قراءات ومقالات - مصر - نوفمبر 3, 2020

كيف تدار مصر؟

 

صناعة القرار المصري لا تأخذ طابعًا مؤسسيًّا، بقدر ما تعتمد على دائرة من الأشخاص المتمتعين بثقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، تدور في فلكهم كافة المؤسسات السيادية، وتوكل إليهم كافة الملفات الحساسة[1]. هذا هو الافتراض الأساسي الذي نضعه للإجابة عن التساؤل الرئيس للتقرير عن «كيف تدار مصر؟». بالطبع لهذه النموذج الإداري سلبياته الكبيرة، والتي ليس أقلها فقدان النظام القائم لخطوط دفاعه المتعددة، وتعريته أمام مناهضيه، ومنها تركز السلطة في عدد قليل من المتنفذين، ويكونون في كثير من الأحيان مسؤولين غير رسميين عن الملفات التي يديرونها.

 

الصراع على الصحافة والإعلام بين الوزير المختص والمخابرات العامة:

حرب كلامية دائرة بين وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل، وهو محرر عسكري سابق، ويرتبط بعلاقات واسعة مع قيادات المؤسسة العسكرية، وبين عدد من الإعلاميين، الذي يدفع كثيرون بأنهم موجهون في حربهم تلك من الضابط المتنفذ بجهاز المخابرات العامة العقيد أحمد شعبان.  ما يحدث -بحسب مصادر صحفية- هو محاولة للإطاحة بـ “هيكل” من منصبه؛ على خلفية صراع بين الأخير والعقيد شعبان، على بعض الاختصاصات، وبعد انتقادات وجهها وزير الدولة للإعلام للضابط بالمخابرات، وتغوله وسيطرته الكبيرة على المشهد الإعلامي المصري. المعركة مستمرة بين الرجلين؛ أحدهما مدعوم من شخصيات عسكرية كبيرة، والثاني يتمتع بنفوذ واسع لدى مؤسسة الرئاسة. وقد شارك في الهجوم على هيكل من الإعلاميين، رئيس تحرير صحيفة “اليوم السابع” خالد صلاح، ورئيس مجلس إدارة صحيفة “الدستور” محمد الباز، وعضو الهيئة الوطنية للصحافة فاطمة سيد أحمد، وكل من وائل الإبراشي، وأحمد موسى[2].

جدير بالذكر أن الحملة الحالية على “هيكل” ليست الأولى؛ فقد سبقتها حملة أخرى منذ شهرين تقريبًا، إبان التغييرات التي طالت رؤساء مجالس إدارة وتحرير الصحف القومية، وقبل تشكيل المجلس الأعلى للإعلام، والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام؛ يبدو أنها كانت تستهدف حينها أن ينضم “هيكل” لطابور الراحلين، ومع بقاء هيكل تجددت الحملة؛ لعلها تحقق ما أخفقت في تحقيقه سابقًا. ويدفع مراقبون بأن “هيكل” قد يكون الضحية الجديدة للعقيد شعبان، ومن خلفه عباس كامل، بعد اعتراضاته على إدارتهما للملف الإعلامي، وهي الانتقادات التي سبقت وأودت بياسر رزق من منصبه؛ بسبب انتقاداته المتكررة في مجالسه الخاصة لطريقة عباس كامل وأحمد شعبان في إدارة ملف الإعلام، ومحاولته تقديم شكاوى ضدهما للسيسي شخصيًّا؛ الأمر الذي كانت له انعكاسات طويلة الأمد، أدت لاحقًا لاستبعاد رزق من الترشيح للوزارة، ثم منع نشر بعض مقالاته، وأخيرًا استبعاده من منصبه الصحافي[3].

بحسب مراقبين فإن تكليف هيكل بإدارة ملف الإعلام، حدث تحت وطأة الهزة الكبيرة التي أحدثها الحراك الشعبي في العشرين من سبتمبر 2019، وكان القرار هدفه تغيير الطريقة التقليدية للتحكم في وسائل الإعلام، عبر خلايا وضباط المخابرات العامة والأمن الوطني؛ بحيث يتولى هيكل التواصل مع القيادات الصحافية، ويوجههم للخطوط العريضة لكيفية تناول الأحداث والخطوط الحمراء. لكن ما لبث الثلاثي عباس كامل ومحمود السيسي وأحمد شعبان أن تراجعوا عن هذه الفكرة، مفضلين استمرار الغلق التام للمجال العام، والتحكم الكامل فيما تنشره مختلف الصحف، وتتداوله جميع الفضائيات المحلية[4].

الصراع الدائر بين هيكل والعقيد شعبان -وفق ما هو متداول- في جانب منه، هو صراع بين المكون الراديكالي في السلطة، الراغب في استمرار سياسة الهيمنة والتأميم والعسكرة، والمكون الإصلاحي، الذي يتبنى فكرة أن قليلًا من الحرية مطلوب، وأن الإغلاق الكامل يقود للانفجار، وأنه يجب ترك مساحة للحركة، على الأقل للمؤيدين للنظام، وللنوافذ الإعلامية المقربة من السلطات، وهو صراع يبدو سيستمر لفترات قادمة، وانتصار المكون الراديكالي على المكون الإصلاحي داخل النظام الحاكم ليس في صالح النظام.

 

حلفاء الأمس أعداء اليوم:

معركة أخرى خاضتها النوافذ الصحفية والإعلامية المقربة من السلطات المصرية، هذه المرة ضد دعاء خليفة، أحد مؤسسي حركة “تمرد”، الداعية لتظاهرات 30 يونيو 2013، ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، والمنسق العام للحملة الرسمية لترشح عبد الفتاح السيسي في محافظة الدقهلية، وعضو لجنة العفو الرئاسي لاحقًا، بعد أن هاجمت “خليفة” أيضًا العقيد أحمد شعبان، مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات العامة، واتهمته بتدمير الحياة السياسية في مصر.

وفي معرض انتقادها لـ “شعبان”، وصفته بأنه المسؤول عن ملفات السياسة والإعلام والشباب. وعن علاقتها بالعقيد بالمخابرات العامة، قالت “خليفة”، “مش أنا (ست الكل) التي كنت تستشيرها في كل كبيرة وصغيرة، طيب مش أنا اللي كنت بتوسط عشان تصالحك على الإعلاميين اللي قعدتهم في البيت .. مش كنت عايزني في منصب نائب محافظ، وامسك أمين حزب مستقبل وطن في الدقهلية، وحاجات كتير ورفضت .. عمومًا أنا بقالي كتير بشتكي منك للرئيس (السيسي)”[5].

كما كشفت “بوستات” الناشطة السابقة عن حجم النفوذ الذي يتمتع به شعبان، سواء فيما يتعلق بالإعلام، أو فيما يتعلق بالنشاطات السياسية المؤيدة للسيسي، في المؤتمرات الشبابية الدورية، وفي أنشطة تنسيقية شباب الأحزاب، وإن كان معظم هجومها قد انصب على تنسيقية شباب الأحزاب، وكان مما قالت: “أقصر طريق لتصحيح الخطأ هو الاعتراف به، وبما أنك مصمم على أن الخطأ صواب، برغم أن كل النتائج بتثبت أنه خطأ .. فوجب علي، وعلى كل من حضر أو علم بالخطأ أن يتحدث .. ما يفعله الكيان المصنوع المسمى بـ (تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين) سيدمر الحياة السياسية في مصر، زي ما حصل في الإعلام .. كلامي ده مش وجهة نظر، لأني حاضرة التجهيز لهذا الكيان منذ عام 2017، ورفضت الانضمام له، وهاقول أسبابي كاملة”.

بعد هذه التصريحات تعرضت دعاء خليفة لهجوم واسع من النوافذ الإعلامية والصحفية المصرية، ومن الجهات التي تحدثت عنها في منشوراتها؛ فقد  أدان المكتب التنفيذي لحركة تمرد بمحافظة الدقهلية تصريحات دعاء خليفة، والتي وصفها بـ “غير المسؤولة”، وقال المكتب في بيان صحفي، “الابتزاز السياسي آفة الفشلة والمنافقين محبي الضوء والمنتفعين، وتوضيحًا: أي شخص يحاول استغلال الشباب، كما تحاول المدعوة دعاء خليفة، حيث كانت عضوًا في حركة تمرد، فاستطاعت أن توهم بعض رجال الأعمال في محافظة الدقهلية بأن لها علاقات رفيعة المستوى، ومن وراء هذه الأكاذيب تحاول استغلالهم”، وتابع البيان، “كما فعلت وكشفها الشباب، وتم فصلها من الحركة؛ حيث إن أعضاء الحركة قاموا بهذا العمل بدافع حب تراب بلدنا مصر، وأننا كنا نتقاسم المصروفات من واقع حبنا لبلدنا، ولم ننتظر أي مقابل لهذا العمل، ولقد خلده التاريخ، وسيظل عملا تتحاكاه الأجيال”[6]، كما علقت تنسيقية الشباب، نافية رفض دعاء الانضمام للتنسيقية، وقالت في بيان، إن «هذا الكلام عار من الصحة»، وأضافت، إن «خليفة سبق وتقدمت بطلب الانضمام للتنسيقية؛ لكن تم رفض طلبها؛ لمخالفتها شروط الانضمام، وأهمها شرط العمر؛ لأنها تخطت 40 عامًا، بالإضافة إلى شرط حسن السمعة، فلقد سبق فصلها من حركة تمرد؛ بسبب خلافات مالية وأخلاقية، وأمور ننأى بأنفسنا عنها»[7].

كما وصفت القناة الأولى الرسمية “خليفة” بأنها امرأة سيئة السمعة[8]، فيما هاجمها رئيس تحرير جريدة اليوم السابع، خالد صلاح، الذي اتهمها بأنها “تسعى لخلق مظلومية سياسية، وتجري وراء المناصب دون أن يكون لديها مؤهلات حقيقية”[9]، بينما قال محمد الباز رئيس صحيفة الدستور، التي تعمل بها دعاء خليفة، إنها تجاوزت في حق الكثير من الزملاء، مؤكدًا أنها أصبحت في حالة أشبه بالمرض النفسي الذى لابد أن تتخلص منه[10].

خلال اليومين الماضيين، حصل صحفيون مصريون معارضون بالخارج على تسريبات جديدة وحصرية لدعاء خليفة، مما جاء فيها: أنه جرى اختطافها من قبل ضابط المخابرات أحمد شعبان، وأنها تُعرض للتحقيق أمام جهاز أمني بالنهار، ويتم اقتيادها لفندق 5 نجوم بمدينة مصر الجديدة بالليل[11]، وقد أكد الصحفيون المعارضون أن “خليفة” قد ظهرت داخل سجن القناطر بعد شهر كامل من اختفائها؛ على خلفية هجومها على “شعبان”[12].

 

الخاتمة:

ليست هذه هي المعارك الأولى التي تدور حول الدور الذي يلعبه العقيد شعبان؛ فقد سبقتها معارك مماثلة، منها ما خاضها المتحدث العسكري الأسبق العميد محمد سمير، بعد منْع زوجته الإعلامية من العمل في القنوات المختلفة، بل ووصول الأمر لمنع سمير من تولّي أي مواقع في المنظومة الإعلامية التي يشرف عليها شعبان، كممثل للواء عباس كامل؛ ما دفعه لكتابة مقال شنّ خلاله هجومًا -هو الأعنف والأول من نوعه، الذي يأتي من داخل معسكر الحكم- نشره في موقع “فيتو”، المملوك لرجل الأعمال نجيب ساويرس، تحت عنوان “النموذج الأفشل[13]“، كَالَ فيه الضربات للمشرفين على إدارة المشهد الإعلامي المصري، دون تسميتهم[14]، بعد هذه المقالة تعرض المتحدث العسكري السابق لهجوم مماثل لما يتعرض له كل من يهاجم العقيد شعبان، حتى وصف كاتب في صحيفة الدستور المتحدث العسكري السابق بـ «هبد العميد السابق!»[15].

هذه المعارك المتجددة بين قوى داعمة للنظام، تكشف حالة الهشاشة التي يتسم بها التحالف الداعم للنظام الحاكم، وحالة الانكشاف التي قد يصل لها، ويبدو أن المعارك الدائرة حاليًّا لن تكون الأخيرة.

—————————————

[1] العربي الجديد، أحمد شعبان .. “ابن الدولة” المصرية المخابراتية وظِل عباس كامل، 11 أغسطس 2020، الرابط: https://bit.ly/3dQoeIL

[2] العربي الجديد، أذرع السيسي تلجأ للفضائح والتسريبات على “ماسبيرو” في حربها مع وزير إعلامه، 20 أكتوبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3dMtQDB

[3] العربي الجديد، وزير إعلام السيسي متهم بتأييد الإرهاب: تمهيد لتعديل وزاري، 20 أكتوبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3kihMfP

[4] المرجع السابق.

[5] العربي الجديد، عضو “تمرد” تهاجم أحمد شعبان مسؤول الإعلام وملف الشباب في مصر، 2 سبتمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/2HpgAsw

[6] اليوم السابع، “تمرد الدقهلية” ردًّا على أكاذيب دعاء خليفة: يسيطر عليها الأنانية ومفصوله من الحركة، 3 سبتمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/2HpAm7t

[7] القدس العربي، ناشطة موالية للسيسي تشن هجومًا على ضابط مخابرات، وتتهمه بتدمير الأحزاب والإعلام، 3 سبتمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/34naXUV

[8] الجزيرة مباشر، مصر .. عضو بحركة تمرد تتهم مسؤولًا في مكتب السيسي بابتزازها (فيديو)، 3 سبتمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3dOGge7

[9] خالد صلاح (فيس بوك)، دعاء خليفة نموذج رخيص ومكرر للابتزاز السياسي، 2 سبتمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3kks6nK

[10] محمد الباز (فيس بوك)، 2 سبتمبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3klKKeT

[11] فيس بوك، 22 أكتوبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3oe6yvb

[12] مكملين، أخبار (فيس بوك)، 20 أكتوبر 2020، الرابط: https://bit.ly/2TidCsA

[13] محمد سمير، النموذج الأفشل، بوابة فيتو، 31 يوليو 2018، الرابط: https://bit.ly/34lNu6n

[14] العربي الجديد، أحمد شعبان .. “ابن الدولة” المصرية المخابراتية وظِل عباس كامل، مرجع سابق.

[15] ماجد حبته، المخدرات .. التكنولوجيا .. وهبد العميد السابق!، 2 أغسطس 2018، الرابط: https://bit.ly/35oPutN

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…