‫الرئيسية‬ قراءات ومقالات ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان .. الدوافع والتداعيات
قراءات ومقالات - لبنان - أكتوبر 27, 2020

ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان .. الدوافع والتداعيات

 

تعود أزمة الحدود البحرية بين الجانبين إلى الفترة التي أعقبت اكتشاف مخزونات ضخمة من احتياطي النفط والغاز الطبيعي في المنطقة القريبة من حدودهما عام 2009، وهو ما أدى إلى تفجُّر أزمة ترسيم الحدود في المياه الاقتصادية بينهما. وتبلغ نسبة المساحة المتنازع عليها نحو 850 كيلو مترًا مربعًا، وكان الدبلوماسي الأمريكي، فريديريك هوف، قد اقترح في عام 2012 حلًّا، جرى تسميته بـ “خط هوف”، يقوم على منح 58 بالمئة للبنان، مقابل 42 بالمئة لإسرائيل، كما بدأ الطرفان -بناء على طلب الأمم المتحدة منذ عام 2010- مفاوضات لترسيم الحدود الاقتصادية، ولكنهما لم يتوصلا إلى صيغة توافقية إلى الآن.

ومع مطلع أكتوبر الجاري -وبالتحديد في 1 أكتوبر- أعلن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، عن التوصل إلى اتفاق إطاري لبدء المفاوضات مع إسرائيل بشأن ترسيم الحدود البرية والبحرية، برعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة، منتصف أكتوبر الجاري. وهو الاتفاق الذي كان للولايات المتحدة الأمريكية دورٌ حاسمٌ في التوصل إليه، عبر إجراء محادثات دبلوماسية بين الطرفين، استمرت أكثر من عامين، وشملت ثماني جولات، وتأمُل الإدارة الأمريكية -حسب تصريحات وزير الخارجية مايك بومبيو- أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق في غضون ستة أشهر، ستقوم خلالها شركات من الجانبين بإجراء مسح زلزالي في المنطقة المتنازع عليها[1].

 

أولًا: الدوافع اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية من خلف هذا الاتفاق:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من الدوافع التي تقف خلف توجه الطرفين (إسرائيل ولبنان) لترسيم الحدود بينهما، حيث تطمح لبنان -في حال نجاح المفاوضات- إلى البدء في الاستثمار في البلوكين 8 و9؛ حيث توقع نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، أن يُسهِم الغاز المستخرج في تسديد ديون لبنان المتراكمة. أما بالنسبة لإسرائيل، فالهدف الإستراتيجي لها من الاتفاق يتمثل في الحد من مخاطر النشاطات العسكرية من قبل حزب الله ضد منصات الغاز الإسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية.

وبالنسبة لحزب الله، فرغم أن الموافقة على التفاوض صدرت باسم لبنان الدولة، إلا أنه ليس سرًّا أن لبنان محكومٌ من قِبَل “حزب الله”، الذي وافق على ترسيم الحدود في الوقت الحالي لجُملة من الأسباب، أهمها الآتي:

– الوضع الاقتصادي اللبناني المتأزِّم، والنقد الذي يتعرض له “حزب الله” من كافة المكونات اللبنانية، وتحميله المسؤولية الكبرى عن تردي الأوضاع الاقتصادية.

– ضغط حلفاء “حزب الله”، وخاصة “حركة أمل” و”التيار الوطني الحر”، على الحزب، بعد أن باتوا في مرمى العقوبات الأمريكية؛ فالذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل ربما يدفع الإدارة الأمريكية إلى إلغاء قوائم العقوبات التي باتت جاهزة بحق الكثير من الشخصيات التي تتعامل مع “حزب الله”.

– يمثل الاتفاق رسالة من “حزب الله” إلى اللبنانيين، بأنه يُضحِّي من أجل مصالحهم الاقتصادية، وأنه في الأصل انتظر كل هذه المدّة من أجل الحفاظ على مصلحة لبنان واللبنانيين، عبر إصراره على تحسين شروط التفاوض.

– الانحياز للمبادرة الأمريكية على حساب الفرنسية؛ لأنه من الأفضل لإيران و”حزب الله” إذا أرادوا تقديم تنازلات، فلتكن من البوابة الأمريكية ذات التأثير الأكبر في المنطقة. بالإضافة إلى حسابات إيران والحزب من أن الموافقة على التفاوض مع إسرائيل ستخفِّف من حجم هجوم واشنطن العقابي عليهما[2].

أما بالنسبة للدوافع الأمريكية من خلف لعب دور الوساطة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية والبرية، يمكن الإشارة إلى مجموعة من الدوافع، على رأسها:

١- استمرار سياسة ترامب في حل النزاعات المعلقة: حيث تأتي الخطوة ضمن إستراتيجية الإدارة الأمريكية في دمج إسرائيل في المنطقة، ونزع فتائل التوتر الممكنة حول محيط إسرائيل على حدودها البرية أو البحرية. وهو ما يسمح بتعزيز رصيد “ترامب” سياسيًّا في الداخل الأمريكي قبل انتخابات نوفمبر 2020.

٢- دفع عجلة الاقتصاد وتحقيق المنفعة: فقد نجح عملاق النفط شركة “شيفرون” الأمريكية في شراء شركة “نوبل إنرجي” Noble Energy صاحبة الامتيازات في الحقول الإسرائيلية، ويبدو أن الصفقة جزء من تحرك أكبر للشركة لأعمال التنقيب في مناطق مختلفة من منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط عامة.  وقد تأمل “شيفرون” في لعب دور “المجمع” في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تجمع الغاز من عدة حقول في عدة بلدان مختلفة للقيام باستثمارات رأسمالية كبيرة ومجدية اقتصاديًّا.

٣- مواجهة المساعي الفرنسية للتدخل في لبنان: تحاول فرنسا مؤخرًا لعب دور بارز في لبنان، وفي المشرق العربي بصفة عامة؛ في محاولة منها لاستعادة دور شرق أوسطي ومتوسطي نافذ. لكن يبدو أن هذا الدور يحتوي على سياسة احتوائية، قد تجمع أطرافًا سياسية غير مرغوب بها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما ظهر بشكل خاص في تصريح الرئيس الفرنسي “ماكرون” حول رؤيته لحزب الله بأنه فصيل سياسي لبناني لا يمكن إقصاؤه. في حين تسعى الولايات المتحدة لممارسة الضغط الأقصى على حزب الله.

كما يبدو في البيانات الرسمية الصادرة عن شركة “توتال” Total S.A الفرنسية رغبتها في توسيع أنشطتها في التنقيب، ومن ثم الإنتاج في الحقول اللبنانية (مايو 2018)، كما ظهر في تصريحات مسؤولين لبنانيين أن “توتال” ستستأنف نشاطها في لبنان فور توقيع الاتفاق[3]. وبالتالي فاستحواذ شركة توتال الفرنسية على حقول الغاز اللبنانية سيؤثر بالسلب على الخطط الاقتصادية لشركة شيفرون الأمريكية، كما هو موضح أعلاه.

 

ثانيًا: التداعيات الناتجة عن هذا الاتفاق على المستوى الإقليمي:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من التداعيات التي ستنتج عن هذا الاتفاق على المستوى الإقليمي، منها:

– دخول لبنان إلى حظيرة الدول المطبعة مع إسرائيل، فقبول المفاوضات بصورة مباشرة مع إسرائيل يعني الاعتراف الرسمي اللبناني بدولة إسرائيل، كما أن الاعتراف بالحدود الإسرائيلية هو اعتراف بوجود دولة إسرائيل. وقد ظهر ذلك بشكل جلي في استخدام نبيه بري (رئيس البرلمان) في إعلانه، لفظ إسرائيل، ولم يستخدم لفظ الاحتلال أو الكيان الصهيوني.

والأهم من ذلك، أن الإعلان عن ترسيم الحدود يأتي بالتزامن مع تسارع عمليات التطبيع العربي مع إسرائيل، التي بدأت بالإمارات ثم البحرين، والحديث عن دول أخرى، على رأسها السعودية والسودان، وهناك أيضًا تقارير إعلامية عن وجود مفاوضات سرية لتطبيع سوريا مع إسرائيل. وربما تستغل الدول الخليجية -بضغط من الولايات المتحدة- الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها لبنان؛ لدفعها نحو التطبيع، عبر ربط المساعدات المالية والاقتصادية التي ستقدمها هذه الدول بدخول لبنان إلى حظيرة التطبيع مع إسرائيل[4].

– تراجع محور الممانعة، وقد ظهر ذلك -كما أشرنا سابقًا- في استخدام رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، المحسوب على هذا المحور، لغةً جديدةً مخالفة للنبرة الأيديولوجية التي يتبناها هذا المحور، فقد تحدث في بيانه عن إسرائيل، وليس “الكيان الصهيوني” أو “الاحتلال”، كما جرت العادة، وهذا تغير إستراتيجي وأيديولوجي كبير؛ إذ إنه يُضمِر بداخله اعترافًا بإسرائيل. ولم يقتصر حديث بري على هذا التطور، بل انطوى على لغة جديدة، تحدثت عن “المصالح المشتركة” و”تنمية الموارد” و”شعوب المنطقة”، وهي مصطلحات طالما اتهم الحلف الممانع من يتحدث بها على أنها مجرد شعارات لتغطية عملية التطبيع مع إسرائيل!.

كما أن الاتفاق سيؤدي إلى تجميد “المقاومة” من قبل حزب الله ضد إسرائيل؛ ذلك أن الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه سيُكبِّل -على الأرجح- حركة الحزب، ليس في لبنان وحسب، وإنما في إطار المشروع الإيراني الهادف إلى محاصرة إسرائيل بجبهات عديدة من القنيطرة “السورية” إلى الناقورة” اللبنانية”، كما أنه سيُقوِّي أصوات المعارضة الداخلية لـ “حزب الله”، التي تطالبه بتسليم سلاحه للدولة ضمن الإستراتيجية الدفاعية المتوافق عليها لبنانيًّا، طالما أن وظيفة “المقاومة” قد انتهت.

وعلاوة على ذلك، تأتي موافقة “حزب الله” على التفاوض مع إسرائيل في ظل ظروف صعبة يمر بها حلف الممانعة؛ حيث يشهد العراق تحولات مهمة باتجاه تجريد سلاح الميليشيات ودمجها ضمن أطر ومؤسسات الدولة العراقية، والكشف عن مساع يقوم بها النظام السوري للتفاوض مع إسرائيل، في وقت تمر فيه إيران بأسوأ أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية[5].

– ضم لبنان للتحالف المعادي لتركيا؛ حيث يعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على بناء تحالف إقليمي معادٍ لتركيا في منطقة شرق المتوسط، يضم كلًّا من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر والإمارات، وأخيرًا لبنان. فقد نقلت صحيفة “خبر ترك” عن مصادر سياسية لبنانية، أنه قبل زيارة ماكرون الأخيرة إلى لبنان، وصل وفد فرنسي، وعقد اجتماعًا أوليًّا مع المسؤولين اللبنانيين؛ للحصول على تصاريح التنقيب عن النفط والغاز في بعض المناطق البحرية بالجرف القاري للبنان. وتابعت بأن ماكرون قام بالتوقيعات اللازمة من أجل أنشطة البحث في بعض المناطق المتنازع عليها بين “إسرائيل ولبنان” في السواحل اللبنانية.

كما أشارت الصحيفة إلى مساعي ماكرون للعب دور الوسيط بين الغرب وحزب الله (ومن خلفه إيران)، وهو ما ظهر في تصريحات ماكرون في مرفأ بيروت، التي قال فيها إن حزب الله جزء مهم من الشعب اللبناني، مشيرة إلى اجتماع سري عقده ماكرون مع ممثلين من الحزب[6]. ما يشير إلى رغبة فرنسا بالسماح لحزب الله بالوجود داخل الدولة اللبنانية، مقابل التزامه بالسياسة الخارجية الفرنسية، المتمثلة في تكوين حلف مضاد لتركيا في شرق المتوسط.

——————————–

[1]                      “”اتفاق الإطار” لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل: مضامينه وتبعاته”، مركز الإمارات للسياسات، 5/10/2020، الرابط: https://bit.ly/3jE71UI

[2]                      المرجع السابق.

[3]                      ” نقاط شائكة: تحديات إتمام اتفاق ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان”، المرصد المصري، 5/10/2020، الرابط: https://bit.ly/33yxGwz

[4]                      “ترسيم حدود لبنان وإسرائيل .. الدوافع والتأثير وسر التوقيت (تحليل)”، الأناضول، 2/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2GCkXQC

[5]                      “”اتفاق الإطار” لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل: مضامينه وتبعاته”، مرجع سابق.

[6]                      “صحيفة: ماكرون يريد استغلال لبنان بمواجهة تركيا بالمتوسط”، عربي 21، 8/9/2020، الرابط: https://bit.ly/2DMqjaZ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تركيا وروسيا في مرحلة ما بعد حرب قره باغ

أعلن رئيس أذربيجان إلهام علييف استعادة كامل المناطق التي كانت أرمينيا تحتلها في منطقة آغدا…