‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين المصالحة الفلسطينية .. أجواء متفائلة ومسارات تستعصي على الحل
فلسطين - نوفمبر 5, 2020

المصالحة الفلسطينية .. أجواء متفائلة ومسارات تستعصي على الحل

 

اجتماع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن بالأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في رام الله وبيروت (3/9/2020)، ثم الاجتماع الذي احتضنته القنصلية الفلسطينية بين وفدي فتح وحماس (22 ــ24 سبتمبر 2020) لبحث المصالحة وإنهاء الانقسام تشكل حدثاً سياسيًا مهما، فقد انتهت هذه الاجتماعات إلى بلورة تصورات عن المصالحة؛ دفعت بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن المحاولة الجارية للمصالحة مختلفة عن المحاولات السابقة التي كتب لها الفشل؛ وأن هذه المحاولة أكثر جدية لاعتبارات تتعلق بالأخطار الكبيرة التي تهدد القضية الفلسطينية، أبرزها هرولة عواصم عربية نحو التطبيع المجاني مع الاحتلال على أساس (السلام مقابل السلام) وليس على أساس (الأرض مقابل السلام) كما دعت المبادرة العربية سنة 2002م، إضافة  إلى انصياع القرار العربي الرسمي لما تسمى بصفقة القرن الأمريكية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية بإعلان القدس عاصمة أبدية للاحتلال وإسقاط حق العودة وشرعنة المستوطنات ومنح الاحتلال حق اغتصاب ما يشاء من أراضي فلسطين تحت لافتة “حق الضم”، وزاد من خطورة المشهد بالنسبة للسلطة، الحديث المتكرر والمتزايد من جانب التحالف الأمريكي الصهيوني والتلويح باستبدال قيادة السلطة الفلسطينية إذا لم تذعن للمشروع الأمريكي وتقبل بكل ما يُملى عليها دون تحفظ أو اعتراض. وبالتالي وجد السيد محمود عباس أبو مازن، رئيس السلطة، نفسه محاصرا ومعزولا ومهددا بالانقلاب عليه من جانب أركان التحالف الأمريكي الإسرائيلي العربي. وبالتالي لم يجد أبو مازن بدا من العودة إلى طاولة المصالحة لتعزيز موقفه الهش من جهة ودعم شرعتيه من جهة ثانية، والتأكيد على الرفض الواسع لدحلان من جهة ثالثة. بينا تنظر حماس إلى المصالحة باعتبارها طريقا يمكن أن يسهم في الخروج من نفق الحصار الظالم المفروض على القطاع منذ سنة 2007م والذي تفرضه إسرائيل ومصر وحتى السلطة الفلسطينية التي عاقبت القطاع منذ إبريل 2017م بوقف مرتبات موظفي غزة وتقليص كميات الوقود والكهرباء.

وعلى الرغم من الاجواء المتفائلة إلا أن هناك تساؤلات ملحة تثير شكوكا حول جدية التوجه نحو مصالحة حقيقية، فهل فعلا هناك توجه حقيقي وجاد نحو المصالحة وإنهاء الانقسام؟  أم أن ما اتُفق عليه لا يتجاوز إدارة الانقسام في هذه المرحلة وصولا إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الأمريكية؟ وهل يكفي الاتفاق على رفض “صفقة القرن” للقول إنه توجد رؤية مشتركة على ماهية المشروع الفلسطيني في المرحلة المقبلة؟ وهل يتم إعادة هندسة وتصميم المؤسسات الفلسطينية (منظمة التحرير ــ المجلس الوطني ــ السلطة ــ المجلس التشريعي) على أساس مشروع “أوسلو” الذي ثبت فشله، أم ستبنى على أسس مشروع وطني كفاحي يجري التوافق عليه؟ وهل تملك السلطة القدرة على الانسحاب من “أوسلو” بدلا من الاكتفاء بتجميد العمل به؟

 

مخرجات الحوار

المحاولة الجارية ركزت على مدخل “الوحدة الميدانية” لمواجهة المؤامرة وفي اجتماعات اسطنبول جرى الاتفاق أولا على إجراء الانتخابات المترابطة المتتالية، ثم تطوّر الأمر بعد لقاء إسطنبول ليتم التوافق على تشكيل قائمة مشتركة لخوضها وفق التمثيل النسبي، (أشار صالح العاروري ــ نائب رئيس المكتب السياسي لحماس ــ في مقابلة مع قناة الأقصى عن وجود توجّه لدى حركتي فتح وحماس لتشكيل قائمة مشتركة، رغم تأكيد ذلك أحيانًا من قادة من “فتح” ونفيه في أحيان أخرى)، وتم الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة بعد الانتخابات.

ثانيا، كما وُضع  على جدول أعمال الجولات المقبلة للحوار، بعد صدور المرسوم الخاص بالانتخابات، الاتفاق على بقية الملفات (المنظمة، انفصال غزة، آثار الانقسام، حسم الموقف من اتفاق أوسلو، دولة أو سلطة وغيرها من القضايا)، في نية لوضع هذه الملفات لحسمها على عاتق المجلس التشريعي القادم والحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات.

ثالثا، يحسب للمحاولة الجارية أنها تناولت الأساس السياسي، إذ اعتبرت وثيقة الوفاق الوطني المرجعية، وحُسم لأول مرة أنّ الشرعية الدولية هي مرجعية لا يجب التخلي عنها حتى لا يؤدي إنكارها إلى إحكام العزلة على الفلسطينيين، إضافة إلى كونها تتضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، خصوصًا حق تقرير المصير الذي يشمل حق إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.

رابعا، فيما يتعلق بالمقاومة، تضمنت التفاهمات أنّ من حق الفلسطينيين مقاومة الاحتلال بكل أشكال المقاومة، لكنهم سيعتمدون (المقاومة الشعبية) في هذه المرحلة، مع الاتفاق على أنّ أشكال النضال تُحسم بشكل وطني، وليس عبر قطاع خاصّ لهذا الفصيل أو ذاك.

خامسا، التأكيد على أنّ منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد، وأن انتخابات المجلس التشريعي هي المرحلة الأولى لتشكيل المجلس الوطني، وهناك فكرة مطروحة بأن تتزامن انتخابات المجلس الوطني مع انتخابات التشريعي ليكتمل تشكيل الوطني، على قاعدة أن تجري الانتخابات حيثما أمكن ويتم تعيين بقية الأعضاء من خلال التوافق الوطني. وهي الفكرة التي تحظى بقبول من الأطراف.

وساهم في نشر حالة التفاؤل أن من قاد وفد فتح هذه المرة هو  اللواء جبريل الرجوب وليس عزام الأحمد المعروف بمواقفه المتصلبه ورفضه للمصالحة ووضع العراقيل أمام إتمامها. ويسعى جبريل إلى إنجاح هذه الجولة لزيادة أسهمه في خلافة أبو مازن على رأس السلطة؛ بينما يسعى آخرون في فتح على رأسهم الأحمد ومدير جهاز المخابرات اللواء ماجد فرج إلى عرقلة هذه الجهود حتى لا تتعزز مكانة الرجوب باعتبارهم منافسين له لخلافة أبو مازن.

 

نحو نظام سياسي على أسس ديمقراطية

حماس من جانبها، أصدرت بيانا يوم السبت 3 أكتوبر 2020م أكدت فيه على ضرروة تحقيق  مشاركة شعبية أوسع في المباحثات الجارية بشأن المصالحة مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وأن  مسودة التفاهم التي تمت مع حركة “فتح” معروضة على الفصائل الوطنية كافة لمناقشتها، فـ”الحوار الثنائي بين الطرفين، على أهميته، ليس بديلاً عن الحوار الشامل، بل هو مقدمة له بغرض التسهيل والمضي إلى الأمام”. كما جرى التأكيد على أن الشراكة الوطنية وإنجاز الوحدة خيار استراتيجي وإلزامي لها ولفتح ولكل القوى السياسية والمجتمعية،  باعتبارها الضمان الوحيد لتحقيق حلم الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة وتطهير الأرض والمقدسات”.

والأهم في بيان حماس أنه شدد على ضرورة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كاملا على أسس ديمقراطية سليمة؛ من خلال الانتخابات الشاملة والحرة والنزيهة في كل المناطق، وفي المقدمة منها القدس المحتلة، وبالتزامن وبالتوافق الوطني، بما يضمن مشاركة الجميع من دون استثناء”، مشيرةً إلى أنّ “المشاركة في مختلف المؤسسات والمرجعيات الوطنية حق لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، بدءاً من منظمة التحرير الفلسطينية وكل الأطر والمؤسسات المنبثقة عنها.

وطالبت حماس بضرورة تهيئة الأجواء الداخلية وإشاعة أجواء الحريات وتكريس التعددية وإنهاء الملفات العالقة كافة، لنجاح مسار الوحدة والشراكة والمصالحة، بما يضمن المضي من دون عقبات، وبما يزيد من ثقة شعبنا بالجدية في تحقيق الوحدة الوطنية”.

وانتهى بيان حماس بدعوة السلطة وحركة فتح إلى البدء فورا في تشكيل هيكلية القيادة الموحدة والانطلاق في العمل الميداني من دون تردد، مطالبة كذلك بضرورة الإسراع في عقد جلسات الحوار الفلسطيني الشامل بمشاركة الجميع للاتفاق بشكل نهائي على خريطة الطريق الوطنية التي تحقق الشراكة والمصالحة؛ بهدف بناء المؤسسات الوطنية ومواجهة العدو وإفشال كل مؤامرات تصفية القضية وإنهاء حصار غزة ووقف  هرولة الدول العربية نحو التطبيع مع الاحتلال.

 

أبرز العقبات

رغم التصريحات الإيجابية إلا أن هناك عدة مؤشرات تشير إلى أن الجدية مفقودة وأن الهدف هو اكتساب المزيد من الوقت وصولا إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الأمريكية المقررة في نوفمبر 2020م.

العقبة الأولى أن هناك معارضة داخل حركة فتح لدمج “حماس” في السلطة عبر القائمة المشتركة وفي تشكيل المجلس الوطني من دون إنهاء سيطرتها على السلطة في قطاع غزة أولا.  كما أن هناك شكوكا داخل قطاعات واسعة بحركة حماس تجاه مصداقية السلطة بشأن المصالحة؛ وقد كشفت المحطات السابقة أن السلطة توظف المصالحة بما يتماشى مع مصالحها السياسية؛  حيث يعلو الحديث عن المصالحة كلما عانى مسار التفاوض مع الاحتلال وجرى تجميده، ويخبو الحديث عن المصالحة كلما كان مسار التفاوض يمضي في طريقه المرسوم حتى لو لم يفض إلى أي نتيجة إيجابية. علاوة على ذلك فإن جولات الحوار الجارية تتم بين عدد محدود من الأشحاص داخل الحركتين، ورغم اعتماد ما يتم التوصل إليه، إلا أنّ هذا الحوار يجري من دون حاضنة فلسطينية أكبر وأقوى، وبلا تصور شامل، بينما يجب أن يكون الحوار وطنيًا وشاملًا ومنظّمًا ومؤسسيًا ومستمرًا، ولا ينحصر بالفصائل، بل لا بد من أوسع مشاركة وحاضنة شعبية أكبر من جميع الفئات والمفكرين.

الملاحظة الثانية،  أن هذه التفاهمات  انتهت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات؛ فلماذا لا تكون قبلها حتى تحظى الانتخابات بقبول أوسع من الجميع بدلا من إشراف حكومة فصائلية تنتمي إلى حركة فتح على هذه الانتخابات ما يثير شكوكا حول قدرتها على تنظيم هذه الاستحقاقات بشفافية ونزاهة. كما أن من شأن تشكيل حكومة وحدة وطنية أولا أن ينهي الانقسام المؤسسي بين الضفة وغزة وهو المظهر الأبرز للانقسام، وسيكون على هذه الحكومة التحضير لإجراء الانتخابات، وتوفير أجواء الثقة والحقوق والحريات، ومعالجة آثار الانقسام، والشروع في توحيد المؤسسات المدنية والأمنية، وضمان حرية الانتخابات ونزاهتها واحترام نتائجها، وأن تكون الجدار الحامي في حال قيام الاحتلال بمنع إجراء الانتخابات . فما دام هناك اتفاق على تشكيل حكومة وحدة بعد الانتخابات، فالأولى والأجدى تشكيلها قبل إجرائها.

الملاحظة الثالثة، أن عدم التزامن بين إجراء الانتخابات التشريعية مع الرئاسية والوطني، ضمن حل الرزمة الشاملة التي تُطبّق بالتوازي والتزامن، نقطة ضعف في التفاهمات، ومصدر لعدم الثقة وعدم الاطمئنان. فما الذي سيضمن ألّا تكون الانتخابات التشريعية شكلًا من أشكال إدارة الانقسام، وألّا يتم استكمال الانتخابات إذا جاءت نتائجها غير مناسبة لهذا الطرف أو ذاك أو لكليهما، أو إذا استدعت ردود فعل إسرائيلية وأميركية وعربية وإقليمية تجعل من الصعوبة استكمالها؟ ولعل قبول حماس وفتح بالقائمة الوطنية المشتركة في التشريعي والمجلس الوطني يمكن أن يسهم في التوافق على بقاء أبو مازن على رأس السلطة باعتباره رئيسيا توافقيا. وتبدو فكرة “القائمة المشتركة” ــ لم يتم حسمها بشكل نهائي ــ والتي جرى طرحها أول مرة سنة 2012م وأُعيد طرحها أكثر من مرة، خصوصًا في العامين 2016 و2019، رغم  التحفظات الجوهرية عليها حيث يراها بعض الفلسطينيين نوعا من المحاصصة وتقاسم السلطة، لكن البعض يرى أن للفكرة ما يبررها؛ خصوصا في ظل مخاوف قادة السلطة وحركة فتح من أن تحرز حركة “حماس” انتصارا واسعا كما جرى في 2006م، وبالتالي تفقد حركة فتح مركزيتها في المجلس التشريعي والمجلس الوطني ومنظمة التحرير؛ ولضمان دور فاعل لحركة فتح جرى طرح هذه الفكرة، كما أنها تضمن مشاركة لحركة حماس وفصائل أخرى في المؤسسات الفلسطينية. يعزز من هذه الفكرة أن هناك صعوبات في إجراء انتخابات نزيهة تحترم نتائجها تحت الاحتلال الذي يتدخل في كل مراحلها ويستطيع منعها في القدس وغيرها، ويصادر نتائجها متى أراد. علاوة على ذلك فإن الفلسطينيين في ظل الأدوار الوظيفية التي بنيت على أساسها السلطة وفي ظل حالة الانقسام جرى تكوين شبكات مصالح ومافياوات  أمنية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بالاحتلال لا يمكن التغلب عليها بسهولة في ظل إجراء انتخابات تقوم على مبدأ المغالبة لا المشاركة. وبالتالي فإن الانتخابات الحرة التنافسية تحت الاحتلال لا يمكن أن تكون إلا في إطار الوحدة الوطنية؛ أما في ظل الانقسام فستكون وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.

الملاحظة الرابعة والأهم، هي عدم توصل المحاورين إلى برنامج سياسي وطني جامع وشامل يحتوي كل فصائل المقاومة، ويعتمد على الكفاح حتى إنهاء الاحتلال؛ فاليوم قد تبرهن للجميع فشل مسار أوسلو؛ وانتهى بالقائمين عليه إلى طريق مسدود؛ فإعلان “صفقة القرن” يمثل شهادة وفاة لهذا المسار العبثي الذي أهدر عقدين  من الزمان ؛ بخلاف ما ترتب عليه من كوارث تتعلق ببنية السلطة الفلسطينية  ومشروعيتها وتغيير العقيدة الأمنية لأجهزتها وما يتعلق بالتنسيق الأمني مع الاحتلال والذي يمثل في جوهره أحد صور وأشكال الخيانة للقضية الفلسطينية وتكريس الاحتلال وضمان بقائه. فهل الهدف هو تشكيل المؤسسات الوطنية الفلسطينية على أساس أوسلو  أم على أساس برنامج سياسي وطني يناقض مشروع أوسلو؟ وما هي ملامح هذا المشروع وسماته؟ وهل تقبل السلطة بالاعتراف بخطئها والانتقال من إعلان تجميد العمل بأوسلو إلى التحرر منه وسحب التوقيع عليه؟ وإذا قبلت السلطة بذلك هل تضمن التزام جميع قادتها وأجهزتها بذلك؟ أم سيفضي ذلك إلى انشقاقات تؤكد اختراق الاحتلال لمنظومة السلطة وقدرتها على توجيه بوصلتها كيفما تشاء؟ وهل تستطيع السلطة أصلا أو تملك استقلالية القرار بالخلاص من أوسلو أم أن بنية السلطة تقوم على الاحتلال من الألف إلى الياء وبالتالي فهي لا تملك اتخاذ مثل الخيار من الأساس؟

الملاحظة الخامسة، أن حركة فتح ــ رغم اليقين بفشل مسار أوسلو والتفاوض مع الاحتلال ــ لا تزال تتحفظ على المقاومة بكافة أشكالها ومنها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال رغم مشروعية ذلك وفق القانون الدولي؛ فخلال المناقشات الأخيرة بين الأمناء العامين للفصائل اختلفت الأطراف المجتمعة حول “المقاومة المسلحة”، حيث أكدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي على ضرورة مقاومة الاحتلال بكل الطرق بما فيها السلاح، لكن البيان الختامي أقر فقط “المقاومة الشعبية”؛ وذلك حتى تتجنب السلطة وحركة فتح الانتقادات من جانب الاحتلال والقوى الدولية التي ترى في المقاومة المشروعة ضد الاحتلال شكلا من أشكال الإرهاب.

سادسا، يمثل الاحتلال عقبة كبرى أمام جهود المصالحة حتى لو توافرت الإرادة عند السلطة خلاف المرات السابقة؛ فحكومة الاحتلال وأجهزته الأمنية تعمل باستمرار على تعميق الانقسام الفلسطيني حتى توظفه لإضعاف الطرفين؛ وهو ما مكن الاحتلال من تكريس وجوده وتهويد القدس وحصار غزة بدعوى محاربة الإرهاب. ولا ترى “إسرائيل” ضرورة للمصالحة إلا إذا توافرت عدة شروط أبرزها اعتراف حماس بإسرائيل وحل ذراعها العسكري “كتائب عز الدين القسام” وتسليم كل مفاصل السلطة في غزة للسلطة الفلسطينية. وبالتالي يراد للمصالحة بهذا الشكل أن تكون غطاء وفخا لحماس ظاهره المصالحة وجوهره الاستسلام والسقوط في ذات الفخ الذي سقطت فيه حركة فتح من قبل من خلال  الاعتراف بالاحتلال وحقه في اغتصاب الأرض الفلسطينية، وإسقاط المقاومة المشروعة من قاموس النضال الفلسطيني. وللأسف أن ذات الشروط هي التي تطالب بها حركة فتح والتي طالما اشترطت نزع سلاح المقاومة وهو الشرط الذي توارى هذه المرة تحت مسمى تبني “المقاومة الشعبية” وهي عبارة مطاطة تنظر إليها فتح على أنها الوسائل السلمية كالمظاهرات والاحتجاجات والمقاطعة مع التزام السلطة بتجريم المقاومة المسلحة وحصارها، بينما تصر حماس على المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها المقاومة المسلحة باعتبارها حقا مشروعا لكل شعب ضد محتليه وفق القانون الدولي. كما تستهدف فتح من المصالحة استلام السلطة كاملة في غزة خصوصا بعدما تدخلت قطر وتعهدت بالتكفل بمرتبات موظفي قطاع غزة وهي الأزمة التي كانت تقف عقبة في طريق المصالحة قبل ذلك.

سابعا،  بحسب مراقبين فإن أبو مازن حقق انتصارا كبيرا بهذه الاجتماعات؛ إذ قطع بذلك الطريق على مخططات الانقلاب عليه وطرح محمد دحلان بديلا له من جانب التحالف الأمريكي الإسرائيلي العربي، كما حصل على إقرار من الأمناء العامين على أن منظمة التحرير تعتبر الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن الهدف  هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة سنة 1967م وعاصمتها القدس، وأن حل مشكلة اللاجئين على أساس القرار 194. باستثناء حركة الجهاد التي تحفظت على بعض البنود وأكدت ضرورة تحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر. وضرورة إعادة بناء منظمة التحرير على أسس يتم التوافق عليها.  ورغم هذه  المكاسب فإن هناك مؤشرات تثبت عدم جدية السلطة نحو المصالحة، منها أن لقاء الأمناء العامين للفصائل والذي كان مقررا انعقاده بعد أسبوع من اجتماعات اسطنبول جرى تأجيله لأسباب غير معروفة، كما لم يصدر رئيس السلطة مرسوما بالانتخابات كما كان مقررا، وحتى اليوم لا تزال السلطة تعتقل المئات من كوادر حركتي فتح وحماس ولم تشرع في الإفراج عنهم كبادرة تبرهن على حسن النوايا من جهة وجدية التوجه نحو المصالحة من جهة ثانية.

وتذهب تفسيرات أخرى إلى أن موقف أبو مازن هو مجرد تكتيك يستهدف به كسب المزيد من الوقت؛ حتى تسفر الانتخابات الأمريكية عن الرئيس  الجديد للولايات المتحدة  الأمريكية، وهي الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر 2020م، وهي النتائج التي ستنعكس بشكل كبير على مستقبل المشهد الفلسطيني؛ فإذا جرى إعادة انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية، فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه؛ وبالتالي لن يكون أمام أبو مازن سوى مسارين: الأول هو التراجع عن مواقفه والانصياع لضغوط التحالف الأمريكي الإسرائيلي العربي. والثاني، هو الاستقواء بالمصالحة الفلسطينية لمواجهة الموجة الأمريكية الإسرائيلية العاتية والمدعومة عربيا والتي تستهدف إقصاءه وتنصيب دحلان رئيسا. مع تحمل نتيجة اختياره.  إما إذا جرى انتخاب جو بايدن ــ وهو ما يتمناه رئيس السلطة الفلسطينية وتعززه استطلاعات الرأي ــ فإن ذلك ربما يفتح بابا جديدا من الأمل لأبو مازن في استئناف العملية السلمية و استئناف المفاوضات مع الاحتلال؛ وبالتالي لن يكون أبو مازن في حاجة إلى المصالحة الفلسطينية  التي سيجري تجميدها، في ظل الحفاوة باستئناف المفاوضات تحت رعاية الرئيس الأمريكي الجديد. ويعود الثور الفلسطيني إلى الدوران من جديد حول مسار التفاوض العبثي حتى يذهب حتف أنفه أو بأيدي مقربين منه.

الخلاصة، أمام التباين الكبير في المسارات بين  فتح التي تتبنى خيار “التسوية” والتفاوض والاعتراف بالاحتلال وتجريم المقاومة المسلحة باعتبارها شكلا من أشكال الإرهاب؛ ومسار حماس والجهاد الإسلامي الذي يتبنى جميع أشكال المقاومة بما فيها المقاومة المسلحة باعتبارها حقا مشروعا للشعوب المحتلة؛ وفق القانون الدولي؛ فإن المصالحة تبدو مستعصية على الحل؛ يعزز من هذه الفرضية أن حركة فتح والسلطة الفلسطينية لا تزال تتمسك بذات المسار العبثي” مسار أوسلو 1993″ رغم الاعتراف الكامل بفشله وعدم قدرته على تحقيق الأهداف الفلسطينية الكبرى وتحرير الأرض. وبالتالي فإن المصالحة يمكن أن تكون فخا لحركة حماس وحركات المقاومة؛ لأن الانتخابات كمدخل للحل يعني مشاركة حماس في مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير؛ والتي تلتزم وفق اتفاق اوسلو  بالاعتراف بالاحتلال وبحق (إسرائيل) في العيش بسلام. وإدانة المنظمة لاستخدام “الإرهاب” وأعمال العنف الأخرى، في إشارة إلى المقاومة المشروعة، وأجرت بالفعل تعديلات على ميثاقها الوطني لتتماشى مع هذه التحولات الكبرى. بل إن المنظمة التزمت بإجبار جميع عناصرها على هذا التوجه وضبط المخالفين له ما يعني التزامها حرفيا بالقضاء على جميع أشكال المقاومة المسلحة باعتبارها شكلا من أشكال الإرهاب.

لكن الأكثرة خطورة أن مسار أوسلو  صمم المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية للسلطة بحيث تبقى دائما تحت رحمة الاحتلال والإدارة الأمريكية وما يسمى بالمجتمع الدولي؛ فالسلطة فعليا غير قادرة على البقاء والاستمرار دون رعاية وكفالة من الاحتلال والإدارة الأمريكية؛ فهي لا تستطيع تحقيق أي اكتفاء ذاتي من جهة التمويل والغذاء والماء والكهرباء ولا حتى الحصول على المساعدات الدولية دون موافقة من حكومة الاحتلال، بل إن قيادت السلطة أنفسهم لا يملكون حرية الحركة داخل مناطق الضفة الغربية دون موافقة من أجهزة الاحتلال الأمنية. وعبر سنوات طويلة مضت تمكن الاحتلال من تكوين شبكة أو مافيا حاكمة  ترتبط  وجودا وعدما بالاحتلال تستمد منه القوة والنفوذ والسيطرة. وحتى لو أراد أبو مازن الخروج على هذه القواعد التي شارك في تكريسها فسوف يجد من داخل السلطة وأجهزتها الأمنية من يتمردون عليه إمعانا في خدمة أجندة الاحتلال، كما فعل هو من قبل مع ياسر عرفات؛ حيث بات ولاء كثير من هذه الطبقة الحاكمة أولا وأخيرا للاحتلال وليس للسلطة ولا حركة فتح فضلا عن قضية فلسطين التي تعد بالنسبة لهؤلاء مجرد بيزنس يحققون من ورائه ثروات طائلة.

ربما يكون هدف حماس من المشاركة في مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير هو  تحرير  القرار الفلسطيني من التبعية للاحتلال والأمريكان والنظام العربي الرسمي، من أجل تصحيح المسار الفلسطيني الذي بات معظم الشعب مدركا أن “أوسلو” تمثل أكبر انحراف في تاريخ النضال الفلسطيني؛ لأنه أضفى على الاحتلال مشروعية لا يستحقها، ونزع من النضال الفلسطيني أهم خصائصه الأخلاقية، وبات ذريعة لكل المهرولين العرب نحو التطبيع؛ فقد اعترف الفلسطينيون بالاحتلال في اتفاق “أوسلو”؛ فلماذا يدينون العواصم التي طبعت وهم من أول من هرول نحو الاحتلال؟! فهل تريد حماس استخدام أدوات السلطة لحل السلطة ذاتها وسحب قرارات الاعتراف بالاحتلال؟ وهل تستطيع ذلك؟ أم أن أبو مازن سيجمد كل ما يتعلق بالمصالحة بمجرد نجاح “بايدن” ويتجه مهرولا نحو المفاوضات مع الاحتلال من جديد؟  وما يعيق المصالحة حقا أن أجهزة السلطة الأمنية والسياسية قد أفسدهم المال الأمريكي والإسرائيلي؛ فهم عقبة في طريق المصالحة والتحرير، ولن يكونوا أبدا دعما لقضية التحرير والمشروع الوطني الفلسطيني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الهامش والمصادر

  • أحمد صقر/جنرال إسرائيلي يحذر من المصالحة الفلسطينية ويقترح لإفشالها/ عربي “21” الأربعاء، 07 أكتوبر 2020
  • محمد ماجد/تحديات وعقبات في طريق المصالحة بين “فتح” و”حماس”/ وكالة الأناضول 21 سبتمبر 2017
  • د.يوسف حسن/فلسطين في مواجهة تحديات استراتيجية بقلم: د. يوسف يونس/ دنيا الوطن 5 أكتوبر 2020
  • المصالحة الفلسطينية: عراقيل مبكرة من الداخل والخارج/العربي الجديد 04 أكتوبر 2017
  • محسن صالح/ المعوقات العشر للمصالحة الفلسطينية/ الجزيرة نت 8 يونيو 2016
  • محسن محمد صالح/الانتخابات مدخلاً لإصلاح البيت الفلسطيني؟!/ عربي “21” الأحد، 27 سبتمبر 2020
  • معين الطاهر/ أسئلة بشأن الانتخابات الفلسطينية/ العربي الجديد 07 أكتوبر 2020
  • أشرف أبو خصيوان/ المصالحة الفلسطينية … عوامل الفشل المتكرر/ مركز مسارات للدراسات 20 مارس 2019
  • أحمد صقر/قراءة إسرائيلية لفرص المصالحة بين حماس وفتح.. تقارب وفجوات/ “عربي 21” الإثنين، 19 أكتوبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

عودة التنسيق الأمني بين سلطة عباس وإسرائيل …مخاطر أشد وطأة من التطبيع العربي على الفلسطينيين

    بعد نحو ستة أشهر من القطيعة، وعلى عكس عجلة الواقع الصعب الذي تعايشه القضية الفلسط…