‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان السودان وقائمة الدول الراعية للإرهاب
السودان - نوفمبر 4, 2020

السودان وقائمة الدول الراعية للإرهاب

 

بعد تحويل الخرطوم مبلغ 335 مليون دولار إلى واشنطن كتعويضات متفق عليها؛ ينتظر السودانيون إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بشكل رسمي. فما هي الخطوات القانونية التي كان من المفترض اتباعها لإتمام الأمر؟ وكيف تعاملت الحكومة السودانية مع القضية؟ وما هو المُنتظر من النظام الأمريكي خلال الفترة القادمة؟ كل تلك التساؤلات ستحاول هذه الورقة الإجابة عنها خلال السطور القليلة القادمة.

 

الخطوات القانونية لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وفقًا للدستور الأمريكي:

يتلخص شرح تلك الخطوات في المادة 620 (أ) من قانون العون الأجنبي الأمريكي لسنة 1961 (وفقًا لآخر تعديلاته في 15 فبراير 2019)، والتي تُمثل النص القانوني الذي يحدد إجراءات الرفع عن قائمة العقوبات الأمريكية، وأهم فقرتان بها تخص الوضع في السودان، هما: الفقرة (1)، التي تبين كيفية رفع اسم الدولة عبر مسار سريع fast track في حال حدوث تغير جوهري في القيادة السياسية للبلاد. وتنص هذه الفقرة على أنه لا يجوز إلغاء قرار صادر عن وزير الخارجية الأمريكي بإدراج اسم دولة في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما لم يقدم الرئيس الأمريكي إلى رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ تقريرًا، يشهد أنه: حدث تغير جوهري في قيادة وسياسات حكومة الدولة المعنية، وأن تلك الحكومة لا تدعم أعمال الإرهاب الدولي، وأن تلك الحكومة قد قدمت تأكيدات بأنها لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل. والفقرة (2)، التي تبين كيفية رفع اسم الدولة عبر مسار عادي  ordinary track؛ أي دون وقوع تغير جوهري في القيادة السياسية للبلاد. وتنص هذه الفقرة على أنه لا يجوز إلغاء قرار صادر عن وزير الخارجية الأمريكي بإدراج اسم دولة في قائمة الدول الراعية للإرهاب ما لم يقدم الرئيس الأمريكي إلى رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ -وقبل ما لا يقل عن 45 يومًا من دخول الإلغاء المقترح حيز التنفيذ- تقريرًا يبرر الإلغاء، ويؤكد أن: الحكومة المعنية لم تقدم أي دعم للإرهاب الدولي خلال فترة الستة أشهر السابقة، والحكومة المعنية قد تقدمت بتأكيدات بأنها لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل[1].

وبمقارنة سريعة بين المسارين تتضح ثلاثة أمور؛ أولهم: في كلا المسارين على الرئيس الأمريكي إبلاغ رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ قبل أن يصبح الإلغاء المقترح نافذ المفعول. وثانيهم: في حال المسار العادي، يُشترط أن يكون الإبلاغ قبل خمسة وأربعين يومًا من تاريخ سريان قرار الإلغاء، وذلك يعني ضمنًا منح الكونغرس تلك الفترة للتداول. كذلك في حال المسار العادي يشترط التقدم بإفادة عن أن الحكومة المعنية لم تقدم أي دعم للإرهاب الدولي خلال فترة الستة أشهر السابقة. وثالثهم: في حال المسار السريع لا يشترط منح الكونغرس تلك المهلة للتداول، ولا تشترط الإفادة عن توقف حكومة البلد المعني عن دعم الإرهاب خلال فترة الستة أشهر السابقة، وليس مطلوبًا من الرئيس الأمريكي أن يُضمِّن إخطاره تبريرًا للإلغاء .وقد سبق أن استخدمت أمريكا المسار السريع بشأن السودان عند رفع جنوب السودان من نطاق العقوبات المفروضة على السودان، وذلك قبل الانفصال، فتم الرفع بمجرد تقرير قدمه الرئيس جورج بوش الابن للكونغرس، يوضح التطور الجديد، ووافق عليه الكونغرس دون الدخول في مناقشة؛ إذ لم يكن الأمر محل خلاف بين الحزبين. لهذا كان على السودان عدم الاستمرار في الحوار مع أمريكا تحت المادة 620 (أ) (2)؛ وذلك لأهمية الاستفادة من التغيير الذي حدث للانتقال إلى المسار السريع، الذي تقل تعقيداته عن المسار العادي. غير أن ذلك لم يحدث، وبالإضافة لاستمرار النظام السوداني في المسار العادي بكل شروطه المنصوص عليها في القانون صراحة؛ فقد استجاب كذلك لشروط إضافية لم ترد حتى في القانون الأمريكي، ومنها دفع التعويضات، وربما ربط رفع العقوبات بالتطبيع. وهناك إشكالية أخرى حتى في حالة اتخاذ المسار السريع، وهي أنه حتى وإن وافق الرئيس الأمريكي على رفع اسم السودان من القائمة، فهل سيوافق الكونجرس دون المطالبة بالتعويضات؟ وإن لم يكن للكونجرس علاقة بذلك، فهل سيضمن قرار الرئيس الأمريكي للسودان حصانة من القضاء الأمريكي، التي لا تتوافر إلا بقانون يصدره الكونجرس؟ وإن لم يحصل السودان على تلك الحصانة، فستتواصل كافة الدعاوى ضده؛ بل ستتزايد، وستصدر المحاكم الأمريكية قرارات بالحجز على أي أرصدة سودانية. وفي هذه الحالة سيستمر تعذر تعامل السودان عبر النظام المصرفي الدولي؛ لأن أي تحويل بالدولار مرتبط بالسودان سيكون عرضة للاحتجاز في نيويورك. وهو ما يجعل الأمر مرهونًا مرة أخرى بشرطي ترامب حول التعويضات والتطبيع[2].

 

الشروط الأمريكية لرفع اسم السودان من القائمة:

في إطار السعي الأمريكي لحمل الدول العربية على التطبيع مع الكيان الصهيوني، فقد تلخصت شروط الإدارة الأمريكية لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في شرطين أساسيين، هما: تطبيع السودان للعلاقات مع الكيان الصهيوني، ودفع مبلغ التعويضات. وفي هذا الإطار، فقد أفادت وسائل إعلام صهيونية بأن وفدًا رسميًّا زار الخرطوم؛ تمهيدًا لتطبيع العلاقات يوم الأربعاء 21 أكتوبر، وفي السياق نفسه، توقع وزير التعاون الإقليمي الصهيوني أوفير أكونيس أن تعلن الولايات المتحدة عن اتفاق آخر لإقامة علاقات بين حكومته ودولة عربية أو إسلامية، قبل الانتخابات الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر المقبل. وتأتي تلك التطورات في الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية الأمريكي أن بلاده بدأت عملية رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، دون أن يحدد موعدًا نهائيًّا لذلك، وقال في مؤتمر صحفي بواشنطن إن إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأت عملية رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وجاءت تصريحات بومبيو للصحفيين بعد يومين فقط من إعلان ترامب أن اسم السودان سيُرفع من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد أن حوَّلت الخرطوم 355 مليون دولار لتعويض ضحايا أمريكيين وأسرهم، ووُضعت الأموال في حساب خاص لضحايا هجمات تنظيم القاعدة على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998.[3]

 

الخُلاصة: بينما يرى الكثيرون أن ترامب لن يخاطب الكونجرس لمناقشة مشروع رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حتى بعد دفع السودان لمبلغ التعويضات؛ ما لم تعلن الحكومة السودانية تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، إلا أن ذلك الإعلان إن تم ستواجه الحكومة السودانية صعوبات في الداخل، لاسيما في ظل انقسام الفصائل المسلحة في الأقاليم السودانية المختلفة حول هذا الأمر، وهو ما جعل النظام في السابق يعلق هذا القرار على إجراء الانتخابات التشريعية. إلا أن حكومة ترامب الآن تضغط بشدة على النظام السوداني؛ لاتخاذ تلك الخطوة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وبالرغم من ذلك، فإن قام الرئيس الأمريكي بإخطار الكونجرس بهذا القرار للبت فيه بالموافقة أو الرفض؛ فإن ذلك يحتاج –وفقًا لما سبق- إلى 45 يومًا؛ ومن هنا يُمكن القول إن السودان قد دخل بالفعل حلبة التنافس الانتخابي الرئاسي للبيت الأبيض، وللأسف إلى جانب ترامب. ومن ثمَّ فيبقى السؤال: ماذا لو فاز بايدن؟!

 



[1] د. الدرديري محمد أحمد، “حول رفع اسم السودان من قائمة الإرهـاب”، فيس بوك، 20/10/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/Qi1FE

[2] بكري عبد الرحمن، “ماذا لو فاز جو بايدن؟!”، فيس بوك، 19/10/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/ZimPA

[3] “مع اقتراب رفع السودان من قائمة الإرهاب .. أنباء عن زيارة وفد إسرائيلي للخرطوم؛ تمهيدًا لإعلان التطبيع”، الجزيرة نت، 21/10/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/7dYYI

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…