‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر حرب السيسي على  الفقراء .. رصد لأهم قرارات الجباية ومآلاتها
مصر - أكتوبر 6, 2020

حرب السيسي على  الفقراء .. رصد لأهم قرارات الجباية ومآلاتها

 

 

 

انتهى تحليل أعده مركز كارنيجي ونشر بموقع «open democracy»، في بداية أكتوبر الجاري “2020” إلى أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي يشن حربا بلا هوادة على الفقراء في المجتمع المصري، وأشار إلى أن التباطؤ الاقتصادي الحالي سبقه زيادات متواصلة بمعدلات الفقر؛ الأمر الذي يتسبب في تفاقم الهشاشة الاجتماعية للمصريين؛ مؤكدا أن السياسات المالية والاقتصادية التي يتبناها نظام السيسي تتسبب في تفاقم معدلات الفقر، وتسرّع بنقل الثروات من الطبقتين الدنيا والوسطى إلى الحكومة ونخب المال والأعمال، متوقعا أن يفضي ذلك إلى نتائج كارثية.

وبحسب تحليل مركز كارنيجي فإنه إلى جانب الطبيعة السلطوية للنظام، فإن الدعم الدولي الذي يحصل عليه في شكل تدفقات مالية وقروض يساهم في تعزيز جهوده الآيلة إلى إثراء طبقة النخبة في الأعمال والمؤسسات العسكرية على حساب المواطنين. ويضيف أن حكومة السيسي قد حصلت من حلفائها الإقليميين على دعمٍ مالي قدره 92 مليار دولار بين عامَي 2011 و2019، وتستمر في اقتراض مبالغ طائلة من المؤسسات الدولية، تتيح هذه الأموال للحكومة تنفيذ مشاريع ضخمة والإبقاء على منظومة الضريبة التنازلية التي تلقي العبء الأكبر على الفقراء دون الأغنياء.

التحليل الذي أعده الباحث الاقتصادي ماجد مندور، يدلل على صحة ما انتهى إليه بأن الأرقام الرسمية التي ذكرها بيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنة 2019م، تكشف عن زيادة مستويات الفقر من “27.8”% في 2015م، إلى “32.5”% في 2018م. لافتا  إلى ارتفاع أعداد الفقراء من “22.7” مليونا سنة 2012م، إلى “32.5” مليونا في 2017م، أو بتعبير آخر، ازدادت أعداد المصريين الذين هم تحت خط الفقر بواقع 9.8 ملايين نسمة في غضون خمس سنوات، معنى ذلك سقوط نحو مليوني مصري تحت خط الفقر كل سنة من حكم السيسي وفقا للأرقام الرسمية.

ويعزو مندور أسباب تزايد معدلات الفقر في مصر إلى تبني النظام حزمة من السياسات المالية والاقتصادية تستهدف تسريع نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى نخب الأعمال وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وقادتها التي باتت تحتكر وتتحكم في مفاصل النشاط الاقتصادي بما تحوزه من امتيازات ونفوذ واسع.

تستند هذه السياسة إلى مرتكزات عدّة: 

أوّلا،  أن الحكومة تعتمد بشدّة على القروض، بدلاً من الضرائب، لتمويل عملياتها والمشاريع الضخمة في البنى التحتية، أما الإيرادات الضريبية فتُستخدَم على نحوٍ غير متكافئ في تسديد القروض والفوائد، ما يُفضي إلى نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى الجهات “الداخلية والخارجية” الدائنة للنظام. بالإضافة إلى تواصل الحكومة خفض الدعم والإنفاق الاجتماعي.

ثانياً، يستمر العمل بالضريبة التنازلية التي تلقي بالعبء الضريبي على كاهل الطبقتَين الوسطى والدنيا (في إشارة  إلى عدم تبني فلسفة الضريبة التصاعدية التي تحدد قيمة الضريبة بناء على حجم المكاسب والأرباح وفق معادلة (ترتفع الضريبة كلما ارتفع الدخل وتقل كلما قل الدخل)). وفي الوقت نفسه تستمر الحكومة في العمل على تنفيذ مشاريع ضخمة في البنى التحتية بقيادة الجيش، ما يُشكّل أداةً للاستحواذ على الأموال العامة، لا أداةً لتطبيق برامج الإنفاق الاجتماعي والحد من الفقر، ويسمح هذا بدوره للأعمال والشركات المملوكة من الجيش بأن تزدهر، ما يساهم في تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية وشبكة المحسوبيات التابعة لها. وهذا الدعم الخارجي يحمي الجيش أيضاً من التدقيق العام، ويقترن مع الاعتماد المتزايد على الضرائب باعتبارها مصدراً للإيرادات الحكومية.

وحول انعكاسات تبني نظام السيسي العسكري لهذه السياسات المالية والاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، يتوقع “مندور” أن تفضي هذه المقاربة إلى آثار خطيرة في المدى الطويل تذهب أبعد من الفقر المتزايد والحرمان الاجتماعي الذي يعاني منه المواطن العادي، إذ إنه من المحتّم أن يصبح هذا النظام أكثر قمعاً وسلطوية فيما يستمر في فرض سياساته القاسية، وهذا بدوره سيغذّي صعود المقاومة العنيفة للدولة وينتهي إلى أن هذه المقاومة حتى وإن لم تتبلور إلى إطار حركة سياسية متماسكة، فلا بد من أن يتفاقم مستوى العنف الاجتماعي، ما يفضي إلى تداعيات مزعزعة للاستقرار في المدى الطويل.

فضلاً عن ذلك، يؤدّي توسّع الأعمال والشركات المملوكة من الجيش إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص الاقتصادي فيما يسعى جاهداً للتنافس مع العملاق العسكري، وسوف تكون لهذا الأمر تأثيرات بنيوية طويلة الأمد على الاقتصاد والمنظومة السياسية، وهي تأثيرات يصعب العودة عن مفاعيلها وسوف تستمر على الأرجح إلى ما بعد السيسي ونظامه.[[1]]

 

قرارات الجباية

خلال الشهور القليلة الماضية، استحوذ على الرأي العام المصري أمران: الأول، هو حملات الإزالة التي شنها رئيس الانقلاب وأجهزته الأمنية والحكومية؛ حيث جرى هدم مئات المنازل معظمها لفئات فقيرة ومعدمة بدعوى أنها بينت بالمخالفة للقانون، ووضع السيسي ملايين المصريين أمام ضغط كبير وخوف أكبر؛ فإما دفع عشرات وربما مئات  الآلاف كنوع من الإتاوة المفروضة بقوة القهر والظلم وإما إزالة بيوتهم. وهي الحملات التي قوبلت بغضب شعبي واسع وساهمت وسائل الإعلام المناهضة لنظام الانقلاب ومواقع التواصل الاجتماعي في فضح هذه الحملات والنظام كله؛ الأمر الذي دفع النظام إلى تهدئة الأوضاع قليلا خصوصا بعد ردود الفعل الغاضبة التي أظهرتها قطاعات شعبية غير مسيسة ضد هذه الحملات وتمكنها من صدها دون تنفيذ هذه الإزالة الظالمة. كما أن النظام يريد هذه التهدئة ريثما يتم الانتهاء من مسرحية انتخابات البرلمان المرتقبة خلال شهور أكتوبر ونوفمبر وديسمبر “2020م”.

أما الأمر الثاني، فهو قرار السيسي في مايو 2020م بمنع البناء مطلقا لمدة 6 شهور، وهو القرار الذي مثل صدمة لملايين المصريين من المهنيين والعاملين في قطاع المعمار، ويمثل قانون التصالح في مخالفات البناء وقرار وقف البناء لمدة 6 شهور  حربا على الطبقتين الدنيا والمتوسطة؛ ذلك أن السيسي بقانونه وقراره يسهم في  إفقار المصريين ومنعهم حتى من العمل للحصول على لقمة عيشهم وبما يكفل ستر ملايين الأسر التي هوت دون خط الفقر.

وفي زحمة الاهتمام بحملات السيسي لهدم بيوت المصريين ووقف أعمال البناء، أصدر السيسي خلال الشهور القليلة الماضية عدة قرارات تستهدف فرض المزيد من الجباية والإتاوة على المصريين لتحصيل عشرات المليارات من جيوب الناس دون وجه حق، وفي هذا التقرير نرصد أهم قرارت الجباية التي أصدرها السيسي منذ مايو 2020 حتى سبتمبر 2020م.

أولا،  في يونيو 2020م، أقرت الحكومة وبرلمانها مشروع موازنة السنة المالية الجديدة 2020-2021 الذي ينص على زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة تصل إلى 12.6%، وهو ما يعني زيادة إيرادات الضرائب بأكثر من 108 مليار جنيه خلال عام لتصل قيمتها إلى ما يقرب من تريليون جنيه، وإن شئنا الدقة إلى 964.777 مليار جنيه، كلها من جيوب الناس في ظل جائحة كورونا التي تتجه فيها الحكومات نحو تخفيف الضرائب وتقديم مساعدات مالية للمتضررين، والنتيجة النهائية هي أن أكثر من 80% من إيرادات الموازنة العامة للدولة تأتي من بند واحد هو الضرائب التي يدفع معظمها المستهلك وموظفي الدولة.

ثانيا، تواصل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، حيث كشفت بيانات جهاز الإحصاء الخاصة بأسعار المستهلكين بشهر يوليو 2020م، عن ارتفاع أسعار الخدمات التعليمية بنسبة 28.5 في المئة خلال عام، والخدمات الصحية بنمو 9 في المئة، والمطاعم بنمو 8 في المئة، والنقل والمواصلات بنسبة 7 في المئة، والاتصالات 4 في المئة. كما زادت أسعار العديد من السلع الغذائية خلال نفس الفترة، ومنها الفول البلدي بنسبة 17 في المئة، والحلاوة الطحينية السائبة 18 في المئة، والزبدة البلدي 11 في المئة، وعسل النحل 10 في المئة. كذلك زادت أسعار العديد من أصناف الخصروات، والعسل الأسود، والجبن الأبيض، وزيت الذرة، والأرز المعبأ، والمكرونة السائبة وغيرها.

ثالثا،  سن برلمان السسي في 20 مايو 2020م قانونا جديدا يقضي بخصم 1% من صافي رواتب وأجور العاملين بالدولة و0.5% من أصحاب المعاشات وهو مشروع القانون الذي صادق عليه السيسي في 15 أغسطس وجرى العمل به بداية من مرتب يوليو 2020م. وهي جباية صريحة بدعوى دعم الدولة في مكافحة كورونا، ويعتبر الخصم من أصحاب المعاشات سطوا واغتصابا مع سبق الإصرار والترصد؛ لأن أموال المعاشات هي مال خاص لا يصح للحكومة الاقتطاع منها بقرارات أو قوانين مجحفة.

رابعا، خفض وزن رغيف الخبز من 110 جرامات إلى 90 جراما،  وهو القرار الذي اعتمدته وزارة التموين بحكومة الانقلاب في 16 أغسطس 2020م،  ويعتبر تخفيض وزن رغيف الخبز هو الثاني في  عهد السيسي حيث جرى سابقا تخفيض وزنه من 135 جراما إلى 110 جرامات. وبحسب تقرير أصدره مركز دعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء في عام 2010، فإن 60% من المصريين كانوا يعتمدون على الخبز المدعم بشكل أساسي، وإن دعم الخبز يساهم في رفع مستوى معيشة الملايين من المصريين، ويحول دون وقوع ملايين منهم في الفقر. فبدلا من رفع سعر رغيف الخبز، جرى خفض وزنه وهي صورة من صور رفع السعر بشكل غير مباشر.

خامسا، رفع المصاريف المدرسية بنسبة تصل إلى “156%”، وهو القرار الوزاري رقم 155 لسنة 2020م، الذي أصدره وزير التعليم طارق شوقي يوم 21 سبتمبر، ونص القرار على رفع مصاريف حضانة الأطفال حتى الصف الثالث الابتدائي والتي كانت تقدر بنحو 85 جنيها إلى 300جنيه دفعة واحدة. و200 جنيه للصفوف من الرابع حتى  الثالث الإعدادي والتعليم الفني. و500 جنيه للمرحلة الثانوية والتي كانت لا تزيد عن 195جنيها. القرار أثار استياء واسعا بين أولياء الأمور؛ بينما يتوقع خبراء ومحللون أن يمتنع نحو 85% من الأهالي عن دفع هذه المصروفات لضيق ذات اليد. وبحسب مراقبين فإن هذه الزيادات مبالغ فيها، خصوصا وأن من بنود صرفها الإنفاق على الأنشطة والرحلات، والتي ‏ستتوقف في ظل استمرار جائحة كورونا.‏ ويتوقع أن تصدر تعليمات شفهية للإدارات بعدم تسليم الكتب إلا بعد المصروفات إلا في حالة تجمهر الأهالي بينما يؤكد خبراء في التعليم أن عدم دفع المصروفات لا يحول دون دخول الامتحانات ، ولكن تتراكم حتى نهاية المرحلة، إذ لا يتم ‏إعطاء الشهادة النهائية إلا بعد دفع المصروفات المتأخرة ‏وبالفوائد.‏ ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول ‏مؤشرات ‏بحث الدخل والإنفاق في الفترة من أكتوبر2017-‏‏ ‏سبتمبر 2018، فإن متوسط حجم إنفاق الأسرة المصرية، على التعليم ‏يقدر ‏بـ5.2 آلاف جنيه سنويًا، وهو ما يمثل 4.5% من جملة ‏الإنفاق ‏السنوي، وجاء بند الدروس الخصوصية على رأس القائمة بنسبة ‏‏37.7%، أي ما يعادل 1.9 ألف جنيه.[[2]]

سادسا، رفع أسعار الكهرباء للمنازل بنسبة 30% ، وهو القرار الذي جرى  العمل به اعتبارا من يوليو 2020م، وهي الزيادة السابعة على تسعيرة الكهرباء منذ انقلاب 3 يوليو 2013م،  في المقابل جرى تخفيض سعر الكهرباء للمصانع بدعوى مواجهة تداعيات تفشي كورونا بقيمة 10 قروش للكيلووات وبحسب تصريحات رسمية فإن الدولة ستتحمل 22 مليار جنيه قيمة خفض أسعار الكهرباء لأصحاب المصانع (وهم الأثرياء طبعا) خلال السنوات الخمس المقبلة.[[3]]

سابعا، فرض رسوم بقيمة 30 قرشا على كل لتر مبيع من البنزين بأنواعه و25 قرشا على كل لتر سولار، ففي 24 يونيو 2020م، صادق رئيس الانقلاب على القانون رقم 83 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984، بشأن فرض رسوم تنمية الموارد المالية للدولة، والذي وافق عليه مجلس النواب في 4 مايو2020م، ويهدف إلى فرض رسوم بقيمة 30 قرشاً لكل لتر مبيع من البنزين بأنواعه رغم ، و25 قرشاً لكل لتر من السولار.هذه الرسوم جرى فرضها رغم أن أسعار الوقود في مصر ضعف القيمة الحقيقية للمحروقات، بسبب تراجع الأسعار العالمية للنفط ومشتقاته بنحو 40% بسبب تداعيات أزمة فيروس كورونا، وبدلا من خفض أسعار الوقود جرى تثبت أسعاره وفرض هذه الرسوم الجبائية. وجرى فرض هذه الرسوم أيضا رغم خضوع أنواع المنتجات البترولية لضريبة القيمة المضافة في  سبتمبر 2016، والتي بلغت 48 قرشا على لتر البنزين 92 أوكتين إذا كان منتجا داخل البلاد، وتزيد القيمة على اللتر من نفس النوع إلى 65 قرشا إذا كان مستوردا. كما يخضع السولار لضريبة قيمة مضافة بواقع 36 قرشا للتر.

ثامنا، تستهدف تعديلات القانون رقم 83 لسنة 2020 الذي صادق عليه السيسي في 24 يونيو تنمية موارد الدولة؛ حيث جرى إضافة ثمانية أنشطة خدمية جديدة للخضوع للرسوم، بعد إضافة ثلاثة خدمات لتلك الرسوم في عام 2018، إلى جانب 16 نوعا من الخدمات موجودة مسبقا، ليصبح مجمل الأنشطة الخاصة لرسوم التنمية 28 نشاطا تتصل معظمها بحياة المواطنين اليومية. ومن بين السلع التي تم فرض رسم تنمية جديد عليها، أجهزة التلفون المحمول وأجزؤاها وجميع الإكسسوارات الخاصة بها، بنسبة 5 في المئة، رغم وجود رسم تنمية تم فرضه عام 2018 بقيمة 50 جنيها عند شراء خط محمول جديد، وعشر جنيهات رسم شهري عند سداد فاتورة خطوط المحمول، وخضوع الاتصالات بالمحمول لضريبة قيمة مضافة بنسبة 22 في المئة[[4]]

تاسعا، رفع ضريبة المخبوزات  والمنظفات من 5  إلى 14%، حيث انتهت وزارة المالية في يونيو 2020م، من إعداد صياغة على مشروع تعديلات قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016م، وأخضعت تعديلات القانون المخبوزات والحلوى والمقرمشات والمنتجات المصنعة من الدقيق –عدا الخبز بحميع أنواعه- إلى السعر العام لضريبة القيمة المضافة بواقع 14%، بدلاً من خضوعها حالياً لضريبة الجدول بنسبة 5%، وكذلك منتجات الصابون والمنظفات الصناعية للاستخدام المنزلي، وهو ما يؤثر بالسلب على تكلفة إنتاجها، وسعر بيعها للجمهور، وشملت التعديلات كذلك حذف النصوص الخاصة ببيع وتأجير الوحدات غير السكنية من بند الإعفاء الوارد في قانون الضريبة على القيمة المضافة، وهو ما يعني إخضاع جميع المحال التجارية، والمنشآت الفندقية، وغيرها من الأماكن غير السكنية لضريبتي القيمة المضافة والجدول معاً بإجمالي 19%.

عاشرا، رفع تذاكر المترو، حيث ارتفعت التذكرة من 3 إلى 5 جنيهات لأقل من 9 محطات وارتفعت تذكرة الـ5 إلى 7 جنيهات، بخلاف التذكرة بـ10 و12 جنيها لكل المحطات والتي كانت بجنيه واحد فقط قبل 2017م.  كما جرى رفع أسعار تذاكر القطارات بنسب زيادة تراوح بين 25% و40%، وهو القرار الذي أصدره كامل الوزير في 30 يوليو 2020م، قبل عيد الأضحى بيوم واحد، حيث تقرر زيادة أسعار تذاكر قطار القاهرة الإسكندرية إلى 125 جنيهاً للدرجة الأولى بدلاً من 100 بنسبة زيادة 25%، والثانية مكيفة إلى 100 جنيه بدلاً من 70 جنيهاً بنسبة زيادة 30%. وادعى الوزير، حينها أن تعريفة الركوب الجديدة لن تزيد كثيراً، وستغطي فقط مصاريف التشغيل بالسكة الحديد، بحجة أن الإيرادات التي تتحصل عليها هيئة السكة الحديد لا تتعدى 8 مليارات جنيه فقط، مستطرداً بأن “السكة الحديد مدينة بنحو 111 مليار جنيه، منها جزء كبير للبنك المركزي، وبنك الاستثمار القومي، وبعض الوزارات الأخرى” على حد قوله.

حادي عشر، فرض رسوم على متعلقات ركاب القطارات فوق “12” كيلو جراما، وهو القرار الذي اعتمدته الهيئة القومية لسكك حديد مصر يوم الاثنين 28 سبتمبر 2020م، وبررت الهيئة قرارها بتعظيم الإيرادات وتعويض جزء من خسائرها في إطار تقديم ما وصفته بخدمة أفضل للمواطنين، وتستهدف  الهيئة بذلك بعض التجار والأهالي الذين يحملون بضاعات بين المحافظات من أجل لقمة عيشهم مثل الصعايدة الذين يتاجرون في الملابس والمفروشات وغيرها والفلاحات اللاتي يتجرن في الجبن والبيض والخبز؛ حيث قررت الهيئة تفعيل خدمة “الطرود”، من خلال تحصيل رسوم مالية على المتعلقات، أو ما يعادل شنطة اليد للمسافر، وتحصيلها داخل القطار بمعرفة مشرفه، بحسب وزن المتعلقات (الطرد)، ومسافة الرحلة، الرسوم الجديدة ستراوح بين 10 جنيهات و20 جنيهاً للطرد الأقل من 30 كيلوجراماً، و30 جنيهاً على الطرد الذي يزن 30 كيلوجراماً لمسافة تبلغ 300 كيلومتر، و50 جنيهاً لحجم طرد يراوح وزنه بين 30 و60 كيلوجراماً، و80 جنيهاً بالنسبة للوزن البالغ 100 كيلوجرام (نفس المسافة)، وصولاً إلى 140 جنيهاً على وزن 100 كيلوجرام لمسافة تصل إلى 1000 كيلومتر.[[5]] وهو القرار الذي سيتسبب في خسائر لملايين المصريين أو إجبارهم على رفع الأسعار وهو ما يقع عبئه على  الفقير في نهاية المطاف. وبالتالي فالسيسي يمد يده لينهب من جيوب المواطنين بمثل هذه الطرق الملتوية.

 

لغز التوقيت ودلالته

قرارات السيسي الجبائية جاءت في توقيت بالغ الصعوبة على كل المصريين، وفي وقت أدى فيه تفشى جائحة كورونا إلى مشاكل مالية كبيرة لمعظم المصريين؛ وكانت دراسة أعدها الجهـاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، صدرت في 20 يونيو 2020م، تكشف أن (73.5%) من المصريين انخفض دخلهم، بينما أفاد حوالي “25% أن دخولهم ثابتة، وأقل من 1% أفادوا أن دخولهم ارتفعت، وأن 26.2 % باتوا عاطلين عن العمل، و55.7% باتوا يعملون بشكل أقل من المعتاد، و18.1% باتوا يعملون بشكل متقطع.[[6]] وبعد صدور هذه الدراسة بأربعة أيام فقط صادق السيسي على قانون رقم 83 لسنة 2020م والذي فرض رسوما جبائية على البنزين والسولار والهواتف المحمولة و28 نشاطا خدميا؛ في مؤشر خطيرعلى أن السيسي لا يبالي ولا يكترث بأحوال المصريين المعيشية مهما كانت بالغة القسوة والصعوبة، وأن ما يعنيه في المقام الأول هو تحصيل أكبر قدر من الإتاوات حتى لو أدى ذلك إلى حرمان ملايين المصريين من الطعام والسكن.

الملاحظة الثانية، أن قرارت السيسي الجبائية تزامنت مع قرضه الجديد من صندوق النقد الدولي بقيمة “8” مليار دولار؛  بما يرفع قيمة قروضه من الصندوق إلى “20” مليار دولار. وكان اتفاق حكومة السيسي مع الصندوق في نوفمبر 2016م قد أدى إلى تدهور حاد في معيشة المصريين؛ فالصندوق أفقرهم وأذلهم وأربك معيشتهم، وقذفت سياسيات الصندوق وشروطه التي انصاعت لها حكومة السيسي بعشرات الملايين تحت خط الفقر المدقع والبطالة، وقضت على الطبقة الوسطى التي أسهمت بفعالية كبيرة في أحداث ثرة 25 يناير 2011م بما يعطي لاتفاق الصندوق مع النظام بعدا سياسيا يستهدف تكريس الحكم العسكري الشمولي والقضاء على مواطن المناعة الشعبية التي يمكن أن تهدد بقاء النظام ممثلا في الطبقة الوسطى. «الأكثر خطورة أن الاتفاق مع صندوق النقد أسهم في ربط القرار الاقتصادي المصري بالخارج، حتى بات الصندوق يشرف بشكل مباشر على الموازنة العامة المصرية والإنفاق الحكومي ولا يتم اعتماد الموازنة إلا بضوء أخضر من مقر الصندوق في واشنطن».[[7]]

خلاصة الأمر، أن الأحداث التي شهدتها سنة 2020م وعلى رأسها تفشي  جائحة كورونا، أفضت إلى انكشاف ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي؛ وثبت بالدليل القطاع أنه مجرد فقاعة إعلامية أكثر منه برنامجا حقيقا لإصلاح جوانب الخلل في هيكلة الاقتصاد المصري، فلم يسفر هذا البرنامج إلا عن زيادة أعداد الفقراء ومضاعفة معاناة معظم فئات الشعب من موجات غلاء فاحش وتآكل قيمة العملة المحلية وتراجع الأمان النفسي والمالي.

ونتيجة لذلك، يبدو أن حكومة السيسي لا تمتلك أي بدائل سوى فرض المزيد من الإتاوات والرسوم الجبائية من جهة، والدخول في دائرة مفرغة من القروض لدعم احتياطاتها النقدية من جهة أخرى، مع مواجهة أعباء سداد الديون الباهظة حيث تقول الحكومة إنها سددت 20 مليار دولار منذ بداية 2020م في الوقت الذي اقترضت فيه نحو هذا المبلغ ؛ تفسير ذلك أن مصر باتت تدور في حلقة مفرغة من الديون من أجل سداد فوائد الديون وأقساطها؛ وهي دوامة لا يبدو أن لها نهاية؛ فسيبقى النظام يستدين ويفرض الرسوم والضرائب إلى ما لا نهاية ليتحمل الشعب فشل النظام في إدارة موارد الدولة الهائلة، ومن شأن هذه الدائرة المفرغة من الديون أن تصادر مستقبل الأجيال القادمة في مصر، التي ستدفع كلفة باهظة للديون وفوائدها.

 

————————–

[1] ماجد مندور/ مصر.. حرب السيسي على الفقراء/ مركز كارنيجي ونشر بموقع «open democracy» ترجمة موقع الخليج الجديد الجمعة 2 أكتوبر 2020

[2] وفاء يحيى/تعرف على المصروفات الدراسية لطلاب المدارس الحكومية/ المصري اليوم الإثنين 21سبتبمر -2020// عبدالله عبده/ زيادة مصروفات مدارس الفقراء في مصر 156% والأهالي: “مش دافعين”/ العربي الجديد 24 سبتمبر 2020

[3] مصر ترفع تسعيرة الكهرباء للمنازل 30% وتخفضها للمصانع لمدة 5 سنوات/العربي الجديد 09 يونيو  2020   

[4] ممدوح الولي/توقيت غير مناسب لزيادة الجباية من المصريين/ الجزيرة مباشر الأحد، 10 مايو 2020

[5] مصر تفرض رسوماً على متعلقات ركاب القطارات فوق 12 كيلو غراماً/ العربي الجديد 28 سبتمبر 2020

[6] سمر السيد/«الإحصاء» يصدر دراسة عن آثار «كورونا» على الأسر المصرية وكيفية مواجهتها/ المال نيوز السبت 20 يونيو 2020

 

[7] مصطفى عبد السلام/ لماذا يكره المصريون صندوق النقد؟/ العربي الجديد 27 أبريل 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟

  أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية،…