‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين مستقبل السلطة الفلسطينية بعد التطبيع الإماراتي
فلسطين - سبتمبر 1, 2020

مستقبل السلطة الفلسطينية بعد التطبيع الإماراتي

هناك تفسيرات عديدة تعزو أسباب رفض السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس أبومازن لاتفاق التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني إلى الخوف من الإطاحة به وبمنظومة السلطة في شكلها الحالي ضمن مخططات إعادة تصميم وهندسة المشهد الفلسطيني الذي يجري ضمن سياق محاولات تصميم المشهد الإقليمي كله بما يضمن تجذير “المشروع الصهيوني”  وتكريس تفوقه بل دمجه وقيادته لتحالف إقليمي يضم عواصم تحالف الثورات المضادة (السعودية ــ الإمارات ــ مصر) تحت رعاية أمريكية خالصة.

في هذا السياق، يُحذَّر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي من تداعيات اتفاق التطبيع الإماراتي مع “إسرائيل” على مستقبل السلطة الفلسطينية والإسهام في إضعاف مكانة السلطة، وتعجيل انهيارها بشكل يفضي إلى انفجار الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، و”تحسين فرص حل الدولة الواحدة”. ووفقا لتقدير الموقف الذي أعده الباحثان ألون ديكل وكوبي ميخال، يؤكد على أن اتفاق التطبيع مع الإمارات يعتبر “إنجازا استراتيجيا جوهريا” لإسرائيل بسبب عوائده الاقتصادية والأمنية الناجمة عن التعاون الإقليمي، إلى جانب أن الاتفاق يؤذن بانتهاء قدرة الفلسطينيين على استخدام الفيتو على التطبيع بين إسرائيل والعالم العربي. ودعا إلى توفير غطاء أميركي ومشاركة إماراتية أردنية مصرية لتوسيع إطار التعاون بالإقليم، وضم دول أخرى إلى مسار التطبيع، لا سيما البحرين في المرحلة الأولى، ثم عُمان والسعودية. ويشير التقرير إلى أن التطبيع الإماراتي يأتي في أوج الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها السلطة، ويمثل الضربة الثالثة التي تلقاها الفلسطينيون بعد إعلان خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتصفية القضية الفلسطينية، المعروفة إعلاميا بـ”صفقة القرن”، والمخطط الإسرائيلي لضم مناطق من الضفة الغربية.[[1]]

ويعترف مركز الأبحاث الإسرائيلي أن الرفض الفلسطيني لصفقة القرن ينطلق من قناعتهم بأنها تتبنى مواقف اليمين الإسرائيلي وأن الهدف الأساسي منها هو تدشين تحالف عربي إسرائيلي أمريكي، وأن اتفاق التطبيع الإماراتي هو جزء من صفقة القرن وجزء من المخططات الأمريكية لتدشين هذا التحالف.

أزمة السلطة الفلسطينية مع اتفاق التطبيع الإماراتي أنه جرى دون تنسيق مع السلطة من جهة، ويفضي إلى تهميش دورها أمام حكومات الاحتلال والحكومات الغربية من جهة أخرى، ويسقط المبادرة العربية التي تقررت في قمة بيروت سنة 2002م، والتي تتبناها السلطة كخطة عربية بديلة للمخططات الإسرائيلية والأمريكية؛ وبالتالي يؤدي التطبيع الإماراتي إلى انتهاء مرحلة كانت السلطة فيها تمارس «حق الفيتو» ضد أي عاصمة عربية تقترب من تطبيع العلاقات قبل التوصل إلى حل يقوم على انسحاب (إسرائيل) إلى حدود ما قبل 5 يونيو1967م. وتدشين دولة فلسطينية، عاصمتها القدس وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى قراهم ومدنهم المحتلة.

اتفاق التطبيع الإماراتي ــ إذا ــ  يفضي إلى انفراط عقد الهامش المتبقى من التماسك العربي ضد (إسرائيل)، ويمثل حالة إغواء مستمرة لبعض العواصم العربية التي ربما ترى في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني مصلحة لها؛ وبالتالي أسهم بشكل مؤثر للغاية في إضعاف موقف السلطة الفلسطينية وتهميش دورها مستقبلا؛ فاليوم بإمكان تل أبيب إقامة علاقات تطبيع مباشرة مع نظم عربية بعيدا عن القضية الفلسطينية ولم يعد حل مشكلة فلسطين شرطا لإقامة مثل هذه العلاقات؛ فحكام الإمارات سنوا سنة سيئة عليهم وزرها ووزر من عمل بها لا يقنص ذلك من أوزار الإماراتيين شيئا.

 

سيناريو تفجير المشهد

الأكثر أهمية وخطورة في تقرير مركز الأبحاث الإسرائيلي، أنه يتوقع أن تفضي التحولات الأخيرة إلى تعاظم التنافس داخل حركة “فتح” على القيادة. ولم يستبعد معدا التقرير أن تتحرك بعض القيادات الفتحاوية بهدف الإطاحة بالرئيس الفلسطيني، محمود عباس. ولا يستثني المركز إمكانية أن تفضي هذه التطورات إلى عودة القيادي المفصول من “فتح” محمد دحلان، المدعوم إماراتياً، الذي تم طرده من صفوف الحركة، والذي تفضله أيضا إسرائيل والولايات المتحدة. ووفق توقعات المركز، فإن دحلان سيحظى بدعم مصري وسعودي، بفعل طابع العلاقة التي تربط الإمارات بهاتين الدولتين.

وتوقع مركز الأبحاث الإسرائيلي أن يفضي عدم وجود توافق داخل المعسكرات المتنافسة في الساحة الفلسطينية إلى الحيلولة دون استقرار الواقع الفلسطيني، وهو ما قد يفضي في النهاية إلى انهيار السلطة الفلسطينية. وبالتالي يعزز هذا الفرض حال حدوثه من فرص تكريس حل “الدولة الواحدة” بين النهر والبحر.

معنى ذلك أن حكومة الاحتلال ربما تدفع باتجاه تأزيم الصراع على السلطة بعد التخلص من أبو مازن سواء بوفاته بشكل طبيعي لكبر سنه وهو أمر متوقع، أو حتى عبر عملية اغتيال احترافية؛ بحيث تظهر كما لو أنه لقي حتفه بصورة طبيعية، وبالتالي من المتوقع أن يفضي ذلك إلى اندلاع موجات من العنف والفوضى بين أجنحة السلطة المتصارعة ومعظمهم للأسف عملاء للاحتلال، وبالطبع ستسهم حكومة الاحتلال في إشعالها عبر عملائها أو أجهزتها الأمنية والمخابراتية؛ على أن يتزامن مع هذه الفوضى دعوات فلسطينية مشبوهة إلى حكومة الاحتلال بالتدخل بشكل مباشر لوقف الصراع والقضاء على الفوضى والعنف والفلتان الأمني؛ وبالتالي تحقق حكومة الاحتلال مآربها باحتلال كل الضفة الغربية بدعوات فلسطينية على أن تبدو في صورة من يسعى لإقرار الأمن  والاستقرار وإطفاء نيران العنف والفوضى والفلتان الأمني، ولا مانع بعد ذلك من إعادة تصميم وهندسة السلطة بما يتماشى تماما مع أهداف الاحتلال ومخططاته الإجرامية، وتصعيد دحلان على رأس السلطة المصممة أساسا لخدمة مشروع الاحتلال.

 

دحلان وخلافة ًأبو مازن

ويعزز من مخاوف السلطة ورئيسها وبعض قادة أجهزتها الأمنية الكبار، أنه بعيد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، احتفت الصحف العبرية بما وصفته “مستشار بن زايد السري”، محمد دحلان، القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح والمستشار الخاص لولي عهد أبوظبي، معتبرة أن “الصفقة تمت بفضل دحلان، الرجل الذي يهمس في أذن حاكم الإمارات، والذي قد يتوج كخليفة لمحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية”.

ويبدو أن كلاً من الإسرائيليين والأمريكيين يودون مكافأة دحلان على “جهوده” هذه في خدمة المشروع الإسرائيلي، بتحضيره وإعداده لزعامة السلطة الفلسطينية بعد عباس، ويتحدث موقع “i24 الإسرائيلي” عن أن عودة دحلان “ستزيد الصراع في قيادة حركة فتح على قيادة السلطة الفلسطينية”، إذ كان دحلان منافساً لحليفه السابق في فتح محمود عباس قبل أن يفر إلى المنفى، ويقول تسيفي يحزكيلي محرر الشؤون العربية في القناة 13 العبرية، في حوار مع صحيفة معاريف، إن “غضب السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس من الاتفاق الإسرائيلي مع الإمارات له ارتباط بمحمد دحلان”، مضيفاً أن “أحد أسباب غضب أبومازن الحقيقية من اتفاق الإمارات وإسرائيل هو خشيته أن يجهز محمد دحلان ليكون صاحب السلطة، رغم أنه شخصية لا تحظى بشعبية بين الفلسطينيين، بل ربما سيدفع ثمن صفقة أبوظبي مع تل أبيب، رغم أنه يعمل مستشاراً أمنياً للإمارات، وهذه وظيفة رائعة له، ودخلها المالي جيد”، مردفاً: “لكن بعد رحيل محمود عباس، لا أعلم ما إذا كانت أموال دحلان ستلعب دوراً حول مستقبله في السلطة، رغم أن التقييمات الاستخبارية الإسرائيلية تتحدث عن احتمالية كبيرة لسفك الدماء والعنف بين الفلسطينيين في اليوم التالي لغياب عباس، فالضفة الغربية ساخنة، فيها الكثير من الأسلحة والمصالح المتناقضة، والكثير من المسؤولين الذين يريدون هذا المنصب”.[[2]]

 

عودة التنسيق الأمني

يعزز من احتمال حدوث سيناريو تفجير الأوضاع ونشر العنف والفوضى والفلتان الأمني، أن مصادر بالسلطة الفلسطينية تؤكد عودة التنسيق الأمني بين السلطة والأمريكان في أعقاب تجميد حكومة الاحتلال لخططها حول ضم أراضي فلسطينية بالضفة الغربية، وهو التنسيق الذي توقف بقرار من أبو مازن في التاسع عشر من مايو 2020م؛ احتجاجا على مخططا ضم 30% من أراضي الضفة المحتلة، وجرى بالفعل تنظيم لقاء قبل أسبوعين من اتفاق التطبيع الإماراتي، ضم كبار قادة أجهزة السلطة الأمنية مع مسئولين كبار بالمخابرات الأمريكية، ونشر الإعلام الصهيوني في السادس عشر من أغسطس 2020م، تصريحات لوزير الحرب الإسرائيلي بني غانتس، قال فيها إنهم يستعدون في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لاستئناف التنسيق الأمني والمدني مع السلطة الفلسطينية.[[3]]

الأكثرة خطورة أن مسار أوسلو صمم المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية للسلطة بحيث تبقى دائما تحت رحمة الاحتلال والإدارة الأمريكية وما يسمى بالمجتمع الدولي؛ فالسلطة فعليا غير قادر على البقاء والاستمرار دون رعاية وكفالة من الاحتلال والإدارة الأمريكية؛ فهي لا تستطيع تحقيق أي اكتفاء ذاتي من جهة التمويل والغذاء والماء والكهرباء ولا حتى الحصول على المساعدات الدولية دون موافقة من حكومة الاحتلال، بل إن قيادت السلطة أنفسهم لا يملكون حرية الحركة داخل مناطق الضفة الغربية دون موافقة من أجهزة الاحتلال الأمنية، وعبر سنوات طويلة مضت تمكن الاحتلال من تكوين شبكة أو مافيا حاكمة ترتبط وجودا وعدما بالاحتلال تستمد منه القوة والنفوذ والسيطرة، وحتى لو أراد أبو مازن الخروج على هذه القواعد التي شارك في تكريسها فسوف يجد من داخل السلطة وأجهزتها الأمنية من يتمردون عليه إمعانا في خدمة أجندة الاحتلال، كما فعل هو من قبل مع ياسر عرفات؛ حيث بات ولاء كثير من هذه الطبقة الحاكمة أولا وأخيرا للاحتلال وليس للسلطة ولا حركة فتح فضلا عن قضية فلسطين التي تعد بالنسبة لهؤلاء مجرد بيزنس يحققون من ورائه ثروات طائلة.

ويتعين الإشارة إلى أن الدور الأخطر في ملف التنسيق الأمني هو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب انتفاضة الأقصى(2000 ــ 2005)، حيث اتجهت إلى التلاعب بالعقيدة الأمنية لقيادات وعناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية من خلال مأسسة هذه الأجهزة وتغيير عقيدتها و شكَّلت واشنطن مجلساً لتنسيق التعاون الأمني بين السلطة وإسرائيل، بقيادة الجنرال الأمريكي، كيث دايتون، الذي تولى شخصياً مهمة الإشراف على إعداد وتدريب أجهزة السلطة الأمنية لتحسين قدرتها على إحباط العمليات المسلحة للمقاومة.

وإلى جانب مأسسة أجهزة السلطة الأمنية لتكون أكثر ولاء لأفكار وتصورات أبو مازن المتطابقة مع أفكار الاحتلال والأمريكان؛ حرص دايتون على أن تسهم دورات التدريب التي أشرف عليها في فرض عقيدة أمنية جديدة على المؤسسة الأمنية في السلطة، بحيث يفضي تشرب منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلك العقيدة إلى “صناعة الفلسطيني الجديد”، الذي يرى في إحباط العمل المقاوم ضد الاحتلال مصلحة وطنية له، وقد أثنى جيش الاحتلال على دور هذا التحولات على النظام السياسي الفلسطيني وزيادة فعالية التعاون الأمني وإسهامها في تحسين ظروف المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

حققت خطة دايتون في الضفة نجاحا مبهرا، في تفكيك تنظيمات المقاومة المسلحة واعتقال المئات من كوادرها وإجهاض أعمال المقاومة بشكل كامل، لكنها باءت بالفشل في غزة بعد فوز حركة حماس بالأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي 2006م ثم الحسم العسكري ضد أجهزة السلطة المتمردة بقيادة دحلان سنة 2007م وسيطرة الحركة على قطاع غزة؛ وهو ما تم توظيفه من جانب الاحتلال على مستويين:

الأول على المستوى العسكري شن الاحتلال ثلاثة حروب مدمرة على غزة وحركات المقاومة، أسفرت عن خسائر بصفوف المقاومة والقطاع عموما، كما فرض حصارا شاملا على القطاع حتى اليوم، ورغم ذلك لم تسفر هذه الإجراءات القاسية على إجبار المقاومة على الاستسلام أو الاعتراف بمسار أوسلو.

الثاني، على المستوى السياسي، وظف الاحتلال الحدث لتكريس الانقسام الداخلي الفلسطيني؛ عبر مساومة سلطة رام الله وابتزازها من أجل مزيد من التنسيق الأمني بحجة أن التعاون في مواجهة حركات المقاومة وعلى رأسها حماس هو ضرروة ليس للاحتلال فقط بل لضمان بقاء السلطة ذاتها وحكم حركة فتح  وعدم السماح لحماس وحركات المقاومة في نقل وتكرار تجربتها بغزة إلى الضفة.

 

انهيار مالي

هناك عوامل أخرى بالغة الأهمية، تسهم في التعجيل بانهيار السلطة، ومن أهمها أن سلطة رام الله باتت على حافة الانهيار المالي؛ وقد حذر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، من أن السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار الاقتصادي، إذ انخفض دخلها بنسبة 80 في المائة، وقال إن ذلك يأتي في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون في جميع أنحاء الأراضي المحتلة إلى خدمات ودعم من السلطة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى. أقوال ملادينوف جاءت خلال إحاطته الشهرية (أغسطس 2020) التي يقدمها أمام مجلس الأمن الدولي حول الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم يقف ملادينوف عند هذا الحد، بل حمل السلطة كذلك مسؤولية الأزمة المالية التي تواجهها بسبب “رفضها قبول العائدات التي تحولها إسرائيل، مما أدى إلى مفاقمة الأزمة المالية وأثرت على تقديم الخدمات”. لكن ملادينوف لم يذكر أن الأموال التي “ترفض” السلطة استلامها هي أموال ضرائب فلسطينية قامت إسرائيل باستقطاع نسبة منها، بحجة أن السلطة تدعم عائلات الشهداء والسجناء الفلسطينيين، وقررت السلطة عدم استلامها إن لم تكن كاملة.[[4]]

ويعاني نحو 133 ألف موظف بالسلطة الفلسطينية من عدم استلام الرواتب بشكل منتظم، وحتى رهان السلطة على الاقتراض من البنوك المحلية لصرف بعض التزاماتها وخصوصا مرتبات الموظفين، لكن قدرتها على الاقتراض أوشكت على النفاد؛ في ظل تعاظم ديونها؛ فحتى نهاية مايو 2020، بلغ حجم مديونية السلطة الفلسطينية للبنوك المحلية 1.627 مليار دولار، إضافة إلى 1.1 مليار دولار ديونا خارجية، نصفها لصندوق يديره البنك الإسلامي للتنمية. ووفقا لمدير أحد البنوك، فإن وزارة المالية الفلسطينية تجاوزت سقوف اقتراضها من البنوك، مضيفا أنها “لم تستطع تأمين قرض مجمع بـ 400 مليون دولار كانت طلبته لتجاوز تداعيات جائحة كورونا، ولم تسحب منه سوى 30 مليون دولار”. وتظهر بيانات وزارة المالية التابعة للسلطة أن الجباية المحلية تراجعت في مايو إلى حوالي 40 مليون دولار، منخفضة بأكثر من 60 بالمائة عن معدلها الشهري (حوالي 110 ملايين دولار) بسبب جائحة كورونا. وبفقدان عائدات الضرائب مع (إسرائيل) بالكامل، ويبلغ معدلها حوالي 200 مليون دولار شهريا، تكون إيرادات السلطة الفلسطينية تراجعت بنسبة 90 بالمائة في مايو عنها في شهري يناير وفبراير 2020. وبحسب أرقام وزارة المالية، فإن الدعم الخارجي الذي تلقته السلطة في مايو بلغ 28 مليون دولار فقط، ما يعني أن كل ما حصلت عليه السلطة من إيرادات في مايو لا يتجاوز 68 مليون دولار، تغطي حوالي خمس النفقات العامة الشهرية فقط، البالغة حوالي 300 مليون دولار.[[5]]

 

سيناريوهات المستقبل

تبني السلطة خيار المقاومة المسلحة: وهو سيناريو مستبعد تماما؛ لأن السلطة وأجهزتها السياسية والأمنية ترعرعت على الصفقات المشبوهة والبيزنس مع الاحتلال والتكويش على المناصب وبسط النفوذ وبالتالي فقد تخلى هؤلاء عن معنى وقيمة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال منذ سنوات طويلة، لكن ذلك لا يمنع من أن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ربما تستغل الغضب داخل أجنحة بالسلطة وحركة فتح ومنظمة التحرير لتعزيز وجودها في الضفة، من خلال التحالف مع أجنحة فتحاوية تؤمن باسئناف المقاومة المسلحة، هذا السيناري يحذِّر منه مركز الأبحاث الإسرائيلي، لافتا إلى أنه من غير المستبعد أن تدفع التحولات الأخيرة حركة “فتح” إلى تبني خط حركة “حماس” القائم على العمل المسلح، مع ما يستدعي ذلك من أجهزة الأمن الإسرائيلية الاستعداد له.

قبول السلطة بالعودة إلى المفاوضات: السيناريو الثاني هو تضييق الخناق على السلطة حتى تقبل بالعودة إلى مائدة المفاوضات مع الاحتلال دون شروط مسبقة، ويدفع الاحتلال والأمريكان السلطة باتجاه هذا المسار؛ خوفا من تبني السلطة أو بعض أجنحة حركة فتح ومنظمة التحرير لأعمال المقاومة المسلحة، ولتقليص فرص تحقيق هذا السيناريو، فقد دعا مركز الأبحاث الإسرائيلي صنّاع القرار في تل أبيب إلى القيام بتحرك إقليمي ودولي لإقناع السلطة الفلسطينية بالعودة إلى طاولة المفاوضات، من منطلق أن “صفقة القرن” إحدى النقاط التي تستند إليها أي تسوية للصراع. وحتى تتجنب حكومة الاحتلال المخاطر التي يمكن أن تنتج عن اتفاق التطبيع الإماراتي وخصوصا ما يتعلق بتعزير مسار المقاومة المسلحة واحتمالات انهيار السلطة؛ يرى المركز وجوب إحداث تحول إيجابي على نمط تعاطي تل أبيب مع السلطة الفلسطينية؛ لتحسين قدرتها على الحكم واستعادة التنسيق الأمني معها وإشراكها في المشاريع الاقتصادية والتكنولوجية التي يمكن أن تدشنها إسرائيل والإمارات. ولفت إلى أن المصلحة الإسرائيلية تتطلب أن تكون السلطة الفلسطينية جزءا من التعاون الإقليمي الذي يفترض أن يتطور بعد الاتفاق.

سيناريو الفوضى الخلاقة: السيناريو المحتمل بعد اتفاق التطبيع الإماراتي، أن الاحتلال ربما يشعل (فوضى خلاقة) بإشعال حرب بين قيادات السلطة على وراثة عباس بعد تدبير عملية اغتيال غامضة. يتزامن مع ذلك عدم السماح لــ120 ألف فلسطيني يعملون في مناطق الاحتلال، وتجميد المخصصات المالية للسلطة؛ وبذلك تتحول مناطق السلطة إلى ساحة قتال وفوضى تبرر بها (إسرائيل) ضم الضفة مستقبلا. وعندها لا يبقى إلا التعويل على المقاومة، أما أجهزة السلطة الأمنية فقد أفسدهم المال الأمريكي والإسرائيلي؛ فهم عقبة في طريق  التحرير، ولن يكونوا أبدا دعما لقضية التحرير والمشروع الوطني الفلسطيني.

الخلاصة أن خيارات السلطة تضيق، لأنها تعاني من شبه عزلة دوليا وإقليميا، وتتعرض لضغوط كبيرة من أجل إبداء المزيد من المرونة والانصياع لصفقة القرن وخطة الضم؛ وهو ما يفرض على قيادة السلطة ألا تنظر لاتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي على أنه خطوة معزولة عن سياقها الدولي والإقليمي”، كما أن السلطة ليس باستطاعتها مواجهة التطبيع الإماراتي بخطوات عملية تتجاوز الرفض والاستنكار، وهذه لا تشكل أي ضغط”. من جانب آخر، فإن أي توجه دبلوماسي لمناهضة التطبيع الإماراتي على أمل تغيّر الظروف وخاصة الانتخابات الأمريكية “مراهنة خاسرة، لأنه لا يمكن لأي إدارة أميركية قادمة أن تغير خطوات الاحتلال أو الإمارات”؛ وبالتالي فإن المطلوب من السلطة خلال هذه المرحلة تقديم أطروحات بديلة على مستوى الرؤية الاستراتيجية لما يريده الفلسطينيون، ووسائل تطبيق هذه الرؤية، سواء النكوص عن حل الدولتين، أو التمسك به، أو الإتيان بحل جديد، ودون ذلك استنزاف للطاقة والوقت”. وعلى السلطة أن تجيب بكل وضوح ودقة عن أسئلة بالغة الأهمية لتحديد خطواتها المقبلة: فهل تريد قيادة السلطة التفاوض على أساس حل الدولتين أم تريد أن تناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي باعتباره مشروعاً استعمارياً استيطانياً وجوده مرفوض؟ وهل تريد أن تناضل من أجل حقوق متساوية وليس لديها مشكلة مع إسرائيل بل مع سياستها؟”. هذه الأسئلة يجب أن توضع على الطاولة بجرأة دون أن يستثنى أي طرف من النقاش”.[[6]]

أمام السلطة إذا ثلاثة خيارات ممكنة، وهي التعاطي مع مبادرات دولية والعودة للمفاوضات، وثانيا تقوية العلاقة مع دول أوروبية وغربية تحتفظ معها بعلاقات جيدة لتخفيف حدة الضغوط الممارسة عليها، وأخيراً تقوية اللُّحمة الداخلية وإنهاء الانقسام السياسي بين غزة والضفة”. وفي ظل غياب الخطة الاستراتيجية لدى القيادة، فالأكثر ترجيحا هو تكثيف الجهود الدبلوماسية لتعزيز الموقف الفلسطيني لوقف مسلسل التطبيع؛ وهو أيضا مسار مشكوك في جدواه، وتبقى الأوضاع مفتوحة على كافة السيناريوهات وإن كان سيناريو تفجير الأوضاع بين أجنحة السلطة على خلافة عباس هو الأكثر احتمالا والأكثر تحقيقا لأهداف الاحتلال وترجمة لمخططاته الإجرامية.

 

——————————————-

[1] صالح النعامي/ تحذير إسرائيلي من انهيار السلطة الفلسطينية بعد الاتفاق مع الإمارات/ العربي الجديد 19 اغسطس 2020

[2] بعد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي.. ما خيارات القيادة الفلسطينية لإنقاذ نفسها من “الاستبدال” ومواجهة التخلي العربي عنها؟/ عربي بوست 21 أغسطس 2020

[3] نائلة خليل/ مسؤول فلسطيني يؤكد لـ”العربي الجديد” عودة التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة/ العربي الجديد  19 اغسطس 2020

[4] ابتسام عازم/ ملادينوف: السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار الاقتصادي/ العربي الجديد 22 يوليو 2020

[5] السلطة الفلسطينية تواجه أزمة مالية غير مسبوقة/ العربي الجديد 15 يونيو 2020

[6] عوض الرجوب/بعد تطبيع الإمارات..هل للسلطة الفلسطينية من خيارات؟ (تحليل)/ وكالة الأناضول 21 أغسطس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

خطاب عباس حول وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال .. قراءة في المضامين والتوجهات

أثار إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في 19 مايو 2020م “أن منظمة التحرير الفل…