‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان دراسة: اتفاق التطبيع السوداني _الصهيوني… دوافعه وتداعياته الداخلية والاقليمية
السودان - نوفمبر 2, 2020

دراسة: اتفاق التطبيع السوداني _الصهيوني… دوافعه وتداعياته الداخلية والاقليمية

 

الخرطوم عاصمة اللاءات الثلاث (لا سلام، لا مفاوضات، لا اعتراف) تنضم أخيرًا لقطار التطبيع، لتقدم نفسها قربانًا لدونالد ترامب الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في انتخابات 3 نوفمبر، وقد فتح التطبيع المعلن لكلاً من الإمارات والبحرين الباب علي مصراعيه أمام بعض الأنظمة في المنطقة للركض خلف التطبيع، هرباً من فشلها في إدارة أزماتها الداخلية، وسعياً لإرضاء السيد الأمريكي.

أعلنت السودان وإسرائيل والولايات المتحدة عن بدء عملية تطبيع تدريجية بين السودان وإسرائيل، وإنهاء حالة العداء بين بلديهما، بحسب ما جاء في بيان مشترك صادر عن الدول الثلاث، اتفاق التطبيع غير المعلن حتى اللحظة، يتضمن تقديم مساعدات قيمتها مليارات الدولارات وحصانة محتملة لكبار الشخصيات العسكرية السودانية، و بدء العلاقات الاقتصادية والتجارية، مع التركيز على الزراعة والتعاون في مجال التكنولوجيا والطيران وقضايا الهجرة وغيرها من المجالات.

وقد جاء الاتفاق عقب زيارة وفد أمريكي إسرائيلي رفيع إلى السودان في وقت سابق الأسبوع قبل الماضي، لمناقشة التطبيع بين البلدين، حسبما صرّح مسؤولان سودانيان بارزان لوكالة «أسوشيتد برس»، حيث التقى الوفد الذي ضم القائم بأعمال المدير العام لمكتب نتنياهو، رونين بيرتس، ومدير شؤون الخليج في مجلس الأمن القومي الأمريكي، اللواء ميجيل كوريا، باللواء عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي الانتقالي في السودان، وأحد كبار مستشاري رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك.

 

كواليس اتفاق  التطبيع

وبحسب مسشتشار لرئيس وزراء السودان، تحدث لـ”مدى مصر”، فإن كل ما حدث في الأيام الأخيرة تم الاتفاق عليه منذ فترة في اجتماع عُقد في الإمارات، في 23 سبتمبر الماضي، حضره مندوبو الدول الأربع “الولايات المتحدة والسودان وإسرائيل والإمارات”، مضيفًا  «طالب السودان بثلاثة مليارات دولار مساعدات على شكل مواد وغذاء وأدوية ووقود، مقابل موافقته على التطبيع، وعرضت الإمارات، التي تلعب دور الوسيط، دفع 600 مليون دولار “للمساعدات العامة”، ورفض حمدوك في البداية إدراج التطبيع مع إسرائيل في الصفقة، لكنه قبل لاحقًا عندما زادت الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة من حجم المساعدات التي ستمنحها للسودان -وهي أموال ضرورية للمساعدة في دعم اقتصاد البلاد المتعثر وخطط حمدوك للتنمية.

وكان حمدوك يرى أن يتم التطبيع عبر عملية تدريجية على مدى زمني يصل إلى عامين، حيث سبق وأن أبدى حمدوك ملاحظة مماثلة سابقًا، عندما أخبر بومبيو أثناء اجتماع بالخرطوم في أغسطس أن الحكومة الانتقالية «ليست مخولة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل»، مشيرًا إلى أن مثل هذه الخطوة يجب أن تأتي بعد تشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيًا. ومع ذلك، يبدو أن رئيس الوزراء أقل قلقًا بشأن رد الفعل العكسي المحتمل الذي قد يحدثه مثل هذا القرار الآن. بحسب المسؤول السوداني، أخبر حمدوك المقربين منه أن قادة تحالف الحرية والتغيير، الهيئة المدنية الجامعة التي دافعت عن الثورة وقادت المحادثات مع الجيش لتشكيل الحكومة الانتقالية، أصبحوا أكثر مرونة وأنهم لن يتخذوا موقفًا قويًا ضد الاتفاق كما كانوا سيفعلون من قبل.

وخلال اجتماع في بداية أكتوبر الماضي لمناقشة التطبيع مع إسرائيل، أخبر السفير السوداني لدى الولايات المتحدة، نور الدين ساتي، القادة السياسيين السودانيين المجتمعين في الولايات المتحدة أن «رئيس الوزراء يساند التطبيع ويعتبره خطوة جيدة، لكن هناك رغبة قوية في تحقيق ذلك تدريجيًا خلال الفترة الانتقالية»، وفي السياق ذاته، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن زيارة نادرة قام بها وفد إسرائيلي إلى العاصمة السودانية الخرطوم، الأربعاء الماضي، وأيضا، قال موقع “واللا” العبري إن طائرة إسرائيلية حطت في العاصمة السودانية الخرطوم، في إطار الاتصالات الجارية لتطبيع العلاقات، ولم يكشف الموقع تفاصيل بشأن من كانوا على متن الطائرة، التي قال إنها عادت إلى تل أبيب بعد ساعات، واتفقوا على بدء علاقات اقتصادية وتجارية بين الخرطوم وتل أبيب، تنطلق في مراحلها الأولى من المجال الزراعي.

وبموازة ذلك، أعلن رجل الأعمال السوداني أبو القاسم بُرطم عن تنظيمه رحلة شعبية إلى إسرائيل، تضم 40 رجلًا يمثلون فئات المجتمع السوداني، في سياق تعجيل وتيرة تطبيع العلاقات مع تل أبيب، معلنا إنه سينفق 160 ألف دولار على الرحلة، وتستغرق 5 أيام في نوفمبر المقبل، وذلك بغرض كسر الحاجز النفسي بين الشعبين السوداني والإسرائيلي، معتبرًا أن السودان خضع إلى “استلاب ثقافي”، وفق تعبيره، امتد إلى 60 سنة، وأيًا كانت مسببات هذا الاستلاب؛ ثقافي أو ديني أو أيديولوجي، لكنه خلق بُعبُعًا داخل السودانيين وعداءً غير مبرَّر تجاه دولة إسرائيل، بحسب تصريحاته الصحفية التي نقلها “موقع سودانيل” السوداني

 

تاريخ العلاقات السودانية الاسرائيلية

وللوقوف على طبيعة التطور الأخير في مسار التطبيع الصهيوني السوداني، يتوجب الوقوف عند تاريخ العلاقات والمواقف بين الطرفين، محل اتفاق التطبيع، فبعد أسابيع قليلة من حرب النكسة في 5 يونيو 1967، استضافت الخرطوم القمة العربية في أغسطس وسط حالة يأس كبيرة في الأوساط السياسية والشعبية والعربية عقب الهزيمة في الحرب. غير أن الحكومة السودانية في ذلك الوقت تحت قيادة الأب الروحي لاستقلال البلاد، إسماعيل الأزهري، ورئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب، استطاعت جمع القادة العرب في قمة تاريخية أعادت الروح المعنوية للقضية وللشعوب العربية. وخرجت القمة بمقررات رافضة لكل ضغوط الاستسلام لإسرائيل ووقّعت على لاءاتها الثلاث، تلك اللاءات التي أعطت للخرطوم رمزيتها الخاصة منذ ذلك الوقت في خريطة القضايا العربية. واستتبعها السودان بخطوات رمزية أخرى منها، مشاركته في كثير من حروب التحرير وأهمها حرب العبور في أكتوبر 1973، إذ شاركت وحدات من الجيش السوداني إلى جانب الجيشين المصري والسوري، حتى تحقق النصر الذي انتهى بتدمير خط بارليف.

وبعد سنوات من تلك المواقف، اتخذ السودان في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، موقفاً رافضاً للمقاطعة العربية لمصر بعد دخولها في عام 1978 في اتفاق سلام مع إسرائيل، واحتفظت الخرطوم بعلاقاتها مع القاهرة قبل كامب ديفيد. وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي، بدأ نميري نفسه بالتواصل مع إسرائيل وعقد اجتماعاً مباشراً مع وزير الاستخبارات حينها أرييل شارون، في العاصمة الكينية نيروبي، واتفقا على إكمال صفقة ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر الأراضي السودانية. كما أنشأت الحركات المتمردة في جنوب السودان، قبل انفصاله في الستينيات والثمانينيات والتسعينيات علاقة مع دولة الاحتلال، للحصول على دعم عسكري وسياسي، ولم يكن من بين الأحزاب السياسية في السودان أي حزب يقرّ أو يطالب بإقامة علاقات مع إسرائيل، سوى حالة استثنائية تتعلق بالحزب الجمهوري، الذي أسس زعيمه محمود محمد طه للفكرة من منظور ديني قبيل إعدامه عام 1985 بتهمة الردة عن الدين.

أما الرئيس المعزول عمر البشير، المدعوم من الحركة الإسلامية، فبدأ أعوامه الأوائل متشدداً تجاه القضية الفلسطينية واستضاف معظم حركات المقاومة في الخرطوم عبر واجهة المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، تحت قيادة الراحل حسن الترابي. كما دعم نظام البشير في فترة من الفترات حركة “حماس” بالسلاح وسهل لها، حسب كثير من المصادر، تهريبه عبر الصحراء وسواحل البحر الأحمر مروراً بأنفاق سيناء وصولاً إلى قطاع غزة. وقد تعرضت عدد من القوافل لهجوم إسرائيلي في شمال السودان وشرقه، إضافة إلى تدمير مصنع اليرموك للسلاح في العاصمة الخرطوم عام 2012، بحجة أن المصنع ينتج أسلحة تذهب للمقاومة الفلسطينية.

في السنوات الأخيرة أوقف نظام البشير تلك التسهيلات بعد تزايد الضغوط الدولية والإقليمية عليه، وبدأ حديث عن اتصالات سرية مع إسرائيل، لكن الخرطوم وفي أكثر من مناسبة نفت تلك الأحاديث. فيما برزت أصوات داخل التيار الحاكم تدعو إلى التطبيع مع إسرائيل منها قيادات سياسية وإعلامية بارزة، ووثق موقع “ويكيليكس” لبعض الاجتماعات السودانية الأميركية في هذا الصدد.

وفي 11 إبريل العام الماضي، أطاحت ثورة شعبية بنظام البشير، وتكونت شراكة بين العسكر والمدنيين تمخض عنها تشكيل مجلس للسيادة وحكومة مدنية. وبعد أقل من 6 أشهر فاجأ رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان جميع الأوساط السياسية بلقاء جمعه برئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بمدينة عنتيبي الأوغندية، مطلع فبراير الماضي، وجد اللقاء ونتائجه معارضة واسعة من الحكومة المدنية وقوى “إعلان الحرية والتغيير” الحاكمة ومن تيارات سياسية أخرى لا سيما التيارات الإسلامية. ودامت تلك المعارضة نحو 10 أشهر، لكنها لم تصمد بعد ذلك أمام الضغوط الدولية والإقليمية، وأمام حافز رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأميركية التي صنف بها في عام 1993 خلال سنوات حكم البشير. وبقي إصرار المكون العسكري على التطبيع كما هو لما ينتظر من مكاسب من تلك الخطوة، ووصلت درجة الجرأة بنائب رئيس مجلس السيادة، قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى التأكيد بأنهم سيطبّعون من دون خوف من أي جهة، وانتهى كل شيء بإعلان ترامب نيّة السودان وإسرائيل إقامة علاقات بينهما، كما جمع ترامب، نتنياهو في مكالمة هاتفية مع البرهان ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، لتتكشف أشياء كثيرة بعد أشهر من محاولات التعمية والتمويه. ولم تتضح التفاصيل والبنود الكاملة أو حتى القصة الكاملة. وبتلك القفزة أو المغامرة يتم تسجيل أكبر تحول سياسي في السودان.

 

دوافع لسودان نحو التطبيع

ولعل من أبرز الدوافع التي حفزت السودان نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، ما تعيشه البلاد من أزمات متلاحقة، منذ الاطاحة بحكم البشير…ويمكن اجمال ابرز الدوافع في التالي:

-أزمة تعثر  المسار الديمقراطي:

حيث يسير السودان على طريق هش نحو الديمقراطية، نتيجة انقسامات بين الجناحين العسكري والمدني للحكومة الانتقالية، التي تشكلت عقب انتفاضة شعبية أدت العام الماضي إلى الإطاحة بعمر البشير. وجرت مناقشة محاولة إجراء الانتخابات في أواخر 2022، وهو ما مكن القيادات العسكرية والمدنية من السير مطمئنين، في اتجاه التطبيع المرفوض شعبيا ودستوريا.

 

-الصراع على السلطة بين منظومة الحكم:

ولعل المضي في خطوة كهذه لا يمكن لها أن تتم في حال عدم وجود قيادات داعمة لها، ومنذ إعلان الإمارات عن اتفاقها مع دولة الاحتلال توجهت الأصابع مباشرة إلى الخرطوم حيث العلاقات القوية التي تربط بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وجنرالات السودان وعلى رأسهم محمد حمدان دقلو “حميدتي” قائد قوات الدعم السريع، الذي كان رجل الأمير الإماراتي في إفريقيا لتنفيذ أجندته الخارجية، ومن بين أدواتها المشاركة في حرب اليمن وتزويد جيش المرتزقة الإماراتي بالجنود الأفارقة، بحسب تقدير استراتيجي، للباحث عماد عنان، بـ”نون بوست”، الأمر ذاته ينطبق على رئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان، الذي تربطه علاقات قوية بالنظام الإماراتي والسعودي على حد سواء، فالرجل الذي يطمح في ولاية الحكم في بلاده لا يتوانى عن تقديم قرابين الولاء والطاعة لحلفائه الداعمين والممولين له خليجيًا، أحلام الحكم والسلطة التي تهيمن على الجنرالين، البرهان وحميدتي، حولتهما إلى أداة في أيدي مراهقي الحكم في الرياض وأبو ظبي، فباتا رقمًا في قائمة الإستراتيجيات المستخدمة لتعزيز نفوذهما داخل القارة الإفريقية، هذا بجانب استغلالهما لتعظيم حضورهما العسكري ضد ميليشيات الحوثي المدعومة إيرانيًا في اليمن.

ورغم أن رئيس الحكومة الانتقالية، حمدوك، آت من رحم الثورة التي رفعت شعارات دعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع، فإنه وأمام الضغوط التي تواجهه وجد نفسه مضطرًا للانضمام إلى القافلة، فبات الضلع الثالث لهذا الثالوث المتصهين الذي أسقط البلاد في أتون التطبيع، بجانب الترويكا السودانية، يأتي دور رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الحليف القوي لـ”إسرائيل”، ربما يكون له دور أيضًا في دفع حمدوك إلى الولوج في هذا المستنقع، في ضوء مبدأ البرغماتية والميكافيللية التي يرتكن إليها الرجل في سياساته الخارجية، هذا في الوقت الذي يعاني فيه السودان من أوضاع اقتصادية متدنية، ربما تكون كفيلة بالإطاحة برئيس الحكومة من منصبه حال تعاظم الرفض الشعبي والاحتجاجات التي تزايدت وتيرتها يومًا بعد الآخر.

 

-الأزمة  الاقتصادية:

وبحسب الباحث عمر كوس، في مقاله “تصحيح مسار الثورة السودانية”،بالعربي الجديد، ” أوضاع الناس في السودان  لم تتحسّن كما كانوا يأملون، على الرغم من مرور أكثر من عام على إطاحة الثورة السودانية نظام الرئيس عمر البشير في إبريل 2019، حيث ما يزال الشعب السوداني يعاني أزماتٍ معيشية متفاقمة، تطاول قوته اليومي، ومستلزمات حياته اليومية وأساسياتها من خبز ووقود وكهرباء، فضلاً عن البطالة المقيمة بين أوساط الشباب وارتفاع نسبة التضخم وسوى ذلك، وقد بلغ معدل التضخم السنوي 200% في سبتمبرالماضي، وانخفض الجنيه السوداني من 82 إلى 262 جنيهًا مقابل الدولار منذ تولي الحكومة الانتقالية الحالية السلطة قبل 13 شهرًا، كما لا  يزال الحراك الاجتجاجي في السودان يطالب بالانتقال نحو الحكم المدني، لكن العسكر يناورون في وقتٍ تشهد غالبية السودانيين تدهورا سريعاً في حياتهم المعيشية ولم تستطع الحكومة الانتقالية التي نتجت عن تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين تقديم الكثير للسودانيين، في ظل تحكم العسكر في مفاصل مهمة من السلطة، فالبرامج الإصلاحية الاقتصادية والسياسية التي أطلقها رئيس الحكومة الانتقالية، عبد الله حمدوك، لم تأت أكلها، إذ ما يزال الاقتصاد السوداني يعاني من نسبة تضخم غير مسبوقة تجاوزت 210% في سبتمبر الماضي، مع توقع انكماش اقتصادي قد يتجاوز نسبة 8% خلال العام الجاري.

وإلى جانب أن أموال المساعدات ستكون حيوية لدعم الاقتصاد السوداني المتعثر، وجنرالاتها يعلمون جيدًا أن قرار التطبيع هذا ربما يكون الفرصة الأخيرة لهم لإنعاش خزائن بلادهم وتجنب الهبة الشعبية بسبب تدني الأوضاع المعيشية، هذا بجانب الإغراءات المالية والسياسية التي ربما يتعرضون لها من عواصم الخليج وواشنطن وتل أبيب في آن واحد، وهو ما أسال لعاب الثلاثة نحو الإطاحة باللاءات الثلاث التي اشتهرت بها الخرطوم في القمة العربية التي استضافتها بعد نكسة 1967ما يعد انتصارًا كبيرًا يحسب لنتنياهو وحكومة الليكود لا سيما أن لهذا الاتفاق على وجه الخصوص رمزية سياسية وعسكرية كبيرة.

 

-رغبة العسكريين في الحصانة القضائية الدولية:

حيث إن الجناح العسكري للحكومة، وخاصة البرهان ومحمد حمدان دقلو «حميدتي»، يتطلع إلى التطبيع لتجنب الملاحقة القضائية من جانب المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تورطت فيها حكومة البشير، وفي سياق استخدام واشنطن الجزرة والعصا، أبلغ وزير الخارجية الأمريكي بومبيو البرهان أنه سيكون هناك ضغط أمريكي قوي لإعفاء حميدتي والبرهان من أي محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية. وخلال زيارة إلى السودان، التقطت صورة للمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بن سودا وهي تصافح حميدتي، الذي قاد الميليشيات التي نفذت سياسة الأرض المحروقة في دارفور بأمر من البشير، وكان شخصية بارزة في جرائم الحرب في دارفور إلى حد ورود اسمه في طلب المحكمة الجنائية الدولية لعام 2008 باعتقال البشير.

 

تداعيات الاتفاق

استياء سياسي داخلي

بيانات استنكار عدة أصدرتها عدد من الأحزاب والكيانات السياسية السودانية لرفض الاتفاق ، وسط مؤشرات بشأن تدشين جبهة سياسية لمجابهة التطبيع والتصدي لمساعي التقارب مع تل أبيب على حساب القضية الفلسطينية، البداية كانت من داخل الائتلاف الحاكم “قوى الحرية والتغيير” حيث أصدرت كتلة “تحالف قوى الإجماع الوطني” بيانًا اتهمت فيه السلطة (المجلس السيادي والحكومة) بخرق المواثيق المتفق عليها والخروج عن ثوابت ومرتكزات الدولة فيما يتعلق بموقفها من القضية الفلسطينية والمحتل الإسرائيلي. وأشار البيان الصادر عن الكتلة التي تضم عددًا من الأحزاب منها الحزب الشيوعي والبعث والناصري، إلى المواقف السابقة لرئيس الحكومة الانتقالية، عبد الله حمدوك، التي رفض فيها الربط بين شطب اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب والتطبيع مع “إسرائيل”، هذا بخلاف التصريحات التالية لتوليه المسؤولية سبتمبر قبل الماضي التي كانت ترفض أي خطوات من شأنها التقارب مع تل أبيب.

وفي أول تحرك شبه رسمي لوح حزب “الأمة” القومي برئاسة الصادق المهدي، بإمكانيه اللجوء لسحب تأييده للحكومة الانتقالية، إذا استمرت في هذا الدرب، لافتًا إلى أن موقفه واضح وصريح تجاه التطبيع وهو الموقف الذي يتماشى مع الموقف العظيم والتاريخي للشعب السوداني. الموقف ذاته تبناه حزب “المؤتمر الشعبي” الذي أسسه الراحل حسن الترابي، الذي أكد أن مباحثات تشكيل جبهة عريضة ضد التطبيع بدأت منذ وقت مبكر، وسترى النور قريبًا، مضيفًا أن تلك الجبهة ستضم الكثير من القوى والتيارات ذات الميول السياسية المتباينة، وهو الاتجاه الذي ذهب إليه “الحزب الشيوعي” كذلك الذي أكد على لسان قادته أنهم سيعملون بكامل طاقتهم لإفشال مخطط التطبيع الذي يعد ضربة قوية بحق الثورة السودانية.

ويذهب الداعمون لفكرة تدشين هذه الجبهة المعارضة إلى احتمالية انضمام تيارات إسلامية، سلفية وصوفية، بما فيها تيار الإخوان المسلمين، لما تحتاجه البلاد في الوقت الراهن من توحيد صفها الداخلي وتعاظم تماسكها السياسي والديني في ظل التدخلات الخارجية القوية والضغوط التي تتعرض لها الخرطوم من بعض العواصم لا سيما الخليجية وحلفائها. وسط ترجيحات بأن تشهد الأيام المقبلة تظاهرات شعبية واحتجاجات ميدانية منددة بسياسات السلطة الانتقالية في البلاد، التي كانت سببًا رئيسيًا في تزايد حالة الاحتقان ضدها عقب فشلها في تحقيق الحد الأدنى من مطالب ثورة ديسمبر، هذا بجانب تخليها عن الثوابت الوطنية والرضوخ لإملاءات العواصم الخليجية والغربية .

 

تغييرات مجتمعية نحو العلمنة والتغريب

ولعل سياق التطبيع مع الصهاينة، وما يمثله من انقلاب سياسي ومجتمعي سوداني، يحتاج الى تغييرات مفصلية في بنية الحياة السودانية، بكافة أشكالها وفاعليها وبيئة السودان ككل، وهو الأمر الذي يتطابق مع ما ذهب إليه ، حميدتي، يوم السبت 24 أكتوبر الجاري، بتأكيده   أن ” السودان  بحاجة لتجديد “حياتها الدينية والسياسية” حتى تعيش بسلام”. وكشف حميدتي ، خلال مؤتمر نظمته وزارة الأوقاف السودانية بالعاصمة الخرطوم، تحت عنوان “الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر”: “نحن بحاجة إلى تجديد حياتنا السياسية، والدينية والاجتماعية حتى نعيش في سلام ديني وسياسي واجتماعي وفكري” مضيفا- حسب وكالة الأنباء السودانية، “ندعو علماءنا لمواجهة أصحاب الأفكار المتطرفة التي تدعو للغلو، وتنمي الأحقاد والكراهية تجاه الآخر الذي يخالفنا في الدين أو القبيلة او الجهة” وهو نفس اسيناريو الذي سار عليه السيسي منذ انقلابه العسكري في مصر، في 2013، وفق المخطط الصهيو أماراتي، لعلمنة وتغريب المنطقة العربية، باتجاه مضاد للاسلام السياسي. تلك التصريحات جاءت متوافقة تماما مع ما أعلنه وزير الخارجية السوداني المكلف، “عمر قمر الدين”، الجمعة،بأن الحكومة الانتقالية وافقت على تطبيع العلاقات مع اسرائيل، وبهذا تكون السودان الدولة العربية الخامسة التي تبرم اتفاقية تطبيع مع إسرائيل، بعد مصر (1979)، والأردن (1994)، والإمارات والبحرين في 15 سبتمبر الماضي .

 

تحقيق المصالح الاسرائيلية على حساب السودان

ولعله من أبرز التداعيات التي تنعكس على المشهد السواني، وتمثل خطورة خالة بالبلاد المضطربة بالأساس، هو تحقق المصالح الاسرائيلية أولا، ووفق ما يراه المحلل السياسي محمد عبد السيد، في حديث لـ”العربي الجديد”، مصالح ترتبط بالموقع الجيوسياسي والاستراتيجي للسودان، وهو موقع تتهافت كل القوى الدولية والإقليمية عليه. وأوضح عبد السيد أن كل همّ الحكومة السودانية الحالية وسابقتها انحصر في ملف إزالة السودان من قائمة الإرهاب. كما أن المفاوض في الفترة الأخيرة، بداية من البرهان، جلس على طاولة التفاوض مع نتنياهو بلا تحضير، واستناداً فيما يبدو لاتصالات سابقة قادتها الدبلوماسية الراحلة نجوى قدح الدم. وأشار إلى أن الحكومة بشقيها العسكري والمدني لم تبين مكاسب السودان من الصفقة الأخيرة باستثناء الحصول على التقنية الزراعية والمعاملات التجارية مع إسرائيل، وتلك يمكن الحصول عليها من كثير من بلدان العالم وليست حكراً على إسرائيل.

بينما يخشى البعض من بنود سرية في الاتفاق السوداني ـ الإسرائيلي، على شاكلة ما أوردته مجلة “فورين بوليسي” عن بند مقترح بإعادة توطين اللاجئين بما يغير من ديمغرافية السودان، وهو مقترح مبهم لم تنفه الخرطوم. بجانب ما يمكن ان يشمله الاتفاق نصاً أو ضمناً أدواراً يقوم بها السودان لصالح إسرائيل أو أميركا في الفترة المقبلة. بجانب ما يحققه التطبيع من بعد معنوي، في التطبيع مع عاصمة اللاءات الثلاث،فيما دولاً في محيط السودان تطبع علاقاتها مع تل أبيب منذ سنوات ولم تتحول الى جنان في الأرض كما يتوهم كثيرون. ووفق تقديرات استراتيجية ، للباحث الفلسطيني، صالح النعامي، بـ”قدس برس” فاتفاق التطبيع يزخر بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للصهاينة ، فبخلاف الإمارات والبحرين اللتين لم تشاركا في أي حرب مع إسرائيل، فإنّ هناك حسابا مفتوحا بين تل أبيب والخرطوم، على اعتبار أنّ الجيش السوداني شارك إلى جانب الجيش المصري في الحروب التي دارت بين إسرائيل ومصر، كما يقول الكاتب الإسرائيلي جاي إيلستر في تحليل نشره موقع “وللا” لكن إيلستر يشير بشكل خاص إلى الأهمية الرمزية للتوقيع على اتفاق تطبيع مع السودان تحديداً، على اعتبار أنّ عاصمته احتضنت القمة العربية في عام 1967، والتي أعلن فيها العرب اللاءات الثلاث: لا سلام، لا مفاوضات، لا اعتراف.

كما أن اتفاق التطبيع مع إسرائيل سيفضي إلى تراجع علاقة السودان بتركيا، التي تعد في حال مواجهة مع كل من السعودية والإمارات وإسرائيل، وهو ما يمثل مصلحة لتل أبيب. لكن أهم مصالح إسرائيل الاستراتيجية ذات الطابع الأمني والعسكري المباشر في التطبيع مع السودان، تتمثل في أنه يحسن من قدرة تل أبيب على سد منافذ إمداد المقاومة في قطاع غزة بالسلاح، على اعتبار أنّ إسرائيل تدعي أنّ السودان يعد ساحة لنقل السلاح من إيران وليبيا إلى غزة. وهو ما أشار إليه الباحث الاسرائيلي، إليئور ليفي، الذي يرى أنّ حركة “حماس” الفلسطينية ستكون أحد أكثر الأطراف تضرراً من اتفاق التطبيع بين السودان وإسرائيل، إلى جانب ذلك، فإنّ اتفاق التطبيع مع السودان يحمل في طياته فرصة لتمكين حزب “الليكود” الذي يقوده بنيامين نتنياهو من تقديم “إنجاز” يحسّن مكانته الداخلية، في ظل تعاظم المظاهرات التي تطالب باستقالة نتنياهو، ووفق قناة التلفزة الإسرائيلية الرسمية “كان”، فإنّ إسرائيل ستسعى للشروع في مفاوضات مع السودان لضمان استيعاب طالبي اللجوء من السودان، وفي حال اتفقت الخرطوم وتل أبيب على خطوة من هذا القبيل، فإنّ “الليكود” سيوظفه على الصعيد الداخلي، وتحديداً في الحملات الانتخابية، على اعتبار أنّ الحزب أخذ على عاتقه “تخليص” إسرائيل من مشكلة طالبي اللجوء الأفارقة، وتحديداً السودانيين.

وقد سبق أن وصفت وزيرة المواصلات الإسرائيلية الليكودية ميري ريغف، طالبي اللجوء السودانيين الذين يتواجدون في منطقة جنوب تل أبيب، بأنهم “سرطان” ووفق شبكة “فلسطين الأخبارية”،  نشرت وزارة الاستخبارات الإسرائيليّة،  تقريرًا يغطّي المصالح الإسرائيليّة في السودان خلال السنوات المقبلة، أبرزت فيها أساسًا القضايا الأمنية والعسكريّة واللاجئين والسياحة، لكن فوق السودان إلى دول أخرى، وليس السياحة في السودان نفسه، أما في مجال السياحة، فكان لافتًا أن لا سياحة إسرائيليّة وشيكة في السودان، إنما الاستفادة الخالصة هي إسرائيليّة، لتقصير الرحلات الجوية إلى أهداف في أفريقيا مثل أثيوبيا وجنوب أفريقيا أو أميركا اللاتينيّة، وقلّل التقرير من السياحة داخل السودان، قائلا إنها “غير متطورة ومحدودة جدًا بسبب الوضع الأمني والتشريعات الإسلامية التي كانت متّبعة حتى وقت قريب”.

وفي الاطار نفسه، باتت  سماء السودان مفتوحة لإسرائيل، وهذا يسمح برحلات مباشرة وأقصر بين إسرائيل وأفريقيا وأميركا الجنوبية، وكان نتنياهو قال أمام قيادات اليهود الأميركيين في فبراير الماضي، إن الطائرات التجارية الإسرائيلية بدأت تطير في أجواء السودان نتيجة الاجتماع المهم الذي عقده مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، مطلع فبراير 2020م، ويرجع سر طلب إسرائيل لأجواء السودان في موقع البلاد الجغرافي المناسب لعبور الطائرات الإسرائيلية إلى أميركا اللاتينية، فالموقع الإستراتيجي للسودان يجعله أفضل ممر جوي يربط الممرات الشرقية والغربية لقارات العالم، بما يوفر ساعات طيران ووقودا للطائرات الإسرائيلية، وكانت سلطة الطيران السودانية نفذت عملية لإعادة ترسيم المسار الجوي عام 2018 رفعت الممرات الجوية من 18 إلى 42 ممرا تمكّن الطائرات العابرة من بلوغ وجهاتها بأقل تكلفة وأقصر طرق وأكثرها سلامة.

وتبرز أهمية السودان لشركات الطيران الإسرائيلية من واقع بنية تحتية منتشرة تتمثل في ستة رادارات و14 نقطة اتصال مرتبطة بالأقمار الصناعية، مكنته من احتلال المرتبة الثانية أفريقيًّا في الملاحة الجوية بعد جنوب أفريقيا، أي أن المجال الجوي السوداني مؤهل فنيا، وأن مركزه الملاحي مطلوب من أي دولة لخدمة طائراتها ومخاطبتها صوتيا وإلكترونيا لإرشادها إلى المسارات الجوية، ويروي الأمين العام السابق لغرفة النقل الجوي في السودان “عمر علي عبد الماجد” في تصريحات إعلامية، مؤخرا، كيف حاولت إسرائيل في وقت سابق عبر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) تغيير مسار “الممر الأحمر” المار بالسودان، لكنها فشلت لارتفاع تكلفة الطيران خارجه، ويشير عبد الماجد في حديثه لـ”الجزيرة نت” إلى أنه في حال تطبيع العلاقات فإن إسرائيل التي كانت محرومة من الممر الأحمر ستستفيد، لأن رحلاتها إلى الجنوب الأفريقي كانت تكلفها عشر ساعات إضافية بتحاشيها أجواء السودان، وكانت الطائرات الإسرائيلية تقلع من تل أبيب وتضطر للطيران عبر تشاد أو موريتانيا وصولا إلى كمبالا أو نيروبي أو جوهانسبرغ، لكنها الآن تعبر إلى مصر والسودان ومنه إلى أقصى نقطة في جنوب القارة الأفريقية..

 

تهديد الأمن القومي العربي

وعلى صعيد الأمن القومي العربي، يبقى العرب هم الخاسر الاكبر، حيث يتوسع الاختراق الاسرائيلي مجالات ابعد ومناطق اوسع ، على طول الخريطة العربية..مما يغير قواعد اللعبة السياسية في الشرق الاوسط ككل، لصالح الكيان الصهيوني، بحسب الكاتب الاردني عمر عياصرة، بالقدس العربي، فمع إبرام اتفاق التطبيع، تفقد القاهرة الدور الذي تتمتع به لعقود من الوساطة في العلاقات بين الدول العربية و(إسرائيل)، وربما تفقد مصر أيضا ما يسمى بالبطاقة الفلسطينية، حيث كانت مصر هي المرجع لكل الفصائل الفلسطينية وقامت غالبا على ترتيب وقف إطلاق النار بين (إسرائيل) و”حماس” في غزة، فضلا عن اجتماعات المصالحة بين “فتح” و”حماس” في القاهرة. وجدير بالذكر هنا أن المحاولة الأخيرة للمصالحة حدثت في إسطنبول وليس في القاهرة. بل ما ستشهده المنطقة العربية، سيكون بلا شك ابعد من ذلك، فسيتم تفكيك نظام الأمن القومي العربي بأكمله، بكل أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية. فمثلا، مصر، وطوال أعوام المواجهة مع (إسرائيل)، لعبت مصر الدور الرئيسي في تحديد ردود الفعل العربية بالرغم من اختلافها مع هذه الدولة العربية أو تلك، لكن هذا الوضع لن يستمر. وتطمح (إسرائيل) لتحل محل مصر في قيادة المنطقة العربية وفق معادلات جديدة تقضي على كل مؤسسات العمل العربي المشترك وعلى رأسها جامعة الدول العربية نفسه، التي للتو لم تجد نظام عربي يوافق على ترؤوس مجلسها، سوى يوم الاثنين 26  أكتوبر، بالاعلان عن ترؤوس مصر مجلس الجامعة.

ولعل ما سبق من مخاطر، على الأمن القومي العربي، يؤكدها إعلان وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين، الأحد الماضي، أن اسرائيل تسعى، تحت مظلة أميركية، لـ”بناء تحالف إقليمي” يضم إضافة لإسرائيل كلا من السودان والإمارات والأردن ومصر، ورجّح كوهين، في حوار أجرته معه صحيفة “السوداني”، ونشرته في عددها يوم الأحد، انضمام دول أخرى للتحالف الذي لم يفصل في غاياته وأهدافه، وهو ما يمثل استلابا سياسيا وحاريا لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي بالشرق الأوسط.

 

سيناريوهات مستقبلية

وعلى عكس حالة الاستسلام التي بدا عليها المشهدان الإماراتي والبحريني حيال اتفاق التطبيع مع “إسرائيل”، فإن الوضعية السودانية تختلف إلى حد كبير، فالتاريخ هنا يقول كلمته، والخصومة التاريخية بين البلدين واضحة للعيان، منذ مشاركة الجيش السوداني في حرب السادس من أكتوبر 1973، بجانب تزايد قوة ومكانة القوى السياسية والشعبية الرافضة للتطبيع، وهو ما يزيد من تأزم الموقف ويجعل من تمرير هذا الاتفاق خطوة ملغمة ربما تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد مجددًا وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة. من جهة ثانية ، فإن ولوج اسرائيل بالداخل السوداني يهدد الوحدة السودانية وسيادتها على أرايها، في ضوء دورها الموثق بفصل جنوب السودان عن السودان، من خلال دعم الحركات الانفصالية بالمال والسلاح والدعم الدولي والغربي، عبر تقارير حقوقية وسياسية شرعنت الضغوط الدولية والاقليمية على السودان، كما أن التمدد الاسرائيلي في العمق الافريقي سيخلق معادلة جديدة في أفريقيا، لن يكون لمصر ولا للسودان دور فاعل فيها، في قضايا المياة والتجارة والاتصالات، وغيرها من مجالات الحياة المختلفة.

 

خاتمة

يمثل إعلان اتفاق التطبيع، الذي قد يوقع رسميا قبل نهاية 2020، ثغرة كبيرة وانعراجة في المشهد العربي، تفوق في تأثيراتها اتفاق التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل، إلا أن الاتفاق الذي يعتبر غير دستوريا، بنص وثيقة تقاسم السلطة الموقعة في ديسمبر الماضي، بين العسكر وقوى الثورة السودانية، والتي خرج لشرعنتها وزير العدل السوداني، الأحد قبل الماضي، بتأكيده أن الاتفاق دستوري ويحقق المصالح الخارجية والداخلية السودانية، سيفاقم الانقسامات السودانية ويزيد من فرص التوتر بالبلاد، والذي قد يفجر اتفاق تقاسم السلطة في البلاد، وهو ما سيؤثر حتما على مستقبل الانتخابات العامة المقررة نهاية 2022، ولعل الخطر الأكبر يبقى في تهديد الأمن القومي العربي، وضربه في مقتل، وتقليص الدور المصري والعربي في قضايا المنطقة ككل، فيما تبقى الأيام المقبلة حبلى بكثير من التطورات السياسية والاستراتيجية على الصعيد السوداني وفي المنظومة العربية ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…