‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر المصالحة الشاملة في مصر ..  الموانع والمآلات
مصر - أكتوبر 19, 2020

المصالحة الشاملة في مصر ..  الموانع والمآلات

 

خرج رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال حضوره في “ندوة تثقيفية” للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الــ47 لحرب أكتوبر 1973م يوم الأحد 11 أكتوبر 2020م بتصريحات يجدد فيها التأكيد على مواقفه السابقة بعدم التصالح مع من وصفهم بمن يريدون تخريب مصر ويحاولون زعزعة استقرار البلاد وتدمير الدولة عن إثارة الشارع والتشكيك في إنجازات النظام. وأضاف السيسي «لو ترغبون في الراحة مما يحدث لكم يوميا، فعليكم بالمصالحة، ولو تريدون المصالحة أخبروني، لكن أنا لن أستطيع المصالحة مع من يريد هدم بلدي وإيذاء شعبي وأولادي، فالأمر ليس مجرد اختلاف بل دمار وخراب، أنتم لا عندكم دين ولا ضمير ولا إنسانية».

بهذه التصريحات يستهدف السيسي التسويق بأن المشكلة مع فصيل سياسي فقط هو الإخوان المسلمون؛ متجاهلا أنه دخل في صدام مباشر مع جميع فئات الشعب المصري؛ فقد نفذ مذابج جماعية مروعة لشباب روابط الألتراس كما جرى في استاد بور سعيد لألتراس “أهلاوي” والدفاع الجوي لألتراس الوايت نايتس الزملكاوي، كما جرى اعتقال قادة هذه الروابط وبعض أعضائها حتى أجبرت على حل نفسها.  كما دخل السيسي في صدام عنيف مع كل الحركات والأحزاب العلمانية التي أيدت ثورة يناير؛ واعتقل قادة هذه الحركات ووضعها في قوائم الإرهاب كما جرى مع حركة شباب 6 إبريل، وحتى الأحزاب العلمانية التي أيدت الانقلاب باتت محاصرة مع تأميم الفضاء السياسي والإعلامي ؛ فلم يبق سوى صوت واحد واتجاه واحد هو التطبيل للمؤسسة العسكرية ومندوبها في قصر الرئاسة الذي جرى السطو عليه بالقوة العسكرية القاهرة وانقلاب دموي منتصف 2013م. ثم دخل السيسي في صدام مباشر مع جميع فئات الشعب المصري بسن القوانين الشاذة وفرض تصورات الرأسمالية المتوحشة على الاقتصاد المصري عبر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؛ الأمر الذي أفضى إلى سقوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر. ولم يكتف السيسي بذلك، بل سن قانون التصالح في مخالفات البناء ليضع الجماهير أمام معادلة بالغة الشذوذ “إما دفع الإتاوات الباهظة وإما إزالة منازلكم”. وبالتالي فإن تصريحات السيسي هي قفزة في المجهول وهروب من الحقيقة التي تؤكد أن مصر في حاجة ملحة لمصالحة شاملة تضم الجميع دون تمييز أو إقصاء أو تهميش؛ وإلا فإن العواقب ستكون بالغة الترويع والألم على الجميع دون استثناء.

جماعة الإخوان المسلمين من جانبها ردت على تصريحات السيسي بتصريحات من المتحدث الرسمي طلعت فهمي الذي أكد لقناة “وطن” أن الجماعة لم تسع لأي مصالحة مع السيسي في أي وقت من الأوقات، واعتبر تصريحات السيسي برهانا على أنه بات عبئا على مؤسسات الدولة التي تطالبه بهذه المصالحة خوفا على النظام نفسه من السقوط.[[1]]

 

المضامين والسياق

أولا، اللافت في الأمر أن حديث السيسي عن المصالحة بدا خارج سياق الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، التي تأتي في ذكرى حرب أكتوبر، والمؤسف في الأمر أن السيسي الذي الذي أشار في تغريدة منذ عدة أيام حول انتصار أكتوبر تجنب وصف الكيان الصهيوني بالعدو حرصا منه على العلاقات الحميمة التي تجمع بينه وبينهم، لكنه في ذات الوقت يصر على تكريس الشقاق والانقسام داخل المجتمع المصري بالإصرار على رفض أي مصالحة مجتمعية حتى لو كانت تقديرات بعض أجهزته الأمنية ترى أنها ضرورة ليس من أجل المجتمع والدولة فقط بل باعتبارها سبيلا إلى حماية النظام نفسه؛ حيث قال: «لو عايزين تتصالحوا قولولي، أنا مقدرش أتصالح” ” مقدرش أتصالح مع اللي عايز يهد بلادي ويؤذي شعبي وولادي». وتبدو هذه التصريحات غريبة بعض الشيء إذا علمنا أن السيسي أفرج عن رجل الأعمال هشام طلعت مصطفي المتهم في قتل الممثلة سوزان تميم وقربه إليه ومنحه بعض الامتيازات في إقامة بعض مشروعاته في العاصمة الإدارية وغيرها، كما أطلق سراح صبري نخنوخ الذي يعد أكبر مورد بلطجية في مصر والذي حكم عليه بالمؤبد، لكن السيسي يبدي رفضا قاطعا لأي مصالحة مع الإخوان رغم أن جميع التهم التي يحاكمون فيها سياسبة في جوهرها وحقيقتها، كما يأتي رفض السيسي لمثل  هذه المصالحة في ظل اعتراف هيئات حكومية (الهيئة العامة للتعمير ــ هيئة المجتمعات العمرانية) ببراءة ساحة قادة الإخوان جميعا من أي سطو على أراضي الدولة واستغلال النفوذ في العام الذي حكم فيه الرئيس الشهيد محمد مرسي؛ وذلك ردا على مخاطبات رسمية موجّهة من لجنة التحفظ وإدارة أموال قيادات جماعة “الإخوان”، بشأن الاستعلام حول تعدي نحو 80 من قيادات ورموز الجماعة على أراضٍ مملوكة للدولة بالمخالفة للقانون، خلال فترة تولي مرسي للحكم، وكذلك في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011م.[[2]]

ثانيا، السيسي طرح تجديد موقفه من رفض المصالحة المجتعية دون أن يوضح سياق هذه المصالحة ومن طرحها، وهل تمارس قوى دولية على النظام ضغوطا من أجل إتمام هذه المصالحة؟ أم أن تقديرات موقف جرى رفعها للسيسي من بعض أجهزته المخابراتية والأمنية تنصحه بإجراء مصالحة مجتمعية تضم كل الفصائل الشعبية والسياسية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، في ظل تزايد معدلات الغضب الشعبي الذي تجلي في الحراك الشعبي الواسع في انتفاضة 20 سبتمبر 2020م؟ وبالتالي فإن هناك أجنحة داخل النظام تفضل إجراء مصالحة مجتمعية شاملة في هذا التوقيت الحساس حيث يعاني النظام من عدة أزمات تحاصره ولا يجد لها مخرجا مثل الأزمة المالية الاقتصادية وتداعيات تفشي جائحة كورونا والغلاء الفاحش الذي طال كل شيء، وتضخم الديون والاعتماد على القروض، وتوقف المساعدات الخليجية بسبب الأزمات التي تمر بها الرياض وأبو ظبي بسبب كورونا وانخفاض أسعار النفط خسائرها الباهظة في حرب اليمن، إضافة إلى تزايد معدلات الغضب الشعبي بسبب فرض المزيد من الرسوم والإتاوات وأزمات قانون التصالح في مخالفات البناء وسد النهضة واحتمالات سقوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل وهي الذي يقدم كل أشكال الدعم والمساندة لنظام السيسي، يعزز من هذه الافتراضية أن هناك تقرير تنقل عن مصادر مصرية مطلعة أن “المؤسسة العسكرية وجهت تحذيرات للقيادة السياسية، بضرورة التعامل مع حالة الغضب في الشارع بجدية حقيقية، مع التأكيد على ضرورة إتاحة هامش من الحريات السياسية، لمنع انفجار الأوضاع”. وقالت المصادر إن المؤسسة العسكرية تقدمت بتصور كامل بشأن مخاوفها من حالة انفجار مرتقبة، لا يريدها أحد، بحسب تعبير المصادر، إلا أنها قد تكون حتمية في ظل ارتفاع معدلات الغضب لدى الطبقات الأكثر احتياجاً وفقراً في المجتمع المصري [[3]].

ثالثا،  تصريحات السيسي الأخيرة تغلق الباب تماما أمام أي أمل في إتمام مثل هذه المصالحة سواء بمعناها الشامل مع المجتمع بأسره والذي دخل معه السيسي ونظامه في صدام مباشر أو حتى بمفهومها الضيق وحصرها في جماعة الإخوان المسلمين. فقد قال السيسي نصا: «لو ترغبون في الراحة مما يحدث لكم يوميا، فعليكم بالمصالحة، ولو تريدون المصالحة أخبروني»، وهي عبارات حمالة أوجه فهل المقصود هم الإخوان أم أجهزته الأمنية والمخابراتية؟ لكنه في العبارة التالية مباشرة أغلق الباب نهائيا أمام أي احتمال لمثل هذه المصالحة ممارسا التكفير الديني والسياسي والوطني بحق الإخوان «أنا لن أستطيع المصالحة مع من يريد هدم بلدي وإيذاء شعبي وأولادي، فالأمر ليس مجرد اختلاف بل دمار وخراب، أنتم لا عندكم دين ولا ضمير ولا إنسانية». كما يتذرع السيسي بالرفض الشعبي لهذه المصالحة رغم عدم وجود آلية ديمقراطية نزيهة يمكن بها معرفة رأي الشعب في ظل الوصاية العسكرية المفروضة على المجتمع وهيمنة الأجهزة الأمنية على تشكيل المجالس النيابية بما ينزع عنها صفة التعبير عن إرادة الشعب، بخلاف سيطرة النظام على جميع وسائل الإعلام التي باتت معبرة عن صوت السلطة لا إرادة الجماهير. كما أن هذه الذريعة تنفي عن ملايين المصريين المؤيدين للإخوان صفة الانتماء للوطن باعتبارهم جزء أصيل من الشعب. وكان السيسي قد شدد في أكتوبر 2018م  لجريدة “الشاهد الكويتية” على أنه لن يكون هناك أي دور للإخوان خلال فترة وجوده في السلطة؛ مدعيا أن شعب مصر لن يقبل بعودتهم “لأن فكر الإخوان غير قابل للحياة ويتصادم معها”.[[4]] وهي التصريحات التي تؤكد أن السيسي يحاكم الإخوان على أفكارهم ومواقفهم السياسية وليس لأي سبب آخر. وفي أعقاب تصريحات السيسي خرج وزير أوقافه محمد مختار جمعة ليعلن بشكل سافر تكفير جماعة الإخوان وتحريم وصفها بالإسلام!.[[5]]

رابعا، تأتي تصريحات السيسي في ظل سياق قمعي متزايد بالتزامن مع انتفاضة 20 سبتمبر بهدف إرهاب الشعب ووضعه رهن الإقامة الجبرية في بروج مشيدة من الخوف والإرهاب السلطوي حتى لا يثور أو يتذمر من جديد؛ فقد جرى تنفيذ حكم الإعدام في 15 من المنتمين للجماعة، كما طلبت لجنة التحفظ على أموال “الجماعات الإرهابية” من محكمة الأمور المستعجلة تنفيذ حكم مصادرة أموال وأملاك 89 من قيادات الإخوان. كما أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا -هو الأول من نوعه- بشطب 6 محامين (بعضهم ينتمي للجماعة) من نقابة المحامين. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عن مصادر قانونية أن نقابات مهنية أخرى تلقت طلبات بشطب أشخاص ينتمون للإخوان ممن تم التحفظ على أموالهم. وسبقت ذلك حملة اعتقال طالت العشرات من أفراد الجماعة ممن سبق اعتقالهم وآخرين لم يسبق اعتقالهم، ولحقه تنفيذ حكم إعدام بحق أفراد من الجماعة ومؤيديها من دون سابق إنذار أو إعلام ذويهم.

 

موانع وعقبات في طريق المصالحة

هناك الكثير من الموانع والعقبات تقف في طريق المصالحة المجتمعية.

أولا،  إصرار السيسي وأجهزته على رفض أي مصالحة شاملة؛ لأن الفلسفة التي جيء بنظام السيسي لفرضها على الشعب المصري تعتمد اعتمادا كليا على إرهاب المجتمع المصري وتمزيقه لإضعاف مراكز القوة والمناعة الشعبية والمدنية بداخله، وتكريس الانقسام على المستويين السياسي والاجتماعي؛ بهدف منع أي تحول ديمقراطي جاد في مصر، وتحجيم الهوية الإسلامية بما يضمن عدم تحول مصر إلى دولة ديمقراطية أو إسلامية؛ لخطورة ذلك على الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية والخليجية في مصر والمنطقة. وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي الذي كان نائبا للمؤقت عدلي منصور أنه استقال من منصبه رفضا لفض الاعتصام بالقوة، وأوضح أن معارضته لاستخدام القوة في فض الاعتصامين “ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام”. وأضاف أنه تعرض لتهديدات من جانب أجهزة وصفها بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا بينما كانت هذه الأجهزة تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي.[[6]] والبرهان على ذلك أنه حين أعلن السيسي انقلابه المشئوم في 3 يوليو تموز 2013م طرح ضمن خارطة طريقه البند رقم 8 ” تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات”، وفي أول وزارة تشكلت عقب الانقلاب تضمنت وزيرا للعدالة الانتقالية (المستشار أمين المهدي) وكانت مهمته وضع وتنفيذ إطار للعدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، لكنه لم يفعل شيئا، ولم يلبث كثيرا في الوزارة، ولم يتم تعيين بديلا له، وحين جرى بعد الانقلاب تعديل دستور 2012م تم تضمينه نصا في المادة 241″ يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية” ورغم أن هذا النص لحق بنصوص أخرى مجمدة، إلا أن السيسي لم يقترب منه في حزمة التعديلات التي أدخلها في أبريل نيسان 2019م، وهو مأ أعطى إشارة ضمنية لاستمرار فتح الباب في المستقبل للمصالحة باعتبارها استحقاقا دستوريا حين يجد نفسه مضطرا إليها.

ثانيا، خطورة المصالحة على النظام؛ كما أن غياب العدالة الانتقالية وغياب القصاص للدماء التي سفكت خلال السنوات الماضية؛ تمثل أكبر عائق أمام أي مصالحة، فقد سفك السيسي وأجهزته الأمنية دماء آلاف المصريين كما جرى في رابعة والنهضة والمنصة والحرس الجمهوري وقبلها في محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو واستاد بورسعيد والدفاع الجوي، وكلها مذابح لم يتم التحقيق فيها بشكل نزيه وشفاف ولم يتم محاكمة المتورطين فيها من ضباط وعناصر الجيش والشرطة، كما تعرض عشرات الآلاف لانتهاكات جسيمة والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة في ظل تعذيب وحشي، وجرى مصادرة أموال مئات من قادة الإخوان والتيار الإسلامي، والسيسي هو المتهم الأول في كل هذه الجرائم الوحشية؛ وبالتالي فإن أي مصالحة في معناها البسيط تعني محاكمة المتورطين في كل هذه الجرائم. ولهذه الأسباب عمل السيسي على تضخيم ما تسمى بالحرب على الإرهاب وبالغ في تضخيم أهمية هذه الحرب باعتبارها ضرورة للنظام تتوافق مع السياق الدولي العام. وجرى الزج بمئات الضباط والجنود في معارك عبثية مع تنظيم “ولاية سيناء”، وعمل النظام على التوظيف السياسي لدماء الضحايا الذين سقطوا في هذه الحرب العبثية؛ وذلك لتحقيق عدة أهداف أولها خلط الأوراق والزعم بتورط الإخوان في قتل مئات الضباط والجنود رغم يقين النظام أنهم أبرياء من كل ذلك. ثانيها التغطية على جرائم السيسي وصناعة شماعة (الإرهاب) حيث يمكن تعليق فشل النظام المتواصل عليها. ثالثها استبعاد أي أمل في مصالحة مجتمعية جادة؛ لأن السيسي يدرك خطورة مثل هذه المصالحة على نظامه. وبالتالي جرى الخلط المتعمد والتدليس والتسويق الواسع في إعلام السلطة لوضع كافة الحركات الإسلامية في سلة واحدة لإقناع الجماهير بأن الإخوان الذين انتخبهم الشارع ومنحهم ثقته بعد ثورة يناير هو وتنظيم “داعش” سواء!

ثالثا، لا يرى السيسي نفسه مضطرا في الوقت الحالي للتصالح مع رافضيه، بل يجد نفسه مضطرا للالتزام بتوجيهات رعاة انقلابه وداعميه التي تقوم على استئصال فكرة الحرية والديمقراطية من مصر بشكل عام حتى لا تنتقل عدواها إلى ممالكهم. وهم يستندون في توجيهاتهم إلى المليارات التي دفعوها ولا يزالون يدفعونها للسيسي حتى الآن، وهو يدرك أيضا أن عرشه سيكون مهددا بأي مصالحة سياسية، أو بأي تسامح سياسي تجاه المعارضة بكل تياراتها، ولذلك فإنه يغلق المجال السياسي بوجه الجميع وليس بوجه الإخوان فقط، ولا أدل على ذلك من ملاحقته لكل الرموز الليبرالية واليسارية المعارضة لحكمه، والزج بها في السجون جنبا إلى جنب مع الرموز والقواعد الإخوانية والإسلامية، والأكثر من ذلك زجه بقيادات عسكرية في السجون وتحت الإقامة الجبرية مثل سامي عنان وأحمد قنصوة وأحمد شفيق وغيرهم.[[7]]

رابعا، تقف تصورات السيسي عن هذه المصالحة عقبة في طريق لم شمل المجتمع المصري؛ لأن السيسي لا يريد مصالحة بالمعنى المتعارف عليه،  بقدر ما يريد صك إذعان واستسلام من الإخوان والقوى السياسية كلها لتوجهاته وسياساته مهما كانت بالغة الشذوذ والإضرار بمصالح مصر وأمنها القومي.  يريد السيسي من الإخوان وغير الإخوان من القوى السياسية التي شاركت في ثورة 25 يناير صك إذعان واستسلام؛  يبدأ بالتوبة من الثورة والتبرؤ منها باعتبارها رجسا من عمل الشيطان، ثم الإقرار بشرعية النظام وعدم معارضته مطلقا، والانصياع الكامل لسياساته وتوجهاته مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف وتمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري. مقابل ذلك ربما يسمح بالإفراج عن كل أو بعض المعتقلين من غير المتهمين فيما يصفها بقضايا عنف وإرهاب؛ لأن نظام السيسي لا يرى شيئا يدفعه نحو أي مصالحة بمعناها الصحيح القائم على التنازل المشترك من كلا الطرفين  للوصول إلى نقطة التقاء؛ فهو يرى أنه تمكن بالفعل من التمكين لنظامه وتكريس سلطويته وبأدوات البطش والقمع استطاع أن يهمين على كل شيء في البلاد ويتحكم في مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والدينية، وقد عبر اللواء سعد الجمال رئيس ائتلاف “دعم مصر” سابقا عن تصورات السيسي ونظامه وصرح لصحيفة “الشروق” يوم السبت 18 يونيو 2016م بعدم ممانعة الائتلاف للمصالحة مع الجماعة وفق 5 شروط أبرزها أن المصالحة ستجري مع من لم تتلوث أيديهم بالدماء مع إدانة العنف والإرهاب والاعتراف بأخطاء الجماعة وضرورة إجراء مراجعة فقهية وفكرية على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية في تسعينات القرن الماضي.[[8]] فتصورات السيسي عن المصالحة السياسية  تشبه تماما تصوراته عن أزمة التصالح في مخالفات البناء مع الشعب كله؛ فالسيسي هو من خلق الأزمة وسن قانونا اعتبر عشرات الملايين من المصريين مخالفين للقانون، وراح بناء على هذا القانون “الشاذ” يهدم مئات المنازل للمواطنين ليكونوا عبرة لغيرهم من أجل إجبار الشعب على دفع إتاوات باهظة مقابل تقنين بيوتهم التي يعيشون فيها منذ عشرات السنين، وتحركت جحافل الأمن والبلدوزرات لتجبر الناس بين “الدفع أو الإزالة”، رغم أن نحو 75% على الأقل من الشعب المصري باتوا فقراء بسبب سياسات الإفقار التي فرضها السيسي منذ انقلابه منتصف 2013م. وبالتالي فإن السيسي يريد مصالحة سياسية على غرار قانون التصالح في مخالفات البناء؛ تحقق له المكاسب ويفرض بها تصوراته على الجميع بأدوات البطش والقمع الأمني؛ وفق قاعدة “الإذعان الكامل أو السحق الشامل”.

خامسا، مواقف الإخوان ومبادئ الجماعة وتصوراتها تستبعد أيضا التوصل إلى مصالحة مع نظام السيسي؛ فالجماعة ابتداء ترفض التسوية بمعناها الذي يراه السيسي، وتدرك أن رئيس الانقلاب وأجهزته إنما يريدان من الجماعة صك إذعان واستسلام وإقرار بالهزيمة، والجماعة تفضل الصبر على البلاد مهما كان عظيما على المذلة والإذعان للطغاة والظالمين، وقديما قل عنترة بن شداد: «لا تسقني ماء الحياة بذلة.. بل فاسقني بالعز كأس الحنظل». كما أن الجماعة تأبى أن تمنح السيسي أي شرعية وتصر على موقفها باعتباره مغتصبا للحكم بانقلاب عسكري. وقد كشف إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة، لقناة “الحوار” اللندنية المقربة من الجماعة في حوار أجرته يوم السبت 19 سبتمبر 2020م عن اتصالات من سلطة الانقلاب (2016م) كانت الجماعة تظن أن المشير محمد حسين طنطاوي يقف ورائها لكن منير قال إن الجماعة تأكدت أن المبادرة صدرت من السيسي نفسه دون أن يكشف كيف تأكدت الجماعة من ذلك، حيث طلب السيسي من الجماعة الاعتراف بشرعيته والتوقف عن معارضته في الداخل والخارج مقابل الإفراج عن كافة المعتقلين وتقنين أوضاعهم وعودة المطاردين من خارج البلاد، وبحسب منير فإن الجماعة قد رفضت لعدم منح السيسي أي شرعية؛ لأن البلاد باتت في وضع صعب لا يمكن تحمله، مشيراً الى أن منح السيسي أي شرعية إثم وخيانة للوطن، حسب قوله.[[9]] ويبدو أن الجماعة رفضت هذه المبادرة  أيضا لعدم وجود أي ضمانات لوفاء السيسي بتعهداته، علاوة على المخاوف من أن تكون فخا للجماعة وقد عرف عن السيسي الغدر والخيانة، كما أن قبول الجماعة بمثل هذه التسوية يضعها في ورطة كبيرة؛ لأنها إذا قبلت واعترفت بشرعية الانقلاب اليوم؛ فلماذا لم تعترف به من البداية وتجنبت كل هذه المذابح وكل هذا الاضطهاد؟

سادسا، من أحد أهم أسباب رفض الإخوان لأي مبادرة إذعان لسلطة السيسي أو منحه أي شرعية هو أن الجماعة تسطر بدماء قادتها وأبنائها أنبل وأشرف مواقف الثبات والصمود، بالتأكيد على أن اغتصاب الحكم بقوة السلاح من ولي الأمر الذي جرى اختياره من الأمة بطريقة شرعية نزيهة هو جناية عظيمة في حق الأمة تستوجب التكاتف لإسقاط كل مغتصب، ورد الاعتبار للأمة وحقها في اختيار حكامها بإرادتها الحرة وقدرتها أيضا على حماية هذا الاختيار مهما كانت التضحيات ومهما كانت الكلفة باهظة الثمن؛  وبالتالي فإن الجماعة  تبني بثباتها وتضحيات أبنائها  نظرية سياسية جديدة تنبثق من الإسلام ومبادئه وشرائعه؛ تضمن الجمع بين مبادئ الإسلام وأحكامه في قضايا “السياسة الشرعية” ومزايا الحداثة الغربية التي أسست لنظرية الديمقراطية باعتبارها أقرب صور وأشكال آليات اختيار الحكام إلى الإسلام وشرائعه. وبذلك فإن موقف الجماعة وثباتها ضد الانقلاب يعصف بأطروحات “الإمام المتغلب” باعتبارها اجتهادات جرى توظيفها لتبرير جرائم السطو على الحكم بقوة السلاح رغم تناقضها كليا مع مبادئ الإسلام التي تعلي من شأن الأمة وسيادتها وحقها في الشورى واختيار الحكام وخلعهم إذا أساءوا الحكم. وبالتالي فالجماعة تؤكد بمواقفها وثباتها على أن التغلب وقهر الشعوب بالقوة والطغيان مفسدة تسقطُ به العدالة ولا تصح به الولاية. وبالتالي فإن ثبات الإخوان لا يرد فقط الاعتبار للأمة وسيادتها وحقها في اختيار حكامها وخلعهم، بل ترد الاعتبار أيضا للفقة والفكر الإسلامي الذي جرى تشويهه على نطاق واسع من جانب فقهاء السلطان الذين يوظفون بعض النصوص والاجتهادات لتبرير جرائم السلطة والسطو  على الحكم بقوة القهر والسلاح.

 

الخلاصة

من حيث المبدأ، فإن المصالحة بشكل عام ليست عيبا أو حراما، فكل الصراعات الدولية، والنزاعات الأهلية انتهت بمصالحات وتسويات سياسية، لكن مستقبل “المصالحة” يبقى مستبعدا في ظل الظروف الراهنة ما بقى السيسي قابضا على السلطة يعض عليها بالنواجز؛ لعدم توافر البيئة السياسية والإقليمية لتحقيق هذه المصالحة في ظل نظام تقوم شرعيته الإقليمية وضمان بقائه على رأس السلطة على أساس ضمان بقاء الانقسام الاجتماعي والزج بالإسلاميين وكل المعارضين في السجون والمعتقلات وضمان حماية مصالح الكيان الصهيوني والغرب عموما، عبر  قبضة قمعية ترى في معنى التسوية والمصالحة وإنهاء الانقسام خطرا يهدد وجودها. وستبقى مصر تنزف مابقى السيسي على رأس السلطة يمضي من فشل إلى فشل ومن سقوط إلى سقوط؛ لكن المشكلة أن الوطن بشعبه وناسه ومقدراته بات في مهب الريح أمام حالة الإنكار التي تستحوذ على السيسي ونظامه العسكري.

من جانب آخر، النظام لا يريد مصالحة مع الجماعة ولا يريد أيضا القضاء عليها؛ فأجهزة السيسي الأمنية تريد إضعاف الجماعة وليس سحقها نهائيا؛ لأن نظام السيسي يعتمد في قدر كبير من مشروعيته الإقليمية على أنه رأس الحرب ضد مايسمى بالإرهاب والحركات الرافضة للكيان الصهيوني في المنطقة، ويضع الجماعة على رأس المنظمات الإرهابية، وهو ما يضمن له تواصل الدعم الغربي والإقليمي  من الولايات المتحدة وإسرائيل وعواصم الخليج التي رأت في تجربة ثورة 25 يناير وحكم الرئيس مرسي تهديدا لعروشها، كما أن وجود الجماعة في أضعف حالاتها يحقق للنظام أهداف سياسية وأمنية تتعلق باعتبار الجماعة عدوا جرى تضخيمه ليكون شماعة يمكن تحميلها كل أوزار النظام وفشله السياسي والاقتصادي من جهة وذريعة لحصار المجتمع وترهيبه من جهة أخرى بدعوى حماية  الدولة من السقوط والمجتمع من الفوضى وفق نظرية “صناعة العدو”؛ وبالتالي يمثل وجود الجماعة ورقة في يد السيسي يرفعها أمام المجتمع لتبرير الاستبداد، وفي وجه رعاته وداعميه الدوليين والإقليميين لجلب المزيد من الدعم والمساندة. ولعل مواقف واشنطن التي تغطي على جرائم السيسي من جهة وسخاء جهات التمويل الدولية في منح السيسي قروضا باهظة رغم تدهور الوضع الاقتصادي خير برهان على ذلك.

وتذهب تحليلات رصينة إلى أن السيسي  منزوع الإرادة؛  فهو مجرد منفذ لما يتلقاه من أوامر وتوجيهات وسياسات عليا تأتيه من تل أبيب وأبوظبي، ورعاة انقلابه الإقليميين، فالسيسي  مجرد بلطجي تم كراه (شراؤه) بالمال والمنصب لارتكاب عدة جرائم مركبة؛ ومن العبث التفاوض مع البلطجي؛  فمن أراد مصالحة؛ فالتفاوض يكون مع الجهات التي تحركه؛ ومفتاح السيسي في تل أبيب وأبو ظبي؛ معنى ذلك أن أي مصالحة مع نظام السيسي هي بالأساس مصالحة مع المشروع الصهيوني في المنطقة والذي تؤكد الشواهد والبراهين القطعية أن السيسي أحد حراس وحماة هذا المشروع في صفقة يضمن بها بقاءه على رأس النظام في مصر. وإزاء هذا المعطيات فإن الإخوان ترفض التسوية والمصالحة مع السيسي؛ لأن التسوية مع السيسي في هذه الحالة هي تصالح مع المشروع الصهيوني وتصالح مع الطغيان والاستبداد؛ وهذا يخالف أهم مبادئ الجماعة ومرتكزاتها الفكرية والشرعية على حد سواء. فالمصالحة الحقيقية هي التي تضمن إنهاء كل أشكال الظلم والطغيان وتضمن سيادة الشعب على أرضه وثرواته ومؤسساته وتضمن استقلال القرار الوطني وأن يكون ميزان العدل قائما بالقسط دون محاباة أو تمييز.

 

 

 

 

 

 

[1] شاهد “متحدث الإخوان”: الجماعة لم تسع للمصالحة مع الانقلاب في أي وقت/ بوابة الحرية والعدالة 13 أكتوبر 2020

[2] مصر: تبرئة قيادات “الإخوان” من الاستيلاء على أراضي الدولة/ العربي الجديد 11 أكتوبر 2020

[3] أزمة بين المؤسسة العسكرية ودائرة السيسي/ العربي الجديد 16 أكتوبر 2020

[4] السيسي: لا دور للإخوان في مصر ما دمت موجودا في الحكم/ بي بي سي 13 أكتوبر2018

[5] إسماعيل رفعت/وزير الأوقاف: لا يصلح وصف الإخوان بـ”المسلمين” ولا يصح لصقهم بالإسلام/ اليوم السابع الثلاثاء، 13 أكتوبر 2020

[6] البرادعي: أجهزة سيادية هددتني بسبب مساعيّ لفض اعتصامي “رابعة” و”النهضة” سلمياً/ وكالة الأناضول 15 نوفمبر 2016

[7] قطب العربي/ حديث المصالحة عود على بدء/ الجزيرة مباشر  الأربعاء 14 أكتوبر 2020

[8] على كمال/«دعم مصر»: 5 شروط للمصالحة مع «الإخوان»/ بوابة الشروق السبت 18 يونيو 2016

[9] نائب مرشد الإخوان يكشف عن اتصال السيسي بالتنظيم! عرض عليهم صفقة ببنود واضحة لكنهم رفضوا/عربي بوست 19 سبتمبر 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…