‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر “الحراك القروي” في 20 سبتمبر ..تطورات نوعية  ودلالات استراتيجية
مصر - سبتمبر 22, 2020

“الحراك القروي” في 20 سبتمبر ..تطورات نوعية  ودلالات استراتيجية

جاءت استجابة المصريين لدعوات التظاهر في 20 سبتمبر 2020، التي تكاثرت وتنوعت الدعوات لها، وأيضا المبررات والأسباب خلفها، على نحو مثير ومتنوع، يحمل الكثير من الدلالات والتغيرات الاستراتيجية في بنية الهوية المصرية، حيث انطلقت التظاهرات الشعبية العفوية في مناطق قروية لم تشارك من قبل في أي حراك مضاد للسلطات أو في المراحل الثورية المختلفة، في وقت كانت تتجهز فيه قوى الأمن بالحشود بالميادين العامة وفي شوارع المدن والمناطق الحضرية.

انطلقت التظاهرات بمنطقة “الكداية” بمركز أطفيح بالجيزة، والتي شهدت مواجهات بالطوب مع قوات الأمن، التي حاولت الاشتباك مع الشباب المتظاهرين والذين كان معظمهم يرتدي “الجلباب”، وانتصر المتظاهرون ودمروا سيارتي شرطة وأحرقوهم، وهو ما فجر تفاعلا ونشوة كبيرة بين القرى المجاورة في مناطق الصف وكفر قنديل، وغيرها من مناطق أرياف الجيزة الذين امتدت تظاهراتهم حتى قبيل فجر الاثنين 21 سبتمبر، مع انسحاب قوات الشرطة أمام المتظاهرين، تلى ذلك تظاهرات رافضة للسيسي في كفر الدوار بالبحيرة وفي المنصورة بالدقهلية وفي أسوان وفي الإسكندرية وفي البساتين والمعادى بالقاهرة  والفيوم، وعقب يوم ثوري بامتياز، توالت التظاهرات في نفس المناطق في اليوم التالي مع دخول سباق التظاهرات الشعبية غير المؤدلجة في الفيوم وفي سوهاج وأسيوط والمنيا والعديد من مناطق وقرى الصعيد والجيزة.

 

كيف تعامل نظام السيسي؟

– القبضة الأمنية المحدودة:

وشهدت بعض المناطق اشتباكات محدودة مع قوات الأمن، ورشق بالحجارة لسيارات الشرطة، منها مدينة نصر، شرقي العاصمة، والكداية بأطفيح الجيزة، وشنت قوات الأمن حملات اعتقال في الإسكندرية والبحيرة والمنيا، إلا أن التعامل الأمني كان محدود القمع في اليوم الأول في بعض المناطق المتظاهرة، ومع تصاعد التظاهر في اليوم التالي، زادت حدة المواجهة بالاعتقال والحشد الأمني، إلا أنه ما زال دون التصعيد الفج والقتل، الذي حذرت منه تقارير مخابراتية استباقية السيسي، مخافة اشتعال موسع لنيران التظاهرات، وكان السيسي ونظامه قد اعتقل العام الماضي وقت تظاهرات 20 سبتمبر 2019 أكثر من 4 آلاف متظاهر، وهو ما قوبل بانتقادات غربية عديدة ، كان أخرها مطالبة منظمة العفو الدولية السبت الماضي، السيسي بإطلاق باقي معتقلي 20 سبتمبر.

 

-التغييب الإعلامي وتشويه المعارضين:

غابت لقطات الاحتجاج عن جميع وسائل الإعلام المصرية، التي تعمدت إظهار الشوارع والميادين خالية، وإبراز إنجازات “السيسي”، بجانب تشويه المعارضين، عبر تقارير إعلامية مشوهة لإعلام الإخوان والقنوات المعارضة التي تبث من تركيا، واصفين ما يبثونه بالاكاذيب، مستهزئين عبر توجيهات أمنية بجملة وهاشتاج أمني “محدش شاف الثورة”.

وكان التغييب الإعلامي مثار انتقاد من قبل أجهزة مخابرات السيسي، بحسب تقارير نقلها الإعلامي محمد ناصر، بقناة مكملين، مساء الاثنين، عن أن تجاهل الإعلام المصري الحراك الاحتجاجي، دفع الكثير من المصريين للانصراف إلى القنوات المعادية – بحسب تقرير المخابرات-بجانب محاولات لتقليل سرعات الانترنت وحجب الفيديوهات على الفيس بووك، وفق  شكاوى نشطاء.

 

-تصريحات رسمية وردية لخداع الغاضبين:

وأمام الغضب الشعبي، لامتصاص السخط العام، والمتفجر أغلبه من قرى ومناطق الصعيد، إثر سلسلة من الهجوم والانتقادات والقرارات الحكومية التي استهدفت الصعايدة خلال الفترة الماضية، منها منع دخول قطارات الصعيد إلى محطة رمسيس وسط القاهرة، وتوقفها عند محطة بشتيل بالجيزة، وما تبعه من انتقادات اعلامية وسياسية، وروايات مسربة عن رفض السيسي ضخ مليارات الجنيهات كاستثمارات بالصعيد، جرى نشر العديد من التصريحات لمسئولين بنظام السيسي خلال يومي التظاهرات “الأحد والاثنين” من عينة؛  توجيه رئاسي بتنمية الصعيد، و “وزير النقل: سننفذ 13 محاور تنموية بالصعيد ورصف طرق وشوارع الصعيد”، “ضخ استثمارات مليارية بالصعيد بأمر السيسي”….وغيرها من التصريحات الوردية التي لم تتضمن قرار واحد يمكن الإمساك به، من عينة الغاء قانون التصالح، او اطلاق حركة أعمال البناء والمقاولات، التي جرى اتخاذه في يونيو الماضي بوقف حركة البناء بالدولة المصرية لمدة 6 شهور تنتهي في ديسمبر المقبل، وهو القرار الذي تضرر منه نحو 5 مليون أسرة ، أغلبهم من الصعايدة.

وجاءت تصريحات نظام السيسي للتهدئة فقط، وليس للتغيير، على شاكلة تصريحات رئيس الوزراء قبل أسبوع، في القليوبية، بخفض أسعار الغرامات بالريف الى 50 جنيها، وهو ما لم يصدر به أي قرار رسمي منشور، وايضا استمرار المهلة المحددة لنهاية سبتمبر، رغم تأكيدات مصطفى مدبولي بمد فترة التصالح إلى نهاية نوفمبر…وهو ما يمكن وصفه بأن “تحركات نظام السيسي حتى الآن بلا تنازل”.

 

-عفو رئاسي مشروط عن سجناء:

وهو القرار الذي اتخذه السيسي بناء على توصية من المخابرات العامة ، وفق تقريرها رقم 12، بحسب ما سرب الى الاعلامي محمد ناصر، حيث أصدر السيسي، الاثنين 21 سبتمبر، قرارا جمهوريا يقضي بالعفو عن محكومين، في ما تبقى لهم من فترة عقوبتهم، بمناسبة أعياد 6 أكتوبر، وهو ما يعد محاولة للتهدئة بالرغم من بقاء أكثر من 15 يوما على موعد احتفالات أكتوبر!! ونص القرار “على أن يوضع المفرج عنه تحت مراقبة الشرطة لمدة 5 سنوات”.

 

-اشهار سلاح الفتاوى المسيسة:

وكعادة المؤسسات الاسلامية الرسمية، التي لم تتوقف يوما عن توجيه الانتقادات والفتاوى المسيسة ضد معارضي السيسي، فاتهم مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة، التابع لدار الإفتاء المصرية، جماعة “الإخوان المسلمون”، باتباع أنماط وأساليب الجماعات الإرهابية الأخرى، مثل “القاعدة” وتنظيم “الدولة”، لتجنيد عناصر جديدة والتحريض على إثارة الفوضى فيما يعرف بـ”الإرهاب الإلكتروني” بحسب وصف الإفتاء، في بيانها الاثنين الماضي، وقال بيان المرصد، إن جماعة “الإخوان”(وصفها بأنها إرهابية) تقوم باستحداث كيانات إلكترونية، بهدف استقطاب وفرز العناصر المتأثرة على موقع “فيسبوك”، ومواقع التواصل الاجتماعي.

كما أشار إلى قيام التنظيم بإنشاء قنوات مغلقة على تطبيق التليجرام، بهدف تكليف الأفراد بأدوار محددة، ما يؤكد نهج الجماعة الإرهابية في إثارة الفوضى، واتهم المرصد “الجماعة وخلاياها النائمة، بأنها تسعى بكل قوة لتقويض قدرة الدولة المصرية على التنمية والبناء والتعمير وإنجاز العديد من المشروعات التنموية، وتعطيل مسيرة الدولة وقيادتها السياسية، نحو بناء دولة قوية تحتل مكانتها اللائقة بين الأمم والشعوب”، على حد قوله. وهو ما يعتبر اثارة جماهيرية ضد الحراك الثوري، الذي وصفته وسائل إعلام النظام بان جماعة الإخوان المسلمين تقف وراءه، على الرغم من أنها تحركات عفوية لمتضررين من سياسات السيسي.

 

أسباب وخلفيات المظاهرات الشعبية

وبغض النظر عن تعامل نظام السيسي مع التظاهرات، وما يمكن التعامل المستقبلي مع تلك التظاهرات، يجب التوقف عند أسباب انفجار تلك التظاهرات، وفي مقدمتها:

-قانون التصالح على مخالفات البناء

حيث تسببت سياسة هدم المنازل التي طالت العديد من المواطنين، بدعوى عدم حصولهم على تراخيص للبناء، في تأجيج الغضب الشعبي، وسط تدهور في الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وفي 7 أغسطس الماضي، أعلنت الحكومة أنها جمعت 1.5 مليار جنيه ، خلال الفترة من 14 يوليو حتى 7 أغسطس،  من المواطنين  الراغبين في التصالح في مخالفات البناء، وبحسب تصريحات وزير التنمية المحلية ، اللواء “محمود شعراوي” : “الراغبين في التصالح قدموا نحو 600 ألف طلب، وبلغ إجمالي المتحصلات حتى الآن 1.5 مليار جنيه، منها حوالي نحو 1.1 مليار جنيه رسوم سداد مبلغ جدية التصالح الذي تبلغ نسبته 25% من إجمالي قيمة المخالفة، مضيفا أنه تمت إزالة 9609 مخالفات بناء داخل الحيز العمراني، و20447 مخالفة بناء على الأراضي الزراعية، وبلغ عدد الحالات التي تمت إحالتها إلى النيابة العسكرية 12641 حالة.

فيما تقدر لجنة الإسكان بمجلس النواب ، عدد المباني المخالفة بـ2.8 مليون مبنى، وعدد الأدوار المخالفة 396 ألفًا و87 دورًا، و1.7 مليون وحدة مخالفة، على مستوى الجمهورية، ومثلت تصريحات السيسي نفسه قمة اثارة الغضب الشعبي، حيث أكد أنه سينشر قوات الجيش في قرى مصر لابادة المخالفات بالقرى، وهو ما يرجعه مراقبون بأنه سبب غضبا واسعا بجميع قرى مصر البالغ عددها 4500 قرية.

 

-الأزمة الاقتصادية:

ويأتي في قمة أسباب اندلاع حراك 20 سبتمبر الجاري، الأزمة الاقتصادية التي تضرب الشعب المصري، وخلال الشهور القليلة الماضية فقط، كان المصريون على موعد مع حزمة من الضرائب، رغم تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، وتأثرهم بتداعيات أزمة فيروس “كورونا”، وتمثل الضرائب أكثر من 75% من إيرادات الحكومة المصرية، التي تقدر بـ1.288 تريليون جنيه من الإيرادات المتوقعة بموازنة 2021/2020، وتعد جيوب المصريين هدفا سهلا في متناول الحكومة، حال التعثر ماليا، أو مواجهة أية أزمات طارئة، وهو ما ظهر جليا عند مواجهة أزمة “كورونا”، حيث لجأت الدولة إلى فتح صندوق لتلقي تبرعات لمواجهة الجائحة.

ويبدو أن صندوق التبرع لمواجهة “كورونا” لم يتلق الأموال المأمولة، فسارعت الحكومة المصرية إلى تمرير قانون ينص على خصم 1% من صافي دخل العاملين بالدولة(في القطاعين العام والخاص)، وخصم 0.5% من معاشات العاملين بالدولة، لمدة 12 شهرا، للمساهمة في مواجهة بعض التداعيات الاقتصادية لفيروس “كورونا”، وعلى المنوال ذاته، صادق “السيسي” على القانون رقم 83 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسوم تنمية الموارد المالية للدولة، يونيو الماضي.

ويهدف قانون “رسوم التنمية”، إلى تحصيل 15 مليار جنيه ، من خلال زيادة الرسوم المفروضة على بعض الخدمات والأنشطة والسلع واستحداث أخرى جديدة، وتضمنت مواد القانون، فرض رسم على البنزين بأنواعه بواقع 30 قرشا للتر المبيع، و25 قرشا للتر السولار، كما تضمنت الرسوم التي زادت قيمتها خدمات الشهر العقاري، وعمليات الشراء من الأسواق الحرة، والحفلات والخدمات الترفيهية التي تقام في الفنادق والمحال السياحية، ومن ضمن الرسوم المستحدثة، نسبة تصل إلى 10% من قيمة عقود انتقالات الرياضيين، ورسوم على تراخيص شركات الخدمات الرياضية، وأغذية الكلاب والقطط والطيور الأليفة، و5% من قيمة أجهزة المحمول ومستلزماتها، إلى جانب فرض رسوم بنسبة 2.5% من قيمة فواتير الإنترنت للشركات والمنشآت ورسوم على التبغ الخام.

وبينما كان “السيسي” يخاطب المواطن المصري، قائلا: “مصر بتطبطب عليك”، والتي باتت مثار سخرية على مواقع التواصل، أقرت الحكومة، زيادات جديدة على فواتير الكهرباء، بالتزامن مع استمرار أزمة “كورونا” وفقدان الكثير وظائفهم، ففي يونيو الماضي، أعلن وزير الكهرباء المصري، “محمد شاكر” زيادة أسعار الكهرباء للمنازل بنسبة 19.1% وذلك لجميع الاستخدامات ابتداء من يوليو ، وذلك ضمن خطة الحكومة لخفض الدعم المقدم للكهرباء والتي بدأت منذ 2015، بموجب الزيادات الجديدة، ترتفع قيمة الكيلووات من 30 إلى 38 قرشا للشريحة التي تستهلك حتى 50 كيلووات شهريا، ومن 40 إلى 48 للشريحة التالية (51-100 كيلووات) ومن 50 إلى 65 قرشا للشريحة الثالثة (حتى 200 كيلووات شهريا) ومن 82 إلى 96 للشريحة الرابعة (حتى 350 كيلووات شهريا) ومن 100 إلى 118 قرشا للشريحة الخامسة (حتى 650 كيلووات شهريا).

ولم يفلت راديو السيارة من سياسة الجباية وفرض الضرائب، بعد تمرير مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 77 لسنة 1968 في شأن رسوم الإذاعة والأجهزة اللاسلكية.

وبموجب القانون، يؤدي كل مالك سيارة بها أجهزة إلكترونية أو ترفيهية أو مجهزة لاستعمال هذه الأجهزة رسما سنويا مقداره 100 جنيه يتم تحصيله عند سداد أية ضرائب أو رسوم مستحقة على السيارة، وتقدر الحكومة  حصيلة سنوية لضريبة راديو السيارة بنحو 500 مليون جنيه، ويشعر المصريون باستياء وغضب مكتوم، جراء توالي فرض المزيد من الضرائب، في وقت يصر فيه “السيسي” على بناء قصور رئاسية، ومشروعات ترفيهية واستعراضية، يقول إنها ستجعل من مصر “دولة تانية خالص”!.

 

-الحشد الاعلامي “تلفزيونات-سوشيال”

كما ساعد من تفجر الغضب الشعبي، كف سائل الإعلام الجديدة والبديلة حقائق سياسات السيسي وفساد نظامه، الذي طال الجميع، وخاصة محدودي الدخل والفلاحين، ومثلت الفيديوهات التي تبث على قنوات اليوتيوب وتلقفها بعض القنوات التلفزيونية في الخارج وتعيد نشرها مرارا، في تثوير الشارع.

بجانب دعوات الشباب على السوشيال للنزول للميادين والتظاهر ضد السيسي ونظامه بصورة كبيرة، وتنوعت الهاشتاجات وزاد عدد المعلقين عليها بصورة غير مسبوقة، هاشتاجات: (نازلين ومش خايفين، انزل يوم 20 سبتمبر، يسقط حكم العسكر) عاملا تحفيزيا للشباب، خاصة وأنها دعوات غير محددة وغير  مؤدلجة ، وغير مركزية، وتسعى للتعبير عن عن الآراء بعيدا عن مناطق الاحتكاك الأمني في ميادين كبرى أو وسط القاهرة أو عواصم المحافظات.

 

دلالات التظاهرات

وتحمل تظاهرات 20 سبتمبر 2020  العديد من الدلالات النوعية التي تعبر عن تغيير مسارات الثورة المصرية..ومنها:

-التنوع الجغرافي:

حيث انطلقت التظاهرات في القرى ومراكز بعيدة عن وسط وقلب العواصم، وشهدت نحو 16 منطقة بعيدا عن العاصمة تظاهرات غير مؤدلجة تماما، ركزت على مطلب رحيل السيسي، بشكل غير منظمة، ولم تشارك اغلب تلك المناطق اية تظاهرات، متحدين التواجد الامني ، الذي واجهوه بالحجارة وإحراق سيارتي شرطة، ويمثل التحول الكبير في تنوع مناطق التظاهر في القرى والشوارع الجانبية بشوارع المدن، ليومين –حتى كتابة تلك السطور- مع توعد بالاستمرار والتوسع في مناطق مجاورة، وهو ما يعني تغير خريطة الغضب الشعبي والذي ظلت الاجهزة الامنية ، تقمعه عبر الروابط العائلية، و القبضة الأمنية الشديدة.

فيما يرى خبراء أن المظاهرات الحاسمة النتائج ينبغي الانتقال بها الى قلب القاهرة، سواء ميدان التحرير أو أية ميادين رئيسية بالعاصمة، وهو ما يمكن ان ياتي لاحقا، في حال تفاعل أوسع للفصائل السياسية وشباب الثورة، الذي يأتي تأخره الاستراتيجي بخطوة عن الشارع استراتيجية ناجحة لضمان استقلالية الثورة وعدم خلق اصطفافات سلبية في مراحل التخليق الثوري.

 

-التنوع الديمغرافي:

وعبرت التظاهرات عن تغير مفصلي، في المجتمع المصري، حيث بات المواطن البسيط قابل للثورة، وهو ما كان يمثل عائقا أمام محاولات إشعال الحراك السياسي في الماضي، وهو ما يعني أن تمدد الحراك الثوري قابل للتمدد في جميع مناطق مصر، وقد كان لافتا أن المشاركين في التظاهرات من فئة الشباب الصغير السن، وغالبيتهم من الذين لم يشهدوا ثورة 25 يناير 2011، وهم فئة كبيرة جدا يمكن البناء عليها مستقبلا في تصعيد شامل ضد “نظام السيسي”، كما أن الشعب الصعيدي يتسم بقوته وصموده أمام أية تحديات، وهو ما وضح في هروب كثير من سيارات الأمن في سمالوط بالمنيا ودار السلام بسوهاج، وكان لافتا غضب أهالي الصعيد من سياسات النظام الاقصائية، في مسألة استهداف وزير النقل لهم، حيث توالت الانتقادات للواء كامل الوزير، وزير النقل خلال التظاهرات.

 

-تأخر القيادات الأيديولوجية:

وهو أمر محمود، في مراحل الثورة الاولى، حيث طالب الكثير من الشباب إشراك الإخوان المسلمين بالمظاهرات، وهو ما أعلنته الجماعة في توقيعها على بيان موحد مع 60 من القوى السياسية والأحزاب والشخصيات السياسية، الصادر مساء الاثنين، بدعم الحراك، كما أن تأخر القيادات السياسية عن التظاهرات هو تطور استراتيجي، ينبغي البناء عليه في المرحلة المقبلة.

 

-انتقال عدوى المظاهرات مناطق على أطراف القاهرة تدريجيا:

وهو ما بدا واضحا في اليوم الثاني للتظاهرات التي انتقلت إلى حلوان والبساتين والكيلو 4 ونص بشرق القاهرة، وهو ما يمثل نقلة نوعية، في مناطق استهدفها الأمن بقوة خلال سنوات السيسي السبع، ونال أهالي تلك المناطق من بطش كبير لشباب تلك المناطق سواء بتلفيق الاتهامات وتنفيذ الإعدامات واعتقال الالاف من ابنائها، بجانب اقتراب التظاهرات مناطق بالجيزة في منطقة أبو النمرس والعياط، وتوالي التمدد العرضي بمدن ومناطق حيوية بمصر..تمتد من اسوان إلى الإسكندرية.

 

-أزمة داخل نظام السيسي:

وبحسب مراقبون فإن تراخي الامن في التعامل مع التظاهرات، بسبب صراعات وخلافات حادة داخل نظام السيسي، خاصة بين المؤسسة العسكرية التي رفضت مرارا الزج باسم الجيش في مشكلات الحكومة والسيسي، وسط مطالبات مخابراتية بأن تتولى الوزارات القيام بأدوارها، في الملفات الشائكة المتعلقة بالمواطن، وقد رفضت قيادات عسكرية عدة سياسات الاقتراض والديون التي يتبعها السيسي، وأيضا سبق وان رفضت دوائر سيادية عليا ما ذهب إليه السيسي بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص، وهو ما أفقد مصر أكثر من 53 ألف كلم من مياه مصر الاقتصادية، فيما يسود العلاقة بين قيادات الجيش ومؤسسة الرئاسة تململا كبيرا متزايدا، أثر سياسات الزج بالمؤسسة العسكرية في مواجهة الشعب.

إلا أن الحقيقة الابرز والتي رصدتها تقارير المخابرات، أن الغضب الشعبي قارب على الانفجار بصورة تهدد النظام بأكمله، حيث أن روح الثورة ما زالت باقية سواء انفجرت اليوم بسبب قرارات الإزالات وقيم التسامح الكبيرة جدا، أو بسبب رفع اسعار الكهرباء أو بسبب رفع قيمة رسوم المدارس للعام الجديدة، والتي صدر قرار بها مساء 21 سبتمبر، والتي تتراوح بين 300 جنيه إلى 500 في المدارس الحكومية من الابتدائي إلى الثانوي، أو بسبب رسوم الدراسية بالجامعات للراسبين التي تصل إلى 12 الف جنيه، أو بفرض رسوم على الكراتين والحقائب بقطارات السكك الحديدية تصل إلى 150 جنيها، كما تناقلتها تقارير إعلامية، وهو ما يعني أن كسر الشعب حاجز الخوف بات يرسم علاقات النظام وتوازناتها الداخلية، بعد نجاح المتظاهرين في كسر هيبة الداخلية واحراق سياراتها.

 

تحديات أمام الحراك

وبحسب تقديرات استراتيجية، فإن غياب الرؤية والبديل لنظام القائم يبدو مخاطرة جسيمة غير محمودة ولا مضمونة العواقب، ويبدو غياب البديل المتمثل في قياداتٍ ملهمةٍ تحوز على الثقة، وتبعث الأمل في قدرتها على بناء نظام مستقر وفعال، وتطوير البرامج التي تقدّم الرؤية الواضحة، وتلبي الاحتياجات الأساسية للشعب، وتحافظ على المصالح الإستراتيجية لمصر، والأهم من ذلك كله المؤسسات المدنية التي يمكن أن تستند إليها الدولة، وتحل محل المؤسسة العسكرية التي أحكمت السيطرة، ليس على الدولة فقط، بل وعلى المجتمع أيضا.

وتشكل التظاهرات العفوية غير الموجهة ايضا، تحدي ذاتي، إذ أن تحديد الخطورة المقبلة، هو الأهم في تصعيد المسار الثوري، فالتحرّك في ظل نظام يواصل القمع منذ تسع سنوات بشكل منتظم، وفي غياب البديل، تجعله يبدو وكأنه مخاطرة جسيمة غير محمودة، ولا مضمونة العواقب.

 

سيناريوهات المستقبل:

-سيناريو تصاعد واستمرار الحراك:

وعلى ما يبدو أن المستقبل يحمل الكثير من التصعيد الثوري والانتقال بحراك القرى إلى قلب العاصمة، حيث أطلق ناشطون مصريون دعوات واسعة لاستمرار وتوسيع الاحتجاجات المحدودة التي تشهدها البلاد، وحددوا أهدافا لمحاولة الوصول إليها، من بينها مدينة الإنتاج الإعلامي، وأطلق ناشطون عددا من الوسوم، من بينها “#الثورة_بدأت”، و”#اقتحموا_مدينة_الإنتاج_الإعلامي”، و”#خليك_في_الشارع”، و”#الشعب_يريد_إسقاط_النظام”، و”#ارحل_يا_سيسي”، وبينما قلل مؤيدو النظام، ومعارضو تلك الاحتجاجات، من حجم الاحتجاجات المحدودة التي شهدتها البلاد، فإن آخرين أشاروا إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها مصر قبيل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، كانت أقل عددا، وأضعف تأثيرا.

وبحسب د.عماد الـديـن شـاهـين، أستاذ العلوم السياسية المقيم بواشنطن، في مقاله بـ”العربي الجديد” “متى ينجح الحراك الثوري بمصر؟”، فإن المناخ الثوري ما زال ينبض في مصر، ولم يستطع النظام العسكري أن يخمد أنفاسه. إلا أنه لا يمكن للجماهير أن تتحرّك دون قيادة وتنظيم وبديل وبرامج تزرع الأمل في جدوى الحراك…وهو ما يمكن ترجمته على أرض الواقع ، لو استمر الحراك الثوري خلال الايام المقبلة..كما أن بناء تحالفاتٍ تناضل ضد أنظمة مستبدة وتحشد الجماهير لتُحدث تغييرا وانتقالا إلى نظام جديد يظل المفتاح الأساس لنجاح الحراك الثوري.

ومن حسن الحظ أن المناخ الثوري ما زال ينبض في مصر، ولم يستطع النظام العسكري أن يخمد أنفاسه، في السخط الشعبي يتزايد وبسرعة، لأسبابٍ منها ارتفاع نسب الفقر والضائقة المالية والاقتصادية التي أنهكت قطاعا واسعا من الطبقة الوسطى، ناهيك عن الطبقات الفقيرة، كما أن قطاعات عريضة من الشباب الساخط على نظام الحكم في مصر، ومن الفئات العمرية الأقل من 25 عاما، باتت تتطلع إلى استعادة روح يناير، وإحداث التغيير الحقيقي هذه المرّة، لكل هذه الأسباب، إضافة إلى اتساع أطياف المعارضة غير التقليدية وتنوعها، والتي ارتفع صوتها، ليحل محل معارضة النخب السياسية التقليدية العقيمة، أصبحت تتوفر شروط عديدة لإمكانية الحراك. لكنها تظل غير كافيةٍ لإنجاحه وإحداث التغيير.

 

-سيناريو صمود النظم وامتصاص الصدمات:

وهو السيناريو الثاني الذي يراهن عليه السيسي، إلا أن تحققه يرتبط بتراجع المد الثوري وعدم استمراريته وتصعيده نحو فعاليات مكانية ونوعية أخرى.

 

خاتمة:

تبقى اللحظة الثورية التي تعيشها مصر نقطة فاصلة، بين عهد من القمع المخرس للشعب طوال سبع اعوام، وبين كسر حاجز الخوف لدى الشعب المصري من القبضة الامنية، لها ما بعدها، من سياسات وقرارات تتنوع بين التهدئة من قبل النظام أو التصعيد والانتقام، ويبقى نجاح حراك القرى مرتبطا بالعديد من العوامل، التي طرحها أستاذ العلوم السياسية، روبرت ديكس، في دراسة له، توصل فيها إلى أن المفتاح الأساسي والعامل المشترك في كل الثورات هو القدرة على بناء تحالفاتٍ تناضل ضد الأنظمة المستبدة، وتحشد الجماهير، لتُحدث التغيير والانتقال إلى نظام جديد.

بالتحالفات الحقيقية سيخرج من خلالها القيادات البديلة والمستقبلية، خصوصا من العناصر المميزة الواعدة من الشباب. كما أنها ستمثل بديلا شرعيا وجدّيا للنظام الاستبدادي القائم، وهو ما يمكن بلورته في الأيام المقبلة في حال استمر الحراك الثوري، والذي يتمدد يوما بعد آخر، ويكسب مساحات جغرافية أكبر بجانب ما تكسبه من فعاليات ثورية جديدة قد تصل لقلب القاهرة في لحظة ما.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟

  أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية،…