتبره المتظاهرون فشلاً للسلطة في مواجهة التحديات الأمنية التي تعيشها البلاد، وحالة الركود الاقتصادي التي استفحلت بعد أزمة كورونا، هذا فضلًا عن الظروف التي أُجريت فيها الانتخابات التشريعية، حيث زاد الاستياء الشعبي؛ بسبب قرار المحكمة الدستورية إبطال حوالي 30 نتيجة، بالإضافة إلى تهم التزوير التقليدية. ويحدد الحراك مطالب متعددة، على رأسها استقالة الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وحل المحكمة الدستورية، ومحاربة الفساد، ومحاكمة المتورطين في القتل وأعمال العنف ضد المواطنين، بالإضافة إلى إلغاء الانتخابات التشريعية الأخيرة المزورة وفق رأي المعارضة، ومن ضمن مطالب المعارضة أيضًا تفكيك سيطرة أسرة ومقربي الرئيس على مفاصل الحكم ومنافذ السياسة والمال[3].

ويُشكل حراك 5 يونيو أبرز تجمع معارض في تاريخ مالي؛ وذلك لضمه أجنحة متنوعة دينيًّا وعرقيًّا وسياسيًّا تحت رايته، كما تمكن من حشد أكبر التظاهرات في البلاد، ويرجع ذلك إلى شخصية الإمام محمود ديكو الذي يقود الحراك، والمُلقب بإمام الشعب، ويُعد أكثر شخصية دينية مؤثرة في السنوات العشر الأخيرة بالبلاد؛ حيث ترأس خلالها المجلس الإسلامي الأعلى، وينتمي ديكو جغرافيًّا إلى إقليم أزواد، إلا أنه يؤيد وحدة مالي، وسبق للسلطات أن اختارته مفاوضًا مع بعض التنظيمات المسلحة[4].

 

موقف الجيش من الحراك

أعلنت قيادة الجيش قبل أسابيع في بيان صادر عنها التزامها بالحياد بين أطراف النزاع، واحترامها للشرعية الدستورية التي يمثلها رئيس الجمهورية، وتقف أمام تدخل الجيش عدة عوائق، أبرزها وقوف المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بوضوح وقوة ضد الانقلابات العسكرية، التي طالما عانت منها دولها، حيث سبق للمجتمع الدولي أن أرغم الجيش على تسليم السلطة للمدنيين عقب الانقلاب العسكري الذي وقع في 2012، لكن تدخل الجيش -رغم كل ذلك- غير مُستبعد إذا توترت الأوضاع، وخرج الصراع السياسي عن السيطرة[5].

 

موقف فرنسا من الحراك

في ظل هذا الوضع للنظام السياسي المالي، ووفقًا للعلاقات المتميزة لفرنسا مع الأنظمة الحاكمة في مالي الموالية لها، تترسخ عقيدة سياسية وأمنية، لدى صناع ومتخذي القرارات والسياسات في الحكومة الفرنسية، بأهمية الحفاظ على تلك الأنظمة الموالية لها، ومن ثمَّ فإن أية تغييرات يمكن أن تطرأ على الواقع السياسي لدولة مالي، ويتعارض مع أهدافها ومصالحها، يحتم عليها التحرك والتدخل السريع والعاجل لاستعادة الأوضاع، والحيلولة دون حدوث تغييرات سياسية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على منظومة المصالح الفرنسية[6]، وما من شك أن تزعم القوى الدينية السلفية والصوفية، وحضور البعد الديني في الخطابات السياسية لمناوئي الرئيس، إضافة إلى بروز قوى مناوئة للدور الفرنسي في مالي ضمن المطالبين بإسقاط كيتا، سيجعل فرنسا متوجسة من هذا الحراك، وحريصة على صناعة مخرج سياسي يضمن لها الحفاظ على المصالح، إن لم يكن تعزيز السيطرة[7].

 

موقف الرئيس إبراهيم كيتا من مطالب المتظاهرين

يراوح الرئيس كيتا -الذي انتخب لفترة رئاسية ثانية في عام 2018- في موقفه بين الصرامة في الرفض لخيار التنحي، والمرونة في الاستجابة المتدرجة لمطالب المتظاهرين، وألقى الرئيس كيتا عدة خطابات، تضمنت رؤيته وموقفه، وأعلن خلالها بعض القرارات المستجيبة لجزء من مطالب المحتجين، ففي 12 يونيو الماضي جدد ثقته في رئيس الوزراء بوبو سيسيه، وكلفه بتشكيل حكومة جديدة، وفتح الباب أمام حكومة وحدة وطنية في 16 يونيو، وفي 7 يوليو، لوّح بالاستجابة لتحفظات المتظاهرين فيما يتعلق بعدد من المرشحين للبرلمان أعلن فوزهم في البداية، ثم ألغت المحكمة الدستورية النتيجة، وفي اليوم التالي أعطى الضوء الأخضر لمراجعة قرار المحكمة الدستورية بشأن الانتخابات التشريعية، وبعد مظاهرات 10 يوليو -التي وصفت بأنها أسوأ يوم من الاضطرابات المدنية تشهده باماكو منذ سنوات-  بادر الرئيس كيتا -في محاولة منه لنزع فتيل التوتر- إلى الإعلان عن حل المحكمة الدستورية التي شكلت قراراتها أحد عناوين الأزمة، وكرر كيتا أكثر من مرة أنه راغب في الحوار وتهدئة الأوضاع؛ لكنه أيضًا مَعنِيّ بضمان أمن الممتلكات والمواطنين والمؤسسات، دون أي وهن[8].

 

موقف الإيكواس من الأزمة في مالي

أرسلت المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) وفدًا إلى مالي، ترأسه رئيس نيحيريا السابق جودلاك جوناثان وعدد من قادة دول غرب ووسط إفريقيا؛ وذلك لمحاولة المساعدة في إنهاء الأزمة، واقترح الوفد أربعة مقترحات رئيسة للخروج من الأزمة السياسية في مالي، وذلك بعدما التقى وفد وساطتها مختلف الأطراف السياسية في البلاد. وتضمنت مقترحات الوفد: بقاء الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا في منصبه، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، يعين الرئيس نصف أعضائها، تتولى التحقيق في عمليات القتل المختلفة خلال المظاهرات، وتشكيل محكمة دستورية جديدة بستة أعضاء فقط، ثلاثة يتم تعيينهم من قِبل السلطة القضائية، وثلاثة يختارهم الرئيس من سبعة يتم ترشيحهم من القوى الشعبية في مالي، وتتولى هذه المحكمة تسوية النزاعات الانتخابية التي أعلنتها وزارة الإدارة الإقليمية واللامركزية في حال وجود مشاكل، هذا وتسعى دول الإيكواس للحفاظ على النظام القائم لسببين؛ أولهما خشية دولها من انتقال عدوى الحراك المالي إليها وعدم قدرتها على السيطرة آنذاك، وثانيهما هو الحول دون تدخل الجيش وقيامه بانقلاب عسكري جديد وهو الأمر الذي لطالما عانت منه تلك الدول من قبل.

 

وهكذا مع تصاعد نبرة الصراع السياسي في مالي تتفاقم أيضًا الأزمة الأمنية التي أخذت عدة أبعاد اجتماعية، وأضافت عوامل تفكيك جديدة في البنية الهشة للمجتمع المالي المتعدد الألسن والأعراق، وليس من المستبعد أن يؤدي الحراك السياسي في مالي إلى بروز تشكيلة سياسية جديدة، تضمن مستوى من الخروج الآمن للرئيس كيتا، وتحقق بعض مطالب المعارضة، هذا إذا لم تخرج الأمور عن السيطرة، وعندها ستكون باماكو -كعادتها- على موعد مع انقلاب جديد.

[1] عبير شليغم، “التدخل الفرنسي في مالي: البعد النيوكولونيالي تجاه إفريقيا”، المركز العربي للبحوث والدراسات، 15/2/2015.     https://2u.pw/2fwe6
[2] “أزمة مالي: متاهة الانقلاب والانفصال”، مركز الجزيرة للدراسات، 8/4/2012. https://2u.pw/qtdFL
[3] أمين حبلا، “يقوده إمام ويتصدره مناهضون لفرنسا .. 10 أسئلة تشرح لك ما يجري في مالي”، الجزيرة نت، 15/7/2020..   https://2u.pw/lXFDY
[4] “احتجاجات مالي: عاصفة تهدّد الساحل الإفريقي”، العربي الجديد، 13/7/2020. https://2u.pw/s8pt4
[5] أمين حبلا، مرجع سبق ذكره.
[6] محمد سالم، “ترويض الساحل الإفريقي .. كيف خلقت فرنسا حربًا للسيطرة على الثروات والحكومات؟”، الجزيرة نت، 12/3/2020https://2u.pw/PwjlN
[7] أمين حبلا، مرجع سبق ذكره.
[8] المرجع السابق نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إقليم دارفور بعد اتفاق جوبا … التحديات الحقيقية في مواجهة الاتفاق

  في الوقت الذي يراقب فيه السودانيون تطور الأوضاع بعد البشير، تدهورت الحالة الأمنية و…