‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟
مصر - أكتوبر 19, 2020

لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟

 

أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية، المحلية والدولية، لما اعتبروه تأميمًا صارخًا للعمل الأهلي وإجهاض رسمي للجهود المجتمعية، خاصة بعدما قصر نشاط المنظمات غير الحكومية على العمل التنموي والاجتماعي، وفرض عقوبات على المخالفين تصل إلى السجن خمس سنوات، إلى أن جرى تعديله وتخفيف العقوبات به من السجن إلى الغرامة التي تصل مليون جنيه، إلا أن التعديلات التي صدق عليها عبدالفتاح السيسي في 2019م، ما زالت تتشدد بالقمع والعقوبات المغلظة والعراقيل التي تشل العمل الأهلي. وهو ما يضاعف المخاوف إزاء ما قد تتضمنه اللائحة التنفيذية للقانون، التي تأخر إصدارها لأكثر من عام وشهرين، قبل الإعلان مؤخرا عن موافقة مجلس الوزراء، مبدئيا، على إصدار اللائحة التنفيذية للقانون، دون الإعلان عن بنودها.

ومن المقرر أن تجري  توافقات بين الوزارات المعنية بشأن بعض البنود، لإقرار اللائحة بصورة نهائية، دون مشاركة مجتمعية أو نقاش مع المنظمات المختصة، التي سبق وأن أبدت سيلا من الاعتراضات على القانون، الذي تصفه بالمقيد لحرية العمل الأهلي. وتكمن خطورة اللائخة المرتقبة، في أن تفعيلها قد يؤدي إلى شطب العشرات من الجمعيات والمنظمات الأهلية، التي قد تعرقل الإجراءات أو البنود المشددة المتوقعة، عملية توفيق أوضاعها، خلال عام  من صدور اللائحة. وهو ما يعبر عنه المستشار منصف سليمان، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، في تصريحات صحفية  لـ”العربي الجديد” بأن “اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية الجديد، لا تستطيع تعديل القانون، ما يعني أنها لن تغير كثيرا في القيود الموجودة بالقانون”. وذلك على عكس الآمال والتوقعات لبعض الحقوقيين بأنه سيتم التركيز على وضع قواعد ميسرة، وإجراءات منظمة للمواد التي يحتمل تفسيرها وتنفيذها بطريقة متشددة، إلا أن الرأي الغالب، هو أن اللائحة ستكون بمثابة تنفيذ لنصوص القانون المشددة، ولن تختلف كثيرا عن القانون، وهو ما سيجري في الفترة المقبلة.

 

أسباب التأخير

-ديدن حكومي:

يُعبّر تأخر إصدار اللائحة التنفيذية، وفوات الموعد المحدد قانوناً لذلك، عن ظاهرةٍ أصبحت معتادة للنظام الحاكم في مصر، تتمثل في عدم إكتراثه بالمواعيد التي تنص عليها التشريعات بصورها المختلفة، وعلى رأسها عدم الالتزام بإصدار القوانين التي ينصّ الدستور على إصدارها لتنظيم مجالات معينة، وكذلك عدم الالتزام بمواعيد إصدار اللوائح التنفيذية للقوانين باعتبارها “مواعيد تنظيمية وليست إلزامية”.

-تضارب داخل الحكومة:

ومن ضمن أسباب التأخير لمدة عام وشهرين، ما يعكسه التأخر من فشل الحكومة في الوصول إلى صيغة ملائمة لكل الجهات المهتمة بالعمل الأهلي، داخلياً وخارجياً، في ظلّ تعدد وتناقض الآراء الصادرة عن تلك الجهات مع وضد الصياغات التي تقترحها وزارة التضامن الاجتماعي، وبحسب تقديرات استراتيجية، تحتص الاستخبارات العامة في المقام الأول، بإصدار اللائحة، لأنها الجهة صاحبة التدخّل الأكبر في النصوص المقترحة، لتفصيل مواد القانون التي من المنتظر أن تحدث ارتباكاً في التطبيق، خصوصاً بشأن الجمعيات الحقوقية والمنظمات الأجنبية المانحة.

وكانت وزارة التضامن أعدت ثلاث مسودات للائحة، كان للاستخبارات دائماً اعتراضات عليها، كما اعترض الأمن الوطني على بعض النصوص، بينما لم تعرض حتى الآن على الجهات الأجنبية، خصوصاً السفارات التي طلبت الاطلاع عليها من باب الاطمئنان لإبداء مصر حسن النوايا إزاء الجهات المانحة. وفي السياق، كشفت تقارير حكومية، أن وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة غادة والي، كانت قد أعدت بالفعل مشروعاً للائحة، لكن الوزيرة السابقة فايزة أبو النجا، مستشارة السيسي لشؤون الأمن القومي، والتي شاركت بفاعلية في صياغة النص النهائي للقانون، اعترضت على بعض الأفكار الواردة فيها، ما عطّل إصدارها طويلاً. ويسود تضارب وجهات النظر حول القانون ولائحته التنفيذية، إثر مشاورات الجهات السيادية والرقابية، بالإضافة لمستشارة السيسي لشؤون الأمن القومي “فايزة أبو النجا”، لما يشكله هذا القانون من أزمة مرتقبة بين مصر والغرب.

 

التلاعب بقوانين العمل الأهلي

ووسط سعي محموم من نظام السيسي  لفرض قانون يضيق على العمل الأهلي في مصر، ويمكن السلطات من السيطرة التامة، على المجال العام، بدلًا من القانون الصادر في عام 2002م، بدأت المحاولات مبكرا، عقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، عندما أعدت لجنة من ممثلي المجتمع المدني بتكليف من وزير التضامن الاجتماعي آنذاك “أحمد البرعي”، مشروع قانون، عد أنه أحد أفضل القوانين التي خرجت عن الحكومة، إلا أنه لم ير النور، بحسب تعليق مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، على لسان مديره الحقوقي محمد زارع.

وفي سبتمبر 2016، تجاهلت الحكومة مشروع القانون الذي صاغه ممثلو المجتمع المدني، ووافقت على مشروع قانون أعدته وزارة التضامن الاجتماعي، وأرسلته لمجلس الدولة لمراجعته قبل عرضه على مجلس النواب، إلا أنه واجه اعتراضات حقوقية لأسباب عدة بينها صعوبة شروط تأسيس الجمعيات، وفي خطوة مفاجئة، ناقش البرلمان في نوفمبر 2016 مشروع قانون لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية مقدم من 204 نواب، بقيادة رئيس ائتلاف “دعم مصر” “عبدالهادي القصبي”، متجاهلًا مشروع الحكومة، وجاء مشروع “القصبي” بمزيد من التضييق، جعله يوصف في الاوساط الحقوقية، بأنه “أكثر سوءًا من مشروع وزارة التضامن الاجتماعي” وذلك على الرغم من أن العقوبات المقرة  على المخالفات، تغيرت لتصبح الحبس بدلًا من الغرامة التي نص عليها قانون الحكومة، فيما اعترضت وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة “غادة والي”، حينها على قانون “القصبي”، وظهر ذلك في عدم حضورها للمناقشات حوله.

ووافق البرلمان سريعًا على القانون، إلا أنه تأخر في إرساله إلى الرئاسة، حتى مايو 2017، حين صدّق عليه “السيسي”، وواجه القانون مطالبات بتعديله، إلا أن “السيسي” رفضها في ديسمبر 2017، لكن في نوفمبر 2018، غيّر السيسي  رأيه وطالب بتعديله، بعد طلب إحدى المشاركات في منتدى شباب العالم حينها بذلك، إلا أن السبب الأساس ضغوط دولية مورست بالتغيير، أبرزها من أعضاء بالكونجرس الأمريكي، بعد ذلك دعت الحكومة إلى جلسات حوار مجتمعي بشأن تعديل القانون، وأُجريت التعديلات بالفعل في يناير 2019، وكان أبرزها إلغاء العقوبات السالبة للحرية، والاكتفاء بغرامات مالية لتلقي أموال من جهة أجنبية أو محلية أو جمع التبرعات، دون أخذ موافقة من الجهة الإدارية.

كما شملت إلغاء مواد الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، الذي نص القانون الحالي على تشكيله من ممثلي وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والعدل، فضلًا عن ممثل عن جهاز المخابرات العامة والبنك المركزي والرقابة الإدارية للبت في كل ما يتعلق بتأسيس وعمل ونشاط المنظمات الأجنبية، وتقرر استبدالها بمادة لإنشاء وحدة مركزية للجمعيات والعمل الأهلي والوحدات الفرعية التابعة لها بوزارة التضامن.

 

عراقيل معطلة

ووفق القانون ، فإنه على جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والاتحادات والمنظمات الإقليمية والأجنبية غير الحكومية والكيانات التي تمارس العمل الأهلي أن تقوم بتوفيق أوضاعها خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية للقانون وإلا قضت المحكمة المختصة بحلها. ويحظر القانون الجديد في بعض بنوده ممارسة عدة أنشطة بدعوى إخلالها بـ”الأمن القومي”، كما يمنح السلطات صلاحية حل المنظمات جراء وقوع “مخالفات”، ويفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه، وكانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، قد اعتبرت أن صدور اللائحة التنفيذية للقانون لن يعود بالإيجاب على تنظيم العمل الأهلي، فالعشرات من الجمعيات والمنظمات يواجه أزمة كبيرة في توفيق أوضاعها حسب القانون، وهو ما يعرضها للشطب، بجانب أن القانون نفسه، يُقيد العمل الأهلي…وبحسب الحقوقي محمد لطفي، “فإذا نجحت في التسجيل، الذي لن يكون بمجرد الإخطار، يصعب عليّ القيام بأي خطوة أخرى دون تصريح، فأي خطوة تحتاج إلى موافقات، وإلا سنواجه عقوبات وغرامات باهظة”.

كما أن العمل الأهلي عمل مجتمعي يحتاج إلى أن يكون المجتمع حر، يستطيع القيام بما هو مطلوب منه، وفي حالة كان المجتمع حرًا لا حاجة لقانون ينظم عمله الأهلي..أما محاسبة الجمعيات الأهلية تكون فقط عند ارتكاب أي جريمة أو مخالفة قانونية، وقانون العقوبات به ما يكفي، للمحاسبة على ذلك، ناهيك عن وجود مواثيق دولية تخص ذلك العمل، ينص عليها الدستور المصري، يجب أن تطبق، لكن القانون نفسه قيّدها، ووفق الحقوقي والوزير السابق أحمد البرعي، فالقانون يتعارض في كثير من مواده مع المبادئ العامة الدولية لحق الأفراد في تكوين منظمات المجتمع المدني والانضمام إليها، أيضا تخشى جهات التمويل استخدام القانون ؤعد اعلان لائحته وتفعيلها،  في تحديد أنماط محددة للأنشطة محل التمويل، وإهمال الملفات الخاصة بالتحوّل الديمقراطي والمساعدة القانونية للسجناء والتثقيف والتعليم والتدريب، وذلك باستخدام الألفاظ المائعة وحمّالة الأوجه التي يزخر بها القانون الجديد. وتثير هذه الألفاظ شكوك الجهات الغربية في كثير من الجهات حول نوايا نظام السيسي، مثل “النظام العام، والأمن القومي، والآداب العامة” فيما يتعلق بضوابط عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ما يمنح الوزارة المعنية، والوحدة الجديدة التي ستنشأ بها لمتابعة عمل تلك المنظمات، مساحةً للتضييق والعقاب، وحتى التصفية.

وهناك خمس مواد في القانون الجديد تستخدم تلك التعبيرات كأمورٍ لا يجوز الإخلال بها لحماية الجمعية الأجنبية من الحل، إذ يشترط لإنشائها أن يكون لها نظام أساسي مكتوب يتفق مع نموذج تحدده اللائحة التنفيذية التي ستصدر للقانون، وموقّع عليه من جميع المؤسسين. ويجب ألا يتضمّن هذا النظام الأساسي أي مواد تنص على الإخلال بتلك المصطلحات الثلاثة، التي تزخر بها التشريعات المصرية، وتستخدم غالباً لتوسيع رقعة التجريم. كما يحظر القانون على الجمعيات ممارسة أنشطة حزبية أو نقابية أو تكوين جمعيات سرّية أو سرايا، وهذا يعتبره الغربيون أمراً طبيعياً. لكن ليس من الطبيعي أن يعود المشروع ويحظر عليها “ممارسة أنشطة من شأنها الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي”، من دون توضيح المقصود بهذه المصطلحات، فهناك العديد من الفعاليات والأنشطة التي يمكن اعتبار أنها تهدد النظام العام من قبل سلطات أو أجهزة متطرفة في تقييد المجال العام، أو أنها مغالية في تطبيق القانون.

ويعيد القانون في موضعٍ آخر تأكيد “حظر تمويل نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب، أو النقابات المهنية، أو العمالية أو ذي طابع سياسي أو ديني، أو يضر بالأمن القومي للبلاد، أو النظام العام، أو الآداب العامة، أو الصحة العامة، أو يحض على التمييز أو الكراهية أو إثارة الفتن”. ويعبر هذا الأمر بحسب تلك الجهات خلال مفاوضاتها مع المسؤولين المصريين، عن “قلق الحكومة من تحركات المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ورغبتها في إحكام وثاقها وعدم فتح مساحات أمامها للعمل في المجالات السياسية والثقافية والحقوقية تحديداً، خصوصاً مع استخدام مصطلح إثارة الفتن الذي يمكن استغلاله لمنع أنشطة كثيرة في تلك المجالات المزعجة للنظام المصري. وفي مادة أخرى، يجيز القانون لوزير التضامن الاجتماعي أن يصدر قراراً بإيقاف النشاط أو إلغاء التصريح من الأساس، وذلك فقط لـ”أسباب تتعلق بتهديد الأمن القومي أو السلامة العامة أو الإخلال بالنظام العام”، ومن دون اللجوء إلى القضاء. وهنا تخشى الجهات الغربية الترصد بالمنظمات الأجنبية والمحلية المدعومة منها، فضلاً عن كون المادة تسمح بتدخلات إدارية مباشرة في أي وقت لوقف الأنشطة أو منع التمويل.

 

مواد ملغومة

القانون كان قد حظر على أي جهة أخرى بخلاف الجهة المختصة بالعمل الأهلي أن تسمح أو ترخص، بأي شكل وتحت أي مسمى، بمزاولة أي عمل أهلي أو نشاط مما يدخل في أغراض مؤسسات العمل الأهلي في القانون المرافق، فيما يكون تأسيس الجمعية الأهلية بموجب إخطار يقدم للجهة الإدارية المختصة وذلك التزامًا بنص المادة 75 من الدستور ونصت على ثبوت الشخصية الاعتبارية لها بمجرد الإخطار ومنحت الحق لكل شخص طبيعي أو معنوي في الانضمام إليها أو الانسحاب منها وفقًا لأحكام القانون.

المادة 71 من القانون حظرت على المنظمة الأجنبية غير الحكومية المصرح لها إرسال أو نقل أو تحويل أي أموال أو تبرعات إلى أي شخص أو منظمة أو هيئة أو مؤسسة أو جهة في الخارج إلا بعد موافقة الوزير المختص دون غيره، كما حظرت عليها كذلك تلقي أي أموال من أي شخص طبيعي أو اعتباري بخلاف مصادر تمويلها المنصوص عليها بالتصريح الصادر لها إلا بعد موافقة الوزير المختص دون غيره.

فيما جاءت المادة التي تليها لتحظر على جميع مؤسسات المجتمع الأهلي الاستعانة بالأجانب سواء في صورة خبراء أم عاملين دائمين أم مؤقتين أم متطوعين إلا بعد الحصول على ترخيص من الوزير المختص، أما المادة 95 فحددت العقوبات الخاصة بمخالفة التعليمات المقررة، حيث فرضت غرامة لا تقل عن 100 ألف جنية ولا تزيد على مليون جنيه على كل من تلقى أو أرسل بصفته رئيسًا أو عضوًا أو عاملًا في جمعية أو مؤسسة أهلية أو أي كيان يمارس العمل الأهلي ولو بالمخالفة لأحكام هذا القانون سواء كانت هذه الصفة صحيحة أم مزعومة، أموالًا من جهة أجنبية أو محلية أو قام بجمع التبرعات بالمخالفة لأحكام هذا القانون وتقضي المحكمة بإلزام المحكوم عليه برد ما تلقاه أو أرسله أو جمعه من أموال، بحسب الأحوال وتؤول هذه الأموال إلى صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية.

كما شدد القانون على عدم الجواز للجمعيات أو لغيرها تخصيص أماكن لإيواء الأطفال والمسنين والمرضى بأمراض مزمنة وغيرهم من المحتاجين إلى الرعاية الاجتماعية وذوي الاحتياجات الخاصة، إلا بترخيص من الجهة المعنية بإصدار الترخيص، وذلك وفق دراسة للدكتور حسن سلامة، بعنوان :”قراءة في قانون تنظيم العمل الأهلي الجديد”، المنشورة بدورية المركز  القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وأمام كل تلك التضييقات والعراقيل والألفاظ والمصطلحات المطاطة، لا يمكن للائحة المرتقبة إلا أن تكون صورة معكوسة تماما للتشدد الحكومي الهادف على حصر العمل الأهلي في أنشطة تريدها الحكومة، وتستهدفها فقط كإعانة الفقراء وتمويل المشاريع التنموية فقط، بعيدا عن السياسة والثقافة والحقوق والحريات.

 

الغرب والاقتصاد وراء الإعلان عن اللائحة

وكما كان تأخير إصدار اللائحة مثيرا للجدل، فإن الاعلان عن بدء اعداد اللائحة أيضا، مثير للتساؤلات، حيث جاء الإعلان عن بدء إعداد الحكومة للائحة التنفيذية، مترافقا مع اقتراب موعد الانتخابات الامريكية، وتصاعد الانتقادات الحقوقية لمصر في كثير من المحافل الأمريكية والغربية، وكان اخرها تصريحات مرشح الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية الأمريكية جون بايدن عن قمع السيسي، وهو ما قد يكون وراء البدء في عملية اصدار اللائحة، التي في الغالب ستكون جاهزة بعد نتائج الانتخابات الامريكية، التي على ما يبدو ستحدد موادها ودرجة تشددها شخصية الفائز بالانتخابات، وقد سبق للإدارة الأمريكية تعليق مساعدات اقتصادية لمصر بنحو 1,5 مليار دولار، عقب قضية التمويل الأجنبي في 2013، والتي تم تبرئة كل المتهمين الاجانب منها، وعقاب المصريين فقط، بجانب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر حاليا، من تزايد القروض وفوائدها وزيادة العجز المالي وهروب الكثير من الاستثمارات الاجنبية من مصر، والتي تقدرها بعض الدوائر الاقتصادية بنحو 21 مليار دولار ، خلال الشهور الست الأولى من 2020م، إلى جانب مغازلة الدول الأجنبية والجهات المانحة لاستئناف إرسال مساعداتها ودعمها المالي لمصر، وتمويل الأنشطة التنموية والثقافية والصحية والدراسية. وكان هذا الدعم قد توقف بصورةٍ شبه كاملة منذ صدور قانون العمل الأهلي السابق، سيئ السمعة والملغى، والذي حمل الرقم 70 لسنة 2017م.

وكان السيسي أصدر القانون الجديد مباشرةً بعد إلغاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المؤتمر الذي كان مقرراً عقده في مصر يومي 4 و5 سبتمبر 2019 حول مكافحة التعذيب، إثر انتقادات وجهتها منظمات حقوقية للمكان الذي اختارته المنظمة لعقده، وانتقادات دولية لسجل القاهرة في التعذيب الممنهج، وكانت السفارات الغربية في القاهرة، أبلغت الحكومة بأن المنظمات والمؤسسات الغربية الكبرى، المهتمة بتمويل العمل التنموي في البلاد، والتي كانت أوقفت سابقا تمويل مشاريع عديدة، لن تعود لتمويل الأنشطة التنموية والثقافية والصحية والدراسية في مصر بسبب القانون، وتخشى هذه المؤسسات من مشاكل عدة عانت منها سابقا في الفترة بين عامي 2013 و2017، بينها التضييق على التمويل الذي كانت ترسله إلى المنظمات والهيئات التعليمية والحقوقية المصرية، واحتجازه لفترات طويلة لدى وزارة التضامن، ومنع إتمام بعض المشاريع التي حازت على موافقات حكومية بالفعل.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن الجهات المانحة والسفارات “لن تخاطر بالدخول في تمويل مشاريع كبرى للحكومة أو للمجتمع المدني، قبل اختبار جدية النظام في عدم الاستخدام السلبي لعدد كبير من الألفاظ والأحكام المطاطة التي يزخر بها القانون، من خلال اللائحة التنفيذية وما سيتبعها من تصرفات، إلى جانب مطالبتها بأن تتضمن اللائحة تعريفاً وتحديداً دقيقاً لمعاني تلك الألفاظ، بما لا يفتح باباً للتأويل غير المسؤول” كما ترغب الجهات المانحة والسفارات في تجربة عمل الوحدة الجديدة داخل وزارة التضامن، والتي تحمل اسم “الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي”، التي ستخضع لإشرافها المنظمات الأجنبية، وستقوم أيضاً بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حالياً في وزارة التضامن. وستختص الوحدة بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

 

التأميم مصير محتوم

وفي سياق المخاطر المحدقة بالعمل الأهلي، كانت العديد من المنظمات الحقوقية اعتبرت التعديلات المقرة برلمانيا في يوليو  2019، غير كافية، مشيرة إلى وجود العديد من الثغرات داخل القانون تعرقل العمل الأهلي وتضع العديد من العقبات أمام الجهود المجتمعية، وفي بيان لها في 10 يوليو 2019،  قالت 10 منظمات حقوقية مصرية ودولية إن التعديلات غير كافية، مضيفة أن قوانين أخرى تفرض قيودًا مشددة على المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بحاجة إلى التعديل أيضًا، وتابعت: “المشروع الجديد ما هو إلا إعادة تسويق القانون القمعي الذي يحمل الفلسفة العدائية لمنظمات المجتمع المدني”، بحسب ما ذكرته “رويترز”، وكان بارزا أن الهدف من التعديلات تهدئة الرأي العام الدولي، لكن بصورة لا تتوافق مع الدستور أو التزامات مصر الدولية، وأيضا أعلنت 6 أحزاب سياسية و22 منظمة من المجتمع المدني، رفضها للقانون، باعتباره مذبحة لجميع الجمعيات الأهلية في مصر.

وقد وقع على البيان كل من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، التحالف الشعبي الاشتراكي والدستور ومصر الحرية والعيش والحرية (تحت التأسيس) وحزب التيار الشعبي (تحت التأسيس)، إضافة إلى عدد من الجمعيات الأهلية أبرزها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

خاتمة

لا يمكن قراءة اللائحة المرتقبة لقانون العمل الأهلي بمصر، بعيدا عن الأحوال الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، بجانب سيل الانتقادات الحقوقية الولية لسجل مصر الدامي في المجال الحقوقي، حتى وأن جاءت اللائحة الجديدة مخففة من بعض القيود الكثيرة بالقانون، الذي صادق عليه السيسي قبل عام وشهرين، وفي حال تخفيف حدة الانتقادات الموجّهة للحكومة في ما يتعلق بالتضييق على الحريات، قد تبقى الحريات مجرد حبرا على ورق، في ظل إيمان السيسي بأن التركيز على حقوق الإنسان وتنمية المجتع المدني، لابد أن تقتصر على الصحة والاسكان والتعليم الذين يواجهون تدهور غير مسبوق في مصر، كما جاء في تصريحاته في فرنسا في وقت سابق.

وتدرك القاهرة أن استمرار النبش في قضايا المجتمع المدني يعرضها لخسائر على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ويمكن أن يكون سببا لتشويه التحركات التي تقوم بها على المستويين الإقليمي والدولي، وربما يؤدي مع الوقت إلى إحراج حكومات غربية ترى في الحكومة المصرية شريكا مهمّا في مكافحة الإرهاب وصمام أمان في مجال الهجرة غير الشرعية، وقد أكدت مواد قانون الجمعيات الأهلية، أن النظام المصري حسم أمره ليكون دور المنظمات الحقوقية والأهلية اجتماعيا وليس سياسيا، كي لا يتحول المجتمع المدني إلى قناة بديلة للأحزاب السياسية،  حيث يرى النظام أن الحديث حول الحقوق والحريات بمفهومها الغربي، “نوع من الرفاهية” وفي بلد مثل مصر، تعاني الفقر وتحتاج إلى تحسين ملفات الصحة والتعليم، ثمة ما هو أولى من الحريات السياسية، وهو ما سبق وأن أكده جورج إسحاق لـ”صحيقة العرب”، أن وضع حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية والأهلية في مصر يتجاوز قضية القانون، ويرتبط بالإرادة السياسية، ويحتاج الملف إلى طفرات، ونية صادقة من أجل التغيير إلى الأفضل وليس مجرد نصوص ورقية، وتبقى اللائحة المنتظرة معيار لتلك المخاوف والتوجهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…