‫الرئيسية‬ العالم العربي الجزائر الاستفتاء على الدستور الجديد..اختيار صعب يضع الجزائر أمام مخاطر العسكرة أو الثورة المضادة!!
الجزائر - العالم العربي - أكتوبر 28, 2020

الاستفتاء على الدستور الجديد..اختيار صعب يضع الجزائر أمام مخاطر العسكرة أو الثورة المضادة!!

 

على حد السيف ، تقف الجزائر ، بين آمال استكمال مسار التغيير ، الذي بدأه الثوار في فبراير 2019، ومخاوف تكرار مرحلة جديدة من حكم الفرد، بتشريع نظام سياسي يوسع من سلطات الرئيس على حساب المؤسسات الخرى، بدعاوى اواحة الأحزاب القديمة، والاتجاه  نحو المجتمع المدني والتجمعات الجهوية، التي قد تكون ذات بريق سياسي، الا ان تفخيخها بالتوترات السياسية ، قد يحعلها سببا في موت السيسة، أو عرقلتها على الأقل في الفترة المقبلة من تاريخ الجزائر.

فأيام قليلة تفصل الجزائر ، عن تغيرات مفصلية في بنيتها السياسية والدستورية والتشريعية، حيث يجري الاستفتاء على مسودة دستور جديد، أعدته لجنة خبراء شكلها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وذلك في مطلع نوفمبر المقبل، تليه انتخابات تشريعية لم يحدد موعدها، لاستبدال نواب جاءوا بانتخابات برلمانية جرت في 2017، بعضهم يواجه اتهامات بالفساد المالي والسياسي في ظل حكم الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، الذي ثار عليه الجزائريون وأنهوا حكمه في فبراير 2019م، ويوافق يوم 1 نوفمبر، الاحتفال بـ”عيد الثورة”، أي حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي “1954-1962″، وهو ما يحاول تبون تصوير الدستور المزمع التصويت عليه كأنه امتداد لمسيرة التحرر الوطني.

وتعديل الدستور الذي وضعه الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة كان من أبرز الوعود الانتخابية لتبون، الذي وعد بتعديل “عميق” للدستور “يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية ويحمي البلد من الحكم الفردي ويضمن الفصل بين السلطات ويخلق التوازن بينها ويشدد مكافحة الفساد ويحمي حرية التظاهر”….وهو على عكس ما تطرحه الأحزاب والأوساط السياسية من انتقادات ، وأوصاف معاكسة تماما، للخطاب الاعلامي الذي يطرحه تبون، بل يذهبون إلى وصم مسودة الدستور بأنه يمكن لحكم الفرد، ويوسع صلاحيات الرئيس على حساب كافة المؤسسات التنفيذية والقضائية والتشريعية، وفي يناير الماضي، شكل تبون -المنتخب في 12 ديسمبر2019- لجنة خبراء في القانون كلّفها إعداد مسودة تعرض للمشاورات العامة ومناقشة البرلمان ثم للاستفتاء العام، ثم قامت الرئاسة بتوزيع المسودة على الأحزاب.

وسعى تبون للترويج بأنه يواجه ثورة مضادة، موجها سلسلة من التهم والانتقادات للأحزاب السياسية، التي ألصق بها اعلام الدولة والنظام اتهامات الفساد ةمحاولة جر البلاد للوراء، ونشر الفساد المالي والمحاصصة السياسية..وهو ما يعتبره البعض هجوم استباقي لأية نتائج لا ترضي الرئاسة ، بعد تصاعد الانتقادات من قبل الأحزاب والقوى السياسية، محاولا استبدالها بالقوى الجهوية وقوى المجتمع المدني، الذي يعتمد عليها تبون في مواجهة القوى السياسية.

 

 

المسودة

وتضمن تقرير اللجنة القانونية  73 اقتراحا مقسمة على ٦ محاور، منها “تعزيز الفصل بين السلطات وتوازنها”، أي تلك التي تخص صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان، ورفض ناشطو الحراك الشعبي وبعض أحزاب المعارضة المشاركة في هذه المشاورات، وطالبوا بمؤسسات انتقالية تكلف بإعداد دستور جديد وليس تعديل ما وصفوه بـ”دستور بوتفليقة”.

 

مخاوف من تضخم صلاحيات الرئيس

وتسود الساحة السياسية الجزائرية مخاوف عدة من توسيع الرئيس تبون لصلاحياته الرئاسية، وفق القراءة الأولية لمسودة الدستور الجديد، التي ستصبح خامس دستور للبلاد منذ الاستقلال، عدا عن سلسلة من التعديلات المحدودة التي كانت تتم في كل مرحلة، وبحسب الاحتياجات ومتطلبات السلطة الحاكمة، ففي عام 1963، شهدت الجزائر ميلاد أول دستور تأسيسي للبلاد، بعد عام واحد من الاستقلال، لكن الرئيس هواري بومدين الذي قاد انقلاباً عسكرياً على الرئيس أحمد بن بلة في يونيو 1965 أعلن تعطيل العمل بالدستور حتى صياغة دستور جديد عام 1976. وبعد انتفاضة أكتوبر عام 1988، وتصاعد المطالب الديمقراطية، اضطرت السلطة إلى إقرار دستور جديد يُنهي حكم الحزب الواحد ويفتح باب التعددية السياسية، وذلك حتى عام 1996. وفي وسط الأزمة الأمنية طرح الرئيس الأسبق ليامين زروال دستوراً جديداً، كانت أبرز مادة فيه تحديد العهدات الرئاسية باثنتين، وهي المادة التي تلاعب بها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بإلغائها عام 2008، ليتيح لنفسه الترشح لولاية رئاسة ثالثة في انتخابات 2009، قبل أن يعيد تثبيتها مجدداً في تعديلات عام 2016، من دون تجاهل تعديل مادة تخص إدراج اللغة الأمازيغية لغة وطنية عام 2005، ورسمية في عام 2016. لكن بوتفليقة لم يطرح خلال فترة حكمه لعقدين أي مراجعة عميقة وشاملة للدستور، كما لم تعرض التعديلات على استفتاء شعبي.

وتمنح المسودة النهائية للدستور الجديد في الجزائر الرئيس اختصاصات في السلطة التنفيذية في مجمل الدساتير السابقة كان النقاش الجوهري والأساسي مرتبطاً بصلاحيات رئيس الجمهورية، مقابل صلاحيات باقي مؤسسات الدولة. وإذا كان دستور عام 1996 الذي أدخل عليه بوتفليقة سلسلة تنقيحات أتاحت له الهيمنة على السلطة ومركزة القرار وجميع السلطات بيده، وصلاحية التدخل في الشأن القضائي والتشريعي والتنفيذي وغيرها، فإنّ العنوان الأبرز الذي اتخذته السلطة الجديدة والرئيس تبون للتسويق السياسي لدستور 2020 المطروح للاستفتاء، هو “الحدّ من تغوّل السلطة التنفيذية لصيانة البلاد من الانحراف إلى الحكم الفردي مجدداً، وفصل السلطات والموازنة بين المؤسسات”. لكنّ فحصاً شاملاً لمجموع مواد المسودة الدستورية يكشف استمرار تضخّم صلاحيات رئيس الجمهورية، وتمتعه باختصاصات حصرية وبتوصيف وظيفي في مختلف السلطات والمؤسسات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وتظهر بمواد مسودة الدستور المكوّنة من 225 مادة أنّ رئيس الجمهورية وإضافة إلى الاختصاصات والصلاحيات المتعارف عليها دستورياً بأنها تعود له، بكونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتع بصلاحية إعلان حالة الطوارئ أو الحصار، وحالة الضرورة المُلِّحة بإعلان الحرب، ويترأس المجلس الأعلى للأمن، ويحدد السياسة الخارجية للجزائر ويوجّهها، ويوقّع معاهدات الهدنة والسلام، ولديه صلاحية إرسال وحدات من الجيش للخارج بعد موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، كما يبقي الدستور لرئيس الجمهورية منصب وزير الدفاع، ليصبح بذلك عضواً في الحكومة. كذلك يحوز صلاحية التعيين في القطاعات والوظائف العسكرية، وتعيين مسؤولي الأجهزة الأمنية.

وتمنح المسودة النهائية للدستور الجديد في الجزائر الرئيس اختصاصات في السلطة التنفيذية. وبحسب المادة 91، فإنّ الرئيس “يتولّى السلطة التنفيذية”، إذ يتولّى تعيين الوزير الأوّل أو رئيس الحكومة، بحسب الحالة التي تنتهي إليها الانتخابات النيابية، وتعيين أعضاء حكومته، وهو من ينهي مهامهم، وله الحقّ في تعيين الأمين العام للحكومة ومحافظ بنك الجزائر، والأعضاء المسيّرين لسلطات الضبط، كسلطة ضبط السمعي البصري وسلطة ضبط الاتصالات وغيرها، وكذلك تعيين سفراء الجمهورية وإنهاء مهامهم. كذلك يحوز صلاحية تعيين الولاة وعمداء الكليَّات في الجامعات الجزائرية بمرسوم رئاسي، وأعضاء مجلس حقوق الإنسان. كذلك يعيّن أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى الـ15.

وتشرح المادة 103 من مسودة الدستور مسألة الفرق بين الوزير الأول ورئيس الحكومة، إذ تنصّ على أن يقود الحكومة “وزير أول في حالة أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، ويقود الحكومة رئيس الحكومة في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية”، على أن يتولى الوزير الأول، بموجب المادة 105 من المسودة، تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، فيما يترك لرئيس الحكومة بموجب المادة 110 إعداد برنامج الأغلبية البرلمانية.

وعلى الرغم من المطالبات المتصاعدة منذ سنوات للقضاة والنقابات المهنية والقوى السياسية بضرورة إجراء فصل كامل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، فإن المسودة الدستورية أبقت على رئيس الجمهورية كرأس السلطة القضائية والقاضي الأول في البلاد، وله حق إصدار قرارات العفو الرئاسي، إذ يرأس المجلس الأعلى للقضاء ويعيّن رئيس المحكمة العليا الذي ينوب عنه في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، بدلاً من وزير العدل في الدستور الحالي. كذلك يعين رئيس الجمهورية رئيس مجلس الدولة، ورئيس مجلس المحاسبة ورئيس المحكمة الدستورية وأربعة من أعضائها من أصل 12 عضواً.

وتبدي نقابة القضاة التي يرأسها القاضي مبروك يسعد استياءً من هذه الخيارات التي كانت قد أعلنت في وقت سابق عن مواقف مناوئة لها، ولا سيما في ما يتعلّق بعدم إدراج ممثلين عن النقابة في المجلس الأعلى للقضاء، باعتبارها الممثل المهني الوحيد للقضاة، وكانت قد طالبت بذلك في مقترحاتها التي قدمتها بشأن المسودة، من بين أكثر المواد المقترحة في المسودة التي أثارت الجدل في الفترة الأخيرة هي المتعلقة بحيازة رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيس السلطة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات وأعضائها لفترة ست سنوات. ويطرح تدخل الرئيس في هذا المجال إشكالية الاستقلالية الفعلية للسلطة التي تدير العملية الانتخابية، والتي يفترض أن تكون بعيدة عن أي تدخل من السلطة التنفيذية، وفي سياق آخر، تبقي المسودة الدستورية لرئيس الجمهورية صلاحية حلّ البرلمان، وحق إصدار مراسيم وقوانين وتشريعات بالأوامر الرئاسية في ظروف مستعجلة خلال عطلة البرلمان، وهي الصلاحية نفسها التي كان يتمتع بها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مع إضافة بند يلزم الرئيس بإحالة هذه المراسيم على البرلمان للمصادقة عليها في الدورة الموالية.

المفارقة السياسية الأبرز في حصيلة هذه الصلاحيات والاختصاصات المنوطة برئيس الجمهورية في المسودة الدستورية الجديدة تتعلّق بخلوها من أي إشارة إلى مساءلة الرئيس عن أي أخطاء وخيارات أو أعمال مخالفة للدستور. كما أنها لا تتيح للبرلمان كسلطة تشريعية منتخبة حقّ مساءلة الرئيس أو توجيه لائحة لوم إليه، وكذلك في ما يعرف بـ”محكمة الدولة” المخول لها محاكمة الرئيس ورئيس الحكومة عن تهمة الخيانة العظمى، إذ لا ينصّ الدستور على فترة ملزمة للرئيس لتعيين المحكمة، وهو الإشكال نفسه الذي واجه إمكانية محاكمة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، كون المحكمة لم يتم تشكيلها أبداً.

اشكالات دستورية

وفي شان التشويش والتضارب في مسودة الدستور، المزمع التصويت عليها،  يقول أستاذ القانون الدستوري الجزائري ، أحمد بطاطاش لـ
“اندبندنت ” ، إنّ “المسودة تطرح إشكالات سياسية جدية عما إذا كانت هناك نية فعلية لإقامة توازن بين السلطات، والحدّ من هيمنة مؤسسة الرئاسة على الصلاحيات في غياب مبدأ المحاسبة”، وهو ما يؤكد أن “هناك تضخماً في صلاحيات رئيس الجمهورية، والذي لا تمارس عليه أي رقابة سياسية مقارنةً بالسلطات الواسعة التي يتمتع بها، ووزير العدل (بلقاسم زغماتي) أكّد ذلك بنفسه عندما قدّم المسودة في البرلمان. فالبرلمان نفسه لا يحق له أن يراقب أعمال الرئيس، بخلاف دستور عام 1963 الذي يعدّ الوحيد الذي سمح بإخضاع أعمال الرئيس لرقابة البرلمان مع إمكانية سحب الثقة منه”، ويعيد هذا الوضع طرح مخاوف سياسية من توجه السلطة والرئيس تبون نحو تجديد مرحلة أخرى من حكم الفرد، بصورة لينة على صعيد الممارسة، تأخذ بعين الاعتبار حراك الشارع، فيما تبدي بعض القوى السياسية محاذير من ذلك.

وهو ما عبرت عنه حركة مجتمع السلم، بأن “الدستور الجديد يضع الرئيس فوق الأمة وفوق الدستور وفوق القانون وفوق كلّ مؤسسات الدولة، ولا توجد أيّ مؤسسة يمكنها أن تمارس دور الرقابة عليه. فهو يتمتع بكل الصلاحيات، ويسيطر على كل المؤسسات، وبيده كل السلطات، ومع ذلك لا يتحمل أي مسؤولية سياسية أو قضائية. ومع ذلك أيضاً تزعم السلطة أنه تمّ تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وأنها بصدد القضاء على الحكم الفردي، وأنها مع القطيعة مع النظام السابق، ومع تحقيق مطالب الحراك الشعبي، ومع الوفاء بوعد التغيير الشامل والجذري والحقيقي”.

 

سيف العسكرة

جانب اخر من المشهد السياسي الملتبس بالجزائر، في أتون الذهاب لدستةر جديد وانتخابات برلمانية مبكرة، حيث تطفو على السطج وبطريقة عير مباشرة ، التمترس بالمؤسسة العسكرية..خاصة ي ضوء مخاوف الاحزاب السياسية من تهميشها، بحسب الباحث الجزائري،عثمان لحياني، وكانت اخر المشاهد التي حاول تبون اظهارها، زيارته لمقر وزارة الدفاع 10 أكتوبر الجاري، داعيا  الشعب إلى تزكية مسودة الدستور التي ستعرض على الاستفتاء في مطلع نوفمبر المقبل، ورد على تحفظات المعارضة السياسية بشأن أولوية المجتمع المدني، وقال تبون، في كلمة ألقاها خلال زيارته إلى مكتبه كوزير للدفاع في مقر الوزارة، ولقائه كبار قادة الجيش والدرك والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية، إنّ “استفتاء نوفمبر هو عودة للشعب ليعبر بصوته وبكل حرية وسيادة عن قناعته تجاه التعديلات الدستورية المطروحة، والتي نتمنى أن تنال تزكية الشعب الجزائري، لنضع معاً أسس جزائر جديدة”.

وكان تبون يعلق على مواقف أحزاب سياسية اتهمت السلطة بمحاولة استغلال المجتمع المدني لتحييد الأحزاب السياسية، وداهن الرئيس الجزائري المؤسسة العسكرية، وخصص الجزء الغالب من خطابه للجيش، وقال إنّ “الجيش يملك من التجارب والخبرات التي اكتسبها في صراعه المرير مع الإرهاب والظروف القاسية التي مر بها وتكيفه الإيجابي مع مستجدات العصر العلمية والتكنولوجية، ما يجعله قادراً على أن يؤدي الأمانة”، فيما دعا قائد أركان الجيش، الفريق السعيد شنقريحة، الشعب للمشاركة في الاستفتاء الشعبي .. وأثارت  دعوة قائد الجيش للجزائريين إلى المشاركة في الاستفتاء، وتطرقه لمواضيع سياسية  تخص الاستفتاء الشعبي، للمرة الثانية في ظرف أسبوع، جدلاً حول تناقض تطرقه لقضايا سياسية، برغم تصريحات أدلى بها، لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية،  أكد فيها ألا علاقة للجيش بممارسة السياسة.

ويقرأ مراقبون في زيارة الرئيس إلى مقر وزارة الدفاع وتصريحات قائد الجيش بأنها رسالة سياسية موجهة لأطراف في الداخل والخارج، تتضمن التأكيد بأنّ مسار الإصلاح السياسي والدستوري الذي يباشره الرئيس تبون يتم بتزكية تامة من قبل المؤسسة العسكرية، وأن هناك انسجاماً وتوافقاً كبيراً بين الرئاسة والجيش إزاء هذه القضايا، لكن ذلك قد يعطي أيضاً مؤشرات على وجود ثقة كبيرة لدى السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية بشأن حسم مسبق لنتائج الاستفتاء الشعبي باتجاه تزكية المسودة الدستورية، وهو ما قد يعاظم من مخاوف القوى السياسية، التي قد تجد نفسها بمواجهة العسكريين..وهو ما يعيد الجزائر للوراء.

 

انقسام مواقف الاسلاميين

ولعله من ابرز ملامح المشهد السياسي الجزئري، ما تعانيه القوى الاسلامية من تشظ لمواقفها من مسودة الدستور المقرر الاستفتاء عليها، فوسط تباين لافت في هذه المواقف؛ بين كتلة رافضة رفضاً قاطعاً لمضمون المسودة وأخرى مؤيدة لها، فيما اختارت كتلة ثالثة مقاطعة الاستفتاء وعدم المشاركة فيه. وفي كل من الكتل الثلاث المؤيدة والرافضة والمقاطعة، توجد قوى إسلامية حددت موقفها على أساس قراءات سياسية متباينة، ويطرح انقسام مواقف التيار الإسلامي في الجزائر، في محطة مفصلية تتعلق بالدستور، وليس بانتخابات نيابية أو رئاسية، أكثر من سؤال حول خلفيات هذا الانقسام، والذي بدأ أولاً في مرحلة المشاورات حول الدستور. شاركت أحزاب إسلامية في هذه المشاورات، وقدّمت مقترحات كحركة “مجتمع السلم” وحركة “البناء الوطني”، فيما قاطعتها أخرى، كـ”جبهة العدالة والتنمية” بسبب ما اعتبرته “آلية صياغة الدستور غير التوافقية”.

وتجسّد انقسام مواقف الكتلة الإسلامية لاحقاً عند طرح مسودة الدستور النهائية في البرلمان. ففيما رفضت كتلة حركة “مجتمع السلم”، كبرى الأحزاب الإسلامية، التصويت لصالح المسودة.. فيما صوّت نواب حركة “البناء الوطني” لصالح المسودة، وقاطع نواب “جبهة العدالة والتنمية” جلسة التصويت. وانعكست هذه المواقف في البرلمان على المواقف النهائية التي اتخذتها قوى التيار الإسلامي من الدستور واستفتاء الأول من نوفمبر المقبل. قرّرت حركة “مجتمع السلم” المشاركة في الاستفتاء ودعوة الناخبين إلى التصويت ضدّ الدستور بصيغة الرفض (لا). ووصف رئيس الحركة، عبد الرزاق مقري، في مؤتمر صحفي له هذا الدستور بأنه “ساقط أخلاقياً وسياسياً، ولا يستجيب لمطالب الحراك الداعي إلى التغيير الجذري وتجسيد الإرادة الشعبية”. وسارت حركة “النهضة” الجزائرية في الاتجاه نفسه، وحددت موقفها بالتصويت ضدّ الدستور. كما دعت جبهة “العدالة والتنمية”، والتي يقودها عبد الله جاب الله، إلى التصويت بـ(لا) على الدستور.

في مقابل هذه المواقف، تبرز مواقف لقوى إسلامية أخرى تعتبر أنّ الدستور على ما فيه من علل سياسية، هو مكسب ويمكن أن يكون خطوة أولى لتحقيق مكاسب ومطالب أخرى وإحداث التغيير المطلوب. خطابات قيادات حركة “البناء الوطني” تذهب في هذا الاتجاه، وقد تأسس تصويت نوابها على الدستور على هذا الأساس، بدورها، أعلنت حركة “الإصلاح الوطني” عن موقف داعم للدستور ولخيارات الرئيس عبد المجيد تبون، وإن كانت مواقف هذه الحركة الإسلامية ذات التأثير الضعيف، استمرارا لمواقفها الموالية للسلطة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ثمّ دعمها لتبون حين كان مرشحاً في الانتخابات الرئاسية.

ووصلت الاختلافات والانقسامات داخل البيت الاسلامي، إلى حد التراشق بين كوادر الأحزاب الاسلامية، وذلك لاختلاف المقاربات، فهناك من داخل التيار الإسلامي من لا يزال يؤمن بعطايا السلطة ويراهن على الاقتراب منها، حتى ولو على حساب بعض القضايا الحيوية، كما هو الحال بالنسبة للدستور الذي يكاد يجمع الجزائريون على أنه ليس بمستوى التطلعات، ويمثّل خطراً على بعض قضايا الهوية، إضافة إلى مسألة الحريات والتوازن بين السلطات”.ـ بحسب تقديرات استراتيجية جزائرية، منشورة بجريدة الخبر الجزائرية..

كما أن هناك من داخل التيار الإسلامي أيضاً من يؤمن بأنّ صاحب السيادة هو الشعب والرهان دائماً على البعد الشعبي”، فحركة مجتمع السلم نقدر أن مشروع الدستور فيه رضوخ واستجابة وتمكين لتيار معيّن يضع رجلين في السلطة ولساناً طويلاً في المعارضة، ويمارس الابتزاز مع النظام السياسي ويتقن فنّ تبادل الأدوار؛ فمن جهة يدعو لمقاطعة النظام وكل مخرجاته بما فيها الاستفتاء على الدستور، ومن جهة أخرى يشارك بقوة في الحكومة ويساهم في تمرير مشروع الدستور لأنه يخدم توجهاته ويمثّل له اختراقاً متقدماً، لكن الاختلاف في المواقف وتباينها بين القوى الإسلامية إزاء الدستور، كان متوقعا مسبقاً لعوامل عدة، بعضها تاريخي يرتبط بحالة انقسامات أفقية وعمودية مسّت كل قوى التيار الإسلامي، وانشقاقات شملت الأحزاب الإسلامية منذ عقدين. إذ تعرّضت حركة “مجتمع السلم” عام 2008 إلى انقسام حاد أفرز حزباً آخر هو “جبهة التغيير”، وما لبث هذا الأخير أن عرف انقساماً مجدداً لتتأسّس حركة “البناء الوطني”، وتعود الكتلة المتبقية من “جبهة التغيير” إلى الحركة الأم. أمّا حركة “النهضة”، فقد عرفت تشققات هي الأخرى، وانبثقت منها حركة “الإصلاح الوطني” التي انشقت على نفسها أيضاً ليؤسس عبد الله جاب الله “جبهة العدالة والتنمية”. ومع كل هذه الانشقاقات، كانت المواقف والقراءات السياسية متباينة بشأن كيفية التعاطي مع خيارات السلطة والتعامل مع الأحداث والمحطات السياسية المفصلية.

تناقض مواقف الإسلاميين يعود لمدى قرب وابتعاد هؤلاء عن النظام، فبحسب حديث للباحث بالشان السياسي الجزائري مروان لوناس لـ”العربي الجديد”، “تناقض مواقف الإسلاميين يعود لمدى قرب وابتعاد هؤلاء عن النظام، أي أنّ جزءاً منهم في الموالاة مثل حركة البناء التي ينتسب إليها رئيس البرلمان سليمان شنين، والجزء الآخر محسوب على المعارضة مثلما هو حال حركة مجتمع السلم، أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان بثلاثة وثلاثين نائباً”. ويضيف: “هذا يعني أنه لا علاقة للحسابات الإيديولوجية بتفسير هذا الانقسام والتباين بين القوى الإسلامية التي أطلقت قبل سنوات فكرة التقارب بينها على أسس فكرية وعقائدية، ولكنها اختلفت  لاحقا، تلك الاختلافات  برزت أكثر من مرة وتكررت في المواقف من التعديلات الدستورية التي كان من المفترض أن تجمع كل الإسلاميين في موقف مشترك، لا سيما أنّ هناك مواد تمسّ الهوية والشخصية الوطنية، وهو بُعد حساس في ثقافة الإسلاميين، لكن ذلك لم يحصل لأنّ المحدد الرئيسي هو مدى القرب والبعد من السلطة”.

 

دسترة الإمازيغية

ومن أبرز التحديات التي قد تعمق الانقسامات بالمشهد السياسي ككل، ما نصت عليه المادة الرابعة من الدستور الذي سيحال إلى الاستفتاء الشعبي ، على أن الأمازيغية  لغة وطنية ورسمية، وتشير المادة إلى أن الدولة الجزائرية ستعمل على ترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة عبر التراب الجزائري، من خلال استحداث مجمع خاص بها يوضع لدى رئيس الجمهورية، تسند له مهمة ترقية هذه اللغة، وتضمنت ديباجة الدستور الجزائري مفهومًا دقيقًا للمكونات الأساسية للهوية كما ورد في نصها: “الإسلام والعروبة والأمازيغية التي تعمل الدولة لترقيتها وتطوير كل واحدة منها وتمتد جذور نضالها اليوم في شتى الميادين في ماضي أمتها المجيد”، وهو ما يثير اعتراضات كثيرة، ن بين من تخندقوا في الجبهة المعارضة لدسترة اللغة الأمازيغية في الدستور ، أحزاب إسلامية بينها من أيدت الرئيس عبد المجيد تبون ودافعت عنه كمحطة لإعادة الجزائر إلى السكة الأصلية بعد الحراك الذي أسقط نظام استمر عقدين كاملين من الزمن، فعبد القادر بن قرينة، السياسي الثاني في الجزائر، بحسب نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرى تنظيمها في 12 من ديسمبر الماضي، واحد من الذين امتطوا قارب معارضة دسترة الأمازيغية، رغم إقراره بإيجابيات أخرى تضمنها، وقال إنها تركة مسمومة من زمن العصابة.

وفي بيان نشره على صفحته بموقع فيسبوك، كتب عبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني (حزب سياسي إسلامي “الاخوان المسلمين”): “السلبية الصارخة في هذا المشروع هي الإبقاء على المادة الرابعة كما هي، فرغم أنها من التركة المسمومة لحكم العصابة التي ورثناها من دستور بوتفليقة السالف الذكر، وندرك أنه تم دسترتها بغير حق لأن الجزائر والأمة الجزائرية واحدة وموحدة، بتاريخها ومصيرها وحدودها، وفي رايتها والدفاع عن دولتها وفي دينها وفي لغتها لغة القرآن أنعم بها من لغة. وهي متنوعة في لهجاتها وأنسابها، وفي ألوانها، وفي توجهاتها، وفي مناخها، وثقافاتها، ومع علمنا علم اليقين بأنه لن تكون هناك لغة ثانية في الجزائر لأسباب موضوعية وأخرى دستورية”.

وتابع بقوله: “المادة الرابعة المتعلقة بالأمازيغية، أصبحت مادة صماء، والمادة الصماء لا يوجد تغيير أي حرف منها ولا حتى فاصلة، وهي ليست لغة الآن وإنما فيما بعد حسب ما نصت عليه المادة المقترحة، وفيما بعد هذه لن يسمح المساس بها في الدستور مطلقًا حتى إذا توفرت الشروط لترقيتها (وهي لن تتوفر). هذه هي القراءة الدستورية للمادة حسب فقهاء القانون الدستوري. إلا أن مجرد ذكرها بهذا الشكل تعطي الانطباع أننا أمام لغتين وأمام رايتين وأمام شعبين، وهذا هو المحظور في نظرنا”، تلك الروية يؤمن بها كثيرون من التيارات السياسية العروبية، فيكا قد يلجلأ إليها علمانيون لخلق معركة هوية، قد تنفجر في البلاد بالمرحلة المقبلة…

 

موازين القوى السياسية

وفي ضوء الصعوبات والتحديات التي تواجهها الجزائر، تشكل عملية التعديلات على الدستور عاملا مؤثرا في موازين القوى السياسية، حيث شكل إعلان تبون، حل البرلمان بغرفتيه وتنظيم انتخابات برلمانية قبل نهاية العام الحاليّ محطة حاسمة في المشهد السياسي الجزائري المقبل على تغيير فعلي من شأنه أن يقلب موازين القوى في الساحة السياسية، ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية مباشرة بعد تعديل الدستور في الاستفتاء المقرر 1 نوفمبر القادم، واستبق تبون الاقتراع المرتقب قبل نهاية 2020، بمراجعة قانون الانتخابات الحاليّ الذي ترفضه المعارضة الجزائرية وتراه قانونًا مجحفًا وغير عادل، حيث كلف رئيس اللجنة الدستورية لعرابة برأس لجنة أسندت لها مهام مراجعة القانون العضوي للانتخابات لوضع ضوابط جديدة تحدد الترشيحات لإسقاط التزوير والمال من التداول السياسي إضافة إلى استبعاد الإدارة من العملية الانتخابية.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أقر بيان صادر عن الرئاسة الجزائرية، بوجود نظام “محاصصة سري” في الانتخابات البرلمانية والمحلية، حيث شدد تبون على تحديد مقاييس انتخابية شفافة تقطع نهائيًا ممارسات الماضي السلبية بمنع المحاصصة (الكوتا) في توزيع المقاعد وشراء الذمم والفصل بين المال والسياسة كشروط لا بد منها بالحياة السياسية، وهو ما جرى في الانتخابات النيابية التي جرت في مايو 2017، حيث كشف النائب بهاء الدين طليبة، في رده على أسئلة القاضي بمحكمة سيدي أمحمد بالعاصمة الجزائرية، مؤخرا ،  أن قيمة تصدر قائمة المترشحين في المحافظات (الولايات) كانت تقدر بـ7 مليارات سنتيم أي ما يعادل 400 ألف دولار.

 

سيناريوهات المشهد السياسي:

وبعد اعلان الرئيس  حل “المجلس الشعبي الوطني” (غرفة التشريع) و”مجلس الأمة” (الغرفة البرلمانية الثانية)، وتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة قبل نهاية العام الحاليّ، هناك عدة أسئلة أصبحت تفرض نفسها، ولعل أولها وأبرزها ما ملامح المشهد السياسي مستقبلًا؟ وأي مصير ينتظر الأحزاب التقليدية؟ وهو ما يضع المشهد السياسي امام سيناريوهات عدة:

أولها:  صعود أتباع الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، إلى الواجهة والتموقع من جديد في الساحة السياسية، من خلال استعراض خدماتها على السلطة لإنجاح تمرير الدستور الجديد، وأظهرت أحزاب التحالف الرئاسي الداعم للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي، استعدادها لخوض حملة لكسب تأييد القواعد الشعبية من أجل تمرير الدستور في الاستفتاء الشعبي المرتقب ، وهي المهمة التي تبدو صعبة للغاية بالنظر إلى موقف الحراك الشعبي الذي طالب منذ البداية برحيل أحزاب السلطة وحملها جزءًا من المسؤولية باعتبارها المسؤولة عن تمرير مخططات الحكومات المتعاقبة ومشاريعها عبر البرلمان بغرفتيه، كذلك التحقت منظمات الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، التي كانت وراء ترشحه لولاية رئاسية خامسة، بدائرة الداعمين للدستور الجديد، وأطلق عشرات الناشطين ورؤساء الجمعيات والتنظيمات المدنية تحالفًا جديدًا أطلق عليه اسم “المسار الجديد”، وأظهر استعداده للمشاركة في حشد الشارع.

ثانيها:  صعود التيار المدني بمواجهة الأحزاب ، وفق رؤية تبون، حيث يراهن تبون على “المجتمع المدني” بدل الأحزاب السياسية التي وضعها على جنب، حتى في حملته الانتخابية لرئاسيات 2019 حيث كان مرشحا حرًا ولم يدعمه أي حزب سياسي رغم انتمائه السابق لجبهة التحرير الوطني “حزب الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة”..

ثالثها : صعود الأحزاب الجديدة، وفي نفس التوقيت أعلن قادة أحزاب سياسية وشخصيات وطنية ونقابات مهنية، إنشاء تكتل “القوى الوطنية للإصلاح”، يضم أحزاب مجهرية على غرار جبهة المستقبل وحزب الفجر الجديد إضافة إلى أحزاب أخرى قيد التأسيس كحزب السيادة الشعبية قيد التأسيس برئاسة أحمد شوشان وحركة المجتمع الديمقراطي “حمد” برئاسة خرشي النوي، إضافة إلى حركة “عزم” التي أعلن ميلادها بعد حراك فبراير 2019.

رابعها: صعود تيار المعارضة الاسلامية، حيث تخندقت الأحزاب الإسلامية في الكتلة المعارضة للدستور الجديد كغيرها من الأحزاب العلمانية على غرار التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (أقدم حزب معارض في الجزائر) وجبهة القوى الاشتراكية، وأعلنت حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي)، مشاركتها في الاستفتاء على تعديل الدستور ، داعية إلى التصويت بـ”لا”، وقبل ذلك انسحب نوابها من جلسة التصويت التي جرت بالغرفة الأولى للبرلمان، وعلقت الحركة في مؤتمر صحافي نظمته في مقرها العام بالجزائر العاصمة، على دستور الرئيس الجديد على أنه “ليس دستورًا توافقيًا” وأن ما خلص إليه المشروع التمهيدي لم يراع الاقتراحات الأساسية للفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بحسب تقرير لـ”فرنسا 24″ في 20 سبتمبر الماضي، كذلك أعلنت جبهة العدالة والتنمية (حزب إسلامي) التصويت بـ”لا” على المشروع، ووجه رئيسها عبد الله جاب الله (أحد الوجوه الإسلامية البارزة في الساحة الجزائرية) انتقادات لاذعة للجنة الخبراء التي أشرفت على إعداد المسودة، وقال إن “التيار التغريبي العلماني” سيطر عليها.

 

خاتمة:

وأمام تلك المعطيات، يمكن التنبؤ بأن الجزائر على أعتاب مرحلة إعادة ترتيب المشهد السياسي رغم صعوبة التكهن بطبيعة المشهد القادم بعد الانتخابات البرلمانية المرتقب تنظيمها نهاية العام الحاليّ، وبحسب الإعلامي والمحلل السياسي الجزائري، أحسن خلاص، في تصريح لـ”نون بوست”: “كل الاحتمالات ممكنة ومن السابق لأوانه بلورة مشهد سياسي خاصة أنه لم يتم الكشف عن الطبعة الجديدة من قانون الانتخابات الموجود حاليًّا على طاولة التشريع”.

كما تيرز ترجيحات إمكانية تكرار سيناريو حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يعرف اختصارًا بـ”الأرندي” سنة 1997، فهذا الحزب لم يكن إلا تكتلًا للحركة الشعبية  آنذاك وهو التكتل الذي أنشئ لدعم الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال وقد يعاد السيناريو هذه المرة بعد الانتخابات البرلمانية، وكان الرئيس الجزائري قد أظهر مرارًا وتكرارًا ميوله للمجتمع المدني كبديل للأحزاب السياسية التي لفظها الرأي العام في البلاد.

وهو ما يتطابق مع ما ذهبت إليه تقديرات سياسية ، نقلتها “الاندبندنت”  بأن السلطة الجديدة في الجزائر بدأت تنظر للحركة الشغبية على أنها قوتها الضاربة، وقانون الانتخابات المرتقب سيمكن الحركة الشعبية من المشاركة السياسية إلى جانب الأحزاب، إذ  ستجد منافذ تمكنها من التحول بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة إلى كتلة سياسية جديدة تكون قادرة على منافسة الأحزاب وشبيهة بتلك التي تشكلت قبيل الانتخابات البرلمانية عام 1997.

وسط توقعات أن يعاد النظر في المحطة الانتخابية المقبلة في نظام القوائم الانتخابية المعتمد منذ الانتخابات التي نظمت عام 1997، وهو ما يرجح إمكانية العودة إلى العمل بنظام الأحادية الإسمية بدورين أي سيتم التخلي عن القائمة الولائية، وهذا النظام يكفل بروز شخصيات محلية في البرلمان ضمن الحركة الشعبية بعيدًا عن مظلة الأحزاب السياسية التي سيطرت طيلة العقدين الماضيين من الزمن على مقاعد البرلمان بغرفتيه.

وهو ما يمكن قراءته في وثيقة مسودة الدستور التي سيصوت عليها الجزائريون، حيث تنص المادة 103 في مشروع تعديل الدستور على أن الحكومة تتكون من الوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة، ومن الوزراء الذين يشكلونها، وفي حالة إذا أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، يعين رئيس الجمهورية وزيرًا أول ويكلفه بتشكيل حكومة وإعداد مخطط عمل لتنفيذ البرنامج الرئاسي، أما في حالة اختيار الصندوق لأغلبية برلمانية، فإن الدستور يحفظ لرئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيس للحكومة على أن يكون من الأغلبية البرلمانية، بشرط أن يعد برنامج الأغلبية البرلمانية”، بحسب ربيعة خريس، الباحثة الجزائرية، والتي ترى أن استفتاء التعديل الدستوري أول امتحان حقيقي للرئيس تبون الذي ربط تطبيق برنامجه الانتخابي وتحقيق “الجزائر الجديدة” التي يسعى إليها بالموافقة على الدستور الجديد لكن الاستنجاد بالمجتمع المدني قد تكون له عواقب سلبية، بالنظر للماضي المشين للعديد من الجمعيات التي شوهت العمل التطوعي  في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بتحول بعضها  لتنظيمات للمساندة المطلقة لعمليات الفساد التي تمت في السنوات العشرين الماضية، مقابل الاستفادة من مليارات الدينارات التي أنفقت عليها دون حسيب ولا رقيب.

ولنجاح هذه المهمة التي أوكلت للمجتمع المدني، تكون السلطة مجبرة على تقديم وجوه جديدة لشرح مشروع تعديل الدستور، والتخلص من الخطاب القديم الذي صار لا يقنع أحدًا، غير أن تحقيق ذلك لا يبدو سهلًا بالنظر إلى أن الحرس القديم المسيطر على النشاط العام لا يريد ترك الساحة للوافدين الجدد، فقد بدأ بعضه يبحث عن تموقع جديد بوجوه جديدة، خاصة وهو يعلم أن الأساس الداعم للسلطة الجديدة في البلاد لا يزال غير متين، وفي حاجة إلى قوة لها تجربة تدعم خططه خاصة في الوقت الحاليّ.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء مل…