‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس الحوار السياسي الليبي في تونس.. التوافقات والتحديات
تونس - ليبيا - نوفمبر 11, 2020

الحوار السياسي الليبي في تونس.. التوافقات والتحديات

بعد عقد اجتماع برعاية الأمم المتحدة بصفة افتراضية في تونس (عبر تقنية الاتصال المرئي) يوم 26 أكتوبر 2020، فقد تم الاتفاق على أن يُعقد أول اجتماع مباشر بين الأطراف الليبية يوم 9 نوفمبر 2020، في مدينة جربة التونسية بمشاركة 13 ممثلًا من الطرفين الليبيين الرئيسَيْن (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة)، بالإضافة إلى أكثر من 70 شخصية ليبية تختارهم بعثة الأمم المتحدة، على ألا يتولى المشاركون في ما بعد أي مسؤوليات سياسية قيادية في المرحلة الانتقالية.

والمطلوب من اجتماعات جربة الاتفاقُ على رئيس المجلس الرئاسي ونائبين له، على أن تكون وظيفته مفصولة عن رئاسة الحكومة، وتعيين رئيس للحكومة مع نائبيه، وتسمية المسؤولين عن الوظائف السيادية الكبرى، على أن تتولى الحكومة الانتقالية تسيير المرحلة المقبلة، بما فيها كتابة دستور جديد للبلاد، وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة، تعيد ليبيا إلى الوضع الدستوري الطبيعي[1].

ويأتي انطلاق الحوار السياسي في تونس مع وجود توافقات محلية وإقليمية ودولية، تتمثل في:

1- إعادة بناء الواجهة السياسية الحاكمة في ليبيا، بما يعني تعديل قواعد اللعبة المتولدة عن اتفاق الصخيرات 2015، وإزاحة الوجوه القيادية في الصراع، وفي مقدمتها رئيس الحكومة فايز السراج، الذي كان قد أعلن خروجه من الساحة السياسية (قبل تراجعه عن ذلك مؤخرًا)، مع تراجُع دور خليفة حفتر لصالح القيادات السياسية والقبلية في الشرق الليبي، وفي مقدمتها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

2- تعيين رئيس جديد للمجلس الرئاسي الجديد، قد يكون غالبًا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، مع نائبين من الغرب والجنوب.

3- تعيين رئيس للحكومة من الشخصيات التكنوقراطية الإجماعية، على أن يكون من الغرب الليبي، ومقبولًا من طرف الجماعات السياسية النافذة في مصراتة وطرابلس والزنتان[2].

وفي الغالب سيكون وزير الداخلية فتحي شاغا -خاصة وأن باشاغا أكثر قبولًا من القاهرة، التي قام بزيارتها في 4 نوفمبر الجاري- الأقرب لتولي هذا المنصب؛ لعدة اعتبارات، منها: أن هناك اتصالات منذ فترة بين باشاغا والجانب المصري؛ فقد جرى التنسيق معه بشكل مباشر خلال أزمة تعرض العمال المصريين للإهانة في مدينة ترهونة، وكذا اختطاف عدد من العمال المصريين في مدينة بني وليد، في أكتوبر الماضي.

كما أن باشاغا يحظى بدعم الجانب الأمريكي، الذي لعب دورًا بارزًا في التقريب بين القاهرة وباشاغا، الذي يتولى عملية موسعة لملاحقة العناصر المتطرفة، وتفكيك المليشيات المسلحة، ودمجها ضمن هياكل نظامية، تتبع الجيش الليبي؛ بحيث تكون خاضعة للإشراف والرقابة.

وأخيرًا، فإن باشاغا سيكون حلقة الوصل بين القاهرة وأنقرة، في ظل العلاقات التي تربط باشاغا بتركيا؛ ما يعني أنه سيكون أكثر قدرة على الالتزام بألا تشكل تركيا مصدر تهديد على الحدود المصرية الغربية مستقبلًا[3].

 

إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي تقف أمام هذه التوافقات، تتمثل أبرزها في:

1- توجس عدة أطراف سياسية وعسكرية في الغرب الليبي من الأسماء الـ 75، التي اختارتها البعثة الأممية للمشاركة في حوار تونس.

وأبرز التحفظات التي يطرحها قادة عملية بركان الغضب، التابعة للجيش الليبي، الغموض في طريقة اختيار أسماء يقولون إنها لا تملك ثقلًا سياسيًّا أو عسكريًّا، وعدم وجود من يمثلهم في هذا الحوار المصيري، رغم أنهم لعبوا الدور الأساسي في طرد مليشيات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر من الغرب الليبي، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من اقتحام العاصمة طرابلس.

كما يخشى قادة “بركان الغضب” من أن تنجح مليشيات حفتر، في نقل شرعية السلطة التنفيذية من الغرب إلى الشرق، في حال تم اختيار مجلس رئاسي جديد بقيادة عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، التابع لحفتر. كما ستنقل مقرات المؤسسات الرسمية من طرابلس إلى مدينة سرت، الخاضعة حاليًّا لمليشيات حفتر، وحتى إن تم سحب الأخيرة من داخل المدينة، فإنها ستكون أقرب إليها من قوات بركان الغضب.

والسيناريو الأسوأ بالنسبة إلى قوات بركان الغضب، أن يقوم صالح بنزع الشرعية منها، وإلغاء الاتفاقية الأمنية مع تركيا، بشكل يسهل من مهمة مليشيات حفتر في القضاء عليها، ودخول طرابلس بسهولة، بعد أن يكون حرم خصومه من أقوى ورقتين في أيديهم، الشرعية ودعم تركيا[4].

وربما كان ذلك من أهم الدوافع التي أدت إلى تراجع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج عن استقالته التي أعلن عنها في أكتوبر الماضي. كما أنه يفسر تأكيد وزير الدفاع في حكومة الوفاق “صلاح النمروش” أن وقف إطلاق النار لن يؤثر على اتفاقيات الدفاع بين تركيا وحكومة الوفاق.

2- الخلاف بين تركيا وقطر من جانب وفرنسا والإمارات ومصر من جانب آخر، فيما يتعلق بمدى مشاركة جماعة “الإخوان المسلمين”، التي يشغل حلفاؤها وأعضاؤها مناصب رئيسة في حكومة الوفاق.

وربما ذلك ما يفسر الانتقادات التي تم توجيهها من قبل الإعلام الإماراتي والسعودي والمصري للشخصيات التي تم اختيارها من قبل البعثة الأممية لحضور ملتقى تونس، وادعاء أن أغلب الشخصيات ينتمون لجماعة الإخوان.

3- إمكانية لجوء حفتر مرة أخرى للعمل العسكري؛ خاصة إذا أسفرت المفاوضات عن نتائج تهدد مصالحه، مثل:

– عدم القدرة على الاتفاق على آلية شفافة لتوزيع عائدات النفط، و/ أو تعيين محافظ بنك مركزي جديد غير متحالف سياسيًّا مع “حفتر” أو شرق ليبيا؛ الأمر الذي من شأنه أن يجلب المزيد من الدعم القبلي لقطع صادرات النفط مرة أخرى.

– تعيين خصوم “حفتر” والمسؤولين الموالين لتركيا في مناصب دفاعية وعسكرية في الحكومة، و/ أو تعيين شخصيات مؤيدة لـ “الإخوان المسلمين” في مناصب بارزة في الحكومة؛ الأمر الذي من شأنه دفع كل من “حفتر” وداعميه الخارجيين -مثل الإمارات- لاتخاذ موقف أكثر عدائية في المفاوضات السياسية.

– قد يدفع استمرار الدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق أيضًا “حفتر” وأنصارَه إلى العودة إلى التكتيكات القسرية في المفاوضات.

وهكذا، فبالنظر إلى صعوبة الأمر المتمثل في حل جميع المخاوف التي أعرب عنها “حفتر” وخصومه، سيكون من المرجح للغاية عودة قواته في نهاية المطاف إلى الممارسات القسرية أثناء المفاوضات، فيما يمكن أن يعطل عملية السلام الأوسع.

وسبق أن عطل “حفتر” المفاوضات من خلال تحركات عدوانية في مناسبات متعددة في الماضي، ونظرًا للقيود العسكرية الحالية على تحركات قوات “حفتر”، فقد يكون تعطيل صادرات النفط هو الطريقة التي يميل لها “حفتر” إذا قرر الإفساد. وقد يتجلى الخيار غير النفطي المحتمل في المنافسة على النفوذ والعمليات العسكرية في جنوب غرب ليبيا، لكن ذلك سيكون له فوائد محدودة، بالنظر إلى النفوذ الكبير لقوات “حفتر” القائم بالفعل في المنطقة[5].

————————–

[1]  “آفاق الحل السياسي في ليبيا بعد الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار”، مركز الإمارات للسياسات، 2/11/2020، الرابط: https://bit.ly/2GxSz2w
[2]  المرجع السابق.
[3]  “وزير داخلية “الوفاق” إلى القاهرة: دور أمريكي في التقارب، ومساعٍ لتأمين خلافته للسراج في ليبيا”، العربي الجديد، 3/11/2020، الرابط: https://bit.ly/3k4ou8w
[4]  “ليبيا .. حوار تونس يواجه انتقادات قبل انطلاقه (تحليل)”، الأناضول، 4/11/2020، الرابط: https://bit.ly/32dE37t
[5]  ستراتفورد، “أبرزها أطماع حفتر .. تحديات هائلة أمام التسوية السياسية الشاملة في ليبيا”، الخليج الجديد (مترجم)، 4/11/2020، الرابط: https://bit.ly/36bsvCU

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء مل…