‫الرئيسية‬ العالم العربي اليمن معارك مأرب وتحولات السياسة السعودية تجاة “الاصلاح” اليمني .. استنزاف سياسي وعسكري لصالح الحوثيين
اليمن - أكتوبر 15, 2020

معارك مأرب وتحولات السياسة السعودية تجاة “الاصلاح” اليمني .. استنزاف سياسي وعسكري لصالح الحوثيين

 

 

تشتد المواجهات العسكرية في مأرب وتتوسع رقعتها فتتكشف معالم حرب استنزاف بلا نهاية. للشهر السابع على التوالي، لا تزال مأرب مسرحا رئيسيا لأكبر العمليات العسكرية بين قوات الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين، التي تسعى لضمّها إلى مناطق سيطرتها التي تفتقر إلى أي مصدر للثروات الطبيعية، في ظل ندرة المواد البترولية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

ورغم الكلفة البشرية الكبيرة للمواجهات، إلا أن جماعة الحوثيين استطاعت تحقيق اختراقات جوهرية في مأرب، التي تعد أيضا معقلا رئيسيا للقوات الحكومية الموالية للشرعية، وذلك باحتضانها لمقرات وزارة الدفاع ورئاسة هيئة أركان الجيش. وتضم المحافظة أيضا عددا من المناطق العسكرية والألوية الضاربة، التي شكلّت نواة الجيش الوطني بعد اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء والاستحواذ على القوات المسلحة. وبعد سيطرتها على مديرية نهم الاستراتيجية، شرقي صنعاء وغالبية مناطق محافظة الجوف ومناطق جديدة في البيضاء، تفرغت جماعة الحوثيين بشكلٍ شبه كامل لتنفيذ هجوم مستميت على مأرب، مستفيدة من هدنة أممية في مدينة الحديدة، وذلك وفق الموقع الفرنسي المتخصص في التقارير الاستخبارية  “إنتليجنس أونلاين”.

ومنذ مطلع اكتوبر الجاري، تحولت جبهات القتال في محافظة مأرب النفطية شرقي اليمن، إلى معارك استنزاف لطرفي النزاع، المعارك الدائرة، هي الأعنف على الإطلاق بعد هجمات حوثية من 4 محاور رئيسية، لم تحقق فيها سوى السيطرة على مديريتين بالجهة الجنوبية المحاذية لمحافظة البيضاء. وبعد أسابيع من اتخاذه وضعية الدفاع ضد الهجوم الحوثي المكثف، أعلن متحدث الجيش اليمني الموالي للحكومة المعترف بها دوليا، عبده مجلي، الإثنين 5 أكتوبر، تحويل استراتيجية القوات الحكومية ورجال القبائل من المعركة الدفاعية إلى الهجومية على امتداد الجبهات القتالية، وفقا لموقع “سبتمبرنت” الناطق بلسان القوات المسلحة، وأسفرت الاستراتيجية الجديدة عن “تقهر مليشيا الحوثي واستنزافها بشكل مستمر، من خلال عمليات الكمائن والالتفاف والتطويق، ومكّنت الجيش الوطني من تحرير مواقع مهمة في جبهات المخدرة وصرواح وماهلية ورحبة بمأرب”، حيث استعادت القوات الحكومية والقبائل، السيطرة على بلدات آل جذينة وحمراء النقم، فضلا عن مناطق مختلفة في عزلة نجد المجمعة بمديرية رحبة جنوبي مأرب، ولم تعلن جماعة الحوثيين رسميا حصيلة خسائرها في معارك مأرب، لكن مواقع تابعة للجيش اليمني تحدثت عن مقتل نحو 1000  مقاتل حوثي خلال شهر سبتمبر الماضي، بينهم قيادات عسكرية رفيعة.

وفي السياق ذاته، كشفت مصادر ميدانية لمراسل “العربي الجديد”، مؤخرا، عن أن جماعة الحوثيين كانت تراهن على الخلايا النائمة وشراء الولاءات في صفوف قبائل مراد، من أجل تسهيل اجتياح سلس إلى منابع النفط بمأرب، لكنها تفاجأت بدفاع مستميت، وبحسب مصادر محلية، للحوثيين عددا من الوجاهات القبلية بمديرية رحبة وماهلية كانت قد مكنتهم من السيطرة عليها في وقت قياسي، مستغلة بذلك الصراعات داخل صفوف “الشرعية”، لكن الجيش ورجال القبائل استعادوا صفوفهم، ولذلك لن تكون المعركة سهلة على الحوثيين.

ويتركز هجوم الحوثيين على مأرب من الجهة الجنوبية في رحبة وماهلية. ولوصولهم إلى قلب مدينة مأرب، سيكون عليهم قطع جبال مراد ومناطق جبلية وعرة يسهل لرجال القبائل القتال فيها وتنفيذ حرب العصابات والكمائن المباغتة، التي بدت أكثر كلفة على الحوثيين خلال الأيام الماضية. وفي جبهة الساحل الغربي، التي نشطت منذ أيام، تضاربت الأنباء حول الوضع العسكري في مديرية الدريهمي جنوبي الحديدة، ففي حين أعلنت وسائل إعلام حوثية السيطرة الكاملة على المديرية ورفع الحصار المفروض على عناصرهم منذ نحو عامين، تحدثت القوات المشتركة المدعومة إماراتيا، عن سحق الهجوم الحوثي.

وقال بيان صادر عن القوات المشتركة، إن جماعة الحوثيين حاولت، الإثنين الماضي، فتح ثغرة صوب مدينة الدريهمي من الجهة الشرقية بمجموعة قتالية جديدة، مستخدمة مختلف الأسلحة الثقيلة، لكنها باءت بالفشل الذريع. وقالت القوات المشتركة، أن الخسائر الحوثية خلال الـ4 أيام الماضية بجبهة الساحل الغربي، تجاوزت 348 بين قتيل وجريح. وبذلك تكون معركة مارب معركة صعبة ومستميتة، لها ما بعدها، ان حقق الحوثيون تقدما، في وقت لاحق، بحسب موقع “إنتليجنس أونلاين” ، الذي اكد أنه رغم الخسائر الكبيرة في صفوفهم، فإن عمليات الحوثيين العسكرية لانتزاع “مارب” يقودها وزير الدفاع “محمد العاطفي”، ومدير المخابرات العسكرية “أبوعلي الحاكم”، وكبير ضباط الحرس الثوري في صنعاء “عبدالرضا شهلاي”.

والاحد 11 اكتوبر، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية، مقتل وإصابة أكثر من 1900 عنصر من جماعة “الحوثي”، خلال 70 يوما من القتال في محافظة مأرب. وأوضحت الوزارة على موقعها الإلكتروني، أن هذا الإحصاء للفترة بين مطلع أغسطس الماضي، و10 أكتوبر الجاري، منهم نحو 44 قياديا، إضافة إلى تدمير ما يزيد على 100 سيارة عسكرية و30 عربة نوع BMB ومصفحات ودبابتين، وإسقاط طائرتين مسيرتين، واستعاد الجيش، بحسب الوزارة، 33 سيارة عسكرية، و6 عربات و4 مدرعات ودبابة، وكمية كبيرة من الأسلحة والذخيرة المتنوعة.

 

مأساة انسانية

وخلفت الحرب المتواصلة 112 ألف قتيل، بينهم 12 ألف مدني، وبات 80% من سكان اليمن، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء أحياء، في أسوأ أزمة إنسانية بالعالم، وفق الأمم المتحدة. وبحسب تقارير أممية، أدى تصاعد القتال بمأرب يدفع أكثر من 8 آلاف شخص للنزوح، وأعلنت منظمة الهجرة الدولية، الإثنين الماضي ، نزوح أكثر من 8 آلاف يمني، خلال سبتمبر الماضي، جراء تصاعد القتال في محافظة مأرب، بينما نزح أكثر من 70 ألف شخص منذ نهاية يناير 2020، وأوضح أن “أقل من 5% من الأسر النازحة في مأرب، يملكون إمكانية الوصول إلى دورات مياه صحية، فيما يعيش 75% من النازحين في مواقع بحاجة إلى تحسين الوصول إلى المياه”.

وحسب التقرير ذاته، أوضحت “هيلين ريجنولت”، قائدة فريق المياه والصرف الصحي التابع للمنظمة في مأرب، أن “النازحين في مأرب يواجهون الكثير من التحديات، وخلال الأسابيع الماضية، تزايدت حدة القتال بين القوات الحكومية والمسلحين الحوثيين في مأرب، ما خلف مئات القتلى والجرحى من الجانبين، ويعاني اليمن ضعفا شديدا في البنية التحتية، ما جعل تأثيرات السيول وتفشي فيروس كورونا، تعمق مأساة السكان الذين يشكون من هشاشة الخدمات الأساسية.

مأرب في الخارطة السياسية

وتمثل مأرب اليوم العاصمة الحقيقية لليمن وشرعيتها بعد إسقاط العاصمة المؤقتة عدن. وبحسب الباحث اليمني، نبيل البكيري، في مقاله بالجزيرة، ” هل تساهم مأرب في انبعاثة يمنية؟”، ظلت مأرب، نصف قرن من قيام الجمهورية اليمنية، وخصوصا طوال ثلاثة عقود من حكم نظام علي عبد الله صالح، مجرّد محافظة غير آمنة، وغير مستقرة، ومصدر خطر دائم. هكذا كان يشاع عنها وينظر إليها نظام صالح، في الوقت الذي كانت تمثل مأرب موردا ماليا مهما ووحيدا لهذه السلطة، طوال العقود الثلاثة الماضية، وخصوصا منذ اكتشاف النفط والغاز فيها، منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

وظلت مأرب بمثابة المدينة اليمنية الوحيدة التي تحضر فيها سلطة الدولة اليمنية ومؤسساتها، فضلا عما شكلته من ملاذ آمن لكل اليمنيين من مختلف محافظات الجمهورية الذين رأوا في مأرب ملاذهم الأخير لاستعادة وطنهم ودولتهم. وقد ساهم مثل هذا التوجه، بشكل كبير، في حدوث تحوّلات سياسية واجتماعية كبرى لمأرب على مدى السنوات الخمس الماضية من الحرب، في ما يتعلق بتحوّلها من سوق لقبائل مأرب وعاصمة لمحافظتهم قليلة السكان، إلى عاصمة لليمنيين كلهم، ويقطنها نحو مليوني نسمة، بعد أن كان سكان المدينة لا يتجاوزون خمسين ألف نسمة،وأحدث هذا التوافد الكبير لليمنيين نحو مأرب تحولا كبيرا في مأرب.

 

استنزاف استراتيجي

وتشتد المواجهات العسكرية في مأرب وتتوسع رقعتها فتتكشف معالم حرب استنزاف بلا نهاية، وحسب الباحث اليمني، غير المقيم بمركز كارنيغي للشرق الأزسط، أحمد ناجي، بمقاله ” مأرب: رمال الحرب المتحركة” بموقع “الخليج الجديد”: “إن كانت هناك مواجهة في حرب اليمن صُممت بدقة لالتهام أكبر عدد من المقاتلين، فهي معركة مأرب. ذلك أن المواجهات العسكرية التي تدور رحاها منذ خمس سنوات بين “الحوثيين” والتشكيلات العسكرية الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا، والتي زادت وتيرتها مؤخرًا، أدت إلى مقتل الآلاف من الطرفين، في معارك الهجوم والهجوم المضاد، فلا هزيمة كاملة في هذه الجبهة ولا انتصار كامل أيضًا. يُقاتل الطرفان في مساحة من الصعوبة تجاوزها. وتبدو الحرب فيها عملية استنزاف واسعة، وظيفتها الرئيسية إنهاك الجميع. حتى وإن قادت المواجهات إلى انتصار أحد الأطراف، فسيكون المنتصر أمام معركة استنزاف جديدة.

محافظة مأرب الواقعة في شمال شرق اليمن، شهدت أولى معاركها في يناير 2015 بعدما استولى الحوثيون على صنعاء التي تبعد حوالي 170 كيلومتراً عنها، وخلال تلك الفترة، عمل الحوثيون على إخضاع معظم المدن الواقعة في شمال البلاد. نتيجةً لذلك، فرّ الكثير من المناوئين لحركة الحوثيين إلى مأرب حيث كانت القبائل المحلية تقف بقوّة في وجه هجمات الحوثيين، وفي مارس 2015، ومع بداية العمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية، بدأ التحالف بتزويد جبهة مأرب بالدعم العسكري والأمني، ما عزّز وضع المنطقة كمركز مقاومة ضد الحوثيين وجلب الكثير من المناوئين لهم.

 

التحولات السعودية إزاء “الاصلاح”

وشكلت الحكومة اليمنية ألوية عسكرية تحت مسمى “الجيش الوطني” جمعت العسكريين الذين رفضوا الانصياع للحوثيين، بالإضافة إلى القبائل المحلية ومقاتلي حزب التجمع اليمني للإصلاح، وتقاتل هذه القوات اليوم تحت قيادة الحكومة المعترف بها دولياً، وقد ساعدها “التحالف” في البدء في استعادة بعض المناطق التي كان الحوثيين قد سيطروا عليها. ورغم الهدوء النسبي الذي شهدته جبهات مأرب خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة، إلا أن القتال استُؤنف بشكل واسع ومكثف منذ مطلع العام الحالي. أدت المواجهات إلى سقوط بعض المناطق التي كانت تسيطر عليها القوات الحكومية والقبائل، خصوصًا في محافظة الجوف ومديرية نهم المتاخمتين لمأرب.

أما اليوم تدور المعارك في العديد من الجبهات العسكرية على امتداد أطراف محافظة مأرب الشمالية والشمالية الغربية. وتحصد هذه الجبهات العشرات من المقاتلين بصورة شبة يومية، ويهاجم الحوثيون بضراوة من أجل الاستيلاء على مأرب، المنطقة النفطية الغنية، والمركز الأكبر لمناوئيهم. ولا يكترثون لأرقام القتلى الذين يسقطون من صفوفهم، إذ يعتبرون الاستيلاء على مأرب هدف استراتيجي ذو بعدين عسكري واقتصادي، فإن تسنى لهم اسقاط هذه المحافظة الصحراوية مترامية الأطراف، فيعني أنهم قضوا على الخطر الأكبر الذي كان يطرق ذات يوم أبواب صنعاء، حين استولت القوات المتواجدة فيها على مناطق واسعة من الجبال الواقعة ضمن نطاق محافظة صنعاء، وإذا ما تحقق الانتصار فيعني أيضًا استكمال السيطرة على محافظات الشمال كافة، باستثناء بعض الجيوب الحدودية والمديريات التي سيسهل اسقاطها لاحقًا.

اقتصاديًا، يعني الاستيلاء على مأرب، الاستحواذ على منشأة صافر النفطية التي تمد العديد من مناطق اليمن باحتياجاتها من الوقود، لكن الحوثيون يواجهون مقاومة شرسة من القوات المنضوية تحت مظلة الحكومة اليمنية، والتي صارت مأرب معقلاً لها، وبات الدفاع عن هذه المحافظة مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذه القوات، كما يتجلى في كثافة المواجهات العسكرية الدائرة، والقدرة البطيئة للحوثيين في احداث اختراقات تحولية في مسار المعارك رغم كثافة هجماتهم، على خلاف جبهات المحافظات الأخرى.

لذلك، يبدو المشهد في مأرب كمعركة صفرية، لا يرى طرفاها سوى مواصلة القتال مهما بلغت الأكلاف المادية والبشرية. الطرفان يدركان أن هذه المعركة ستحدد مصير خارطة السيطرة، والتحالفات، وجزءاً كبيراً من المشهد العام في اليمن في قادم الأيام. فهي ليست معركة جزئية على الهامش، بل مواجهة مؤجلة ومكثفة تدحرجت منذ العام 2014 من الكثير من المناطق، واستقرت في جبال مأرب وصحرائها، لكن اللافت في مجريات الأحداث والتطورات الدراماتيكية بمأرب، التباطؤ السعودي في التعامل مع هذه المعركة في الفترة الأخيرة، في مقابل الرغبة المتنامية لدى الحوثيين لاجتياح مأرب في هذا التوقيت.

تلك النقاط، تحدد مسار هذه المواجهات في لحظتها الراهنة. فرغم وجود أسباب عدة، إلا أن تبدل سياسة التحالف العربي الذي تقوده السعودية، تجاه حلفائه على الأرض، أعاد ترتيب المشهد بطريقة مختلفة، فمنذ بدء التدخل العسكري في مارس 2015، تحالفت السعودية مع حزب الإصلاح اليمني واعتمدت عليه في حربها البرية ضد الحوثيين. لكن الطرفين يبدوان كرفاق سلاح فقط، يحاربان خصماً مشتركاً (الحوثيين)، ومع تبدل أولويات السياسة الخارجية السعودية في علاقتها مع الدول الإقليمية خلال العامين المنصرمين، حلت تركيا في أعلى قائمة خصوم السعودية الجديدة، متجاوزة إيران، إذ لا تُشكل الأخيرة خطراً تنافسياً في أوساط المجتمع السني الذي تدعي السعودية قيادته.

وبحسب دراسة لمركز كارينغي، حول تحولات المعارك باليمن، هذا الأمر جعل السعودية تنظر إلى الكيانات التي تتسق وجدانيًا مع السياسات التركية بتوجس أكبر، وتسعى لإضعافها. من هذه الكيانات حليفها المحلي في اليمن، أي “حزب الإصلاح” الذي ينتمي ايديولوجياً لجماعة الإخوان المسلمين، الحليف الشعبي الأبرز لتركيا في المنطقة العربية. والذي يُنظر إليه ككيان غير مرضي عنه، ورغم وجود تشكيلات عسكرية وقبلية أخرى، إلا أن السعودية لا ترى في مأرب سوى مركز تأثير وحضور لحزب الإصلاح. وانعكست هذه الرؤية على الأرض من خلال منع وصول رواتب المقاتلين في العديد من جبهات مأرب، خفض مستوى الدعم العسكري واللوجستي، بالإضافة تنفيذ حملات إعلامية في الكثير من الصحف والمواقع السعودية أو المحسوبة عليها تستهدف حزب الإصلاح، أو تتهمه بالتقاعس في حربه مع الحوثيين، وفي بعض الأحيان تتهمه بعقد اتفاقات سرية مع الحوثيين. من جانب آخر، فرضت السعودية قيود حركة على بعض قيادات حزب الإصلاح المتواجدين في أراضيها، كما سعت لإقصاء الكثير من القادة العسكريين المحسوبين على الإصلاح والاعتماد على القيادات السلفية والقبلية الموالية لها في بعض الجبهات.

هذا التوجه يتوافق مع رؤية الشريك الثاني في التحالف، “دولة الإمارات” التي ترى في حزب الإصلاح خصماً يجب القضاء عليه أولًا، وترى السعودية أن الإضعاف السياسي والعسكري للإصلاح خطوة يتوجب تحقيقها، لتحويل الحزب إلى كيان لا يملك رفاهية الاعتراض على سياستها، وأن تصبح المواجهة المستميتة هي طريقه الإجباري الوحيد، ومن وجهة نظر السعوديين، سيُنهي إضعاف الإصلاح مطالب النديّة التي كانت بعض قيادته تنادي بها، وسيتحول إلى التبعية الكاملة لها، بعد أن استحوذت الرياض على قرارات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي باتت غائبة كليًا عن مجريات الأحداث في الداخل اليمني، لكن في المقابل، تدرك السعودية أنها مجبرة على تقديم بعض الدعم بما يحافظ على بقاء صمود مأرب، لأن سقوط المحافظة بيد الحوثيين هو السيناريو الأسوأ الذي ستواجهه.

لا يعني اضعاف السعودية للإصلاح تفضيلها الحوثيين. وفقاً للرؤية السعودية، ستؤدي المعارك المتواصلة في هذه الجبهات، إلى تآكل المقدرات البشرية والعسكرية للحوثيين كما الإصلاح، وستحرف تركيزهم عن الجبهات الحدودية المتاخمة للسعودية إلى المعارك الداخلية، لذلك ترافقت هجمات الحوثيين على مأرب مع فقدانهم بعض المواقع العسكرية في محافظة الجوف، والتي سبق ان استولوا عليها في الأشهر الماضية. وترى السعودية في إبعاد الحوثيين من مناطق الحدود أولوية لذلك يزداد دعم الجبهات القتالية المتاخمة أو القريبة من الحدود ويقل في المناطق الداخلية، من ناحية أخرى، بدا القتال في مناطق مفتوحة كنقطة ضعف للحوثيين في معاركهم نظرًا لعدم امتلاكهم سلاح الجو النوعي الذي تمتلكه السعودية، والذي تتحكم فيه دون الحاجة لشريك محلي.

في المقابل، أدت قدرة الحوثيين على حشد المقاتلين إلى تكثيف هجماتهم على مأرب. هذا الاندفاع مسكون بفكرة الاستفادة من سياسة السعودية المتغيرة تجاه حلفائها على الأرض. خصوصًا في ظل التغييرات التي طرأت على الجانب العسكري السعودي بعد قرار عزل قائد قوات التحالف السابق الأمير فهد بن تركي نهاية سبتمبر الماضي، وتعيين الفريق مطلق المزيمع، ورغم أن هذه التغييرات قد لا تغير توجه صانع القرار السعودي، إلا أن هذا القرار قد يغير بعض التموضعات على الأرض، لذا يحاول الحوثيين استباقيًا تكثيف الهجمات خلال هذه الفترة.

 

سيناريوهات المستقبل

وعلى وقع هذه المعارك الطاحنة، قد تتغير مجريات الأحداث في محافظة مأرب خلال الفترة المقبلة. تبعًا لذلك، فإن مأرب قادمة على 3 سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول : وهو المرجح، أن تستطيع القوات الموالية للحكومة ضد هجمات الحوثيين، وإبقاء المعارك في إطار المراوحة، وهذا السيناريو محتمل نظرًا للدفاع المستميت الذي تبديه هذه القوات، وحرص السعودية على عدم سقوط مأرب بشكل كامل في مثل هذا التوقيت، مع بعض الفوارق، يشبه هذا السيناريو الوضع القائم في مدينة تعز التي تشهد مواجهات منذ بدء الحرب، ولم يستطع الحوثيون اقتحامها حتى اليوم. هذا يعني بقاء المعركة مفتوحة وحالة الاستنزاف مستمرة، لكن قد لا يطول هذا الوضع، خصوصًا إذا حدثت متغيرات في مسار المفاوضات بين الحوثيين والسعودية، واستطاعت الرياض من خلالها ترتيب أمنها الحدودي. وقد يتبدل الوضع في حال قدمت السعودية دعماً نوعياً للقوات المناوئة للحوثيين ودفعت بفتح جبهات القتال الأخرى.

السيناريو الثاني: أن تسقط مارب بيد الحوثيين، وبالرغم من صعوبة تحقق هذا الأمر، أقله خلال الفترة الحالية، إلا أن حدوثه لن يتم دون وقوع خسائر بشرية هائلة من طرفي الصراع. وإن حدث، فسيفتح الباب على مصراعيه أمام حروب المحافظات الجنوبية الشرقية، خصوصًا محافظتي حضرموت والمهرة، والتي لن يتوانى الحوثيون في التوجه صوبهما، وهذا الأمر سيفقد السعودية نفوذها على الأرض في الداخل اليمني. لكنه في المقابل سيتحول إلى حرب استنزاف كبيرة بالنسبة للحوثيين. فحيازة جغرافية واسعة قد يكون عامل ضعف لا قوة. خصوصًا أن هذه المناطق ليست حواضن أساسية للحوثيين.

السيناريو الثالث: وهو سيناريو مستبعد الى الآن، وهو أن تحدث تفاهمات بين الأطراف المحلية، تتوقف بموجبها المعارك ويُعاد ترتيب المشهد في مأرب وفق التغييرات الجديدة التي فرضتها المواجهات العسكرية الأخيرة، ما يزيد من استبعاد هذا الخيار هو شدة الخصومة بين الطرفين، والتي عمقتها الخسائر البشرية المهولة. يُضاف إلى ذلك انعدام الثقة بالاتفاقات التي تبرم في ساحات المعارك، والتي تنهار بصورة سريعة، كما لن تقبل السعودية بتاتاً بهذا الأمر إذ ترى في تسوية كهذه، خروجاً عن إرادتها، وهو أمر لا تستطيع القوات الموالية للحكومة دفع ضريبته خلال هذه الفترة، وعلى وقع طبول الحرب، تبقى المأساة الإنسانية هي الجزء المغيب، إذ يُواجه مئات الآلاف من النازحين الذين يسكنون مأرب، والمنتشرين في مخيمات النزوح، كارثة حقيقية نتيجة اقتراب المعارك باتجاههم. يتزامن ذلك، مع غياب الموقف الدولي المسؤول لإيقاف هذه الكارثة.

خاتمة

وأمام تلك التطورات والسيناريوهات المتوقعة، تسير اليمن نحو مخطط التفكك والتقسيم، حيث تعمل السعودية وأطراف خليجية، على إبقاء اليمن مفككا، ودفعه نحو التشظي والانقسام، حيث جرى تفخيخ اتفاق الرياض بتناقضات واختلالات جوهرية كثيرة في بنية الاتفاقية وصيغة بنودها. وشرعن اتفاق الرياض انقلاب مكتمل الأركان على حكومةٍ شرعيةٍ معترف بها دوليا وتكريس واقعا وتثبت مكاسبه، وأنه لا هدف جوهريا للاتفاقية سوى سلب اليمن قراره السياسي والوطني، وبقائه ضعيفا ممزّقا بلا أي إرادة أو قرار سيادي، بجانب تكريس الواقع الانقلابي، وتثبيت مكاسب هذا الطرف على حساب الشرعية اليمنية التي تعيش أضعف حالاتها بفعل تسليمها التام للجانب السعودي في إدارة كل تفاصيل اللحظة اليمنية الراهنة.

وقبل هذا كله، سعت الاتفاقية، بكل بنودها، إلى إزاحة الشرعية اليمنية وسلبها كل صلاحيتها لصالح لجنةٍ سعوديةٍ إماراتية، بمثابة اللجنة التنفيذية الحاكمة لليمن المفكّك والمقسم بين شمالٍ نصفه في يد الحوثي، والنصف الآخر بيد شرعية بلا قرار، وجنوبٍ مفكّك أيضا تسيطر عليه الامارات، وقد تكون اسرائيل في خلفيتها قريبا بشكل مباشر، عبر قواعدها العسكرية، المزمع تفعيلها في سقطري وفي البحر الاحمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سقطرى .. الجزر المنهوبة (2)

  سعت الإمارات للسيطرة والهيمنة على سقطرى اليمنية باستخدام الأساليب الغير مشروعة، ودو…