‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر التوظيف السياسي للدين في شيطنة الحراك الشعبي ضد الاستبداد.. انتفاضة 20 سبتمبر نموذجا
مصر - أكتوبر 12, 2020

التوظيف السياسي للدين في شيطنة الحراك الشعبي ضد الاستبداد.. انتفاضة 20 سبتمبر نموذجا

 

في إطار حملات الدعاية السوداء وشيطنة الحراك الشعبي الذي اندلع في انتفاضة 20 سبتمبر 2020م شن وزير الأوقاف مختار جمعة هجوما حادا على المشاركين في الحراك لدرجة أنه وصف المتسترين على المشاركين في الحراك بالخونة للدين والوطن؛ فما بالك بالمتظاهرين أنفسهم؟

استخدم جمعة حزمة من الألفاظ والعبارات التي تشيطن كل ما له علاقة بالتظاهر ضد السيسي ونظامه فهم (خونة لله والوطن ــ إرهابيون ــ دعاة للفوضى والتخريب ــ عملاء أشرار). معنى ذلك أن وزير أوقاف السيسي يمارس تكفيرا مباشرا لعشرات الملايين من المصريين الغاضبين من النظام والرافضين لاستمراره، وينفي عنهم صفتي الإسلام والوطنية على حد سواء؛ وهو تكفير يفوق في بشاعته ومستواه ومداه تكفير تنظيم “داعش” الدموي لمخالفيه؛ لأنه يقف عند حد التكفير الديني فقط لمخالفيه؛ لكن شيوخ السيسي يكفرون المعارضين  للنظام دينيا ووطنيا على حد سواء.

لم يكتف جمعة بالتكفير الديني والسياسي للمشاركين في الحراك الشعبي والمتعاطفين معهم (هؤلاء يمثلون غالبية الشعب المصري) ضد نظام أدمن الظلم والاستبداد وعصف بكل معنى للاستقرار والسلام الاجتماعي، بل راح يحرض الناس على العمل كجواسيس ومخبرين للأمن والإبلاغ عنهم بوصفهم “إخوان إرهابيين”، كما حرض أجهزة الأمن على قمع هؤلاء المتظاهرين السلميين الذين لايملكون سوى هتافاتهم ضد الظلم والطغيان والصدع بالحق أمام سلطان جائر. واعتبر جمعة قمع المتظاهرين السلميين الصادعين بالحق أو الإبلاغ عنهم هو جهاد لخدمة الدين والوطن وتكريس الأمن والاستقرار في البلاد ضد دعاة الفوضى والتخريب.[[1]]  وجرى اختيار موضوع “الانتماء والولاء للوطن” كعنوان لخطبة الجمعة التالية 25 سبتمبر2020م وجرى تعميم ذلك على جميع مساجد الجمهورية.

 

 

فتاوى تدافع عن هدم المساجد والمنازل

ومضت دار الإفتاء على خطى الأوقاف، حيث أصدر «مرصد الفتاوى التكفيرية» عدة بيانات متتالية خلال النصف الثاني من شهر سبتمبر حيث اعتبر المشاركين في الحراك الشعبي ضمن انتفاضة 20 سبتمبر، مخربين متربصين بالوطن وأمنه واستقراره، يسعون إلى نشر الفوضى والشائعات والأكاذيب وجرى وصفهم بالخلايا النائمة للإخوان المتآمرين على أمن واستقرار الدولة المصرية، من خلال بث السموم والدعوات التحريضية المغرضة لنشر الفوضى والبلبلة في البلاد، في إطار مخططاتها لتنفيذ الأجندات والمؤامرات الخارجية التي تستهدف أمن واستقرار البلاد، وإثارة العنف، والترويج لتعطيل مصالح العباد، وتقويض قدرة الدولة على البناء والتنمية، واستمرار إنجاز المشروعات التنموية الكبيرة، وتعطيل مسيرة الدولة وقيادتها السياسية نحو تحقيق الاستقرار والأمن والرخاء.[[2]] وقبل ذلك بأيام، أصدرت دار الإفتاء في 11 سبتمبر 2020م، بيانا بالغ الشذوذ؛ دافعت فيه بشدة عن حملات الإزالة التي يشنها نظام السيسي ضد منازل المواطنين بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون، وأفتت فيه بتحريم مقاومة السلطات المعنية بتنفيذ أحكام الإزالة واعتبرت مقاومة المواطنين للسيسي وأجهزته الأمنية والحكومية إفسادا و إرجافا واعتداء وتفويتا للمصلحة العامة، ونفت عمن يموت دفاعا عن بيته وصف “الشهيد”![[3]]

وعندما تصاعدت موجات الغضب الشعبي بين المسلمين في شهري أغسطس وسبتمبر 2020م،  بسبب هدم السيسي لعشرات المساجد(نحو 35 مسجدا)، وتهديده بهدم نحو 77 مسجدا أخرى بدعوى أنها بينت بالمخالفة للقانون؛ أصدر مستشار المفتي فتوى تبرر هذه الجريمة، مستدلا على ذلك بتحريم الصلاة في الأرض المغصوبة. لكن هل هذا الكلام ينطبق على المساجد التي تهدم في مصر؟ هل هي مساجد بنيت على أرض مغصوبة؟ وما معيار الحكم بغصبها؟ وهل ما يطبق على المساجد يطبق على الكنائس، ودور العبادة الأخرى لغير المسلمين؟ إن ما يقول به الفقهاء في الصلاة على الأرض المغصوبة، مقصود به أرض خاصة بشخص، وقد قام بسرقتها أو غصبها شخص آخر، أو مجموعة من الناس، فأقاموا عليها مسجدا، ولم يقبل بذلك صاحب الأرض ورفض، وطالب باسترداد أرضه، عندئذ يقضي الشرع الإسلامي برد الأرض له، أو دفع مقابل مادي يقبله صاحب الأرض، فإن أصر من غصبوا الأرض، وحولوها لمسجد، فهي هنا موضع الفتوى المذكورة سابقا. من جانب آخر، لا ينكر أحد إجازة العلماء هدم المسجد لو اعترض طريقا عاما يفيد كل الناس، مقابل أن يبنى بديل له، لو قال ذلك مشايخ الإفتاء لهان الأمر، لكن الكارثة أنهم كيفوا المسألة في هدم كثير من المساجد على أنها أرض مغصوبة، وحق مسلوب من الدولة!! والحقيقة أن هذه الأرض هي ملك للمجتمع تبرع عدد من الأهالي ببناء مسجد عليها منذ عشرت السنين بجهودهم الذاتية، سواء بإذن مسبق من الدولة، أو بدون إذن. فلو فرضنا أنها مغصوبة، فكيف يغصب الشعب أرضا هي ملكه؟ وإذا كانت مخالفة فلماذا جرى تقنين أمرها ومدها بالمرافق وضمها لوزارة الأوقاف الحكومية؟! ولو أنها بنيت بوضع اليد على أرض الدولة فهناك قانون لوضع اليد الذي حدد خطوات التقنين كما جرى مع الكنائس تماما والتي جرى سن قانون خاص لها رغم أنها أيضا بنيت بالمخالفة للقانون.[[4]] فلماذا التقنين للكنائس المخالفة والهدم لمساجد المسلمين؟!

 

توريط الأزهر

ولم يكن الأزهر بمعزل عن التوظيف السياسي من جانب السلطة لخدمة أجندة النظام في مواجهة الانتفاضة الشعبية، وقد أصدر الأزهر بيانا فجر السبت 26 سبتمبر ينحاز فيه إلى السلطة الطاغية على حساب الشعب المظلوم الذي يطالب بحريته وصيانة كرامته وإقامة  العدل في الأرض بعد أن امتلأت ظلما وجورا.

تضمن بيان الأزهر “4” مضامين أساسية[[5]]:

الأول، الإشادة بما وصفها بوعي الشعب وتفويت الفرصة على من يخططون لزعزعة استقرارالبلاد، والتعبير عن ثقته في قدرة الدولة على معالجة كافة قضاياها داخليا بما يحقق مصلحة المواطن ويخفف أعباءه ويراعي احتياجاته.

الثاني، وصف البيان دعوات التظاهر ضد النظام بالحركات الهدامة الهادفة إلى زعزعة الاستقرار، والإخلال بالنظام العام، والتي تسعى للنيل من أمن مصر، ونشر الفوضى، وتعطيل عجلة التنمية والاستثمار.

الثالث، الإشادة بما أسماها بالإنجازات والمشروعات التنموية المختلفة على أرض الواقع واعتبارها مؤشرا على أن مصر  تمضي نحو الاتجاه الصحيح الذي سوف يؤتي ثماره في القريب العاجل على كافة الأصعدة.

الرابع، دعوة الشعب للوقوف صفا واحدا خلف الوطن وقياداته، في وجه دعوات زعزعة الاستقرار والإخلال بالنظام العام، وتفويت الفرصة على أصحاب الأجندات الخارجية المغرضة.

وفي ذات اليوم، السبت 26 سبتمبر، وفي مداخلة هاتفية للدكتور أحمد زارع، المتحدث باسم جامعة الأزهر، مع فضائية “الحدث اليومي” التابعة للمخابرات، اعتبر بيان الأزهر  نابعا من فريضة دينية تجاه المجتمع؛ مشيدا بما أسماها بالإنجازات الرائعة التي تتحقق على أرض مصر حاليا في عهد السيسي[[6]]؛  الأمر الذي يخلق التباسا؛ إذ كيف يكون الانحياز للسلطة الغاشمة الظالمة فريضة دينية تجاه المجتمع؟ وهل من الإسلام الضغط على المظلومين  المقهورين حتى يسكتوا ولا يزعجوا الظالمين ولو حتى بهتافاتهم السلمية التي تفضح الظلم والطغيان؟ وهل من الإسلام تحريم الصدع بالحق في وجوه الطغاة والظالمين من أمثال السيسي الذي يشرعن هدم بيوت الناس لابتزازهم وإجبارهم على دفع إتاوات باهظة لا يقدرون عليها؟!

وقبل «جمعة الغضب الأولى»، أفتى عبدالله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، يوم الخميس 24 سبتمبر 2020م، بتحريم مشاهدة القنوات المصرية التي تبث من الخارج؛ مدعيا  أن مشاهدتها فتنة، مطالبا الجماهير الغفيرة التي تتابها بالابتعاد عنها!  مضيفا «مشاهدة هذه القنوات مثل مشاهدة لقطات منافية للأخلاق». ثم مارس التكفير الديني والسياسي نافيا صفتي الإسلام والوطنية عن كل المشاركين في الحراك الشعبي والداعين له والمتعاطفين معه ضد السيسي وكل من يعتقد أن ما أسماها بالدولة سوف تسقط في إشارة إلى نظام السيسي. قائلا:«هؤلاء خونة، ولا بد من البصق عليهم كونهم خونة للدين والوطن..هؤلاء لم يربوا في بيوتهم، وليس لهم دين، ويحاولون التقليل من المشروعات العظيمة التي يتحدث عنها العالم أجمع ويشيد بها، وأنا أشعر بالعار أن هؤلاء الخونة مصريون فهم عار على مصر والإنسانية».[[7]]

 

الموقف المتناقض للأزهر من التظاهر

أولا، بيان الأزهر للأسف صيغ بمضامين ومصطلحات سياسية، وخلا من أي مسحة شرعية باعتباره في الأساس مؤسسة تعليمية دعوية؛ وبالتالي فإن البيان عبر عن موقف سياسي بالغ الانحياز للسلطة دون توضيح الموقف الشرعي من هذه المظاهرات وهذا الحراك الشعبي وفقا للنصوص الشرعية، ضد سلطة أدمنت الظلم والاستبداد وأكل أموال الناس بالباطل وصولا إلى الزج بعشرات الآلاف في السجون  بتهم ملفقة أو حتى سفك دماء الآلاف من الناس دون محاكمة الضباط القتلة أو محاسبتهم على هذه الجرائم. والهدف من البيان هو توظيف المكانة المرموقة للأزهر سياسيا كأكبر مؤسسة إسلامية في العالم لخدمة أهداف وأجندة السلطة.

ثانيا، بيان الأزهر كشف حالة التناقض التي يمارسها الأزهر في مواقفه من  التظاهر بحسب طبيعة النظام الحاكم؛ ومن بالغ الأسف أن مواقف الأزهر من التظاهر يدور مع مواقف السلطة المستبدة وغير المنتخبة حيث دارت؛ فقد حرَّم الأزهر التظاهر إبان ثورة 25 يناير؛ حيث أصدر الأزهر شيخا ومشيخة حوالي 10 بيانات دعت إلى تحريم الخروج على مبارك وطالبت الثوار بترك الميدان والعودة إلى بيوتهم وتحريم الخروج على الحاكم الشرعي.  وقبل خطاب تنحي مبارك بساعات يوم 11 فبراير 2011م؛ أفتى  الدكتور أحمد الطيب للتلفزيون الحكومي بأن المظاهرات غدت حراما؛ معللا ذلك بأن مطالب الميدان تحققت وانتهى “النظام” بقرار “الرئيس” بتعيين نائبه اللواء عمر سليمان وإعطائه كل الصلاحيات المطلوبة، وهو الموقف الذي اضطره لاحقاً، وأكثرَ من مرة، إلى الاعتذار عنه، مبرراً إياه بأن دافعه كانت حقنَ الدماء وتهدئةَ الأمور. [[8]] وبعد فوز الرئيس محمد مرسي بالرئاسة، التزم الطيب وشوقي علام، الصمت التام في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، خاصة مع إعلان العديد من القوى أنها ستحوله إلى يوم دام، ولم يقل أحدهما إنه لا يجوز الخروج على الحاكم المنتخب، ورغم تشكيل مليشيات البلاك بلوك والاعتداءات التي طالت عشرات المقار للإخوان وحزب الحرية والعدالة وصولا إلى محاصرة القصر الجمهوري أكثر من مرة لم يدن الأزهر أو أي مؤسسة دينية هذه الممارسات التي استخدمت العنف والعدوان وسيلة وفضلوا جميعا العمل بالقاعدة المعروفة  “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”. ومع تصاعد المؤامرة على الرئيس المنتخب قبيل مظاهرات 30 يونيو التي ثبت أن المؤسسة العسكرية وأركان الدولة العميقة كانوا المحرضين والمحركين لها بدعم واسع من إسرائيل وأمريكا والإمارات والسعودية، تخندق شيخ الأزهر ومفتي الديار في صف المتآمرين ضد السلطة الشرعية المنتخبة؛ واختفت من قاموسهم عبارات “الخروج على الحاكم الشرعي” التي جرى استخدامها لحماية نظام مبارك من قبل. حتى جاء مشهد انقلاب 3 يوليو وقد كان تورط شيخ الأزهر بالغ الأسى والحزن على ملايين المسلمين الذين رأوا  المؤسسة الإسلامية الكبرى في العالم تنحاز لانقلاب عسكري على رئيس منتخب بإرادة الشعب الحرة؛ وهو ما يمثل جريمة في حق الإسلام وحق الأزهر ذاته.  ورغم هذه الانتقادات الجوهرية إلا أنه يحسب للأزهر أنه دان سفك العسكر للدماء في مذابح المنصة والحرس ورابعة ؛ لكن ذلك لا يمنع أن الأزهر حرم التظاهر ضد مبارك باعتباره خروجا على الحاكم الشرعي، لكنه دعم التظاهر ضد الرئيس مرسي رغم أنه الرئيس الوحيد المنتخب بإرادة  الشعب الحرة، وشارك في الانقلاب على هذا الرئيس الذي استشهد فيما بعد في سجون من انقلبوا عليه، ثم عاد الأزهر حاليا ليحرم التظاهرات والحراك الشعبي ضد نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي رغم الانتهاكات الصارخة التي ملأت الأرض ظلما وجورا. في تأكيد على أن الأزهر والمؤسسة الدينية الرسمية بشكل عام تدور مع السلطة الظالمة حيث دارت تزلفا ونفاقا لها أو درءا لبطشها وقمعها أحيانا أو لحسابات الربخ والخسارة من ناحية ثالثة. وفي كل الأحوال، قد فقدت المؤسسة الدينية مكانتها في نفوس الملايين وباتت ألعوبة في يد السلطة توظفها وتحركها كيفما تشاء.

ثالثا،  البيان الأخير للأزهر الذي ينحاز فيه للسيسي ونظامه  القمعي يناقض الفتوى التاريخية التي أصدرها الأزهر في 30 أكتوبر 2011م الموافق 3 من ذي الحجة 1432هـ بعنوان “جواز عزل الأنظمة الظالمة”؛ حيث أصدرته هيئة كبار العلماء في ذلك الوقت ووقع عليه شيخ الأزهر أحمد الطيب، أجازوا فيها عزل الحاكم المستبد الظالم، إذا تحققت القدرة على ذلك، وانتفى احتمال الضرر والإضرار بسلامة الأمة ومجتمعاتها .. الفتوى التي تكونت من ديباجة وستة أصول وخاتمة حظيت وقتها باحترام واسع من الجميع باعتبارها تمثل تعبيرا عن الموقف الصحيح للإسلام من هذه القضية الشائكة. واعتبر الأزهر فتواه إدراكا منه بدوره وطبيعة مواقفه، وحرصا منه على المصالح العليا للأمة، وإرساء معالم العدالة والحقوق لجميع الشعوب على أساس من أصول الشريعة ومبادئها، وسَدُّ الطريق أمام السُّلطة الجائرة التي تحرم المجتمع العربي والإسلامي من دخول عصر التّألُّق الحضاري، والتقدم المعرفي، والإسهام في تحقيق الرخاء الاقتصادي والنّهضة الشاملة. وتؤكد فتوى الأزهر التاريخية  أن العلاقة بين الحاكم والمحكومين تستمد شرعيتها من رضا الشعوب، واختيارها لحاكمها عبر الاقتراع الحر المباشر، الذي يترتب عليه المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وإذا كان بعض الفقهاء أجاز الصبر على الحاكم المتغلب حرصًا على سلامة الأمة من الفوضى والهرْج والمرْج – فقد أجاز في الوقت نفسه عزل المستبد الظالم إذا تحققت القدرة على ذلك، وانتفى احتمال الضرر والإضرار بسلامة الأمة ومجتمعاتها. وشددت على أن المتظاهرين السلميين الذين يطالبون بالحقوق العادلة مثل الحرية والكرامة وحقوق الإنسان لا يعتبرون بغاة، إنما البغاة هم أصحاب الشوكة الذين يخرجون بأسلحتهم على الإمام الحق بغير حق. وجرمت الفتوى مواجهة الاحتجاجات السلمية بالعنف والقتل من قبل الأنظمة والاستهانة بإراقة الدماء مؤكدة أن ذلك يسقط شرعية تلك الأنظمة، فإذا تمادت في عنفها ضد الشعوب المسالمة أصبح من حق الشعوب عزلها ومحاسبتها، وعلى الجيوش أن تقوم بواجبها في حماية الشعب. والتأكيد على ضرورة مناصرة حق الشعوب في السعي نحو الحرية والعدالة، ورفع الظلم الواقع عليها من أنظمتها الظالمة، وإدانة آلات القمع والطرق الوحشية التي تواجه بها الأنظمة شعوبها، ودعوة العالم الإسلامي للمبادرة إلى نصرة هذه الشعوب؛ تحقيقًا لارتكاب أقل قدر من الخسائر، وتعزيزًا لحق الشعوب في اختيار حاكمها وعزله إن لزم الأمر. ودعوة الأنظمة الحاكمة إلى سرعة الإصلاح السياسي الشامل، وإلا فصحوة الشعوب قادمة لا محالة، وعلى هذه الأنظمة الأخذ بأسباب التقدم العلمي والتكنولوجي، واستثمار الطاقات البشرية لدى شعوبها. وحذرت الفتوى في الخاتمة رعاة الظلم والاستبداد أنهم ليسوا بمنجاة من غضب الشعوب ولعنة التاريخ، وكفاهم تشويهًا لمعالم الدين ودعوة لتأييد الظلم والاستبداد؛ لأن هذا عبث لا طائل من ورائه.[[9]]

رابعا، تكشف الفوارق الضخمة بين فتوى الأزهر التاريخية في أكتوبر 2011م والبيان الهزلي الذي أصدره في 26 سبتمبر 2020 وينحاز فيه للسلطة على حساب الدين والشعب بل على حساب الحق والعدل ومكانة الأزهر ذاته، أن الأزهر عندما يتمتع بالحرية والاستقلال بعيدا عن السلطة فإنه يمارس دوره الدعوي والعلمي بكفاءة ويحظى باحترام الجميع كما جرى في مرحلة ما بعد ثورة يناير.  أما في عهود الاستبداد والطغيان فإن الأزهر يتحول إلى مجرد أداة في يد السلطة توظفه لخدمة أهدافها وأجندتها السياسية؛ وبالتالي يفقد الأزهر والمؤسسة الدينية عموما قدرها واحترامها في نفوس الناس. شيخ الأزهر نفسه  اعترف  بذلك  في حوار مع قناة “العربية” السعودية في مارس 2011م؛ حيث قال الطيب: «الأزهر ليس حزباً سياسياً وليس مطلوباً منه أن يصفق لأحد أو يثور على نظام معين، فالأزهر فوق الجميع، فدور الأزهر علمى والحفاظ على الهوية الإسلامية وثقافتها، ولا يجب أن يتقيد بسلطة معينة، وإذا فعل ذلك سيموت، فالأزهر له سياسته واستقلاليته».[[10]] فلماذا ــ إذا ــ يتقيد الأزهر حاليا بسلطة ونظام الانقلاب؟ ولماذا يدورفي فلك السلطة حيث دارت؟ تفسير ذلك أمران: الأول، أن شيخ الأزهر بعد محطات من عدم التوافق مع السسي  خلال سنوات مع بعد الانقلاب، جرى إبرام صفقة في بداية 2019م، بمقتضاها جرى استبعاد الأزهر من مذبحة التعديلات الدستورية التي جرت في أبريل 2019، حيث كانت النوايا واضحة لاستهداف البند الدستوري رقم 7 الخاص بالأزهر بالتعديل، وكان الهدف هو إطلاق يد السيسي في إقالة شيخ الأزهر المحصن من العزل وفقا لتلك المادة، لكن التعديلات تمت دون المساس بتلك المادة لأن الأولوية عند النظام كانت ساعتها لتمرير المواد الأخرى الخاصة بتمديد فترة حكم السيسي وتوسيع صلاحياته، وفي الوقت نفسه توسيع صلاحيات المؤسسة العسكرية في صفقة متكافئة بين الطرفين (السيسي والمؤسسة العسكرية). أما الثاني فهو تهديد السيسي للأزهر بمشروع قانون الإفتاء والذي أريد به  أن يجعل من دار الإفتاء هيئة دينية موازية ومكافئة للأزهر؛ تمهيدا لسحب البساط من تحت قدميه وتفريغ الأزهر من مضمونة ورسالته، ثم جرى سحب مشروع القانون في الساعات الأخيرة من دورة الانعقاد الأخيرة. وبالتالي  فالأزهر في موقف تهديد من جانب السيسي وأجهزته الأمنية حتى تمكن النظام من تطويع الأزهر بالتهديد والترهيب والترغيب أيضا، ولذلك جاءت مواقف الأزهر خلال السنتين الماضيتين باهتة بشأن التطبيع الإماراتي والانحياز للسلطة ضد الحراك الشعبي الأخير.

 

من يحرر الدين من قبضة السلطة؟

كانت مجلة فورين بوليسي، رصدت في تقرير مبكر لها – في سبتمبر 2014 ــ  كتبه “روبرت سبرنجبورج”، وهو أستاذ العلوم السياسية بقسم شؤون الأمن القومي في الكلية البحرية الأمريكية وباحث متخصص في العسكرية المصرية، هذا “التديين للسياسة”، يقول الكاتب إنه “يتوقع أن يستخدم السيسي الدين لإضفاء صبغة شرعية على حكمه الدكتاتوري، وهو ما لم يلحظه المراقبون الغربيون” على حد قوله. مضيفا «أصبحت المؤسسات الإسلامية في مصر في عهد السيسي أكثر من مجرد أدوات دعم للنظام؛ بل أضحت جزءًا من الطغيان نفسه، ومن المفارقات في حملة السيسي ضد التطرف الإسلامي، أن هذه الحملة نفسها هي نوع من التطرف الديني». ثم ينتقد التيارات صمت التيارات العلمانية في مصر «المشكلة أن هؤلاء الذين هاجموا التيارات الإسلامية وقالوا “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”، لا يجدون غضاضة الآن في استخدم الدين لدعم السياسات الجديدة المتبعة وتبرير القمع باسم الله، كما كانت تفعل الكنيسة في دعمها لملوك الغرب في العصور الوسطى، ولا يعترضون على “تديين” السياسة، ما يصبغ هالة دينية “شرعية” على كل ما يصدر عن الرئيس أو الحكومة».

خطورة هذا “التديين” للسياسة وإسباغ الشرعية على تصرفات سياسية، أنه يعطي المتطرفين من أنصار تنظيم داعش نفس “الشرعية” الدينية في تفسيرهم الديني لما يفعلونه من قطع للرؤوس على أنه “جهاد” باعتبار أنهم “دولة” أيضًا. أما الأكثر خطورة هو: ماذا ستفعل هذه المؤسسات الدينية التي تدفع باتجاه “تديين السياسة” لحاكم بعينه، وتمارس هي دور “تسييس الدين”، حينما يتغير النظام السياسي الحالي -كما هي سنة الكون- ويأتي نظام أو حاكم جديد مختلف؟ وكيف تبرر مواقفها السابقة أمام أتباعها؟ والنتائج المترتبة على هذا وأبرزها انهيار صورة هذه المؤسسات الدينية وهيبتها في أعين الناس؟

الفريضة الواجبة الآن هي تحرير الدين من سطوة الأنظمة. بعدما ظهرت في السياق مجموعات سلفية وصوفية بدت أسوأ من العلمانيين، ذلك أن الأخيرين يقولون “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، لكن المجموعات إياها (التيار الجامي المدخلي) لم تلبث أن منحت “ولاة  الأمر” ولاية مطلقة على الدين والدنيا معا. من هنا تتبدى المهمة الصعبة التي يواجهها العلماء والمخلصون في هذه المرحلة، إذ أن عليهم بالفعل أن يجددوا في الخطاب الديني بحيث يستوعب المتغيرات، ويحول دول فقدان الصحوة الدينية لزخمها، والشباب ليقينهم؛ في ذات الوقت الذي لا يسمحون فيه للنظم بأن تحرف مسار الدين والتدين في الاتجاه الذي تريده، وذلك برفض وصاية السلطة على الدين على نحو يهينه ويجعل منه أدارة لخدمة السياسة ونظم الحكم.

الأمر الآخر أنه في الفكر الإسلامي والتجربة الإسلامية لا توجد “كنيسة” كما لا توجد مؤسسة دينية كهنوتية، وبالتالي فكرة العلمانية لم تكن مطروحة في السياق الحضاري الإسلامي، لأن وجه الخطر فيها غير مطروح، غير أن ظهور الدولة القومية الحديثة، أنهى الاستقلالية التي كان يتمتع بها العلماء من قبل، وأنتج في دول العالم الثالث المسلمة ظاهرة المؤسسة الدينية وما يشبه الكهنوت الديني الذي يخضع لسيطرة السلطة وتستخدمه السلطة لتعزيز هيمنتها وقهرها للناس، وهو الأمر الذي يستوجب اجتهادا جديدا وشجاعا في الفكر الإسلامي، لرفع الإصر عن الناس، وتحريرهم من هذا “الكهنوت” الديني المبتدع ، والذي يعوق تطلعات الشعوب للحرية والكرامة والنهوض، وتحرير الإسلام ذاته من تغول السلطة المستبدة التي صنعت المؤسسة الدينية لتكون خادما لها ومبررا لطغيانها وجرائمها ودعما لبقائها في السلطة قهرا واستبدادا. وبحسب الكاتب الكبير فهمي هويدي ([11]) فقد أثبتت التجربة فشل فكرة الفصل بين الدين والدولة، ناهيك عن تعذر ذلك الفصل من الناحية العملية، خصوصا فى المجتمعات التى يتجذر فيها الشعور الإيمانى، لذلك فإن التحدى الحقيقى يتمثل فى كيفية صياغة تلك العلاقة بصورة متوازنة تحول دون طغيان كل طرف على الآخر. بحيث لا توظف الدولة الدين لصالحها، ولا تتحكم المؤسسات الدينية فى سياسة الدولة. والصيغة المطروحة للحفاظ على ذلك التوازن تقوم على عنصرين، أولهما التمييز بين الدين والسياسة واحترام حدود كل منهما من ناحية، وثانيهما الالتزام بقيم الديمقراطية والحرية التى تحمى المواطنة وتضمن المشاركة وتقوى حضور المجتمع بمختلف مؤسساته المدنية والدينية، بما يحول دون تغول السلطة واستبدادها.

الخلاصة، أن عملية الاستنفار والتعبئة المضادة أقحمت المؤسسة الدينية التي أشهرت سلاح الفتاوى لتخويف الناس من مغبة المشاركة في المظاهرات والحراك الشعبي، ولتجريم وتخوين الداعين إلى التظاهر، وهو ما حوَل منابر تلك المؤسسة إلى أبواق للأجهزة الأمنية، الأمر الذي جاء خصما على مصداقيتها وهيبتها. من جانب آخر فإن التوظيف السياسي والأمني للمؤسسة الدينية أصبح يحتل مساحة واسعة من أداء تلك المؤسسة، بحيث أصبح دفاعها عن الحكومة وسياساتها طاغيا على دورها في التبليغ والدعوة إلى الله، ومن ثم فقدت تلك المؤسسة استقلالها وانضمت بصورة عملية وضمنية إلى قائمة مؤسسات القطاع العام.  إزاء استفحال تلك الظاهرة فإن معادلة تدخل الدين في السياسة انعكست، بحيث صرنا أمام موقف مستجد يجري فيه تفصيل “الدين” على مقاس السلطة، وإزاء النفور الشعبي من ذلك فسوف ينتهي الأمر بالمؤسسة الدينية وقد خسرت دورها على الصعيدين الديني والدنيوي. وحين  يتزامن هذا الأداء البائس للمؤسسة الدينية  مع تواتر الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، فإنه يفتح الباب واسعا للتساؤل وعدم الاطمئنان إلى مقاصد التجديد المنشود ومدى علاقته بابتذال ذلك الخطاب وإلحاقه بالخطاب الأمني.

 

 

 

—————————————–

[1] انظرتصريحات الوزير /// أحمد كساب/ وزير الأوقاف: تحريك الجماعة الإرهابية خلاياها النائمة يجب أن يواجه بكل حسم/ بوابة الشروق الخميس 1 أكتوبر 2020 // أحمد كساب/ وزير الأوقاف: تفويت الفرصة على الجماعة الإرهابية واجب وطني وشرعي/ بوابة الشروق الأربعاء 30 سبتمبر 2020

[2] شيماء عبد الهادي/مرصد الإفتاء: وعي الشعب في مواجهة محاولات «الإخوان» لإثارة الفوضى هو الرهان الرابح لتحقيق الاستقرار/ بوابة الأهرام 26 سبتمبر 2020

[3] “الإفتاء”: مقاومة السلطات التي تزيل الأبنية المخالفة إفساد في الأرض/إكسترا نيوز 11 سبتمبر، 2020

[4] عصام تليمة/ فتاوى ضالة تجيز هدم المساجد بحجة المخالفة!!/ “عربي 21” الخميس، 10 سبتمبر 2020

[5] أحمد بدراوى/ الأزهر يشيد بوعي الشعب المصري وعدم انسياقه لدعوات زعزعة الاستقرار/ بوابة الشروق السبت 26 سبتمبر 2020

[6] هدى أمين/ فيديو.. متحدث جامعة الأزهر: الحفاظ على الوطن ومقدراته واستقراره فريضة دينية/ بوابة الشروق السبت 26 سبتمبر 2020

[7] داعية مصري: مشاهدة قنوات الإخوان حرام شرعا/ الخليج الجديد الخميس 24 سبتمبر 2020

[8] جمال سالم ومحمد أبو المجد/ المظاهرات بعيون الأزهر.. “حرام – حلال – حرام”/ مصر العربية  21 يناير 2014

[9] د. وصفي عاشور أبو زيد/الأزهر حين يتحرر وحين يقع تحت حكم العسكر/ الجزيرة مباشر 3 أكتوبر 2020

[10] أحمد حسن/ “الطيب”: الأزهر سيموت فى حالة ارتباطه بالسلطة.. وبداية تراجع دوره كان فى عهد جمال عبد الناصر.. ومصر إسلامية المرجعية ومن حق الأقباط الاحتكام لشرعيتهم/ اليوم السابع الخميس، 03 مارس 2011

[11]  فهمي هويدي/ فى علاقة الدولة بالدين/ الشروق الأربعاء 21 سبتمبر 2016

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟

  أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية،…