المشهد السياسي - سبتمبر 12, 2020

المشهد السياسي

 

المشهد السياسيى المصري:

ماذا بعد القبض على د. محمود عزت؟

بعد 7 سنوات من الانقلاب، ألقت قوات الأمن القبض على القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمود عزت (76 عامًا)، من إحدى الشقق السكنية بمدينة التجمع الخامس بالقاهرة، صباح الجمعة 28 أغسطس. هناك من أفاد أن “عزت” يعيش في هذه الشقة التي ألقي القبض عليه منها منذ شهور قليلة. جدير بالذكر أن “د. عزت” كان آخر أعضاء مكتب الإرشاد داخل مصر الذي لم يلق القبض عليه، ولم يبق الآن من أعضاء مكتب الإرشاد -يتكون من 16 عضوًا- خارج السجون سوى محمود حسين وإبراهيم منير وكلاهما خارج البلاد. وقد تولى “عزت” منصب القائم بأعمال المرشد بعد اعتقال المرشد العام للجماعة د. محمد بديع عقب الانقلاب على الرئيس مرسي في 2013.

بخصوص إدارة الجماعة بعد القبض على معظم أعضاء مكتب الإرشاد، هناك من يرى أن ” د. عزت” كان بعيدًا عن الشؤون اليومية لما تبقى من التنظيم، وأن إدارة الجماعة في الداخل كانت مخولة بأعضاء اللجنة الإدارية، التي ظهرت فكرة تشكيلها نتيجة انتهاء فترة ولاية مكتب الإرشاد القائم، وعدم التمكن من اختيار مكتب جديد؛ بسبب الصعوبات الأمنية والسياسية. وفي الحقيقة يبقى سؤال “من يدير الجماعة؟” سؤال مهم، لكن بدون إجابة متفق عليها، خاصة مع اعتقال كل أعضاء مكتب الإرشاد في مصر، وبقاء أعضاء مجلس شورى الجماعة بين معتقل أو مطارد سواء داخل مصر أو خارجها. وينقلنا هذا السؤال إلى سؤال آخر لا يقل أهمية عن مستقبل التنظيم مع اعتقال معظم قياداته، واستمرار الضربات الأمنية دون توقف على ما يبدو.

احتفت أجهزة الأمن المصرية والإعلام المحسوب على النظام بخبر القبض على د. محمود عزت؛ باعتباره انتصارًا كبيرًا، كما أثار القبض عليه أحاديث قديمة عن اتهام البعض للجماعة أن وجودها كان تكئة النظم السلطوية في تبرير استبدادها، متناسين أن السلطوية لن تعدم الحجة في تبرير استمرارها، وناسين أن موقف النظم السلطوية من الجماعة نتيجة طبيعية؛ كون الجماعة هي الكيان الوحيد من خارج جهاز الدولة القادر على تحقيق التغيير، وأن أية كيانات سياسية أخرى حداثية، سواء كانت “أحزابًا يسارية أو ليبرالية”، أو تقليدية “قبائل وعائلات وطوائف” بدا واضحًا عجزها عن تحقيق التغيير المطلوب، كما بدا الفارق بين التصور المثالي للدولة؛ باعتبارها جهازًا محايدًا يخضع لمن يصل للسلطة، وبين الدولة في وجودها الواقعي في عالمنا العربي؛ باعتبارها مجرد كيان حامٍ لمصالح النخب العسكرية والأمنية الحاكمة وملحقاتها، وهي نخب لا تقبل بالضرورة استبدالها بغيرها، ولا تقبل بتقاسم السلطة مع نخب أخرى؛ كونهم -فقط- معبرين عن إرادة الشعوب.

هل النظام يستعد لتعديلات دستورية جديدة؟

اتهمت العضوة السابقة بحركة تمرد دعاء خليفة، العقيد أحمد شعبان، مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية عباس كامل، بأنه المسؤول عن تدمير الحياة السياسية في مصر، وأن فشل “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” هو السبب في عزوف المصريين عن المشاركة في انتخابات الشيوخ الشهر الماضي. ووصفت دعاء العقيد شعبان في شكواها بأنه الرئيس التنفيذي لمصر، موجهة اللوم للسيسي لأنه لم ينصفها. جدير بالذكر أن دعاء خليفة كانت من المدافعين عن “شعبان” في العام الماضي عندما تعرض لانتقادات واسعة، قال مراقبون إن وراءها المتحدث السابق باسم الجيش المصري العقيد محمد سمير. لم توضح ناشطة تمرد أسباب تفجر الخلاف بينها وبين “شعبان”؛ لكنها كتبت منشورات عدة تكشف -في مجملها- كيف يدار المشهد السياسي والبرلماني والإعلامي في مصر. من جهة أخرى، فقد هاجم الإعلام الرسمي والمحسوب على النظام دعاء خليفة؛ باعتبارها باحثة عن الشهرة.

وقد علق متابعون على هذا الجدل بأنه يشير إلى خلافات داخل مجموعة الحكم، وأن أحد الأجنحة، وهو جناح مناهض للعقيد شعبان، هو من شجع دعاء خليفة على التشهير بـ “شعبان”، أو أن الناشطة لم تحصل على المقابل المناسب -من وجهة نظرها- للخدمات التي قدمتها لنخبة الحكم القائمة، وأنها مغترة بما تجمع لديها من معلومات، وخبرات تراكمت لديها خلال خدمتها للنخبة القائمة، فقررت هدم المعبد على رؤوس ساكنيه.

بينما اعتبر آخرون أن هذا الجدل نتاج لمشهد انتخابات مجلس الشيوخ، والغياب الواضح للناخبين، وهو مشهد يتحمل تبعاته شعبان؛ بما أنه مسؤول عن هندسة الانتخابات النيابية في مصر؛ كونه مديرًا لمكتب عباس كامل، وأن حديث السيسي عن استفتاء على بقائه جاء أيضًا نتيجة حالة الانكشاف التي بات فيها النظام بعد الحضور الضعيف في انتخابات الشيوخ، وكان السيسي قد صرح في وقت سابق قائلًا: “لو مش عايزيني أمشي وأسيبها”، (وقد تصدر هاشتاج مش عايزينك يا سيسي قائمة التريند على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر طوال 6 أيام).

بينما هناك من رأى أن تفجر الخلاف بين دعاء خليفة والعقيد شعبان، وأن تصريحات السيسي عن استعداده للرحيل إذا كان ذلك رغبة شعبية، وتهديده بنشر الجيش في القرى، وأن إعادة فتح ملف قضية أحمد شفيق بعد 7 سنوات من إغلاقه، كلها مؤشرات على صراعات داخلية في النظام، وأنه رغم مرور 7 سنوات لا يزال السيسي لا يأمن على كرسيه، وأن ذلك قد يكون الدافع لمحاولته تمرير تعديلات دستورية جديدة، تعزز بقاءه أكثر، في مواجهة مناوئيه من داخل جهاز الدولة؛ خاصة مع اشتداد السخط الشعبي جراء قرارت الإزالة التي تضرر بسببها كثيرون، وبسبب سياسات الجباية، وفرض الغرمات لـ “أتفه” الأسباب.

دوامة الحبس الاحتياطي: القانون في خدمة السلطة:

آلية جديدة تعتمدها الحكومة للحيلولة دون الإفراج عن المحبوسين احتياطيًّا على ذمة قضايا مرتبطة بنشاطهم السياسي والحقوقي المزعج للحكومة القائمة. هذه الآلية تقوم على إدراج المحبوسين احتياطيًّا على ذمة قضايا جديدة قبل وقت قصير من صدور أحكام قضائية بإخلاء سبيلهم في القضايا المحبوسين احتياطيًّا على ذمتها، وقبل نهاية الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي. هذه الآلية تضمن أمرين: استباقًا لصدور قرارات قضائية بإخلاء سبيل متهمين ترى الحكومة ضرورة بقائهم قيد الحبس، الثاني: تجنب أن تأتي القضايا الجديدة عقب صدور قرارات إخلاء سبيل للمتهمين في القضايا القديمة؛ وهو ما يجعل الأمر يبدو متعمدًا، وهو ما لا تريده الأجهزة الأمنية المسؤولة عن تحريك هذه الدعاوى ضد النشطاء.

تتعامل نخبة الحكم مع نشطاء المجال السياسي والحقوقي عبر ثلاث مؤسسات، هي الجهاز الأمني “الأمن الوطني”، النيابة العامة، المحاكم والقضاة. يراوح النظام بين المؤسسات الثلاث في قمع معارضيه؛ فهو يستخدم القضاة في دوائر بعينها؛ لثقته في التزام القضاة في هذه الدوائر بمصالح النظام وتوجيهاته، لكنه يعلم أن هناك دوائر قضائية أخرى يتمتع قضاتها باستقلالية تحرم النظام من الاستفادة بخدماتهم، فيلجأ في هذه الحالة للنيابة العامة، وللحبس الاحتياطي كآلية لإغراق المعارضين في دوامة لا تنتهي من الاتهامات، وفي حالات أخرى تكون الأجهزة الأمنية -بعيدًا عن أية مؤسسات- هي المخولة بالمعارضين، من خلال الإخفاء القسري والتصفيات خارج إطار القانون، أو تكون المحاكمات العسكرية هي طريقة النظام في التخلص من معارضيه.

 

المشهد الاجتماعي المصري:

حوادث الاغتصاب .. المجتمع المصري ما بعد الإسلاميين:

ما تزال تطورات قضية “اغتصاب الفيرمونت” تتوالى، بعد أن ألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة على الأقل من الشاهدات في القضية، كما أوقف الأمن اللبناني ثلاثة من المتهمين في القضية، وقد أشار مقربون من ملابسات القضية إلى القبض على أشخاص آخرين مرتبطين بالقضية. وكانت النيابة قد أفادت أن 7 من المتهمين تمكنوا من مغادرة البلاد قبل تقدم المجني عليها بشكواها للمجلس القومي للمرأة، والذي بدوره خاطب النائب العام.

جدير بالذكر أن القضية ظهرت للعلن ضمن حملة بدأت بالكشف عن حالات تحرش واعتداء صمت ضحاياها ولم يتقدموا بشكاوى، وكانت بداية الحملة بقضية بسام زكي، طالب الجامعة الأمريكية، المتهم بالتحرش واغتصاب عشرات السيدات، قررت إحداهن فجأة اتهام “زكي” بالتحرش بها.

وقضية “اغتصاب فيرمونت” -بحسب الوارد على إحدى الصفحات الرئيسة التي تتبنى الحملة- قد بدأت أحداثها بقيام 6 أشخاص على الأقل، في 2014، بتخدير المعتدى عليها، باستخدام مخدر GHB، وخطفوها إلى غرفة فندق فيرومونت، وتناوبوا اغتصابها، وحفروا الحروف الأولى من أسمائهم على جسدها، ثم صوروا الواقعة وتداولوها فيما بينهم وبين معارفهم كنوع من التباهي.

وقد كشفت حملة الكشف عن حالات التحرش والاعتداء عن تورط عدد كبير من نشطاء المجتمع المدني والعاملين في المجال الإعلامي والحقوقي. وكانت آخر تطورات هذه الموجة، إعلان لاجئة سودانية في شهادة لها، أنها وأختها تعرضتا للاغتصاب المتكرر على يد محامٍ مصري ولاجئ سوداني وناشط نوبي، وتم نشر الشهادتين بواسطة المدون النشط وائل عباس.

في تطور لاحق، أعلن المجلس القومي للمرأة عن تأسيس منصة -بالشراكة مع وزارة الإعلام- لتلقي شكاوى العنف ضد المرأة، من خلال بريد إلكتروني ورقم واتساب؛ لبحثها بشكل سري، وقد اتفق الطرفان الحكوميان على التعاون في نشر الوعي بقضايا المرأة، مع التأكيد على الحفاظ على القيم الأخلاقية للمجتمع المصري.

من النقاط المهمة في هذا السياق: (1) اعتماد النيابة العامة، وحدة الرصد والتحليل، بمكتب النائب العام، على الشكاوى المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي في تتبع هذه الحوادث، وملاحقة المتورطين فيها. وهو تطور إيجابي في الحقيقة، ويؤكد وعي النيابة بالدور الذي تلعبه مواقع التواصل في التعبير عن نبض الشارع. (2) من غير المستبعد استخدام هذه الموجة في التشهير بالبعض؛ لكنها من جهة أخرى ستساعد في تحقيق العدالة والقصاص للضحايا. (3) جزء كبير من قضايا التحرش والاغتصاب مرتبط بالفئات الميسورة والأعلى دخلًا في مصر، وهي حقيقة تهدم الرائج لدى الناس من كون الجريمة والانحراف رفيق دائم للفقر، وانخفاض مستوى المعيشة، وهي الفرضية التي سعى لترويجها عديد من الأعمال الفنية التي قدمت المناطق الشعبية باعتبارها مرتعًا للجريمة وللانحرافات الأخلاقية، وقدمت سكان المدن الفاخرة و”الكامبوندات” باعتبارهم مصدر كل خير؛ فقط بسبب انتمائهم الطبقي. (4) تكشف هذه الأحداث الدور الذي لعبه التيار الإسلامي في كبح جماح الممارسات المشينة أخلاقيًّا ودينيًّا، وكيف تفشت هذه الممارسات بصورة تتناسب طرديًّا مع درجة القمع والملاحقة التي يواجهها أصحاب التوجه الإسلامي في مصر ما بعد 2013.

المشهد الاقتصادي المصري:

الصندوق السيادي غول يبتلع أصول الدولة:

قرر السيسي إزالة صفة النفع العام عن بعض أبرز المباني والأراضي بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، ونقل ملكيتها لـ “صندوق مصر السيادي”، وقد شمل القرار مبنى مجمع التحرير، ومباني وأرض المقر الإداري لوزارة الداخلية، وأرض ومقر الحزب الوطني المنحل المحاذي لنهر النيل. كما شمل القرار أراضي ومباني أخرى بمحافظات القاهرة والجيزة والغربية، منها القريتان التعليمية والكونية الاستكشافية بمدينة السادس من أكتوبر، وملحق معهد ناصر على كورنيش شبرا مصر، وأرض حديقة الأندلس (حديقة الحيوان) بمدينة طنطا. جدير بالذكر أنه -طبقًا للقانون المنشئ والمنظم للصندوق- للرئيس الحق في نقل ملكية أي من أصول الدولة، سواء كانت مستغلة أو غير مستغلة للصندوق، وقرارات نقل الملكية للصندوق محصنة ضد الطعن بموجب القانون، كما ينص القانون على تحصين الصندوق من الرقابة البرلمانية؛ وهو ما يجعل الصندوق فوق أية مساءلة حقيقية.

وقد انتقد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي قرار إزالة صفة النفع العام عن أراض ومباني وسط البلد، واعتبروها خطوة تمهيدية لبيع هذه الأصول لمستثمرين بعيدًا عن أعين الرقباء، معتبرين القرار دليلًا على توقف الدعم الخليجي غير المشروط للنظام المصري. نذكر أن السوشيال ميديا باتت من أكثر النوافذ تعبيرًا عن الرأي العام المصري، مع تأميم الحكومة لكل وسائل التعبير عن الرأي، ومع الرقابة الصارمة لكل المنصات الإعلامية المستقلة، ومع حظر أية موقع إلكتروني يقدم رواية مختلفة، أو رؤية مستقلة عن السردية الرسمية.

بسبب الاقتراض، الدين الخارجي يواصل الارتفاع:

أعلن البنك المركزي عن ارتفاع الدين الخارجي، خلال الربع الثالث، من العام المالي المنتهي 2019/ 2020، بزيادة قدرها 4.7% على أساس سنوي. كما بلغت خدمة أعباء الدين خلال الثلاثة أرباع الأولى من نفس العام المالي حوالي 14 مليار دولار ما بين أقساط وفوائد.

 

 

ثانيا: المشهد الإقليمي والدولي

القضية الفلسطينية

اتفاق تهدئة بين حماس وإسرائيل بوساطة قطرية .. ما الجديد؟:

نجحت قطر -عبر سفيرها لقطاع غزة محمد العمادي- في التوصل إلى تهدئة بين حماس وإسرائيل، وذلك بعد التوصل إلى تفاهمات مع “حماس”، تُرفَع بمقتضاها إجراءات تشديد الحصار التي فرضها الاحتلال مؤخرًا على القطاع، وتشمل فتح معبري “كرم أبو سالم” و”بيت حانون”، إضافة إلى فتح بحر غزة أمام الصيادين، وتمديد دفعات المنحة القطرية، والتزام سلطات الاحتلال بتحويلها في موعدها.

كما تشمل التفاهمات، إمداد وتشغيل خط كهرباء، وإمداد محطة توليد الكهرباء بخط غاز إسرائيلي، تدفع قطر ثمنه من المنحة، وإدخال كل المستلزمات الطبية لمواجهة وباء كورونا، والشروع بتنفيذ مشاريع في المدن الصناعية بغزة؛ لتخفيف البطالة في القطاع. مقابل التزام حماس بوقف إطلاق البالونات الحارقة والمفخخة من القطاع باتجاه المستوطنات، إضافة إلى وقف نشاطات وحدة الإرباك الليلي[1].

ولعل أبرز ما يميز هذه التفاهمات عن سابقاتها هو نقطتين أساسيتين، هما:

النقطة الأولى: وضع سقف زمني من قبل حماس لقيام إسرائيل بتنفيذ تلك التفاهمات، فقد أمهلت الحركة إسرائيل مدة شهرين لتنفيذ التفاهمات المتفق عليها؛ لوقف التصعيد في قطاع غزة.

ويرجع قيام حماس بوضع سقف زمني؛ حتى لا تتكرر التجارب السابقة التي تنصلت فيها إسرائيل من التزاماتها. خاصة أن تل أبيب حاولت في الفترة السابقة، الاكتفاء بالسماح لدولة قطر بتقديم مساعدات مالية شهرية، مقابل “الهدوء”، وهذا ما ترفضه (حماس)، التي تريد رفع الحصار بشكلٍ كامل، أو تخفيفه إلى حد كبير.

كما تسعى حماس إلى استغلال عامل الوقت؛ حيث تسعى إسرائيل في هذا التوقيت إلى تهدئة الأمور مع حماس، خاصة مع قرب انطلاق العام الدراسي، ومع تسريع عجلة التطبيع العربي بعد اتفاق السلام مع الإمارات.

وإن كان هناك توقع بأن التفاهمات المتعلقة بالمنحة القطرية والالتزامات المالية قد تسير بشكل جيد، مقابل تنصل إسرائيل من باقي التفاهمات (كتنفيذ مشاريع كبيرة تخفف من حدة البطالة)، وهو الأمر الذي قد يدفع من جديد نحو التصعيد[2].

النقطة الثانية: أن الاتفاق تم عبر وسيط واحد فقط، وهو السفير القطري محمد العمادي، الذي بقي في غزة لمدة أسبوع كامل، ونسق بين الجانبين بدون المصريين[3]. والأهم من ذلك، أن الاتفاق بوساطة قطر، جاء بعد فشل جهود القاهرة لإحلال التهدئة، عبر سلسلة اتصالات أجراها الوفد المصري.

وربما يرجع ذلك (فشل الوساطة المصرية، ونجاح القطرية) إلى أن الوساطة المصرية تتعامل مع ملف التصعيد بين إسرائيل وحماس أكثر من غيرها، بينما يعمل الوسيط القطري، على حل المشكلات الأساسية المتعلقة بالحياة اليومية للناس واحتياجاتهم الأساسية[4].

وربما يرجع ذلك أيضًا إلى رغبة حماس في إفشال الوساطة المصرية وإنجاح الوساطة القطرية، في محاولة منها لقطع الطريق على المساعي الإسرائيلية – المصرية – الإماراتية في استبدال الدور القطري بالدور الإماراتي، خاصة بعد اتفاق السلام الأخير بين تل أبيب و(أبو ظبي). ولعل ذلك هو السبب خلف تأجيل الوفد الأمني المصري زيارته إلى غزة خلال الأيام المقبلة[5].

لم يتبق إلا أن نشير إلى وجهتي النظر الإستراتيجيتين لطريقة تعامل إسرائيل وحماس مع ملف التفاهمات والتهدئة:

وجهة النظر الأولى: تشير إلى أن العدو الصهيوني لم ينجح في ردع المقاومة الفلسطينية، وبات يدرك أن ثمن القضاء على المقاومة أعلى بكثير من ثمن التكيف معها، والتعايش مع تهديداتها، ونمو قوتها العسكرية، والاستجابة للمتطلبات الإنسانية المتعلقة بتخفيف الحصار عن قطاع غزة، بعد تعويله على أن بضع سنين من الحصار ستُفقد المقاومة حاضنتها الشعبية وقدرتها على بناء ذاتها، وصولًا إلى انهيارها ورضوخها لمطلبه بتسليم سلاحها.

وجهة النظر الثانية: ترى أن المقاومة الفلسطينية هي التي نجحت في إرغام العدو على تنفيذ تلك التفاهمات، خاصة بعد نجاحها على مدار السنوات السابقة من مراكمة قوتها العسكرية، وتطوير قدراتها الاستخبارية؛ وهو ما مثل تهديدًا حقيقيًّا للعدو الصهيوني، ودفعه دائمًا إلى التفكير مليًّا في اتخاذ قرارات الحرب، كما نجحت المقاومة في إدخال كل أشكالها وأدواتها ضمن إستراتيجية العمل المقاوم، الَّتي كان آخرها في الأيام الماضية استخدام البالونات الحارقة كأداة من أدوات المقاومة الشعبية. وعلى إثرها، تواصل العدو مع الوسطاء؛ للتوصّل إلى تفاهمات مع المقاومة، تساهم في تخفيف الحصار الصهيوني.

وعليه فإن العمل المقاوم في ظلّ حالة التراجع العربي وهرولة أنظمة رسمية نحو التطبيع، ومراكمته مرة تلو الأخرى هو العامل الرئيس التي نجحت المقاومة من خلاله في تخفيف الحصار، وإجبار إسرائيل على تنفيذ التفاهمات، التي تهدف إلى تحسين الواقع المعيشي لأهل قطاع غزة[6].

الملف الليبى

ما دوافع وتداعيات قرار رئيس حكومة الوفاق الليبية بإقالة وزير الداخلية؟ .. مركز المستقبل يجيب:

في تقرير لمركز “المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة”، أشار فيه إلى تصاعد حدة الخلافات والتوترات في غرب ليبيا، مع إصدار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، في 28 أغسطس 2020، قرارًا بوقف وزير الداخلية المفوض “فتحي باشاغا” احتياطيًّا عن العمل، ومثوله للتحقيق الإداري أمام المجلس الرئاسي خلال اثنتين وسبعين ساعة من صدور هذا القرار، بعدها أعلن باشاغا قبوله المثول للتحقيق، شريطة أن يتم ذلك في “جلسة علنية منقولة على الهواء مباشرة”.

وقد أشار التقرير إلى مجموعة من الأسباب والدوافع التي تقف خلف هذا القرار، منها:

1- تصدر المشهد السياسي: حيث إن “باشاغا” يحاول جاهدًا خلال الأشهر الأخيرة تسويق نفسه باعتباره الرجل الأول والأكثر نفوذًا في غرب ليبيا، وهو ما تجلّى في زياراته المتكررة إلى تركيا، وكان آخرها زيارتين متتاليتين في يوليو وأغسطس الماضيين. كما أن “باشاغا” لا يكفّ عن مغازلة الدور الأمريكي، سواء عبر التنديد بالدور الروسي في البلاد، أو من خلال دعوته أكثر من مرة إلى تدشين قاعدة عسكرية أمريكية في البلاد؛ لتحجيم النفوذ الروسي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، فإن “باشاغا” -وهو محسوب على جماعة الإخوان المسلمين- يتمتع بعلاقات قوية مع قطر، وقد زار الدوحة أكثر من مرة، وقد التقى، في 21 يوليو الماضي، وزيرَ الدولة القطري لشؤون الدفاع “خالد بن محمد العطية”، في أنقرة، وأعرب له عن الشكر لوقوف بلاده مع الوفاق أثناء الهجوم على طرابلس.

2- الارتكان إلى ظهير عسكري: حيث يحظى “باشاغا” المولود في مدينة مصراتة، بدعم كبير من ميليشيات مصراتة، وهي ميليشيات لديها نفوذ قوي في غرب ليبيا؛ لذا فعقب صدور قرار الإيقاف أعلنت ميليشيات مصراتة النفير، واستدعت عناصرها، فيما أكدوا تضامنهم مع وزير الداخلية، كما طالبوا بفتح تحقيق لمعرفة خلفيات هذا القرار، ومن يقف وراءه، وطالبوا -في بيان- بتشكيل حكومة أزمة مصغرة، وتغيير كل الوزراء، وبإخراج الحكومة من طرابلس إلى أي مدينة أخرى.

3- تحيز تركي: تشير العديد من التقديرات إلى أن تركيا تفضل “باشاغا”، المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، لا سيما من رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري”، كبديل أفضل من “السراج”، الذي ليست لديه خلفية عسكرية، ويواجَه بغضب شعبي متزايد في العاصمة. كذلك فإن إصدار “السراج” إعلان وقف إطلاق النار في 20 أغسطس الجاري، بدا وكأنه قد جاء بدون توافق داخلي في غرب ليبيا، وبدون دعم تركي واضح، وما يؤكد ذلك أن زيارة “باشاغا” الأخيرة إلى أنقرة بصحبة “خالد المشري” قد جاءت دون علم رئيس حكومة الوفاق “فايز السراج”، وهو ما بدا كأنه تخطيط للإطاحة بالسراج، بإيعاز واضح من جانب تركيا.

4- استغلال التظاهرات لتحقيق مكاسب سياسية: حيث تحولت التظاهرات المنتشرة في العاصمة طرابلس خلال الأيام الماضية، التي خرجت بالأساس بسبب سوء الخدمات العامة، إلى فرصة للصراع بين “السراج” و”باشاغا”، خاصةً مع استخدام العنف ضد المتظاهرين، وسقوط بعض الجرحى. ففي حين حاول وزير الداخلية مغازلة المتظاهرين، بالتأكيد على حقهم في الاحتجاج السلمي، وتحذير المجموعات المسلحة من المساس بالمتظاهرين، وجد “السراج” نفسه في مأزق، خاصةً وأن المظاهرات كانت تندد بالحكومة ورئيسها؛ لذا فقد تضمن بيان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، المتعلق بإيقاف “باشاغا” عن العمل، أن يتم التحقيق معه بشأن التصاريح والأذونات، وتوفير اللازم للمتظاهرين، والبيانات الصادرة عنه حيال المظاهرات والأحداث الناجمة عنها، التي شهدتها مدينة طرابلس، وبعض المدن الأخرى خلال الفترة الماضية.

وفيما يتعلق بتداعيات قرار السراج بوقف باشاغا، فقد أشار التقرير إلى مجموعة من التداعيات، منها:

1- تصاعد صراع الأجنحة: أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، في 29 أغسطس الجاري، قرارين يقضيان بتعيين العقيد “صلاح النمروش” وزيرًا جديدًا للدفاع، واللواء “محمد الحداد” رئيسًا للأركان. ويُذكر أن الأخير ينحدر بالأساس من مدينة مصراتة، وهي محاولة من الحكومة؛ للتأكيد على أن الخلاف مع “باشاغا” ليس خلافًا مع مدينة مصراتة. كما تمّ تعيين وكيل وزارة الداخلية العميد “خالد أحمد التيجاني”؛ للقيام بمهام وزير الداخلية الموقوف، وممارسة كافة الصلاحيات والاختصاصات، وبالتالي فإن هناك صعودًا لنخبة عسكرية جديدة موالية لحكومة الوفاق، وهو أمر من المرجّح أن يعزز من وتيرة الصراع بين أجنحة الوفاق في المرحلة المقبلة.

2- تصاعد العسكرة في الغرب: في حال تزايدت حدة التوترات خلال المرحلة المقبلة بين معسكرَيْ “السراج” و”باشاغا”، فقد يُفضي ذلك إلى مواجهات مسلحة بين الطرفين، خاصةً وأن عودة “باشاغا” من تركيا وفور وصوله إلى مطار معيتيقة قد أُحيط بموكب عسكري مهيب، وهو أمر يحمل رسالة غير مباشرة لمعسكر “السراج” بالقدرة على التصعيد العسكري في مواجهة ميليشيات طرابلس، خاصةً وأن “قوة حماية طرابلس” تتنازع مطامع “باشاغا” وحلفائه في السلطة؛ حيث إنها اتهمت في 27 أغسطس الجاري وزير الداخلية والإخوان المسلمين بالسعي نحو الحكم بأي طريقة، وهو ما يتزامن مع خطاب تصعيدي شديد اللهجة من جانب قوات مصراتة ضد قوات العاصمة.

3- بروز الصراع المناطقي: يخفي الصراع بين “السراج” و”باشاغا” بالأساس صراعًا قويًّا غير معلن بين مدينة طرابلس من ناحية ومدينة مصراتة من ناحية أخرى؛ حيث إن المدينتين هما الأقوى في غرب ليبيا، وكل منهما لديها ميليشيات مسلحة تسيطر على الوضع الأمني، وكذلك لديها مصالح اقتصادية كبيرة على مدار السنوات العشر الماضية، ومن المرجح أن يتفاقم الصراع بين المدينتين خلال المرحلة المقبلة، خاصةً في ظل مطالب أهالي مصراتة بإخراج الحكومة من طرابلس إلى أي مدينة أخرى، وتزامنًا مع احتفال ميليشيات طرابلس بقرار إيقاف وزير داخلية الوفاق.

4- تورط أنقرة: فتصاعد الصراع السياسي بين بعض الأجنحة المرتبطة بحكومة الوفاق يؤثر بالسلب على تركيا. فأي تحييد محتمل لباشاغا سوف يحوّل قوات مصراتة إلى خصم جديد لقوات طرابلس، بما قد يفكك التحالف العسكري القائم في مواجهة قوات حفتر. وفي السياق ذاته، فإن تحييد “السراج” من أجل مغازلة قوات مصراتة سوف يعني تحول العاصمة طرابلس وقواتها إلى مدينة مناوئة للنفوذ التركي في المرحلة المقبلة[7].

تركيا و اليونان

تصاعد الصراع بين تركيا واليونان في شرق المتوسط .. الدوافع والسيناريوهات:

تصاعدت التوترات في منطقة شرق المتوسط بعد استئناف تركيا التنقيب في منطقة متنازع عليها مع قبرص، وإجرائها مناورات بحرية في مياه بحرية متنازع عليها مع اليونان، وانهيار المفاوضات التي توسطت فيها ألمانيا عندما أعلنت أثينا عن اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر في السادس من أغسطس، عقب اتفاق مماثل بين تركيا وليبيا في ديسمبر الماضي، بالإضافة إلى إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 12 من أغسطس أن فرنسا تعزز وجودها العسكري مؤقتًا في المنطقة ردًّا على الخطوات التركية[8].

وصل التدافع والصراع بين تركيا واليونان في شرق المتوسط ذروة غير مسبوقة. ففي 12 أغسطس 2020، وقع صدام محدود بين سفينتين؛ تركية ويونانية. وفي الأسبوع الأخير من أغسطس، أجرت اليونان مناورات بحرية – جوية، بمشاركةٍ قبرصية وإيطالية وإماراتية، شهدت في 28 أغسطس مطاردة طائرات مقاتلة تركية لطائرات يونانية، عندما اقتربت الأخيرة من منطقة حظر طيران تركية. وفي اليوم التالي، وما إن اختتمت المناورات اليونانية، حتى أعلنت تركيا عن مناورات بحرية شرق المتوسط، تستمر لأسبوعين كاملين.

سبقت هذه الحوادث، ورافقها وتبعها، تصريحات متشددة من مسؤولي الدولتين، أكدت على عزم كل منهما على الدفاع عن مصالحها في شرق المتوسط، وأنذرت بالذهاب إلى أقصى مدى ممكن للحفاظ على هذه المصالح.

ويتمثل الخلاف الرئيس بين تركيا واليونان في شرق المتوسط في نقطتين رئيستين؛ الأولى: رفض تركيا ادعاء نيقوسيا القبرصية اليونانية بتمثيل جزيرة قبرص، حيث تصر أنقرة على ضرورة الاعتراف بحقوق دولة شمال قبرص التركية -التي تعترف بها تركيا فقط- وهو ما يعني ضرورة استفادة دولة شمال قبرص من الاكتشافات الغازية القبرصية، وإلا تدخلت تركيا لتحقيق ذلك. الثانية: رفض تركيا الاعتراف للجزر اليونانية في المتوسط -مثل: كريت ورودس وماييس- بحق التمتع بحدود اقتصادية، مثل تلك التي تتمتع بها أرض الدولة الرئيسة؛ نظرًا لأن ذلك سيؤدي إلى حصول الجزر اليونانية على مساحة بحرية تفوق تلك التي تحصل عليها تركيا، التي تتمتع بأطول ساحل بحري على شرق المتوسط.

وفيما يتعلق بسيناريوهات التصعيد، يمكن الإشارة إلى سيناريوهين أساسيين:

السيناريو الأول: سيناريو التفاوض: حيث يمكن أن تلجأ كل من تركيا واليونان إلى خيار التفاوض؛ وذلك لمجموعة من الأسباب التي تدعم التفاوض وتعوق المواجهة، منها:

1- أن حلفاء اليونان في إسرائيل ومصر لم يُظهروا استعدادًا لخوض مواجهة مسلحة مع تركيا. أكثر من ذلك فثمة مؤشرات متزايدة على تهدئة في العلاقات التركية – المصرية، تمثل ذلك في ابتعاد مصر عن المشاركة في المناورات اليونانية في المتوسط في الأسبوع الأخير من أغسطس. كما ابتعدت إسرائيل -أيضًا- عن المشاركة في المناورات اليونانية؛ ربما لأن الإسرائيليين يدركون قوة الموقف التركي، وأنهم سيضطرون في النهاية للتفاوض مع أنقرة؛ لتأمين ممر عبر المنطقة التركية الاقتصادية.

كما أن الاتفاق اليوناني – المصري قدم دعمًا مباشرًا للموقف التركي في النزاع مع اليونان حول الحدود البحرية الاقتصادية لكل منهما، في المتوسط وفي إيجة، على السواء؛ حيث أصر الجانب المصري على ترسيم الحدود بداية من الساحل اليوناني الرئيس، وليس جزيرة كريت، وهو ما تطالب به تركيا في ترسيم حدودها مع اليونان.

2- على الرغم من محاولة اليونان استدعاء الاتحاد الأوروبي، ومحاولة إقناع الشركاء الأوروبيين بفرض عقوبات على تركيا. بيد أن من الصعب إيجاد إجماع أوروبي على قرار بفرض عقوباتٍ ما على تركيا؛ أولًا: لأن لتركيا أصدقاء بين دول الاتحاد، لا يرون مسوغًا عادلًا للمطلب اليوناني (مثل إسبانيا ومالطا، وبدرجة أقل ألمانيا وإيطاليا)، وثانيًا: لأن لدى تركيا أوراقًا، يمكن استخدامها في الرد على أية خطوة أوروبية عدائية (مثل ملف الهجرة غير الشرعية عبر سوريا وليبيا). وحتى إن نجحت أثينا في حشد التأييد الأوروبي لعقوبات على تركيا، فليس ثمة ما يشير إلى أن هذه العقوبات يمكن أن تُحدث تغييرًا في الموقف التركي.

وربما ذلك ما دفع ألمانيا -صاحبة الثقل الرئيس في الاتحاد الأوروبي- للقيام بدور الوساطة، والعمل على بدء مفاوضات مباشرة بين الدولتين. وكذلك التزمت بريطانيا -التي ترى في تركيا شريكًا اقتصاديًّا رئيسًا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي- موقفًا حياديًّا من الأزمة.

3- اتخذت روسيا -التي تنظر بقلق إلى تصاعد الدور التركي في شرق المتوسط، وتربطها باليونان الرابطة الأرثوذكسية- موقفًا غير منحاز لأي من الجانبين، حتى الآن على الأقل. والواضح أن روسيا تأمل -بصبر طويل- أن تنتهي تركيا إلى الخروج من الناتو[9].

أكثر من ذلك، فقد أطلق الجيش التركي إنذارين جديدين في البحر المتوسط؛ لإجراء مناورات بالذخيرة الحية، تشارك فيها روسيا، في خطوة رأى مراقبون أنها “تقلب الأوراق” في المنطقة. ويشمل الإنذار الأول الفترة بين 8 و22 سبتمبر، والثاني بين 17 و25 من الشهر نفسه، ومن المقرر أن تجرى التدريبات العسكرية قرب مناطق تواصل فيها تركيا أعمال التنقيب عن الطاقة[10]. ومن المتوقع أن تدفع تلك الخطوة التركية الولايات المتحدة للضغط على أوروبا واليونان لتقليل حدة الخلافات مع تركيا؛ لمنع تعزيز التعاون بين تركيا وروسيا في شرق المتوسط، ولكي لا يكون للدولتين النفوذ الأكبر في منطقة شرق المتوسط، كما حدث سابقًا في سوريا وليبيا.

4- يعتبر الموقف الأمريكي تجاه النزاع الجاري شرق البحر المتوسط أقرب إلى الحياد، مع ملاحظة أنه متقلب تبعًا للعلاقات السياسية مع أطراف النزاع. فالولايات المتّحدة من حيث المبدأ ليست عضوًا في معاهدة قانون البحار، وبالتالي فإنّ وضعها مشابه لوضع تركيا من ناحية القانونية. اعتراضها على التصور التركي لترسيم الحدود البحرية شرق البحر المتوسط يضعها في موقع متضارب مع كونها دولة ليست عضوًا في المعاهدة؛ لكن بسبب التوتر الذي أصاب العلاقات الأمريكية – التركية خلال الأعوام الماضية، بالإضافة إلى موقف الكونغرس المعادي تقليديًّا لأنقرة، فقد انحازت واشنطن إلى موقف قبرص واليونان، من خلال قانون شراكة الأمن والطاقة شرق البحر المتوسِّط، الذي قدّمته نهاية العام ٢٠١٩.

لكن مع بداية العام ٢٠٢٠، بدأت إدارة ترامب تعيد حساباتها، لا سيما مع بروز أولويات مختلفة لدى وزارة الدفاع الأمريكية، تقوم على محاولة احتواء التوسّع الروسي في المنطقة، لاسيما في سوريا وليبيا. ولذلك، فقد كانت واشنطن بحاجة إلى دور تركيا؛ لا سيما بعد أن أثبتت أنقرة أنّها لا تتردد في تحدّي حلفاء موسكو، ووضع ضغوط على الموقف الروسي -ضمن حدود قدراتها- في هذه الميادين. دفعت هذه الحاجة واشنطن إلى مراعاة الموقف التركي شرق البحر المتوسط مؤخرًا، وهي إن لم تعلن عن انحيازها لتركيا، إلّا أنّها أصبحت أكثر مرونة في ابتعادها عن الانحياز الكامل لليونان.

ظهرت أولى مؤشرات هذا التموضع الجديد مع زيارة رئيس الوزراء اليوناني إلى واشنطن بداية هذا العام، حيث التقى الأخير ترامب، وحاول إقناعه بالضغط على تركيا؛ لا سيما بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، لكنّ ترامب لم يكن متحمّسًا لموقف رئيس الوزراء. فضلًا عن ذلك، فقد أبدى ترامب آراء شخصيّة إيجابية تجاه الرئيس التركي منذ ذلك الحين، وهو ما فسّره اليونانيون على أنّه دعم للموقف التركي.

هناك نقطة أخرى تتعلق بهذا الجانب، كان جون بولتن قد كشف عنها في كتابه “الغرفة التي شهدت الأحداث”، وتتعلق بموقف ترامب من الرئيس الفرنسي ماكرون. وفقًا لما ذكره بولتن، فإنّ ترامب ينبذ ماكرون، ويعتقد أنّ أي ملف يتدخّل الأخير فيه يتحوّل إلى كارثة. علاوة على هذا، فإنّ آراء ماكرون ومعتقداته حول وضع حلف شمال الأطلسي، الذي يعتبره “ميتًا دماغيًّا”، وحول ضرورة دمج روسيا في منظومة أمنيّة أوروبيّة، تتعارض مع موقف البنتاغون، الذي يميل إلى تركيا.

وبالرغم من أنّ واشنطن كانت قد أجرت منارات عسكرية مشتركة مع تركيا مؤخرًا شرق المتوسط؛ لكن من الأهميّة بمكان أن نعي أنّه لا يمكن التعويل عليه؛ لثلاثة أسباب؛ الأوّل: أنّ البنتاغون يميل إلى تركيا لغاياته الخاصة، وليس اقتناعًا بموقف تركيا، وهذا الأمر قابل للتحوّل حال تحقيق ما يريده. الثاني: أنّ الكونغرس يسيطر عليه الموقف المعادي لتركيا؛ بسبب قوة ودور اللوبيات، ولذلك فهو عنصر ضاغط في المعادلة. أمّا الأمر الثالث فهو: أنّ موقف ترامب ليس ضمانة أكيدة؛ فهو متقّلب كما هو معروف، ويمكن أن يتغير في أي لحظة.

مصلحة تركيا تقتضي -بشكل عام- تحقيق ثلاثة أهداف: أولًا: تحييد الأمريكيين على الأقل؛ كي لا يدعموا اليونان، والموافقة على دعوة الحوار التي أطلقوها مؤخرًا. ثانيًا: دعم الموقف الألماني؛ لكي يعزز ذلك من صورة أنقرة، كدولة تسعى إلى حل الخلاف عبر الحوار، بالإضافة إلى منع توحيد صفوف الأوروبيين الداعمين لليونان. ثالثًا: تقييد دور الدول غير الأصيلة في النزاع، التي تستثمر فيه، وتحاول إشعاله، ويتمثّل تحديدًا بفرنسا والإمارات[11].

السيناريو الثاني: سيناريو المواجهة العسكرية:

حيث يمكن أن تلجأ كل من تركيا واليونان إلى خيار المواجهة العسكرية؛ وذلك لمجموعة من الأسباب التي تدعم المواجهة وتعوق التفاوض، منها:

1- اتجاه أثينا إلى التصعيد المستمر بدلًا من الجلوس إلى طاولة المفاوضات. أولى خطوات التصعيد اليونانيّة كانت قد بدأت مع توقيع أثينا اتفاقية بحرية مع مصر في أغسطس 2020، في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا تحاول أن توفّر الأرضية اللازمة لجمع أنقرة وأثينا على طاولة المفاوضات. هذه الخطوة تلتها خطوات أخرى، تضمّنت محاولات التحرّش بسفينة المسح التركية “أوروتش رئيس”، والإعلان عن إجراء مناورات عسكرية بدعم فرنسي، ثم تبعتها خطوة أخرى بالتصديق على الاتفاق عبر البرلمان.

وأخيرًا إرسال قوات عسكرية إلى الجزر اليونانية قبالة الساحل التركي. فقد نشرت وكالة الأنباء الفرنسية صورًا كانت قد التقطتها في ٢٨ أغسطس 2020، تشير إلى وصول جنود يونانيين إلى جزيرة ميس اليونانية، التي تبعد حوالي ميلًا واحدًا فقط عن أقرب نقطة على الشاطئ التركي، وذلك باستخدام سفينة مدنيّة تحمل سيَّاحًا على متنها.

وتحكم وضعية الجزر اليونانية المقابلة للساحل التركي عدّة اتفاقيات دولية، تنص على كونها مناطق منزوعة السلاح، وكان موضوع تسليح اليونان للجزر كاد أن يؤدي إلى حرب بينهما في العام ١٩٩٦، حينما اختلف الطرفان على تبعية إحدى الجزر غير المأهولة (إيسلت)، وانتهى الخلاف حينها بمقتل عدد من الجنود اليونانيين، وتدخل الناتو لضبط الوضع، دون تغيير شيء على الأرض.

وسبق أن حذر وزير الدفاع خلوصي آكار، في يناير 2020، من أنّ اليونان سلّحت ١٦ من أصل ٢٣ من هذه الجزر، في انتهاك واضح للقانون الدولي والقوانين التي تحكم وضع هذه الجزر. تأكيد اليونان اليوم على تسليح الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي، هو أمر مستفز لأبعد الحدود بالنسبة إلى الأتراك، ويُنذر بإمكانية خروج الوضع عن السيطرة؛ لا سيما مع وجود أطراف غير أصيلة في الأزمة شرق البحر المتوسط، تعمل على تغذية الصراع، ودفع اليونان إلى حسابات خاطئة؛ كفرنسا والإمارات على سبيل المثال[12]. فقد قامت الإمارات بإرسال عدد من مقاتلات إف16 إلى جزيرة كريت؛ للمشاركة في مناورات مشتركة مع اليونان، كما قامت فرنسا بإرسال سفينتين حربيتين وطائرتين هجوميتين بحريتين؛ كنوع من إظهار التضامن مع أثينا، وسط تصاعد التوترات بين الأخيرة وأنقرة[13].

2- الإصرار الفرنسي على تقليل النفوذ التركي؛ فمنذ سنوات -سيما بعد تولي إيمانويل ماكرون الرئاسة- تتخذ باريس مواقف عدائية صريحة ضد أنقرة في سوريا، وليبيا، وإفريقيا الغربية، وأخيرًا في شرق المتوسط. حيث تنظر فرنسا -التي تشهد إحياء إمبرياليًّا لا يخفى، وتعمل على توكيد دورها باعتبارها القوة الأوروبية الرئيسة في حوض المتوسط- بقلق إلى اتساع تحرك تركيا الإقليمي. وكما لم تُخْف باريس دعمها للواء الانقلابي، حفتر، في ليبيا؛ آملة بأن يفضي انتصاره إلى تعزيز النفوذ الفرنسي في ليبيا والمتوسط، تحركت بصورة تصادمية لدعم الموقف اليوناني، ومحاولة إقناع تركيا بأن ميزان القوى لا يصب لصالحها، وأن عليها الانصياع للمطالب اليونانية؛ باعتبارها مطالب أوروبية. وكان المدهش أن يتحدث الرئيس الفرنسي، في تعليقه على مشاركة بلاده في المناورات اليونانية، بلغة “رَسْم خط أحمر لتركيا”.

بعدها رد الرئيس التركي بتوكيده على أن بلاده لن تقبل بسيفر جديدة في شرق المتوسط، بمعنى أن أية مفاوضات حول الوضع في المتوسط لابد أن تكون ثنائية، وأن تقتصر على تركيا واليونان، وأن أنقرة لن تقبل دورًا فرنسيًّا، أو ألمانيًّا، أو أوروبيًّا، أكثر من الوساطة. الأوروبيون -يقول الأتراك- ليسوا شركاء في شرق المتوسط.

3- الإمارات: فقد شاركت الإمارات في مناورات عسكرية مشتركة مع اليونان. حيث تتواجه الإمارات وتركيا في حرب غير معلنة في ليبيا، وفي الحصار المفروض على قطر، وأخيرًا في النزاع التركي – اليوناني في شرق المتوسط[14]. ويرجع ذلك -بشكل رئيس- للخلاف الأيديولوجي بين تركيا الداعمة للثورات العربية وجماعات الإسلام السياسي، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، في مقابل عداء الإمارات لتلك الثورات، وخوضها حربًا وجودية ضد تلك الجماعات.

التطبيع مع الكيان الصهيونى

السلام الدافئ: السعودية والإمارات في أحضان التطبيع الإسرائيلي:

في خطبة غريبة على الحرم المكي، صرح وزير شؤون الحرمين عبد الرحمن السديس، أن النبي تعامل مع اليهود في زروع خيبر، ورهن درعه عند أحد اليهود، وصرح بأن منطق العلاقات الدولية في الوقت الحالي، يجبر الحكام على التعامل مع جميع أصناف البشر. وقال السديس في خطبته: “إن من التنبيهات المفيدة في الفهم السليم لعقيدة الولاء والبراء، والمعاملات الفردية والعلاقات الدولية”، معرجًا بعد ذلك على قصص تتعلق بتعامل النبي مع اليهود[15].

تعامل الجميع مع خطبة السديس باعتبارها تمهيدًا للمرحلة الجديدة التي ستشهدها العلاقات السعودية الإسرائيلية، بعدما كسرت الإمارات حاجز المقاطعة العلنية الشكلية، وارتمت في أحضان التطبيع الكامل مع إسرائيل، لا سيما بعدما أعلن مسؤول إماراتي أن الإمارات تعمل حاليًّا على تأسيس قنصلية لها في إسرائيل؛ بحجة خدمة المواطنين العرب في الأراضي المحتلة، وفق ما نقلته صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية.

وبحسب الصحيفة، فإن المسؤول الإماراتي (لم تسمه) قال: “أعتقد أنّ الإسرائيليين سيكونون قادرين على الحصول على تأشيرات سفر إلى الإمارات من سفارة ستفتح في إسرائيل بعد 3 إلى 5 أشهر من الآن”.

كما نقلت الصحيفة الإسرائيلية ذاتها، عن المسؤول الإماراتي قوله: إنّ “(أبو ظبي) تدرس فتح قنصلية بمدينة حيفا أو الناصرة (شمال)، تعمل إلى جانب السفارة بإسرائيل”. وأضاف: “نطمح إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن السلام يتم في الواقع مع جميع الإسرائيليين، ومن المهم جدًّا بالنسبة لنا أن نكون متاحين للسكان العرب في إسرائيل، الذين نعتبرهم شريكًا مهمًّا للسلام الدافئ”[16].

منذ أكثر من 5 أعوام، وتحديدًا منذ اللحظة التي دشّنت فيها الإمارات سياستها التدخلية الحازمة بالمشاركة في حرب اليمن، بدا أن (أبو ظبي) باتت أقل حرصًا على إخفاء مظاهر الدفء في علاقتها مع الدولة العبرية؛ حيث شهدت العلاقة بين الطرفين قفزات متتالية على مستويات عدة، شملت تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمشاركة في التدريبات العسكرية والمبادرات الأمنية والدبلوماسية، وحتى التعاون في مجالات التكنولوجيا والاستثمار، ورغم ذلك فإن (أبو ظبي) ظلّت متمسكة بربط التطبيع العلني مع إسرائيل بتنفيذ إسرائيل لتعهُّداتها، بالسماح بإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وفق ما نصّت عليه مبادرة السلام العربية عام 2002.

غير أن (أبو ظبي) قررت فجأة التخلي عن سياستها في فصل التطبيع الرسمي عن التطبيع العملي، والدخول في مرحلة جديدة في علاقتها مع إسرائيل، عبر إبرام اتفاق رسمي، في صفقة أصابت المراقبين بالكثير من الحيرة، والانقسام حول مضمونها وتوقيتها، والأهم حول تداعياتها، بين من اعتبر الصفقة حدثًا تاريخيًّا يمكن أن يُغيّر موازين القوى في المنطقة، وبين مَن اعتبرها مجرد “تحصيل حاصل”، وإضفاء للصبغة الرسمية على علاقات قائمة بالفعل منذ أكثر من عقد، ولكن ما يتفق عليه الجميع -على ما يبدو- هو أن الفلسطينيين كانوا هم الخاسر الأكبر من هذا الاتفاق، بعد أن أثبتت الوقائع، مرة تلو المرة، أنهم مَن يدفعون ثمن الطموحات الجيوسياسية لداعميهم الافتراضيين.

وما يثبت أن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي معد له سلفًا منذ فترة ليست بالقصيرة، هو حالة الهرولة من جانب في التأكيد على تطبيع العلاقات، سواء من إسرائيل، التي بادر مواطنوها بافتتاح أول مطعم، وعقد أول صلاة صياح لهم، بجانب الإمارات التي سيكون لها سفارة قريبًا.

وإذا كان المستهدف هو تحقيق الاستقرار في المنطقة؛ بهدف ضرب الإسلاميين وتركيا وإيران، فعلى عكس ما يُروَّج له من كون الاتفاقية سوف تزيد الاستقرار في دول الخليج، فإن جلب إسرائيل بشكل رسمي وعلني إلى فناء إيران الخلفي، من شأنه أن يزيد التوترات في الخليج، لا أن يُقللها، كما أن إنشاء محور عربي إسرائيلي ضد إيران من شأنه أن يُعمّق خطوط الصدع الإقليمي بطرق متعددة. على سبيل المثال، من المرجح أن تجد إسرائيل نفسها أكثر جرأة على استهداف المصالح الإيرانية عسكريًّا بشكل علني، في وقت تدرك فيها أنهل تتمتع بالدعم العلني من دول الخليج، على الرغم من أن هذه الدول -وفي مقدمتها الإمارات- سوف تكون الخاسر الأكبر حال قررت إيران الرد، عبر استهداف حلفاء تل أبيب الجدد. وبالمثل، سوف يمنح التطبيع الإمارات قوة أكبر في مباشرة سياساتها العدوانية في اليمن والقرن الإفريقي، وحتى في ليبيا والبحر والمتوسط، وهو ما سيضع أبو ظبي في مواجهة أكثر مباشرة مع تركيا.

الملف اليمنى

اليمن في مهب الريح؛ بسبب التحالف السعودي الإماراتي:

يعاني الشعب اليمني حاليًّا من أزمة خانقة؛ نتيجة عجز العملة اليمنية عن توفير الحد الأدنى من المعيشة، بصورة دفعت الكثيرين للقول إن اليمن مقبل على مجاعة مقبلة.

لطالما منعت المسكنات السعودية -على شكل ودائع بنكية- انهيار الاقتصاد اليمني، ولكن اليوم أصبح الوضع أصعب مما يحتمل، ويبدو أن السعودية -هي الأخرى- تعاني من تداعيات فيروس كورونا، وغير قادرة على الاستمرار، في مساعدة الاقتصاد اليمني. وشهد الريال اليمني خلال الأيام الماضية تراجعًا أمام العملات الأجنبية، مسجلًا أدنى مستوى له في تاريخه، وفق مصادر مصرفية.

وبلغ سعر صرف الدولار الواحد -بحسب ذات المصادر- أكثر من 804 ريالات يمنية للدولار الواحد في مناطق سيطرة الحكومة، و605 ريالات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ مما تسبب بارتفاع كبير في أسعار مختلف السلع، خاصة الاستهلاكية[17].

وحمّل محتجون التحالف السعودي الإماراتي المسؤولية عن انهيار العملة الوطنية، متهمين إياه بتعطيل الموانئ، ومصادرة قرار الحكومة، ومنعها من تصدير النفط والغاز.

وتسعى الحكومة اليمنية لإنقاذ الوضع الحالي من بوابة النفط؛ حيث كشفت الحكومة اليمنية الشرعية عن خطة جديدة لزيادة إنتاجها النفطي إلى نحو 80 ألف برميل يوميًّا؛ من أجل رفد الاقتصاد الوطني بما نسبته 60% من الإيرادات، وفتح الأبواب أمام شركات التنقيب الأجنبية للدخول إلى البلاد، واستئناف نشاطها، بعد أن توقف خلال سنوات الحرب الدائرة في البلاد منذ نحو خمسة أعوام.

وبحسب وزير النفط اليمني أوس العود، فإن الحكومة تعتزم بناء مجمع نفطي في العاصمة المؤقتة عدن جنوبي البلاد خلال عامين كحد أقصى، كما أن هناك شركات أمريكية أبدت استعدادها بالفعل للشروع في عمليات الحفر والتنقيب.

وأفاد الوزير اليمني بأن القوات الإماراتية تعمل منذ عامين على عرقلة عملية تصدير النفط والغاز اليمني، وأرسلت قبل أيام تعزيزات جديدة إلى ميناء بلحاف، الذي تسيطر عليه في محافظة شبوة، والذي يمثل أكبر مشروع صناعي استثماري في تاريخ اليمن، وهو أكبر ميناء لتصدير الغاز المسال في البلاد؛ ولذلك فما تزال الأزمة الاقتصادية اليمنية بلا أفق واضح للخروج من وضعها الحالي[18].

مُتابعات إفريقية

السودان:

بعد توقيع قادة حركات متمردة في دارفور وممثلي الحكومة السودانية رسميًّا بالأحرف الأولى على اتفاق سلام تاريخي في جوبا، يضع حدًّا للنزاع في الإقليم، من خلال تقسيم السلطة والثروة، ووضع حلول للمشاكل الأمنية في 31 أغسطس – جاءت زيارة حمدوك لأديس أبابا؛ لتحمل في طياتها توقيع إعلان مبادئ اليوم 4 سبتمبر بين عبد العزيز الحلو قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، والتي غابت عن توقيع الاتفاق الأول، وبين عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء في حكومة السودان الانتقالية. في إشارة واضحة لاستمرار الانقسام داخل الإقليم؛ حيث اعترض الحلو على وساطة دقلو في الاتفاق الأول، والذي تعامل مع مطالب الحلو -المتمثلة في فصل الدين عن الدولة، وإقرار حق تقرير المصير- بالرفض الحاسم، بينما أبدى حمدوك مرونة بوساطة الجانب الإثيوبي. وهو ما يُهدد الاتفاق الذي يراه البعض خطوة نحو إتمام عملية السلام؛ إلا أنه يواجه إشكالية إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، في ظل هذا الانقسام داخل الإقليم. ويأتي هذا بالتزامن مع مطالبات بإعلان السودان منطقة كوارث؛ بسبب فيضان النيل الذي وصفه حمدوك هذا العام بـ “المُفجع”؛ لما كان له من تأثيرات مدمرة على آلاف المنازل، ونتج عنه عشرات الخسائر بالأرواح.

 

سد النهضة:

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تعليق الولايات المتحدة بعض المساعدات لإثيوبيا؛ بسبب عدم إحراز تقدم في مفاوضات سد النهضة، وهو الأمر الذي لا يُرجى منه تأثير كبير في مسار المفاوضات؛ حيث إن قيمة المساعدات المقتطعة ليست كبيرة، نحو 13% من إجمالي المساعدات الأمريكية لإثيوبيا، ويمكن تعويضها من قبل جهات مانحة أخرى، تطمح في اكتساب النفوذ في المنطقة. إلا أنه على العكس، ربما قد يضر بالمفاوضات حال استخدام إثيوبيا لهذا الموقف الأمريكي؛ لحشد الدعم الشعبي في قضية السد، وربما يعني ذلك أيضًا تكريس القبضة الحديدية لنظام آبي أحمد، في مواجهة المعارضة وقوى المجتمع المدني، والاتجاه نحو مزيد من التسلطية.

 

مالي:

بعد الإعلان عن مرضه وتحويله للعلاج بمشفى باماكو، تم الإعلان عن موافقة قادة انقلاب مالي على نقل الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا لدولة الإمارات العربية المتحدة للعلاج. وتم الأمر بوساطة موريتانية، بعد زيارة وزير الخارجية الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد لدولة مالي الخميس 3 سبتمبر.[19] وهو الأمر الذي لم يكن مُستبعدًا، لا سيما في ظل دعم فرنسا ودول الإيكواس للرئيس المعزول إبراهيم بوبكر كيتا.

 

 

———————————————–

[1] “بوساطة قطرية .. حماس و”إسرائيل” تتفقان على وقف التصعيد”، الخليج أونلاين، 31/8/2020

[2] “لماذا وضعت حماس “سقفًا زمنيًّا” لتنفيذ تفاهمات التهدئة؟ (تحليل)”، الأناضول، 2/9/2020

[3] “ما الجديد في اتفاق التهدئة بين إسرائيل وحماس؟”، عكا للشؤون الإسرائيلية، 1/9/2020

[4] “تفاهمات احتواء التصعيد .. هل تمنع لحظة الانفجار؟”، المركز الفلسطيني للإعلام، 2/9/2020

[5] ” وفد أمني مصري يرجئ زيارته إلى غزة”، العربي الجديد، 1/9/2020

[6] ” مأزق الاحتلال في غزة”، المركز الفلسطيني للإعلام، 3/9/2020

[7] “تحييد الخصم: دلالات الصراع المحتدم على النفوذ في غرب ليبيا”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 30/8/2020

[8] “كيف تتصاعد التوترات حول حقول الغاز شرق المتوسط؟”، الجزيرة نت، 22/8/2020

[9] “تركيا واليونان: صَبُّ الغاز على خطوط النزاع بشرق المتوسط”، مركز الجزيرة للدراسات، 2/9/2020

[10] “خطوة جديدة “تقلب الأوراق” .. تركيا تضم روسيا لمناوراتها شرقي المتوسط!”، ترك برس، 3/9/2020

[11] “الموقف الأوروبي والأمريكي من النزاع شرق المتوسط”، ترك برس، 30/8/2020

[12] “سياسة حافة الهاوية اليونانية قد تشعل الحرب مع تركيا”، ترك برس، 2/9/2020،

[13] “تركيا واليونان والاتحاد الأوروبي: مناورات .. عمليات وتنقيبات”، القدس العربي، 31/8/2020،

[14] “تركيا واليونان: صَبُّ الغاز على خطوط النزاع بشرق المتوسط”، مرجع سابق.

[15] خطبة السديس بالحرم تثير جدلًا .. تمهيد للتطبيع؟ (شاهد)، عربي 21، 4/9/2020

[16] مسؤول إماراتي: أبو ظبي تفتح سفارة بإسرائيل خلال أشهر، العربي الجديد، 4/9/2020

[17] حمّلوا التحالف السعودي الإماراتي المسؤولية .. اليمنيون ينددون بتدهور الريال وارتفاع الأسعار، الجزيرة، 6/9/2020

[18] حكومة اليمن تتعهد برفع إنتاجها النفطي .. هل تسمح الإمارات لها بالتصدير؟، الجزيرة، 6/9/2020

[19]  “مالي: نجاح وساطة موريتانية لإجلاء رئيس مالي المستقيل”، رفي داكار، 4/9/2020. https://2u.pw/kKUZF

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المشهد السياسي : عن الفترة من 7 نوفمبر وحتى 13 نوفمبر 2020

  أولا: المشهد المصري هيئة العلماء السعودية تصنف الإخوان تنظيمًا إرهابيًّا، والجماعة،…