‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر احتجاجات الغلابة .. قراءة في المضامين والدلالات
مصر - أكتوبر 1, 2020

احتجاجات الغلابة .. قراءة في المضامين والدلالات

 

 

اندلعت تظاهرات احتجاجية مناهضة للسياسات القاسية التي تتبعها السلطات المصرية، خاصة مع بدء الحكومة في تنفيذ قانون البناء الموحد، وهو القانون الذي اندفعت السلطات في تنفيذه عبر هدم المباني المخالفة للقانون؛ مما تضرر بسببه كثير من المواطنين، فإذا أضفنا إلى المشهد السياسات التقشفية التي تتبعها الحكومة، والزيادات المضطردة في أسعار السلع والخدمات وفي قيم الضرائب، بدا واضحًا الدوافع التي أشعلت هذه التظاهرات.

تظاهرات بدأت تتسع رقعتها بمرور الوقت، وتكتسب أراضي جديدة ومشيعين جدد، فبعد مرور 7 أيام على بدأ الاحتجاجات، وصلت نقاط الاحتجاج إلى 16 نقطة احتجاج أو يزيد، موزعة على عدة محافظات على مستوى الجمهورية؛ لكنها ظلت محصورة بصورة كبيرة في القرى والأرياف، وفي هوامش وعلى تخوم المدن الكبيرة.

تتشابه هذه التظاهرات مع الاحتجاجات السودانية، من حيث خريطة الانتشار؛ حيث بدأت الاحتجاجات السودانية -التي أسفرت عن سقوط النظام الحاكم- من الهوامش أيضًا، ومن مدن التخوم، ولم تبدأ من العاصمة أو من حواضر المدن الكبرى؛ لكنها أخذت تتسع تدريجيًّا، وتكسب مؤيدين ومتظاهرين جددًا، حتى غزت المدن والعواصم، وتنجح في تغيير النظام القائم. كما تتشابه معها من حيث دوافع الاحتجاج؛ فقد كان الدافع الاقتصادي، وتردي الأوضاع المعيشية هو الذي دفع السودانيين للخروج، وهو الدافع نفسه الذي حرك التظاهرات في مصر؛ فالتظاهرات الأخيرة في مصر لم تحركها رغبة في المشاركة السياسية، أو حصة أكبر من التمثيل السياسي للفئات المحتجة، إنما للمطالبة بخفض الأسعار، وتوفير فرص عمل، والتوقف عن هدم منازل المواطنين، ويبدو ذلك في أن معظم المحتجين أو حتى كلهم هم من غير المهتمين أو المشتغلين بالشأن السياسي؛ إلا أن مطالبتهم برحيل السيسي كمطلب رئيس ناتج عن وعيهم أن كل هذه الضغوط هي نتاج سياسات الرئيس، وبالتالي تغييرها مرهون بتغير القيادة الحاكمة.

 

موقع القوى السياسية:

غابت القوى السياسية عن الاحتجاجات، بدا هذا واضحًا في تركز الاحتجاجات في الأطراف والهوامش، وبمشاركة المواطنين غير المسيسين، كما بدا في صمت القوى السياسية حيال ما يحدث، وهو صمت يمكن فهمه باعتباره نتيجة لضعف القوى السياسية العاملة في الداخل المصري عن المشاركة؛ ضعف ناجم عن سياسات الإقصاء والتصفية التي اتبعتها السلطات في التعامل مع القوى السياسية والمجتمع المدني منذ 2013، وغياب ناجم عن خوف بعض القوى السياسية ذات الحضور الجماهيري القوي -الإخوان المسلمين خاصة والقوى الإسلامية بشكل عام- من أن تصبح مشاركتها مبررًا للنظام لقمع التظاهرات، أو تكون مشاركتها مبررًا للنظام لتصفية ما بقي لهذه القوى من قواعد وحضور في الشارع.

 

موقف السلطات المصرية:

أما موقف السلطات من الاحتجاجات، فقد تدرج على ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: أنكرت النوافذ الإعلامية المقربة من النظام وقوع أية تظاهرات، معتبرين أن صور الاحتجاجات هي “فبركة” واختلاق من جانب القوى المعارضة، وليس لها وجود حقيقي في الواقع. في المرحلة الثانية: اعترفت النوافذ الإعلامية المحسوبة على النظام بوجود احتجاجات محدودة، أصحابها لهم مطالب مشروعة، يجب أن تستمع لهم الحكومة، وتنظر في مطالبهم. المرحلة الحالية: بدأت نوافذ إعلامية محسوبة على النظام تتهم جماعة الإخوان المسلمين والإعلام المعارض والتابع لها في الخارج، بأنها من تقف وراء التظاهرات الأخيرة، وأن الشعارات المرفوعة في التظاهرات تؤكد أن جماعة الإخوان وكوادرها هم الوقود الحقيقي لهذه التظاهرات.

أما على مستوى التعامل الأمني، فهناك حضور أمني قوي في المدن والميادين الكبرى؛ للحيلولة دون تسرب الاحتجاجات لهذه المناطق والمساحات، فهناك ما يشبه الحصار في حواضر وميادين المدن الكبرى. أما في المناطق الهامشية في الأرياف والصعيد التي شهدت احتجاجات، فقد تعامل الأمن معها بدرجة عنف أقل من المعتاد من جانب القوى الأمنية، التي تتعامل عادة بكل قسوة مع أية احتجاجات.

ويمكن تفسير ذلك في نقطتين؛ الأولى: أن هناك خوف من أن يؤدي العنف الشرطي في تأجيج الاحتجاجات أكثر، وفي إكسابها أرضًا جديدة ومشايعين جددًا. بالتالي يكون التعامل الهادئ من جانب الشرطة محاولة لاستيعاب واحتواء غضب الشارع. الثانية: كون المحتجين من المواطنين العاديين غير المهتمين بالشأن السياسي، ومن غير المحسوبين على أي من القوى السياسية، وكون سخطهم واحتجاجهم نتيجة لسوء الأوضاع المعيشية، لا للمطالبة بفتح المجال السياسي، أو تقليص حضور الجيش في الشأن العام، أو التوقف عن عسكرة المجال العام وفتحه، والسماح بعودة الحياة السياسية التي تم تجفيف منابعها. الثالث: للحيلولة دون توظيف المعارضة للاحتجاجات، وفي كسب تأييد المتظاهرين، وللحيلولة دون أن تكتسب المظاهرات مضامين سياسية تبقى غائبة، حتى ولو رفع المحتجون شعارات تطالب برحيل رأس النظام، فإنها تظل احتجاجات مطلبية، متعلقة بالحق في العمل والسكن والتعليم والعلاج؛ بل والحق في الغذاء.

 

الخاتمة: مستقبل الاحتجاجات:

يمكن أن تتطور الاحتجاجات الحالية في مصر في أحد اتجاهين؛ الأول: أن تبدأ الاحتجاجات في اكتساب طابع سياسي أكبر، وذلك من خلال انضمام مجموعات جديدة مدينية[1] أكثر، ويضاف للمطالب الاجتماعية للمحتجين مطالب أخرى، متعلقة بالحريات، وتقليل القبضة الأمنية، وفتح المجال العام، والسماح بالمنافسة السياسية، والتقليل من احتكار السلطة وتقليص العسكرة؛ إلخ. تحقّق هذا السيناريو مرهون بموقف السلطة من جهة، وهل تلجأ للعنف والقمع لتشتيت المشهد الاحتجاجي، أم تبدو مرتبكة؛ وهو ما يسمح باتساع رقعة الاحتجاجات، فتصبح غنية أكثر من حيث فئات المحتجين. كما أنه مرهون بموقف الطبقة الوسطى وسكان المدن والقوى السياسية، وهل تظل هذه المجموعات على تعاطيها الحذر مع الاحتجاجات، وعلى امتناعها عن الانخراط في الحركة الاحتجاجية، أم تنضم للحركة الاحتجاجية. وهو من جهة أخيرة مرتبط بقدرة المحتجين على الاستمرار. الاتجاه الثاني: الذي يمكن أن تأخذه الاحتجاجات، هو الخفوت التدريجي. وتحقق هذا السيناريو سيكون نتيجة عدم استجابة شرائح جديدة وانضمامها للمحتجين، أو الخفوت السريع، مع لجوء الحكومة لخيار العنف، وتراجع المحتجين عن المواصلة؛ جراء ارتفاع فاتورة الاحتجاج، وغياب تأييد المجتمع والقوى السياسية للمحتجين، أو انخراطهم في المشهد الاحتجاجي. لكن في حال تحقق السيناريو الثاني فإن خفوت الاحتجاجات لن يكون نهاية المطاف؛ خاصة مع بقاء الأسباب التي دفعت الناس للشارع كما هي دون تغيير، وخاصة مع حرص الحكومة على تبرير سياساتها التي جلبت سخط الناس، مع التمسك بها، دون أخذ صوت الناس في الاعتبار.

 

[1]  أي من أهل وسكان المدن والحواضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟

  أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية،…