‫الرئيسية‬ إفريقيا النشاط الدبلوماسي في الخرطوم
إفريقيا - السودان - سبتمبر 1, 2020

النشاط الدبلوماسي في الخرطوم

في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الانتقالية للسودان لتحسين الأوضاع الداخلية للمواطن السوداني، الذي يُطالب بالتغيير والإصلاح – تعمل الحكومة على حل مشكلاتها الخارجية التي خلفها نظام الرئيس السابق عمر البشير. ويأتي هذا أيضًا بالتزامن مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية، والتي يواجه فيها الرئيس دونالد ترامب منافسة قوية من نظيره الديمقراطي جو بايدن، ومن ثمَّ يسعى ترامب للعب بورقة اتفاق السلام المزمع بين الكيان الصهيوني والإمارات، والذي يسعى جاهدًا لاستنساخه في العديد من العواصم العربية الأخرى المرشحة بقوة، والتي بدأها بالسودان؛ التي تسعى لحذفها من قوائم الإرهاب، وفي هذا الإطار جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للسودان يوم الثلاثاء 25 أغسطس. ومن ناحية أخرى، بعدما شهدت العلاقات السودانية / الإثيوبية توترًا خلال الفترة الماضية؛ نتيجة فشل المفاوضات الثلاثية بشأن قضية سد النهضة، وفي ظل تردي أوضاع الداخل الإثيوبي – فقد شهدت الخرطوم في اليوم نفسه زيارة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالتزامن مع زيارة بومبيو.

 

1. الزيارة الأمريكية:

جاءت تلك الزيارة لتحمل من الجانب الأمريكي هدفين رئيسين، يتمثَّل أولهما في ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي هذا الشأن فقد غادر وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الأراضي السودانية، خاليًا من وعود علنية -على الأقل- في ما يخص ملف التطبيع مع تل أبيب، لكن في الوقت نفسه مُحمَّلًا بـما قد يضع الملف على قائمة الملفات العاجلة. حيث أبلغ رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك بومبيو أن ملف التطبيع يتعدى التفويض الممنوح للحكومة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية، وأن حسم القضية لا يمكن أن يتم قبل اكتمال أجهزة الحكم الانتقالي. وفي ما بدا أنه مناورة سياسية، دعا حمدوك الإدارة الأمريكية إلى الفصل بين عملية رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وملف التطبيع. وكان رئيس الوزراء استبق زيارة بومبيو باجتماع مع ائتلاف الحرية والتغيير -الداعم السياسي للحكومة-؛ لبحث عدد من الملفات المهمة والعاجلة، ومن بينها التوافق على أجندة لقاء حمدوك – بومبيو. واتفق المجتمعون على تأكيد حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه، ونيل الحياة الكريمة عليها، والتشديد على أن التطبيع ليس من صلاحيات الحكومة الانتقالية المحكومة بالوثيقة الدستورية، والدعوة إلى مواصلة الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإلغاء العقوبات المفروضة عليه[1].

 

وهنا يبدو في ربط حكومة الخرطوم التطبيع بالانتخابات التشريعية وليس انتهاء الفترة الانتقالية، ووجود حكومة تُمثل الشعب السوداني؛ بأن ملف التطبيع سيكون في مقدمة الملفات المطروحة في القريب العاجل، لا سيما وأن ذلك سيدفع الجانب الأمريكي إلى الضغط لتسريع إجراء الانتخابات التشريعية السودانية. حيث تسعى السودان جاهدة لرفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب؛ لما لذلك الأمر من أثر؛ حيث يعوق استمرار وجود السودان ضمن هذه اللائحة فرص الاستثمار الأجنبي، كما يحول دون الحصول على مساعدات وقروض من المنظمات المالية الدولية، في وقت يبدو فيه البلد في أمسّ الحاجة إلى ذلك؛ في ضوء استمرار تدهور وضعه الاقتصادي، الذي بات يثير تململ الشارع، ويهدد المسار الانتقالي.

 

أما عن الهدف الثاني للزيارة، الذي لا يمكن للدبلوماسي الأمريكي تجاوزه خلال زيارته للخرطوم، فيتمثل في تأكيد الدعم  للحكومة المدنية، التي تواجه ظروفًا سياسية واقتصادية صعبة، وتواجه تحديات في عدة جبهات، أولها المكون العسكري، وثانيها أحزاب داخل تحالف الحرية والتغيير الحاكم، وثالثها الدولة العميقة، ورابعها من جماعات ولوبيهات المصالح الاقتصادية التي تضررت في الفترة الماضية. ودعم الحكومة المدنية لا يعني -بأي حال- لواشنطن التخلي عن المكون العسكري، الذي ترى فيه ضامنًا لاستمرار تعاون أمني قديم بين الخرطوم وواشنطن، ولا سيما في مجال مكافحة الإرهاب[2]. ولعل ربط هذا الأمر بمسألة التطبيع، هو ما جعل حكومة الخرطوم ترجئ الأمر فقط دون حسمه، لا سيما بعد الهجوم الشديد على البرهان بعد لقائه السابق مع نتنياهو في أوغندا فبراير الماضي، والتوترات التي تعيها الخرطوم اليوم، والهجوم المستمر على الحكومة الانتقالية من قِبل الشعب السوداني.

 

2. الزيارة الإثيوبية:

تأتي زيارة آبي أحمد للخرطوم، بعد نحو 10 أيام من زيارة وفد مصري كبير برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، والاتفاق على خطة موسعة للتعاون، ورفض المساس بحقوق البلدين في مشروع سد النهضة الإثيوبي. وبخلاف ملف سد النهضة، الذي تجرى بشأنه مفاوضات حالية برعاية الاتحاد الإفريقي، هناك توترات أمنية بمنطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا. وتقول تقارير سودانية، إن ميليشيات إثيوبية تتغول على الأراضي السودانية، في منطقتي الفشقة الصغرى والكبرى على الحدود الشرقية للسودان، أسفرت مؤخرًا عن مقتل وإصابة جنود سودانيين‎[3].

 

وتعكس زيارة آبي أحمد للسودان رغبة أديس أبابا في استمالة الخرطوم في مواجهة التحركات المصرية في ملف سد النهضة، التي تحظى بتأييد سوداني، بعد أن أبدت الخرطوم تقاربًا وتفهمًا لموقف القاهرة الرافض للمماطلات الإثيوبية، والقرارات أحادية الجانب في معركة المياه. وحملت الزيارة مجموعة من المعاني السياسية، بشأن أهمية السودان بالنسبة إلى أديس أبابا في ملف سد النهضة، والذي دخلت مفاوضاته منعطفًا خطيرًا، في ظل التباعد الحاصل في المسافات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، والصراع الخفي الجاري بين الدولتين على استقطاب السودان، الذي نجح في تبني رؤية مستقلة، بصرف النظر عن الجهة التي تصب هذه الرؤية في صالحها[4]. ونتيجة للزيارة، أصدر الطرفان بيانًا صحفيًّا مشتركًا في ختام الزيارة، أعلنا خلاله بحث الجانبين -بشكل مُعمَّق- سُبُل تقوية وتوسيع وتعميق التعاون الثنائي بينهما في كل المجالات، واتفق الجانبان على تنشيط كل الآليات الثنائية الموجودة؛ الهادفة لترقية التعاون في مختلف الأصعدة. وحول موضوع سدّ النهضة الإثيوبي شدَّد الجانبان على بذل كل جهد ممكن للوصول لنهاية ناجحة للمفاوضات الثلاثية الجارية تحت رعاية الاتحاد الإفريقي بما يقود لصيغة يكون الجميع رابحين معها، وتجعل من سد النهضة أداة للتكامل الإقليمي بين الدول[5].

 

ويُمكن القول إن رئيس الوزراء الإثيوبي قد وصل إلى السودان في توقيت سياسي مزدحم؛ حيث الأضواء مسلطة على الأهمية النوعية التي تنطوي عليها زيارة مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، كما أن القوى السياسية منقسمة حول ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني، والخلافات احتدمت بين المكونين العسكري والسياسي في السلطة الانتقالية، ما يجعل ملف المياه لا يحتل أولوية كبيرة في الخرطوم. إلا أنه على الجانب الآخر، يهتم آبي أحمد لحل خلافاته مع السودان؛ فمن جهة يقع سد النهضة في منطقة بني شنقول السودانية الأصل، وذات الميول الانفصالية، ومن جهة أخرى تعاني الجبهة الداخلية الإثيوبية من التوتر، الذي يستخدم آبي أحمد ملف سد النهضة لمواجهته، بمحاولة توحيد الصفوف حول هدف النهضة الإثوبية، التي لطالما ربطها بنجاح مشروع السد.

 

وختامًا، لا يزال هناك تساؤل مطروح حول إمكانية وجود علاقة بين الزيارتين الأمريكية والإثيوبية للسودان، وبالرغم من كونه لم يتم الإعلان عن علاقة بينهما، أو عقد اجتماع مشترك؛ إلا أنه يظل احتمال قائم، لا سيما بعد تعديل المبعوث الأمريكي جدوله لزيارة المنطقة؛ ليبدأ بالسودان في نفس يوم زيارة آبي أحمد لها. وربما يكون ذلك في إطار التسويق الأمريكي لملف التطبيع، أو في إطار الطلب السابق للوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة .. كل تلك التكهنات واردة، وربما ستتضح الأمور بصورة أكبر خلال الأيام القليلة القادمة.

 

————————————————–

[1]  مي علي، “مناورة مكشوفة لحكومة حمدوك: واشنطن تحثّ الخطى نحو التطبيع”، الأخبار، 26/8/2020.

[2]  عبد الحميد عوض، “ما وراء زيارة وزير الخارجية الأمريكي للسودان؟”، العربي الجديد، 24/8/2020.

[3]  “تزامنا مع زيارة بومبيو .. رئيس الوزراء الإثيوبي يصل الخرطوم لتقوية العلاقات”، الخليج الجديد، 25/8/2020.

[4]  محمد أبو الفضل، ” التنافس على السودان بين مصر وإثيوبيا أبعد من سد النهضة”، العربي، 26/8/2020.

[5]  “في ختام زيارة آبي أحمد .. بيان سوداني إثيوبي: ‏دعم الحوار تحت مظلة إفريقية لحل أزمة سد النهضة”، مصراوي، 25/8/2020.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…