‫الرئيسية‬ إفريقيا إعلان السراج وصالح وقف إطلاق النار في ليبيا الدوافع والمآلات
إفريقيا - ليبيا - سبتمبر 1, 2020

إعلان السراج وصالح وقف إطلاق النار في ليبيا الدوافع والمآلات

أصدر كل من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج، ورئيس مجلس نواب طبرق، عقيلة صالح، بيانين منفصلين، في 21 أغسطس 2020، اتفقا فيهما على الوقف الفوري لإطلاق النار (أي إيقاف القتال بين قوات الطرفين عند خط سرت – الجفرة)، واستئناف إنتاج وتصدير النفط، وأن تكون سرت منطقة منزوعة السلاح، وإجراء إنتخابات لإنهاء المرحلة الانتقالية[1].

أولًا: الطريق نحو اتفاق وقف إطلاق النار:

قبل الاتفاق الأخير بين السراج وصالح على وقف إطلاق النار، جرت عدة أحداث متتالية ومترابطة، ربما تشرح لنا ماذا جرى في الكواليس، وتعطي الصورة كاملة لترتيبات الإعلان الأخير بوقف إطلاق النار، تتمثل في:

– المباحثات الأمريكية لتحويل منطقة (سرت و الجفرة) إلى منطقة منزوعة السلاح، وهو ما ظهر في اللقاءات الأخيرة التي قام بها السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند. فقد اجتمع نورلاند مع مسؤولين أتراك في أنقرة، في 12 أغسطس 2020؛ لبحث إمكانية تحقيق حل منزوع السلاح في وسط ليبيا، في إشارة إلى مدينتي سرت والجفرة، وكذلك تمكين المؤسسة الوطنية للنفط من استئناف عملها[2].

كما أشارت السفارة الأمريكية في ليبيا، في بيان لها، إلى اتصالات أجراها نورلاند، 7 و8 أغسطس 2020، برئيس المجلس الرئاسي فايز السراج؛ للحصول على إحاطة حول الجهود الرامية للتوصل إلى صيغة نهائية لحل ليبي، من شأنه تعزيز وقف دائم لإطلاق النار، وزيادة الشفافية في المؤسسات الاقتصادية والقطاع النفطي، ودفع العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة. كما أشار البيان إلى تشاور نورلاند أيضًا عبر الهاتف، مع وزير الداخلية بحكومة الوفاق، فتحي باشاغا، حول الجهود المبذولة لبناء الثقة بين الأطراف؛ للدفع لحل شامل في سرت والجفرة. وتعهدت السفارة الأمريكية بأنها ستظل منخرطة بنشاط مع جميع الأطراف الليبية الرافضة للتدخل الأجنبي، والسعي لجمع حكومة الوفاق ومجلس النواب لحوار سلمي[3].

وفي السياق ذاته، فقد التقى رئيس مجلس نواب طبرق، عقيلة صالح في القاهرة بالسفير الأمريكي بالقاهرة جوناثان كوهين، وعقد مباحثات عبر خاصية الفيديو كونفرانس، مع وفد أمريكي برئاسة مدير مجلس الأمن القومي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميغيل كوريا، والسفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند؛ للدفع باتجاه اتخاذ خطوات عاجلة لتنفيذ مقترح أمريكي بشأن الوضع في ليبيا. وعقب هذه اللقاءات، أعلن صالح عن مقترح جديد بشأن الأزمة الليبية، يقضي بأن تكون مدينة سرت مقرًّا لسلطة موحدة تدير الوضع في ليبيا، إلى حين إجراء الاستحقاقات الانتخابية، ومؤكدًا على أن هناك اهتمامًا أمريكيًّا لوقف إطلاق النار في ليبيا[4].

– زيارة وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس الأخيرة لطرابلس، وتأكيده -خلال مؤتمر صحفي في طرابلس، في 17 أغسطس 2020- أنه ناقش مع رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج والمفوض بوزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا، مقترحًا بشأن «إنشاء منطقة منزوعة السلاح حول سرت»، مشيرًا إلى أنه يدعم هذا المقترح. وهو المقترح التي أعربت تركيا على لسان الناطق باسم رئاستها، إبراهيم قالن، بقبولها لهذه الدعوة الألمانية بنزع السلاح في سرت والجفرة[5]. كما سعى ماس إلى إقناع الإمارات بقبول هذا الاقتراح أثناء الزيارة التي قام بها إلى (أبو ظبي) في 19 أغسطس 2020؛ من أجل ممارسة نوع من الضغط على حليفها حفتر؛ للقبول بهذا الاقتراح.

– الاتصالات الدبلوماسية التركية مع كل من واشنطن وموسكو، التي كان آخرها لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مع نظيره التركي مولود جاووش أوغلو، في 16 أغسطس 2020؛ بحثا خلاله “التطورات في ليبيا”. وهو اللقاء الذي جاء بالتزامن مع الاتصال الهاتفي بين كل من الرئيس فلاديمير بوتين، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 17 أغسطس 2020؛ لبحث آخر المستجدات في ليبيا.

وفي هذا السياق، فقد ذكرت شبكة الجزيرة القطرية -استنادًا إلى “مصدر في الرئاسة التركية”- أن تركيا توصلت إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بخصوص وضع مدينتي “سرت” و”الجفرة” في ليبيا، تحت سيطرة الحكومة الشرعية. ونقلت عن المصدر الرئاسي أن هناك تفاهمًا بين واشنطن وأنقرة على أن تكون المنطقتان تحت سيطرة حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا، ولفت المصدر إلى تفاهم روسي تركي بخصوص تسليم سرت للوفاق، مع تأجيل تسليم الجفرة[6].

– زيارة كل من وزير الدفاع القطري خالد بن محمد العطية والتركي خلوصي آكار لطرابلس، في 17 أغسطس 2020، ولقائهما رئيسَ حكومة الوفاق فايز السراج. وربما كان من أهداف تلك الزيارات السيطرة على مواقف بعض المجموعات والكتائب المسلحة، التابعة لحكومة الوفاق، التي يمكن أن ترفض قرار وقف إطلاق النار، وإقناعها بضرورة الانصياع لقرار رئيس المجلس الرئاسي[7].

– زيارة مدير جهاز الاستخبارات الحربية المصري اللواء خالد مجاور، في 19 أغسطس، لمقر حفتر في الرجمة، وقيل: إن مجاورًا سلم حفتر رسالة وصفت بـ “المهمة”، يقال: إنها تحمل أوامر بالتهدئة، وفتح موانئ النفط؛ كي يتم إعلان طرابلس وقف هجومها على سرت، ووقف إطلاق النار .. وبعدها بساعات أعلن حفتر فتح موانئ تصدير النفط[8].

– إعلان رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، في 19 أغسطس 2020، استعداده للقاء مشروط برئيس نواب طبرق عقيلة صالح بالمغرب، فقد اشترط إجراء اللقاء بشكل علني، وبحضور الجانب المغربي، وبوجود ضمانات دولية، مشددًا على ضرورة الحل السياسي للأزمة في البلاد. من جانبه، قال المستشار الإعلامي لعقيلة صالح، حميد الصافي، إن صالح “وافق على لقاء المشري”، دون أن يفصح عن المزيد من التفاصيل[9].

 

ثانيًا: دوافع الموافقة على وقف إطلاق النار:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من العوامل التي دفعت الأطراف المحلية والإقليمية والدولية للموافقة على وقف إطلاق النار، منها:

محليًّا:

1- صعوبة دخول قوات حكومة طرابلس إلى سرت؛ حيث ترتكز هذه القوات إلى كتلتين سكانيتين في مصراته وطرابلس، تستمدان منهما الدعم الشعبي، وينتمي لهما معظم قادتها العسكريين، وهو الأمر غير المتوفر لها في سرت. بل إن الذاكرة التاريخية تكشف وجود حالة عداء بين سرت ومصراتة، بدأت عندما أسست مصراتة جمهوريتها الخاصة، ودخل زعماؤها من آل السويحلي في نزاعات مع نظرائهم في سرت، عادت حالة العداء تلك مجددًا للظهور مع الثورة الليبية، حيث انحازت مصراتة بشدة لمعارضي القذافي، بينما انحازت سرت لجانب القذافي, ووقعت معارك بين المدينتين استمرت لشهور بعد القذافي. ثم تجددت المعارك بينهما مرة أخرى، عندما دخلت قوات مصراتة إلى مدينة سرت؛ لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سرت[10].

2- أن وقف إطلاق النار يمثل هدنة أمام حكومة الوفاق لترتيب صفوفها الداخلية، خاصة مع تصاعد الحديث عن وجود خلافات بين رئيس الحكومة فايز السراج ووزير داخليته فتحي باشاغا، التي كان آخر مظاهرها، الخلاف حول زيارة الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي،  ففي حين أن برنامج الزيارة كان يتضمن لقاءً مع فتحي باشاغا، فإن مكتب فايز السراج، أكد على أن لا علاقة له بزيارة ليفي، ووعد باتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يدان بالتورط في تنظيم هذه الزيارة[11].

3- في المقابل، يرى عقيلة صالح في وقف إطلاق النار انسجامًا مع الكثير من محتوى المبادرة التي أطلقها لحل الأزمة الليبية في أبريل 2020، ويمكن أن يقود وقف إطلاق النار إلى تطبيق بنودها الأخرى، ناهيك عن تكريس وضع الرجل رقمًا سياسيًّا محوريًّا في الشرق على حساب قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر[12].

إقليميًّا:

1- فقد هددت مصر بالتدخل عسكريًّا في ليبيا في حالة تجاوز خط سرت – الجفرة من قبل قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا. وبالتالي، فالوقوف عند خط سرت – الجفرة، يمثل استجابة للمطلب المصري بعدم تجاوز هذا الخط. فضلًا عن أن ذلك يعني أن القاهرة أصبحت في غنى عن التدخل عسكريًّا لتنفيذ هذا المطلب، في ظل ما يحمله التدخل العسكري من مخاطر سياسية وعسكرية ومالية.

2- أن تركيا تجد في هذا الاتفاق تحقيقًا لكل مطالبها؛ حيث طالبت أنقرة مرارًا بضرورة عودة كافة الأطراف إلى حدود اتفاق الصخيرات، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بداية الهجوم على طرابلس؛ من أجل تطبيق وقف إطلاق النار، والعودة إلى عملية سلمية تحقق حلًّا سياسيًّا، ومع طرد ميلشيات حفتر من طرابلس وضواحيها، ومع انسحاب ميلشيات حفتر والمرتزقة الأجانب الداعمين لهم من سرت والجفرة، تكون خريطة السيطرة عادت إلى ما كانت عليه سابقًا، وبفارق أساسي أن حكومة الوفاق اليوم أقوى من السابق، وأن سيناريو معاودة الهجوم على طرابلس مجددًا لم يعد قائمًا على الإطلاق في حسابات حفتر وداعميه.

أكثر من ذلك، فعلى الرغم من أنه من المبكر الحديث بشكل قاطع عن مستقبل حفتر السياسي، وما إن جرى بالفعل التوافق بين الأطراف المحلية والدولية على استبعاده بشكل نهائي من المسار السياسي الجديد، إلا أن حكومة الوفاق فرضت رؤيتها مبدئيًّا بأنها لن تتفاوض مع حفتر أو تجلس معه؛ حيث تجري كافة الاتصالات، وتصدر البيانات الرسمية عن عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق، وهو طرح تم تداوله طوال الأشهر الماضية بأن يتم التعامل مع صالح، واستبعاد حفتر، الذي لم يظهر مؤخرًا، كما أن الاتفاق الذي جاء بوساطة ألمانية عقب اتصالات مباشرة مع الوفاق وتركيا وقطر يعزز دور ألمانيا في الملف الليبي على حساب الموقف الفرنسي، وهو ما ترجحه أنقرة وحكومة الوفاق؛ كون الموقف الألماني أكثر اتزانًا، مقارنة بالموقف الفرنسي المتطرف في معاداة تركيا ودعم ميلشيات حفتر.

يضاف إلى ذلك، أن تطبيق الاتفاق في سرت والجفرة من خلال سحب الميلشيات الأجنبية، بما يشمل ميلشيات فاغنر والأسلحة الثقيلة، يحقق مطلبًا مهمًّا جدًّا لتركيا وحكومة الوفاق، بمنع روسيا من اتخاذ الجفرة قاعدة عسكرية على المدى البعيد، وإبعاد خطر تجدد الهجوم على طرابلس لمسافات أبعد؛ حيث جرى مؤخرًا تحويل الجفرة إلى قاعدة عسكرية رئيسة، تحتوي على الطائرات والأسلحة المتطورة، وإزالة هذه الأسلحة من الجفرة يعني زيادة تأمين قاعدة الوطية قرب طرابلس، والتي يتوقع أن تتحول إلى قاعدة عسكرية تركية[13]، كما يمثل الاتفاق مكسبًا لتركيا أبعد من ليبيا؛ لأنه يمكن أن يؤثر على علاقة مصر بكل من اليونان وقبرص، فأحد أهداف تركيا تفخيخ هذا التحالف الثلاثي، الذي يضر بمصالحها؛ لذلك عمدت إلى الإيحاء بأن وقف إطلاق النار جاء في شكل تفاهمات مع القاهرة، في إشارة إلى أن الأخيرة قد تنقلب على تحالفاتها في شرق المتوسط[14].

دوليًّا:

1- فقد بدأ يظهر -بشكل جلي، بعد التدخل التركي- انزعاج أوروبي واضح من الدور التركي في ليبيا، تمثل في مواقف رسمية خصوصًا من باريس، وأتبع ذلك التهديد بفرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على تركيا؛ لذلك بدا واضحًا أن هناك ضغطًا أوروبيًّا متزايدًا على تركيا، أجبرها على إعادة النظر في توغلها الليبي.

2- أن الخط الأحمر الذي أعلنته مصر، لم يكن خطًّا أحمر مصريًّا فقط؛ بل هو خط أحمر بالنسبة لروسيا بالأساس، فروسيا التي أعلنت مرارًا أنها نادمة على خطأ ترك القذافي وحيدًا، ترى في حكومة الوفاق في طرابلس امتدادًا لمشروع الثورة الليبية المدعوم من التحالف الغربي الذي أسقط القذافي، وبالرغم من أن موسكو لم تتدخل للآن بقوات رسمية -كما في سوريا- فإن وجود شركاتها الأمنية الخاصة -التي لا توجد في ليبيا بدون ضوء أخضر حكومي روسي- إلى جانب حفتر، كان يعني أن روسيا تقف مع حفتر؛ لذلك فإن خط سرت والجفرة الأحمر كان في الواقع خطًّا روسيًّا بلسان مصري[15].

3- إصرار واشنطن على التوصل لوقف إطلاق النار؛ حيث تشير بيانات السفارة الأمريكية في ليبيا إلى زيارتين أداهما السفير ريتشارد نورلاند، إلى مصر وتركيا في فترة متقاربة، تم التركيز فيهما على وقف دائم لإطلاق النار، ودعم الانتقال السياسي. وهنا تبدو المقاربة الأمريكية مهمة من وجهة أنها اشتغلت على مساحات التقاطع المصرية ـ التركية، في ظل إدراك عمق مصالح البلدين ونفوذهما في السياسة الليبية. كما سعت الولايات المتحدة إلى أن تكون صاحبة اليد العليا في التوصل إلى التفاهمات السياسية بليبيا، عبر التنسيق بين حلفائها الإقليميين (مصر وتركيا)، وقطع الطريق على روسيا للقيام بدور كهذا.

كما عملت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) على وضع خطط وقف إطلاق النار، ويبدو دور “أفريكوم” مهمًّا في ضبط سلوك حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا؛ بسبب تناقض مصالح أعضاء الحلف بين الأوروبيين، خاصة فرنسا وتركيا. وهنا، يمكن الإشارة إلى إحباط المحاولات الفرنسية لتسيير الطيران الحربي فوق الأراضي الليبية، أو الاشتباك مع تركيا في البحر المتوسط[16].

 

ثالثًا: إمكانات النجاح في تنفيذ بنود الاتفاق:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من العوامل التي تبشر بإمكانية نجاح هذا الاتفاق، منها:

1- اتفاق كل من السراج وعقيلة صالح في بيانهما على عدة نقاط مشتركة، تتمثل في الاتفاق على الوقف الفوري لإطلاق النار، واستئناف إنتاج وتصدير النفط، وأن تكون سرت منطقة منزوعة السلاح، وإجراء انتخابات لإنهاء المرحلة الانتقالية.

2- الترحيب الدولي غير المسبوق بالاتفاق، فقد أعلنت جميع الدول المعنية بالشأن الليبي، خاصة الداعمة لطرفي النزاع (مصر والإمارات والسعودية وقطر وفرنسا وتركيا وإيطاليا)، موافقتها على المبادرة، وهي سابقة لم تقع منذ اندلاع الصراع في ليبيا عقب ثورة فبراير 2011.

3- أن هذا الاتفاق مدعوم أمريكيًّا، فمن اليسير جدًّا اكتشاف أن مضمون مبادرة فايز السراج وعقيلة صالح أمريكي، وبالرجوع إلى بيانات السفارة الأمريكية وتصريحات السفير الأمريكي خلال الأسبوعين الماضيين قبل الوصول إلى هذا الاتفاق، يتبين أن المقترح الأمريكي قائم على اعتبار سرت والجفرة مناطق منزوعة السلاح، وأنه من الضروري استئناف ضخ النفط، ووضع ترتيبات مالية تضمن الشفافية، وعدالة توزيع الإيرادات العامة.

وتتمثل أهمية الدعم الأمريكي للاتفاق في قدرتها على ضمان تنفيذه؛ خاصة أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة الليبية (باستثناء روسيا) تخضع للنفوذ الأمريكي، أو تحرص على أن لا تصادمه، ولعل ذلك ما يفسر الترحيب الدولي غير المسبوق بالاتفاق.

4- صعوبة قيام روسيا بتعطيل هذا الاتفاق؛ فعلى الرغم من أن غاية واشنطن من الاتفاق هو عزل روسيا، ودفعها للخروج من المشهد الليبي، وإنهاء وجودها في منطقة تشكل تهديدًا لواشنطن، عبر قواعدها في أوروبا، وتحديًا للناتو الذي لا يزال يؤسس عقيدته على العداء لروسيا – إلا أن السيناريو الأرجح أن تقبل موسكو فعليًّا بالمبادرة؛ ذلك أنها في حال مصادمتها ستواجه ليس فقط الأتراك؛ بل الناتو ممثلا للولايات المتحدة وأوروبا، وساعتها لن تجد دعمًا من مصر أو الإمارات أو السعودية، التي أعطت موثقًا لواشنطن أن تلتزم بالخطة الأمريكية.

كما أنه من المحتمل أن تكون موسكو تحصلت على مكاسب لم يعلن عنها بعدُ، ضمن المخفي من الخطة الأمريكية[17]. وربما يكون من المكاسب الروسية هي ضمان استمرار وجودها في الجفرة، فمن الملاحظ أن التركيز منصب على سرت دون الجفرة، ما يعني إمكانية حدوث تفاهمات روسية – أمريكية، بانسحاب روسيا من سرت ومنطقة الهلال النفطي؛ مقابل موافقة أمريكا على الوجود الروسي في الجفرة. ويمكن الإشارة هنا، إلى ما سبق وأن أشارت إليه صحيفة ” يني شفيق” التركية في يوليو 2020، بأن هناك اقتراحًا روسيًّا بتسليم سرت لحكومة الوفاق، مقابل حفاظ موسكو على قاعدة الجفرة العسكرية[18].

كما هناك أحاديث عن وجود تفاهمات بين الجانبين الأمريكي والروسي، أسفرت عن تقديم موسكو ضمانات حقيقية بعدم إقامة قواعد عسكرية في ليبيا، مقابل تقاسم قطاع الطاقة؛ بحيث تحصل الولايات المتحدة على امتيازات في قطاع النفط، ويحصل الجانب الروسي على امتيازات في قطاع الغاز، والحقوق المتعلقة به، بالشراكة مع تركيا[19].

5- بوادر حدوث تقارب بين مصر وحكومة الوفاق بدعم تركي، فبعد ساعات من اتفاق وقف إطلاق النار، ألمح وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا، إلى دور مصر في الاتفاق الأخير، وتمنى التعاون معها مستقبلًا. وقال الوزير الليبي: اتفاق وقف إطلاق النار برعاية ودعم الدول الشقيقة والصديقة مكسب وطني، ونتطلع لتطوير التعاون مع أمريكا وأوروبا وتركيا ومصر وقطر والأمم المتحدة بعد هذا الاتفاق.

وهو ما أكد عليه أيضًا رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فايز السراج، الذي أعرب “عن تطلعه أن يكون للشقيقة مصر دور إيجابي خلال المرحلة القادمة، التي يأمل المجلس أن تكون مرحلة بناء واستقرار وسلام”[20]. ما يشير إلى محاولة حكومة الوفاق للتقارب مع القاهرة، من خلال الحفاظ على المصالح المصرية في ليبيا؛ من عمالة مصرية، وحصة في عملية إعادة الإعمار، وجزء من حصة النفط، مقابل تخلي مصر عن عدائها لحكومة الوفاق، ودعمها للرؤية السياسية للوفاق، التي يعتبر اتفاق وقف إطلاق النار جزءًا منها.

ومن المؤكد أن محاولة حكومة الوفاق التهدئة مع مصر تأتي بدعم تركي؛ فقد أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، إن “بإمكانية مصر لعب دور بناء في ليبيا”. معربًا في الوقت نفسه، عن تأييد بلاده لفكرة نزع السلاح من مدينتي سرت والجفرة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة ستكون مفيدة لإنهاء الاشتباكات[21].

لكن بالمقابل، فإن هناك مجموعة من المعوقات التي قد تتسبب في إفشال هذا الاتفاق، منها:

1-  وجود مجموعة من الخلافات بين السراج وصالح، وهذا ما يفسر عدم صدور بيان مشترك بينهما، ومن هذه الخلافات[22]:

أ- ترسيم وقف إطلاق النار: فبعد وقت وجيز من إصدار السراج، تعليماته لجميع القوات العسكرية التابعة له بالوقف الفوري لإطلاق النار، وكافة العمليات العسكرية في كل الأراضي الليبية، أعلن قائد غرفة عمليات سرت والجفرة العميد إبراهيم بيت المال، امتثاله لأوامر رئيس المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي.

بينما “طلب” صالح، الذي لا يملك سلطة فعلية على ميلشيا حفتر، من “الجميع” (دون تحديد)، الوقف الفوري لإطلاق النار، وكافة العمليات القتالية في جميع أنحاء البلاد. ولم تعلن ميلشيا حفتر على الفور موافقتها على وقف إطلاق النار، رغم أن المعارك توقفت فعليًّا منذ يونيو الماضي.

ب- فتح النفط وتجميد إيراداته: أهم نقطة تمت صياغتها في البيانين بشكل متشابه، تتمثل في استئناف إنتاج وتصدير النفط في الحقول والموانئ النفطية. ويأتي ذلك بعد ثلاثة أيام، من إعلان ميلشيا حفتر موافقتها على تصدير النفط ومنتجاته المخزنة في الموانئ النفطية، ورفضها في الوقت نفسه استئناف إنتاج النفط.

كما تم حل إشكال كبير بالنسبة للتصرف بأموال النفط، الذي كانت ميلشيا حفتر تعترض على إيداعه في البنك المركزي الليبي؛ حتى لا تتصرف فيه الحكومة الشرعية، وتطالب بتوزيعها بشكل “عادل” على جميع المناطق. ووفق البيانين، سيتم إيداع الإيرادات في حساب خاص لدى المصرف الليبي الخارجي (التابع للبنك المركزي الليبي)، ولا يتم التصرف فيه إلا بعد التوصل إلى تسوية سياسية.

وبينما شدد السراج، على ضرورة أن تشرف المؤسسة الوطنية للنفط وحدها على تأمين الحقول والموانئ النفطية في كامل البلاد، تجاهل صالح هذه النقطة، خاصة وأنها تعني سحب ورقة مهمة من ميلشيا حفتر للمساومة عليها.

ج- سرت منزوعة السلاح، ماذا عن الجفرة؟: تضمن البيانان ما يشبه التوافق على أن تتولى قوة شرطية من الطرفين عملية تأمين مدينة سرت. ما يعني جعل سرت منطقة منزوعة السلاح، وإخراج ميلشيا حفتر ومرتزقة شركة “فاغنر” الروسية، والمرتزقة الأفارقة منها.

لكن في هذه المسألة يوجد تباين كبير بين الطرفين؛ إذ يشدد السراج على أن وقف إطلاق النار يقتضي أن تكون سرت ومحافظة الجفرة منزوعتي السلاح؛ إلا أن صالح، لم يُشر البتة إلى نزع السلاح من الجفرة وقاعدتها الجوية الإستراتيجية، كما لم يتحدث عن نزع السلاح في سرت، وإن فهم ذلك ضمنيًّا، رغم أن تصريحات سابقة له تتحدث عمّا يمكن تسميته “إعادة انتشار خارج المدينة”، وليس خارج محافظة سرت.

كما اشترط رئيس برلمان طبرق، أن تكون سرت مقرًّا للمجلس الرئاسي الجديد، وهو ما لم يعلق عليه السراج سلبًا أو إيجابًا، وإن كانت الموافقة على هذه المسألة مستبعدة؛ لأنها تضع أعضاء المجلس تحت نفوذ ميلشيا حفتر.

د- خروج المرتزقة: رغم أن الطرفين متفقان على ضرورة خروج المرتزقة من البلاد، لكن قد يختلفان في تحديدهم. فالمرتزقة وفقًا للسراج تتمثل في المرتزقة الروس “فاغنر” والأفارقة والسوريين، بينما المرتزقة وفقًا لوجهة نظر صالح تتمثل في الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين الذين نقلتهم تركيا.

ذ- نعم للانتخابات، لكن متى؟: فقد اتفق الطرفان على أن الهدف من هذا التوافق الوصول إلى انتخابات؛ للخروج من المراحل الانتقالية، لكن الاختلاف بين رؤيتيهما ما زال واسعًا. فالسراج يدعو إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس 2021، أي بعد نحو 7 أشهر من الآن، وهي فترة قصيرة، لا تسمح بتغيير المجلس الرئاسي الحالي، ما يعني رفض مبادرة صالح، التي تضمنها إعلان القاهرة، المتمثلة في انتخاب 3 أعضاء من الأقاليم الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

أما مبادرة صالح، فتقترح مرحلة انتقالية جديدة، تمتد بين 18 إلى 24 شهرًا؛ أي أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في هذه الحالة لن تجرى إلا في 2022، على أقل تقدير. فالسراج يريد الخروج من المراحل الانتقالية التي استمرت 9 سنوات، في حين يسعى صالح للدخول في مرحلة انتقالية جديدة، قد تطيل الأزمة لسنوات أخرى.

2- موقف حفتر من الدعوة لوقف إطلاق النار: فيبدو أن حفتر يرفض هذا الاتفاق، فالاتفاق تم بين السراج وعقيلة صالح؛ في إشارة إلى إخراج حفتر من المعادلة السياسية. وفي أول رد رسمي على الاتفاق، فقد هاجمه أحمد المسماري، المتحدث باسم قوات خليفة حفتر، في 23 أغسطس 2020، زاعمًا أن هناك اجتماعات عقدتها قوات حكومة “الوفاق” الليبية، وقررت مهاجمة مدينة سرت. وقال: “إن مبادرة وقف إطلاق النار هي للتسويق الإعلامي وذر الرماد في العيون”، مشيرًا إلى أن قوات حفتر “الآن في وضع قتال، وجاهزة للتعامل في حال تقدم أحد نحو مدينة سرت”[23].

وربما يكون رفض المسماري لاتفاق وقف إطلاق النار جاء بضوء أخضر روسي.  فعلى عكس جميع الدول المعنية بالملف الليبي، لم تعلن أي جهة رسمية روسية دعمها لوقف إطلاق النار، وفتح الحقول والموانئ النفطية، باستثناء مصدر دبلوماسي “مجهول” بالخارجية الروسية، أعلن ترحيب موسكو بالتوافق الليبي.

وفي العرف الدبلوماسي، إعلان موقف رسمي عن طريق مصدر مجهول، بدل وزارة الخارجية أو السفارة على الأقل، يؤشر على وجود تحفظ ما، أو عدم الرغبة في الالتزام بشكل صريح بما تم التوافق بشأنه. فالموقف الرسمي الروسي المعلن منذ مدة مع وقف إطلاق نار، لكن لا يخفى على موسكو أن واشنطن من جانبها تهدف بالأساس إلى إخراج مرتزقة شركة فاغنر الروسية من سرت والجفرة، ومن كامل المنطقة الجنوبية، وبالأخص حقول النفط.

ورغم أن روسيا أعلنت أنها لا تسعى لإقامة قاعدة عسكرية في ليبيا، ولكن مرتزقة فاغنر منتشرون في سرت والجفرة، بحسب عدة تقارير دولية وشهادات محلية، ومن المستبعد أن ينسحبوا بدون ثمن. وإن نفت روسيا وجود قوات لها في ليبيا، غير أن فاغنر لا يمكنها أن تمتلك طائرات حربية بحجم ميغ 29 وسوخوي 24، لذلك فموسكو تمتلك القدرة على إفساد هذا التوافق، إذا لم تراع مصالحها في ليبيا[24].

3- إمكانية قيام قوات تابعة لحكومة الوفاق بعرقلة تنفيذ الاتفاق، خاصة أنهم قد يروا أن هذا الاتفاق بداية لتقسيم ليبيا، ويمكن تلمس ذلك في تفاوت ردود قوات حكومة الوفاق، ففي حين رحب آمر غرفة عمليات سرت والجفرة التابعة للوفاق العميد إبراهيم بيت المال، في تصريحات نقلتها الغرفة عبر “فيسبوك” باتفاق وقف النار، وإن كان علق قبوله بسحب حفتر لجميع قواته “انسحابًا فوريًّا من سرت والجفرة”.

إلا أن اصواتًا أخرى من قادة بعض الكتائب الموالية للحكومة لا يبدو عليها الرضا، فقد أعلن المتحدث باسم قوات الوفاق محمد قنونو أن قواته “ماضية إلى مدن البلاد المختطفة، وبسط سيطرة الدولة على كامل ترابها، ورفع الظلم عن أبنائها”. وفي سلسلة تغريدات عبر “تويتر”، شكك في إعلان وقف النار، قائلًا: “ما سبق من انتهاكات وخروقات يجعلنا لا نثق أبدًا بما يعلن من هدنة أو وقف لإطلاق النار؛ لأنه (حفتر) اعتاد على الغدر والخيانة”. وشدد قنونو على أن “الدولة الليبية، حصريًّا، لها الحق في استغلال مواردها، وإدارة ثرواتها، وتصدير نفطها”[25].

 

———————————————-

[1] “اتفاق جديد في ليبيا .. أين حفتر؟”، الخليج الجديد، 22/8/2020

[2] “مباحثات أمريكية تركية لإقامة منطقة منزوعة السلاح وسط ليبيا”، العربي الجديد، 13/8/2020

[3] “دور أمريكي نشط في ليبيا .. هل ينجح في إخلاء محور سرت الجفرة من السلاح؟”، العربي الجديد، 9/8/2020

[4] “مقترح جديد لعقيلة صالح: سرت مقرًّا لسلطة ليبية موحدة حتى إجراء الانتخابات”، العربي الجديد، 11/8/2020

[5] “قالن: الدعوة الألمانية لنزع السلاح في سرت والجفرة قد تكون مقبولة مبدئيًّا من تركيا”، بوابة الوسط صوت ليبيا الدولي، 17/8/2020

[6] “حراك داخلي وخارجي في ليبيا .. هل تستعيد حكومة الوفاق السيطرة على سرت والجفرة؟”، الجزيرة نت، 17/8/2020

[7] “تسوية ليبية تختبر التطبيق”، العربي الجديد، 22/8/2020

[8] “هذه خفايا وقف إطلاق النار في ليبيا والاتصالات السرية ونقاط الخلاف”، المجتمع، 22/8/2020

[9] “ملامح جديدة لعودة الحل السياسي في ليبيا: ماذا عن حفتر؟”، العربي الجديد، 20/8/2020

[10] “وقف إطلاق النار في ليبيا اعتراف بالتوازنات المحلية والإقليمية”، القدس العربي، 21/8/2020

[11] “زيارة برنار هنري ليفي إلى ليبيا تثير جدلًا”، إندبندنت عربية، 26/7/2020

[12] “لماذا تسارع الترحيب الدولي بوقف إطلاق النار في ليبيا؟”، العرب، 23/8/2020

[13] “تركيا ترى في الاتفاق الليبي تجسيدًا لنظريتها “تدخلنا العسكري سيفرض السلام””، القدس العربي، 22/8/2020

[14] “لماذا تسارع الترحيب الدولي بوقف إطلاق النار في ليبيا؟”، مرجع سابق.

[15] “وقف إطلاق النار في ليبيا اعتراف بالتوازنات المحلية والإقليمية”، مرجع سابق.

[16] “عندما تتغير السياسة الأمريكية في الأزمة الليبية”، العربي الجديد، 23/8/2020

[17] “السراج .. مبادرة تفاجئ الجميع .. هل تكلل بالنجاح؟”، عربي 21، 22/8/2020

[18] “صحيفة: وفد روسي لأنقرة .. سرت مقابل الجفرة على الطاولة”، عربي 21، 18/7/2020

[19] “تسوية ليبية تختبر التطبيق”، مرجع سابق.

[20] “هل حان وقت التفاهمات بين حكومة الوفاق الليبية والقاهرة؟”، عربي 21، 22/8/2020

[21] “تركيا تؤكد أن مصر بإمكانها لعب دور بناء في ليبيا وتكشف سبب وجودها في طرابلس”، سبوتينك عربي، 18/8/2020

[22] “6 أوجه للتوافق والاختلاف بين بياني “الرئاسي الليبي” و”طبرق” (تحليل إخباري)”، وكالة الأناضول، 21/8/2020

[23] “متحدث حفتر يخالف مجلس نواب طبرق ويهاجم وقف إطلاق النار في ليبيا”، 23/8/2020

[24] “حفتر ينسف توافق السراج وعقيلة .. فهل يردعه حلفاؤه؟ (تحليل)”، الأناضول، 25/8/2020

[25] “تسوية ليبية تختبر التطبيق”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء مل…