‫الرئيسية‬ العالم العربي تهديدات السيسي بإنزال الجيش لإبادة مخالفات البناء .. قراءة في الرسائل والأبعاد

تهديدات السيسي بإنزال الجيش لإبادة مخالفات البناء .. قراءة في الرسائل والأبعاد

 

 

الحالة التي بدا عليها زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال افتتاحه عدة مشروعات صغيرة بمحافظة الإسكندرية عبر الفيديو كونفرانس صباح السبت 29 أغسطس 2020م، تمثل لغزا يحتاج إلى تفسير؛ ذلك أن السيسي عاود التهديد بإنزال الجيش لإبادة مخالفات البناء في جميع القرى و المدن المصرية في ظل اتهامه لأجهزته الحكومية والأمنية بالإهمال والتقصير؛ فالموقف -بحسب الظاهر للعيان- لم يكن يستدعي كل هذا الانفعال والغضب ثم التهديد والوعيد والتصريح بعبارات غريبة تعكس عدم التوازن في الشخصية، وتؤكد أن صاحبها يعاني من اضطرابات نفسية حادة تتصارع بشدة في عقله، وتخرجه عن طور الهدوء والرصانة المصطنعة إلى حالة من الهياج والغضب والانفعال الذي لا يليق بشخص يتولى رئاسة أكبر وأهم دولة عربية.

حالة الهيجان والعصبية والتهديد والوعيد رآها المصريون والعالم كله عبر الفضائيات ومقاطع اليوتيوب وقرأ عنها الملايين في الصحف والمواقع الإخبارية ومواقع التوصل الاجتماعي، بحضور ومشاركة قيادات نافذة بالمؤسسة العسكرية ورئيس الحكومة مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء والمسئولين بنظام 30 يونيو، ولا شك أن زعيم الانقلاب أراد بالصورة التي بدا عليها والتهديدات التي أطلقها توصيل عدة رسائل ومضامين، كما يمكن استنتاج الكثير من هذه الحالة التي بدا عليها السيسي بما يعكس حالة الارتباك والفوضى التي يعاني منها النظام ومؤسساته السياسية والأمنية والإعلامية.

الرسالة الأولى، هي تهديد الشعب بالجيش؛ وهو تهديد بدا بشكل مباشر لمن وصفهم بأصحاب التعديات على الأراضي الزراعية والمباني المخالفة والتعديات على أراضي الدولة؛ حيث هدد السيسي بإنزال الجيش إلى “كل قرى مصر” لإزالة ما وصفها بـ”التعديات”، وقال: “الدولة بمؤسساتها يا محمد يا زكي (وزير الدفاع) مسؤولة عن الحفاظ على الدولة المصرية، لن أسمح أبدا أن احنا نهد بلدنا ونضيعها كده، ولا حد يتصور، لا والله، لو الأمر استدعى هخلي الجيش المصري ينزل كل قرى مصر، وأنا بأكلمكم عشان تبقوا عارفين يا نقف ونبقى دولة مظبوطة يا أسيب مكاني وأمشي من هنا”. وبالتالي فإن السيسي يريد أن يضع الجيش في صدام مباشر مع الشعب؛ فالمشير لم يعرف بقيادته لأي معركة حربية ضد عدو البلاد (إسرائيل) وكل حروبه إنما استهدفت صدور المصريين ومنح نفسه على هذه الجريمة ترقيته “مشير” وهي الرتبة التي لا تمنح إلا للقائد العسكري الذي خاض حربا ضد العدو وانتصر فيها، وللأسف فإن المؤسسة العسكرية التي قبلت أن تكون أداة السيسي في اغتصاب الحكم بانقلاب عسكري، لا تزال حتى اليوم ترضى بأن تكون أداته وأداة شلته في سحق الشعب لضمان بقائه في السلطة رغم الفشل المركب في جميع قطاعات الدولة.

الرسالة الثانية، هي التأكيد على الوضعية المتميزة للجيش داخل الدولة ومؤسساتها باعتبارها فوق الدولة وفوق الحكومة وفوق الشعب بالطبع؛ فالسيسي الذي تهكم على اللجان الحكومية المكلفة بالنزول لمعاينة الأوضاع على الأرض وضبط المخالفات وفحص التراخيص، والتي اتهمها ضمنياً بالتراخي والتقاعس، أعلن إنشاء آلية جديدة لمراقبة المخالفات على مستوى الجمهورية باسم “منظومة البنية المعلوماتية المكانية” التابعة للقوات المسلحة، والتي أنفقت عليها الدولة مئات الملايين من الجنيهات لشراء صور فضائية شاملة لجميع المناطق المصرية منذ عام 2011 وحتى الآن، من بعض مقدمي الخدمة العالميين، لتتمكن الآلية من رصد تطور المخالفات، هذه الآلية سبق أن طالبت بها الحكومة مرات عدة، ممثلة في الوزارات والأجهزة المعنية بالرقابة على الأراضي، مثل وزارات الإسكان والزراعة والسياحة والعدل، وكان هناك مشروع لإنشائها منذ 5 سنوات، لتكون تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء، لكن ما حدث هو شراؤها لحساب الجيش وإسناد إدارتها للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وحصل ذلك بحجة “ضرورتها لمتابعة تقدم المشاريع القومية التي تنفذهاهذه الهيئة”، وهو ما يكرس الوضعية المتميزة للجيش، ولعل هذا هو السبب المباشر الذي دفع السيسي إلى تهديد الشعب بالجيش والتهديد بوجود معدات كافية لإبادة جميع التعديات على حد تعبيره.

الرسالة الثالثة، هي التشديد على أجهزته الحكومية بضرورة التعامل بصرامة مع مخالفات البناء والتعديات على الأراضي الزراعية؛ والتأكيد على أنه لن يتهاون مع المخالفين؛ وتمادى السيسي في تهديداته لدرجة أنه وصف المخالفين في البناء والمتعدين على الأراضي الزراعية باعتبارهم أعداء؛ وهو موقف غريب إذ يتعامل السيسي مع الشعب المصري المسالم عبر الجيش والأدوات العسكرية والبطش السلطوي بينما يتشبث بمسار التفاوض مع أثيوبيا التي تدشن السد وأعلنت الحرب على مصر! وهو ما يؤكد أن الجيوش التي تحكم لا تحارب. يقول السيسي «من الطيارة تشوف العجب من اللي بيتعمل في بلدنا، حاجة تانية خالص، لو سمحتم متخربوش بلدكم، والله العظيم ده خراب خراب يا جماعة لدولة ومحدش يعمل كده، الأمر لله ثم لينا كلنا، وأنا لا يمكن هسمح أبدا بده.. إحنا أعداء البلد دي مش اللي بيعمله معانا الإرهاب بس، لا والله العظيم، ده عدو، طيب أنت عايز تبني خليني أنظملك أنا، إنما كده مينفعش». وانتهى اجتماع مجلس الوزراء بعد تهديدات السيسي بيومين إلى إجبار المواطنين على أحد أمرين: إما دفع الغرامات الباهظة وإما الإزالة. وتأكيدا على جدية هذه التهديدات فقد اعتقلت أجهزة السيسي الأمنية آلاف المواطنين بجميع محافظات الجمهورية خلال الأسبوع التالي مباشرة لتهديدات السيسي وجرى عرضهم على النيابة العسكرية التي قررت حبسهم باستثناء عدة مئات جرى إخلاء سبيلهم لتمكنهم من تدبير مبالغ التصالح أو غرامة المخالفات، بينما بقي في الحبس جميع المواطنين الذين لم يستطيعوا دفع المبالغ المالية، أو المتورطين في حالات بناء على أراضي الدولة ولم تتم إزالة المنشآت، ومنحت بعض النيابات العسكرية هؤلاء المتهمين فرصة تسوية القضية بالإزالة خلال فترة الحبس الأولى المقررة بخمسة عشر يوماً. [[1]]

الرسالة الرابعة والأهم، هي الحرص الشديد على نهب جيوب الناس، باعتبار ذلك هو الباب الوحيد المتاح  ــ حاليا ــ أمام النظام لزيادة إيرادات الدولة؛ فكلما ضاقت الأزمة المالية والاقتصادية على السيسي لا يجد سوى جيوب المصريين ليغرف منها ما يشاء لتوفير احتياجات النظام خوفا عليه من السقوط؛ ولذلك فإن سر غضب السيسي وانفعاله الشديد أن النظام يعاني من ورطة شديدة لعدة أسباب أبرزها تراجع إيرادات الدولة مع انهيار قطاع السياحة وتعليق النشاط الاقتصادي المحلي والدولي بسبب تفشي جائحة كورونا منذ بداية 2020م، وبحسب إحصاءات رسمية فإن حجم المخالفات والتعديات يصل إلى أكثر من 5 ملايين حالة، تشتمل على نحو 20 مليون وحدة سكنية مخالفة؛ فوفقا لتقديرات وزارة التنمية المحلية، وصلت أعداد مخالفات البناء حتى عام 2019، لـ3 ملايين و240 ألف عقار في جميع المحافظات، فيما بلغ إجمالى حالات التعديات بالبناء على الأراضي الزراعية خلال الفترة من 25 يناير 2011، حتى يوليو 2018، مليون و900 ألف حالة تعد، معنى ذلك أن السيسي يشن حربا على عشرات الملايين من المصريين؛ وهو درب من الجنون لا يقدم عليه إلا معتوه فقد كل مقومات التفكير السليم والتوازن النفسي، فإذا كانت هذه المخالفات قائمة بالفعل منذ سنوات، وتزايدت بشدة في الفترة الأخيرة؛ فلماذا أبدى السيسي كل هذا الغضب في هذا التوقيت بالذات؟  تفسير ذلك، أن غضب السيسي ليس بسبب هذه الحجم الكبير للمخالفات والتعديات على الأراضي الزراعية، ومخالفات البناء، فهو من سن قانون “التصالح في مخالفات البناء” في يوليو 2019م؛ وهو القانون الذي يقنن هذه المخالفات مقابل غرامات مالية باهظة، ويكفي أن من يقدم على التصالح مطالب بدفع 5 آلاف جنيه مبدئيا ويصل سعر المتر الواحد ما بين 200 جنيه في القرى و500 جنيه في المدن ونحو 2500 جنيه في المدن والأحياء الشهيرة بالقاهرة والجيزة والإسكندرية وعواصم المحافظات. أما السبب الحقيقي وراء انفعال السيسي هو أنه كان يتوقع وفقا لتقديرات أجهزته الحكومية أن يدر قانون التصالح في البناء نحو 300 مليار جنيه بعد 6 شهور فقط من إصدار لائحته التنفيذية( يعني في فبراير 2020)؛ لكن المواطنين زهدوا في التقدم للتصالح ولم يحقق القانون سوى نحو 2.2 مليار جنيه فقط حتى 11 أغسطس 2020م وفقا لتقرير وزارة التنمية المحلية[[2]]؛ الأمر الذي أصاب السيسي بحالة من الهستيريا والجنون ودفعه إلى شن حرب على الشعب والتهديد بنزول الجيش في كل قرى مصر ومدنها.

الرسالة الخامسة،  هي التنصل من المسئولية عن الفشل والانهيار الجاري في كافة قطاعات الدولة، وعلى رأسها  التنصل من تداعيات أزمة سد النهضة الكارثية، والتوقعات التي تحذر من أزمة غذاء بمصر، وتحميل المواطنين المسئولية عن ذلك؛ ولهذا السبب ساوى السيسي بين كارثة سد النهضة وتداعياتها المتوقعة ومخالفات البناء على الرقعة الزراعية، حيث قال «خايفين من سد النهضة.. صدقوني هذا التعدي خطير جدا بنفس نسبة خطورة سد النهضة، اللي واضح لينا موضوع المياه لكن اللي مش واضح لو استمرينا بالشكل ده في التعديات على الأراضي الزراعية، لو استمرينا كده عمرنا ما نوصل لنسبة 100% في تغطية المرافق، والكلام ده في منتهى الأهمية الأرض الزراعية اللي بتدمروها دي هي اللي بتسكنوا جنبها دلوقتي طيب هتشتغلوا فين بعد كده، انتبهوا للتعدي على الأراضي الزراعية». وهي تصريحات تستهدف التنصل من المسئولية وتحميلها للشعب الذي يقوم بالتعديات وأجهزة الدولة باستثناء الجيش؛ رغم أنه هو المسئول عن كل شاردة وواردة في البلاد  منذ انقلاب منتصف 2013م؛ وهو ما يتسق مع حملات الدعاية البيضاء التي تستهدف إسناذ الإنجازات والنجاحات للسيسي، أما التجاوزات والمخالفات والفشل فيحملها السيسي للأجهزة الحكومية، من محافظين ومحليات وشرطة ووزارات قائمة على التخطيط والمرافق والفحص والرصد، وأكد السيسي هذه الرؤية من خلال تهديده الصريح للمواطنين بـ”نزول الجيش لجميع القرى لضبط المخالفات”، وتهديده الآخر للمسؤولين التنفيذيين الذين لا يستطيعون تنفيذ تعليماته بهدم المباني المخالفة لأسباب اجتماعية أو دينية، أو من لا يستطيعون جمع أكبر قدر ممكن من المبالغ المالية الخاصة بطلبات التصالح، بقوله “إما تكونون رجالاً أو شيئاً آخر”. كما طالب السيسي المحافظين ومديري الأمن مساعدي وزير الداخلية، الذين يفشلون في تنفيذ تلك التعليمات، بالاستقالة الفورية.

الرسالة السادسة، هي الادعاء والتظاهر بعدم التشبث بالسلطة والحكم؛ والاستعداد لعمل استفتاء لبقائه في الحكم؛ يقول السيسي «لو مش عاجبكم الإصلاح أنا مستعد أمشي، نعمل استفتاء، وييجي شخص آخر يخرب مصر»؛ وهي التصريحات التي يمكن وصفها باللغو الذي لا يؤخد على محمل الجد لعدة اعتبارات؛ أولها، أن السيسي لا يؤمن أصلا بالديمقراطية، ويرى شعوبنا غير مهيأة للحكم الديمقراطي، وفي سبيل شغفه بالسلطة وطمعه في الحكم، قاد انقلابا دمويا وأطاح بنظام ديمقراطي منتخب بإرادة الشعب الحرة، وارتكب  ــ ثانيا ــ عشرات المذابح الجماعية ولا يزال من أجل إتمام جريمة اغتصاب السلطة؛ وثالثا أنه في سبيل ضمان البقاء والاستمرار في الحكم أطاح بكل منافسيه حتى من داخل الجيش وزج بهم في السجون بتهم ملفقة، ورابعا، أنه أجرى على الدستور تعديلات في 2018م تسمح له بالاستمرار حتى 2030م بزيادة مدتين (8 سنوات) عن المقرر في دستور النوايا الحسنة 2014م. وخامسا أن السيسي نفسه لا يرغب بل يستطيع إجراء استفتاء حقيقي ديمقراطي لأن من اغتصب الحكم بانقلاب ومهدد بالمحاكمة على الدماء العزيزة التي سفكها لا يطاح به بإجراء ديمقراطي، وسادسا، لأن السيسي عبر عن عدم ثقته في أحد يأتي من بعده واعتبره سيخرب البلاد ما يعني أنه يرى نفسه الوحيد القادر على حكم مصر من بين المائة مليون مصري!.. وهو ما يعكس حالة تضخم الذات التي تستحوذ عليه وهو مرض عضال يصيب كل طاغية تماما كما كان فرعون يردد باستمرار “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”، فهو الحكيم وطبيب الفلاسفة والقادر على وصف الداء والدواء هكذا خلقه الله وعلى المصريين ألا يسمعوا أحد سواه كما صرح هو بذلك في زيارته لألمانيا في 2015م.

الرسالة السابعة، هي الدفاع عما يسمى بالبرنامج الاقتصادي رغم الإقرار بفشله حقيقة، وأمام عدم اقتناع الشعب بمشروعات السسيسي التي يصفها بالقومية (تفريعة قناة السويس ــ العاصمة الإدارية ــ مدينة العلمين الجديدة) واتهامه بإهدار سيولة البلد على هذه المشروعات الفاشلة دافع السيسي عن هذه المشروعات دون أن يقدم أي فائدة أو جدوى اقتصادية حققتها هذه المشاريع، ويزعم السيسي أنه لولا تداعيات فيروس كورونا التي أصابت العالم كله، لكنّا قد حققنا معدلات كبيرة في النمو، ولم نحتج إلى الاقتراض من الخارج، مدعيا أن “الاقتصاد المصري بخير، ويتطور وفق الرؤية التي تم وضعها، فمصر حافظت على تصنيفها وفقا لتقييم كبرى مؤسسات التقييم الدولية مما يؤكد سلامة إجراءات الإصلاح الاقتصادي الذي تنتهجه مصر”.  لكن السيسي عصف بكل هذه العبارات المنمقة بالتأكيد على أن الحكومة سوف  تظل تعتمد على الاقتراض حاليا وخلال المرحلة المقبلة؛ وهو ما يعصف بأي معنى يدعي نجاح ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي، ويؤكد الفشل الذريع فاستمرار الاقتراض والاعتماد عليه في إدارة اقتصاد البلاد يعني بكل وضوح شهادة وفاة لهذا البرنامج الاقتصادي الذي اكتوى  الناس بلهيبه دون أن يحقق إنجازا يذكر. يقول السيسي «قدامنا حل من الاتنين يا إما نبني البلد يا إما نتوقف، ولو توقفنا الدولة هتتراجع والشعب هيعاني». مضيفاً: «الحل هو الاقتراض بأرقام ميسرة إلى حد كبير، مع الوضع في الاعتبار قياسات الدين، والدخول به إلى الحدود الآمنة»!. وقد ارتفع الدين الخارجي من 46 مليارا منتصف 2013 إلى نحو 130 مليارا حتى يونيو 2020م. والدين المحلي ارتفع من 1.3 تريليون جنيه إلى نحو 6 تريليونات جنيه حتى منتصف 2020م. ويصل حجم فوائد الدين واقساطه نحو 1.12 تريليون جنيه، عبارة عن مخصصات سداد القروض 555,5 مليار جنيه، ومخصصات فوائد الدين فتقدر بنحو 556 مليار جنيه، أي 48.8 % من جملة المقدر من الاستخدامات بمشروع الموازنة.

الرسالة الثامنة، هي الدفاع عن هدم المساجد، والهجوم على فضائيات الثورة التي تبث من الخارج بعدما سلطت الضوء على هدم عشرات المساجد في الوقت الذي ينفق فيه السيسي ملايين الدولارات على ترميم معبد يهودي ويتقرب إلى الكنيسة بتشريعات تقنن الكنائيس المخالفة؛ لكنه لا يتسامح مطلقا مع المساجد وقد اعترف السيسي بذلك في تصريحاته إذ يقول إنه جرى هدم نحو 30 مسجدا وجرى بناؤها من جديد، وقد كذب السيسي في ذلك مرتين: الأولى أنه ادعى هدم 30 مسجدا فقط والحقيقة أن الأرقام التي كانت مدونة أمام اللواء الذي يشرح مشروع محور المحمودية تتحدث عن 72 مسجدا جرى هدمها. والثانية أن السيسي لم يعد بناء هذه المساجد المهدومة مطلقا والهدف من تصريحاته هو تهدئة الرأي العام حتى ولو بالأكاذيب.

 

#مش_عاوزينك

أمام هذه التهديدات والرسائل البالغة القسوة ومشاهد الإزالة التي طالت مئات الأبراج والعمارات والمنازل دشن نشطاء وسم #مش_عاوزينك والذي تصدر قائمة الأكثر تداولا في مصر لخمسة أيام متتالية، في حين دشنت أجهزة السيسي الأمنية وكتائبه الإلكترونية عدة وسوم للتغطية عليه، كان أشهرها #شعب_مصر_معاك_ياريس، والذي لم يلق تجاونا سوى من موظفي الأجهزة الأمنية. الوسم (#مش_عاوزينك) الذي انتشر كالهشيم في النار تسبب في حالة ارتباك داخل الأجهزة الأمنية التي راحت توجه الآلة الإعلامية التابعة للنظام العسكري بضرورة مواجهة هذا الغضب الشعبي والتغطية على حالة الغضب وعدم التوازن التي بدا عليها السيسي في تصريحاته، وحاولت الأذرع الإعلامية تبرير غضب السيسي بالخوف على البلد، فقال الديهي في برنامجه “بالورقة والقلم” على فضائية ten، إن غضب السيسي منبعه حديثه مع المصريين من القلب، وليس كباقي رجال السياسة، وحديثه الغاضب كان عكس القواعد السياسة، وبرر انفعال السيسي بأنه متألم لرؤية بلاده تتآكل رقعة بعد رقعة بسبب المخالفات في البناء.

بينما يعزو المذيع الأمني أحمد موسى حالة الهيجان التي بدا عليها السيسي إلى عدم تقدير المصريين لما أسماها بالإنجازات التي قام بها رئيس الانقلاب خلال السنوات الماضية. وادعى أن “الصورة اللي أغضبت السيسي كانت لتجريف أراضي زراعية  في الدلتا وتحول المساحات الخضراء لبيوت”. أما سيد علي على قناة “الحدث اليوم”، فأيد السيسي في فكرة “شبه الدولة”، وبرر غضبه بانتشار العشوائيات، لكنه حمل فساد المحليات مسؤوليتها، وألمح لسكوته هو والدولة على محاسبتها. وقال: “أين المحافظون ورؤساء الأحياء وموظفو المحليات وكل تلك المباني المخالفة تظهر أمام أعينهم والدولة لم تحاسبهم؟” وهو بذلك يعزز توجهات تنصل السيسي من المسئولية وإلقائها على أجهزة الدولة والمواطنين عموما.

 

هل يتدخل الجيش؟

يعزز من حالة الغضب بين المواطنين أن السيسي عبر وزارة التنمية المحلية، قرر في 24 مايو 2020م ولمدة 6 شهور وقف إصدار تراخيص أعمال بناء المساكن الخاصة أو توسعتها أو تعليتها أو تعديلها أو تدعيمها، مع إيقاف أعمال البناء الجاري تنفيذها بمحافظة القاهرة الكبرى والإسكندرية وعواصم المحافظات والمدن الكبرى. وهو القرار الذي يعالج الخطأ بخطأ أكبر منه؛ لأن القرار أصاب قطاع المعمار بشلل تام وهو القطاع الذي يضم نحو 12 مليون عامل ومهندس ومهني، فضلا عن حوالي 20 ألف شركة ما بين الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، بالإضافة إلى تجار مواد البناء، بحسب تصريحات صحفية في أبريل 2020 م لرئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء محمد سامي، كما أن أغلب الأنشطة الاقتصادية والصناعية في مصر تقوم على أعمال المقاولات، التي تعتبر مصدر الرزق الوحيد لقطاع واسع من الحرفيين والعمال. مشكلة القرار أنه يأتي بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا الذي أصاب دخول المواطنين في الصميم حيث تراجعت دخول نحو 73% من المصريين بحسب دراسة حكومية، فمن أين ينفق هؤلاء الملايين على أطفالهم وأولادهم في ظل هذه الظروف العصيبة؟ [[3]]

وأمام حالة الفشل المركب والغضب المتصاعد والديون الباهظة والإتاوات التي ترتفع كل يوم والجحيم الذي يعاني منه الشعب هل يتدخل الجيش للإطاحة بالسيسي وفقا لصلاحايته الدستورية التي منحتها له التعديلات الأخيرة التي أجراها السيسي في 2018م؟

فوفقا لمحللين ومراقبين فإن المادة 200 تنص على أن “القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد”. وبالطبع تحمل هذه المادة عبارات فضفاضة يمكن تنزيلها على أي تدخل للجيش وبالتالي فإن السيسي دون أن يدري قد منح أي انقلاب قادم عليه أو على غيره دستورية مسبقة بدعاوى حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها وصون الدستور والديمقراطية فقد فرط السيسي في التراب الوطني “تيران وصنافير” وفرط في مياه النيل “اتفاق الخرطوم مارس 2015م”، ويواصل انتهاك حريات الأفراد وحقوقهم.  هذه المادة بلا شك تمثل خللا في فكرة دولة المؤسسات وخلطا في الأوراق والمسؤوليات، وهي من أخطر المواد التي تم تعديلها، لكنها تسمح للمؤسسة العسكرية بأن تلعب دورا في حماية البلاد من الاضطرابات، كما تسمح لها بالاستناد إليها للتدخل في عزل السيسي، باعتبار أن هذا الرجل اعتدى على الدستور سواء في واقعة تيران وصنافير لأنه أخل بسلامة البلاد ووحدتها، أو في وقائع كثيرة عطل فيها الكثير من مواده، وبالتالي فإن هذه المادة تصلح غطاء دستوريا للتدخل من قبل القوات المسلحة للدعوة إلى مرحلة انتقالية أو انتخابات رئاسية مبكرة إذا تحركت أو تحركت أجنحة بها لعزل السيسي. وهو احتمال ضعيف لكنه يبقى قائما فتاريخ المؤسسة العسكرية مليء بصراعات الأجنحة منذ سيطرة الجيش على الحكم منذ انقلاب 23 يوليو سنة1952م.

———————————–

[1] مخالفات البناء: اعتقالات جماعية ومحاكمات عسكرية في مصر/العربي الجديد 05 سبتمبر 2020

[2] كريم أبو زيد/ بعد تلويح السيسي بـ«نزول الجيش».. كيف تواجه الدولة تعديات البناء؟/ مصر العربية 29 أغسطس 2020

[3] حسن المصري/ خراب بيوت بأمر السيسي.. وقف تراخيص البناء يثير غضب العمال ورجال الأعمال/ الجزيرة نت 10 يونيو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…