‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا الاتحاد الأوروبي وإمكانية فرض عقوبات على تركيا في منطقة شرق المتوسط .. المعوقات والمسارات
تركيا - عالمي - أكتوبر 1, 2020

الاتحاد الأوروبي وإمكانية فرض عقوبات على تركيا في منطقة شرق المتوسط .. المعوقات والمسارات

 

 

عقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اجتماعًا في بروكسل، في 24 و25 سبتمبر 2020؛ لمناقشة عدد من القضايا، في مقدمتها التطورات بمنطقة شرق المتوسط والأزمة الليبية، وقد قال دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي إن قبرص تطالب بفرض عقوبات ضد تركيا؛ بسبب أنشطة التنقيب عن الغاز البحري في شرق البحر المتوسط، التي تعتبرها هي واليونان غير قانونية[1].

وقد سبق أن أعرب البرلمان الأوروبي، في 17 سبتمبر 2020، عن “تضامنه الكامل مع قبرص واليونان”، وإدانته لـ “ممارسات تركيا في منطقتهما الاقتصادية الخالصة”، في قرار صوت عليه 601 نائب مقابل 57 نائبًا رافضًا، مع امتناع 36 برلمانيًّا عن التصويت. كما دعا البرلمان المجلس الأوروبي إلى أن يكون على استعداد لاتخاذ إجراءات عقابية ضد قطاعات معينة، أو محددة الهدف جديدة بحق تركيا؛ لكن دون أن تطال هذه العقوبات المواطنين واللاجئين المقيمين في تركيا[2].

 

أولا: التحركات الأوروبية ضد تركيا في شرق المتوسط:

انعقاد اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي، في 24 و25 سبتمبر 2020؛ للنظر في إمكانية فرض عقوبات على تركيا؛ نتيجة سياساتها في منطقة شرق المتوسط، أظهرت مجموعة من الضغوطات الأوروبية ضد تركيا في تلك المنطقة، وذلك على مستويات مختلفة:

فعلى المستوى السياسي: لوحت بعض الدول الأوروبية، خاصة فرنسا واليونان وقبرص وألمانيا، بفرض عقوبات خلال قمة الاتحاد الأوروبي. كما استمر التضامن ضد أنقرة، على نحو اتضح في إعلان 7 دول أوروبية (فرنسا واليونان وإسبانيا والبرتغال ومالطا وإيطاليا) في 10 سبتمبر 2020، خلال اجتماع مؤتمر قمة دول جنوب الاتحاد الأوروبي “ميد-7″، دعمها وتضامنها الكاملين مع قبرص واليونان في مواجهة الانتهاكات المتكررة لسيادتهما وحقوقهما السيادية من قبل أنقرة، والمطالبة بإحالة ملف ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وقبرص إلى محكمة العدل الدولية. وتوازى ذلك مع إدانة البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب في 9 سبتمبر، التدخلات التركية في الشؤون العربية، مع الترحيب بتشكيل لجنة وزارية عربية؛ من أجل متابعة هذه التدخلات.

وعلى المستوى العسكري: اتجهت اليونان إلى زيادة قدراتها العسكرية؛ حيث أكد رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس في 11 سبتمبر، أن بلاده ستعزز قواتها المسلحة من خلال شراء 18 طائرة رافال و4 فرقاطات من فرنسا. وخلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى قبرص في 12 سبتمبر، تم توقيع مذكرة تفاهم؛ لزيادة التعاون في القضايا الأمنية والعسكرية بين الطرفين، وهو ما يأتي استكمالا للخطوات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة برفع حظر الأسلحة جزئيًّا، وتوفير برنامج التدريب العسكري لقبرص. وأعلنت اليونان وقبرص وإسرائيل في 8 سبتمبر، عن التوصل إلى برنامج التعاون العسكري الثلاثي لعام 2021؛ وذلك بهدف تعزيز التعاون العسكري بينها. وقبل ذلك، أجريت مناورة بحرية يونانية قبرصية إيطالية فرنسية، غرب قبرص، في الفترة من 26 إلى 28 أغسطس 2020.

كما قامت بعض القوى بتعزيز وجودها العسكري في البحر المتوسط؛ حيث وصلت السفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس هيرشل وودي ويليامز” إلى جزيرة كريت اليونانية في 20 أغسطس الماضي؛ كرد فعل لحشد بوارج يونانية وتركية في المنطقة، وسبقتها فرنسا بنشر فرقاطتين في شرق البحر المتوسط في الشهر نفسه، قبل وصول حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديجول” لشرق المتوسط في 5 سبتمبر[3].

وعلى المستوى الاقتصادي: فقد تلقت تركيا في الأيام الماضية صدمة بعد إعلان المجلس الأوروبي استبعاد تركيا من لائحة الدول التي يُسمح لمواطنيها بالسفر إلى الاتحاد؛ اعتبارًا من 1 يوليو، ناهيك عن إلغاء عملاق السيارات الألماني “فولكس” خطط إنشاء مصنع للسيارات في غرب تركيا، بتكلفة 1,3 مليار يورو[4]. وتوازى ذلك مع قيام الوكالات الأمريكية المعروفة بتخفيض تصنيف تركيا الائتماني، بما يعكس تراجع الاقتصاد التركي، ويضيف أعباءً على الميزانية التركية، على خلفية تزايد تكلفة المخاطر عند استدانة أنقرة من الخارج؛ حيث خفّضت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني في 11 سبتمبر، تصنيف تركيا إلى B2 من  B1، وأبقت النظرة المستقبلية للبلاد عند سلبية، مرجعة ذلك إلى توقع حدوث أزمة في ميزان المدفوعات، وعدم قدرة مؤسسات الدولة -خاصة البنك المركزي- على التعامل بشكل فعال مع التحديات الخارجية، إضافة إلي زيادة مستويات المخاطر الجيوسياسية التي قد تسرع وتيرة أي أزمة، مثل علاقاتها بالولايات والاتحاد الأوروبي، والتوتر في شرق المتوسط[5].

 

ثانيًا: اجتماع الاتحاد الأوروبي وإمكانية فرض عقوبات على تركيا:

توقع العديد من المحللين أن تخرج القمة الأوروبية ببيان تضامن لا لبس فيه إلى جانب اليونان، فذلك مقتضى عضويتها (مع قبرص اليونانية) فيه، إضافة لتزايد أهمية فكرة التضامن داخل الاتحاد بعد “البريكست” والأزمات الأخرى التي يواجهها، فضلا عن تحريض دول عديدة -في مقدمتها فرنسا- ضد تركيا. وهناك توقعات أيضًا بأن يطلب الاتحاد مطالب واضحة من تركيا، في مقدمتها وقف أنشطة المسح والتنقيب، وتهيئة الأجواء لحوار بناء مع اليونان، والتلويح بعقوبات إن رفضت أنقرة ذلك. وهو -كما يبدو- موقف مبدئي قابل للتطوير لاحقًا حسب المستجدات، وخصوصًا رد تركيا. وقد يصدر كذلك عن القمة بعض العقوبات الخفيفة أو الهامشية؛ لإرضاء اليونان وبعض الدول ذات المواقف المتشددة[6].

خاصة أنه قد سبق لوزراء خارجية الاتحاد، في اجتماعهم الأخير في برلين، نهاية أغسطس 2020، أن أعدوا لائحة عقوبات، يمكن العمل بها من أجل دفع تركيا للتراجع عن انتهاكاتها، التي تمثلت بإرسال سفينة المسح الجيولوجي «أوروج ريس» إلى المياه اليونانية والسفينة «يافوز» إلى المياه القبرصية. وتشتمل لائحة العقوبات بداية الشركات التركية الضالعة في التنقيب عن الغاز والنفط، ومنع البواخر التركية من الدخول إلى الموانئ الأوروبية، وإمكانية استهداف قطاعات محددة من الاقتصاد التركي. بجانب إمكانية خفض المساعدات المالية الأوروبية لتركيا وفرملة الاستثمارات في اقتصادها، ووضع حد للمفاوضات بشأن «السماء المفتوحة»، وتجميد عضويتها في الاتحاد الجمركي، إضافة إلى فرض عزلة دبلوماسية، وإغلاق باب انتسابها إلى النادي الأوروبي نهائيًّا[7].

وفي المقابل، كان هناك ترجيحات بألا يقوم الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات كبيرة ومؤثرة على تركيا؛ وذلك لمجموعة من الأسباب، منها:

1– انقسام المشهد الأوروبي بشكل كبير بين معسكرين أساسيين تجاه طريقة التعامل مع تركيا؛ أحدهما يرى ضرورة كبح جماح أنقرة، وإجبارها على تغيير سلوكها، عبر فرض عقوبات، وتبني موقف أوروبي موحد، في حين ترى الكتلة الثانية ضرورة العمل على احتواء الموقف، والبعد عن التصعيد، وذلك من خلال الحوار.

يأتي على رأس الكتلة الأولى كل من اليونان وفرنسا؛ حيث تعتمد اليونان في مواجهتها مع تركيا على الدعم الذي تقدمها فرنسا، فضلا عن مساعيها لتوسيع التعاون الدفاعي معها بصورة مكثفة، كما أنها لا تزال ترتكز على علاقتها مع واشنطن، التي عززتها بتوقيع اتفاقية تعاون دفاعي مشترك في أكتوبر 2019. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد اليونان على آليات التعاون الثلاثي مع إسرائيل وقبرص، وكذلك مع مصر وقبرص، كما أن الديناميات الإقليمية والتغيرات المتسارعة، خاصة ما يتعلق باتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات، قد تخلق فرصًا جديدة لتطويق تركيا، خاصة أن إسرائيل والإمارات قد أعلنتا تضامنهما مع اليونان في مرات عديدة.

وتعتبر فرنسا من أشد الدول الغربية المعادية لتركيا، الذي ظهر في انخراطها بشكل أكبر في شرق المتوسط، سواء من خلال المناورات العسكرية، أو عبر نشر عددٍ من القطع الحربية الفرنسية في المنطقة. من ناحية أخرى، تقود فرنسا معسكرًا أوروبيًّا يضم اليونان وقبرص، الذي يستهدف خلق موقف أوروبي موحد؛ لفرض عقوبات على تركيا للعدول عن موقفها، وهو ما بدا واضحًا خلال قمة الدول السبع المتوسطية، التي عُقدت في 10 سبتمبر (2020) بين كل من قبرص واليونان وإيطاليا ومالطا والبرتغال وإسبانيا وفرنسا، فضلا عن محاولات فرنسا التعبئةَ ضد تركيا خلال اجتماع المجلس الأوروبي، الذي عقد في 24/25 سبتمبر؛ لتشكيل موقف أوروبي ضد تركيا.

مقابل هذا الموقف، هناك معسكر آخر أكثر مرونة وأقل حدة في موقفه من تركيا، ويضم كلا من ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. حيث تسعى برلين للتوسط بين أنقرة وأثينا؛ إذ تفضل ألمانيا لعب دور الوسيط النزيه بين مختلف الأطراف، بما يتماشى مع رئاستها للاتحاد الأوروبي. فضلا عن أن العلاقات الوثيقة بين ألمانيا وتركيا تمنعها من الانحياز إلى اليونان، التي تعتبر الجاليات التركية في ألمانيا باعتبارها أكبر تجمع تركي في الدول الأوروبية، ومن أهم محددات تلك العلاقات، وهو ما يحفز ألمانيا على تبني نهج الحوار مع تركيا؛ فبالنسبة لألمانيا لا تتعلق سياسة تركيا بالجغرافيا السياسية والأمن فحسب؛ بل تتعلق -على الأقل- بالسياسة الداخلية وسياسة الهجرة.

وفيما يتعلق بالموقف الإيطالي، فإنه يتسم بالغموض، وهو ما يرجع إلى المصالح التي تربط إيطاليا بالدول المعادية لتركيا من جانب؛ حيث إن إيطاليا من خلال شركة “إيني” صاحبة اكتشاف أضخم حقل في المتوسط عام 2015 (حقل ظهر) في مصر. كما أنها (إيني) المسؤول الرئيس عن تطوير الغاز الطبيعي في قبرص، كما تقود خطط تجميع الغاز القبرصي والمصري والإسرائيلي، واستخدام محطات التسييل في مصر لتسييل الغاز؛ ومن ثم نقله إلى أوروبا.

وفي المقابل، فإن إيطاليا في حاجة إلى التعاون مع تركيا في ليبيا؛ حيث تمتلك روما مصالح اقتصادية وأمنية حيوية، كما أنها تنظر إلى النفوذ التركي في ليبيا وشرق المتوسط على أنه عامل موازن لنفوذ فرنسا التي تتسم علاقاتها مع إيطاليا بالتنافس والصراع. لذا فإن موقف إيطاليا يتسم بالحذر والغموض، خاصة في ظل التزامها المزدوج بالعملية البحرية “درع البحر المتوسط” التي تقودها تركيا، بجانب مشاركتها في المبادرة الرباعية مع كل من فرنسا وقبرص واليونان ضمن عملية “Eunomia”.

وبالنسبة لإسبانيا، فقد اعتمدت على خطاب الاحتواء تجاه تركيا في عدد من القضايا التي تشتبك فيها أنقرة؛ كالتعامل مع الأكراد، أو الإبادة الجماعية للأرمن، أو موقفها من الأزمة السورية. في الوقت ذاته، دعمت إسبانيا تاريخيًّا محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في هذا السياق، اتخذت إسبانيا موقفًا داعمًا للتهدئة على غرار الموقف الألماني. فعلى الرغم من أن الخارجية الإسبانية ترفض خطاب “أردوغان”، إلا أنها تعتقد أن فرض العقوبات لن يكون الأداة الفاعلة لإجبار تركيا على الجلوس إلى مائدة المفاوضات؛ حيث ترى أن فرض العقوبات قد يأتي بنتائج عكسية، وقد يدفع تركيا لممارسة المزيد من الضغوط، والتلويح بورقة اللاجئين[8].

2– يدرك الاتحاد الأوروبي أن عقوبات كبيرة على تركيا ستعني انحيازًا كاملا ونهائيًّا منه إلى جانب اليونان ضد تركيا، ما سيخسره ثقة الأخيرة، وبالتالي يفقده قدرته على لعب دور الوسيط مستقبلا، وهو الدور الذي ما زال حريصًا عليه.

3– يدرك الاتحاد أن العقوبات -ولا سيما السياسية والاقتصادية- ليست ذات تأثير كبير على تركيا أو غيرها من الدول، وأنها -في كثير من الأحيان- لا تعدو كونها تصديرًا لموقف أكثر منها أداة لتغيير سياسيات الدول.

4– صدور تصريحات أوروبية كثيرة، تركز على فكرة الحوار مع تركيا، والرغبة في الحفاظ على العلاقات معها، كان آخرها تغريدة الرئيس الفرنسي التي نشرها باللغة التركية، في 19 سبتمبر 2020، التي دعا فيها تركيا لإعادة فتح حوار مسؤول مجددًا بخصوص شرق المتوسط[9]. بجانب الاتصال الهاتفي الذي جمع الرئيس التركي والفرنسي، في 22 سبتمبر 2020، وهو الأول بين الجانبين عقب أسابيع من تصاعد التوتر بينهما، وتأكيد الجانبين -خلال الاتصال- على ضرورة احتواء التوتر في شرق المتوسط، عبر “الحوار المشترك”[10].

5– تواصل اللقاءات العسكرية التركية اليونانية برعاية حلف شمال الأطلسي “الناتو” في مقر الحلف بالعاصمة البلجيكية بروكسل، الذي وصل حتى يوم 22 سبتمبر 2020 إلى خمسة لقاءات؛ بهدف الوصول لتخفيف التوتر بينهما في شرق البحر المتوسط.

كما أعلنت وزارة الخارجية اليونانية، 22 سبتمبر 2020، عن قرب انطلاق الجولة الـ 61 من المباحثات الاستكشافية مع تركيا في مدينة إسطنبول. فقد انطلقت الجولة الأولى من المحادثات الاستكشافية بين البلدين حول التنقيب في المناطق المتنازع عليها شرق البحر المتوسط عام 2002، وانعقدت آخر جولة منها ورقمها 60، في 1 مارس 2016 بالعاصمة اليونانية أثينا. وبعد ذلك التاريخ، استمرت المفاوضات بين البلدين على شكل مشاورات سياسية، دون أن ترجع إلى إطار استكشافي مجددًا.

ويأتي استئناف المحادثات الاستكشافية عقب انعقاد قمة ثلاثية، في 22 سبتمبر 2020، عبر الفيديو، جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. وعقب القمة، صرح المتحدث باسم رئيس المجلس الأوروبي، باريند ليتس، بأن التحضيرات لإجراء محادثات استكشافية بين اليونان وتركيا بخصوص التوتر شرق المتوسط، ستتواصل على مستوى المستشارين[11].

6– دعوة أنقرة المتكررة للحوار، وتعاطيها الإيجابي مع الوساطات والمبادرات، مع الوساطة الألمانية في البداية، ثم مع مبادرة حلف شمال الأطلسي، ثم قرار سحب سفينة عروج رئيس قبل القمة، وهي السفينة التي أرسلت مرفوقة بأسطول حربي إلى المنطقة المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط، والتي أثارت توترات مع اليونان، فضلا عن تأكيد الرئيس التركي طيب أردوغان بأنه مستعد للقاء رئيس الوزراء اليوناني ثنائيًّا، أو بحضور طرف ثالث؛ من أجل إعطاء الدبلوماسية كل فرصة ممكنة، والاستماع لكل دعوة مخلصة.

7– هناك منظومة طويلة من المصالح والمهددات المشتركة وأوراق القوة والضغط المضاد التركية التي يمكن أن توازن (ولو نسبيًّا التيار الدافع باتجاه العقوبات)[12]، فقد تلجأ تركيا إلى خيار التحالف مع روسيا، أو تعليق عضويتها في الناتو، أو السيطرة على الجزر المتنازع عليها، أو السماح للقبارصة الأتراك بتنظيم استفتاء يتيح لهم الانضمام إلى تركيا، إضافة إلى ورقة اللاجئين، وكل هذه الأوراق ستكون مزعجة للأوروبيين، كما أن سلامة المنطقة والاستفادة منها مرهون بموافقة تركيا، وهذا ما تدركه أغلب الدول الموجودة في خارطة الصراع[13].

8- أن أي قرارات أو ضغوطات أو عقوبات من الاتحاد الأوروبي لن تؤدي إلى تغيير موقف تركيا، التي تَعدُّ أزمة شرق المتوسط في صلب أمنها القومي وحقوقها في ثروات المتوسط، وهي حقوق غير قابلة للتنازل بالنسبة لها[14].

9- رفض الولايات المتحدة لفرض عقوبات على تركيا، خصوصًا أن محادثات تقنية جرت برعاية الحلف الأطلسي في العاصمة البلجيكية؛ لخفض التصعيد بين اليونان وتركيا، فواشنطن لن تقبل بأن تصل الأمور إلى حد الاشتباكات المسلحة بين عضوين أطلسيين، قبل أسابع قليلة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية[15].

وفي خطوة أمريكية -تبدو داعمة لمسار التفاوض ولوجهة النظر التركية- فقد قالت السفارة الأمريكية في تركيا، في بيان نشرته باللغتين التركية والإنكليزية، إن “الولايات المتحدة لا تعتقد أن خريطة إشبيلية -لما يسمى بالمياه الإقليمية لليونان- لها أية أهمية قانونية”. وأضافت أن “الخريطة ليس لها وضع قانوني، ودول الاتحاد الأوروبي لا تعتبر هذه الخريطة وثيقة ملزمة قانونًا”. ودعت الولايات المتحدة الأمريكية كلا من تركيا واليونان إلى بدء المفاوضات في أقرب وقت ممكن، مشيرة إلى أنها تدعم “بقوة مبادئ وفرص الحوار والتفاوض المبني على حسن النية”.

وتستخدم كل من اليونان وقبرص الرومية ما يسمى بـ ”خريطة إشبيلية”؛ لتحقيق أحلامهما في حصار تركيا، وعزلها في منطقة شرقي المتوسط. وتدعي الخريطة أن حدود اليونان (التي هي حدود الاتحاد الأوروبي) وجرفها القاري يبدأ من جزيرة “ميس” اليونانية جنوبًا إلى أنطاليا التركية. فيما ترفض تركيا هذه الخريطة؛ لأن مساحة جزيرة “ميس” تبلغ 10 كيلو مترات مربعة، ولا تبعد سوى كيلو مترين عن منطقة الأناضول التركية، فيما تبعد عن بر اليونان الرئيس نحو 580 كيلو مترًا، وتمنح اليونان مساحة عرضها 40 ألف كيلو متر مربع من الجرف القاري، وهذا الوضع يخالف أطروحات وقواعد القانون الدولي[16].

إلا أن ذلك لا يعني أن الموقف الأمريكي داعم لتركيا بصورة مطلقة، فقد سبق وأن رفعت واشنطن حظر التسليح عن قبرص اليونانية، وهو ما أغضب تركيا، التي هددت بالرد بالمثل على لسان وزير خارجيتها؛ أي تسليح قبرص التركية.

وعليه، فإن هذه المؤشرات تدل على موقف أمريكي وسط بين الطرفين؛ حيث تحاول أمريكا الاستفادة من الموقف التركي في محاصرة التوسع الروسي في المنطقة، ومما يؤثر في الموقف الأمريكي السلبي أيضًا تجاه اليونان التصور الشخصي لترامب عن ماكرون الداعم للأخيرة، الذي يسعى لدمج روسيا في أوروبا، من خلال منظومة أمنية أوروبية روسية. وفي المقابل، تحاول واشنطن التقرب إلى اليونان؛ من أجل التأثير على أصوات اليونانيين في أمريكا، في ظل حمى الانتخابات الرئاسية التي تعيشها أمريكا، كما أنه محاولة لاستيعاب قبرص، والحد من التأثير الروسي عليها[17].

وإجمالا لما سبق، يمكن القول إنه رغم تصاعد حدة التوتر بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة فرنسا واليونان، خلال الفترة الماضية؛ بسبب عمليات التنقيب التي تقوم بها تركيا، ويرفضها الاتحاد – إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة اعتبارات عديدة، ربما تدفع الطرفين ليس فقط إلى محاولة ضبط حدود هذا التوتر، وعدم تصعيده لدرجة غير مسبوقة، بشكل يمكن أن يفرض تداعيات سلبية على مصالحهما؛ وإنما أيضًا السعي للوصول إلى توافق حول بعض القضايا التي تحظى باهتمام مشترك من جانبهما؛ أولها حرص أنقرة على توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها على الساحة الدولية، بعد أن تعرضت لضغوط دولية وإقليمية قوية خلال المرحلة الماضية؛ إذ لا يزال التوتر هو العنوان الأبرز مع واشنطن؛ بسبب حصول تركيا على منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس 400، إضافة إلى قضية “فتح الله غولن”، والدعم الأمريكي للأكراد في سوريا.

في المقابل، لم تصل العلاقات مع روسيا إلى مستوى يمكن الاعتماد عليه في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، فالتعاون مع موسكو تفرضه بالأساس التطورات الطارئة في صراعات المنطقة، وبخاصة الوجود الروسي في ليبيا وسوريا.

إلى جانب ذلك، ترى الحكومة التركية أن تسكين أوجاع العلاقة مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يُعزز قدرتها على مواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية، خاصة مع فشل الإجراءت التي تبنتها تركيا طوال العامين الماضيين، والتي زادت وطأتها بعد تفشي جائحة كورونا.

كما لا تزال تركيا حريصة على عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو ما كشفته تصريحات الرئيس التركي في مايو الماضي، وأكد فيها أهمية إحياء محاولة تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى وباء فيروس كورونا كدليل واضح على الحاجة إلى الوحدة.

في مقابل ذلك، لا يزال الاتحاد يرى أهمية للعلاقة مع تركيا، وألا تصل إلى حد القطيعة، برغم الملفات الشائكة بين الطرفين؛ بسبب التباين في التعامل مع القضايا الإقليمية. ووفقًا للرؤية الأوروبية، تمثل تركيا ورقة مهمة في التعامل مع الارتدادات السلبية لصراعات الإقليم، وبخاصة مسألة اللاجئين. كما يبدي كلٌّ من الاتحاد الأوروبي وأنقرة اهتمامًا خاصًّا بالحرب ضد التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم “داعش”، بعد تبنّيه عمليات إرهابية داخل الدول الأوروبية. ومن هنا، يُمكن فهم إعلان المفوض الأوروبي المكلف بسياسة الجوار ومفاوضات التوسع “أوليفر فاريلي” مطلع يونيو الماضي، بأن تركيا ستكون ضمن البلدان الحاصلة على قروض مالية، خلال الدورة الثالثة من آلية مساعدات ما قبل العضوية، التي تشمل الفترة بين عامي 2021 – 2027[18].

 

——————————–

[1]                      “الأزمة الليبية وتطورات شرق المتوسط على طاولة بحث وزارء خارجية أوروبا في بروكسل”، الجزيرة نت، 21/9/2020، الرابط: https://bit.ly/2FGPU6f

[2]                      “البرلمان الأوروبي يبدي تضامنه مع اليونان وقبرص، ويتوعد تركيا بعقوبات جديدة”، تي أر تي، 17/9/2020، الرابط: https://bit.ly/2HnUt5P

[3]                      “تحركات مضادة: لماذا تصاعدت الضغوط الدولية والإقليمية على تركيا؟”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 22/9/2020، الرابط: https://bit.ly/32WRRUD

[4]                      “قضايا شائكة: المسارات المحتملة للتوترات بين تركيا والاتحاد الأوربي”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 15/9/2020، الرابط: https://bit.ly/2Hunugb

[5]                      “تحركات مضادة: لماذا تصاعدت الضغوط الدولية والإقليمية على تركيا؟”، مرجع سابق.

[6]                      “القمة الأوروبية: هل ستفرض عقوبات على تركيا؟”، عربي 21، 21/9/2020، الرابط: https://bit.ly/3kC7Ldc

[7]                      “قمة القادة الأوروبيين أمام إشكالية فرض عقوبات على تركيا”، الشرق الأوسط، 22/9/2020، الرابط: https://bit.ly/3ckvhZg

[8]                      “موقف الاتحاد الأوروبي من السلوك التركي: إجماع على الإدانة وانقسام حول العقوبات”، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، 21/9/2020، الرابط: https://bit.ly/3hWYQRQ

[9]                      “القمة الأوروبية: هل ستفرض عقوبات على تركيا؟”، مرجع سابق.

[10]                    “توافق تركي يوناني لإجراء محادثات حول التنقيب شرق المتوسط”، عربي 21، 23/9/2020، الرابط: https://bit.ly/3mIqoOB

[11]                    المرجع السابق.

[12]                    “القمة الأوروبية: هل ستفرض عقوبات على تركيا؟”، مرجع سابق.

[13]                    ” أبعاد الخلاف التركي اليوناني ومآلاته”، مركز الفكر الإستراتيجى للدراسات، 8/9/2020، الرابط: https://bit.ly/33NuU5L

[14]                    “القمة الأوروبية: هل ستفرض عقوبات على تركيا؟”، مرجع سابق.

[15]                    “قمة القادة الأوروبيين أمام إشكالية فرض عقوبات على تركيا”، مرجع سابق.

[16]                    “أمريكا تنسف خريطة الحدود البحرية لليونان شرقي المتوسط: غير قانونية”، وكالة أنباء تركيا، 21/9/2020، الرابط: https://bit.ly/3hSJzkY

[17]                    “أبعاد الخلاف التركي اليوناني ومآلاته”، مرجع سابق.

[18]                    “قضايا شائكة: المسارات المحتملة للتوترات بين تركيا والاتحاد الأوروبي”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الصراع الأرميني الأذربيجاني بين الدوافع التاريخية وأجندات اللاعبين الدوليين

    منذ 27 سبتمبر الماضي، تفجر أحد أقدم النزا عات في العالم، وهو النزاع الإقليمي…