‫الرئيسية‬ إفريقيا دراسة: التطبيع الصهيوني الصومالي.. تاريخ طويل من السجالات ومستقبل ملتبس
إفريقيا - الصومال - نوفمبر 12, 2020

دراسة: التطبيع الصهيوني الصومالي.. تاريخ طويل من السجالات ومستقبل ملتبس

منذ سنوات، يتعرض الصومال لضغوط أمريكية وإسرائيلية من أجل تطبيع العلاقات مع تل أبيب، وإعلان اتفاق إقامة علاقات رسمية بين الطرفين، وذلك امتدادا لتاريخ طويل من العلاقات والتقاطعات السياسية بين الكيان الصهيوني ودولة الصومال، عبر تاريخ  الصراعات على أراضيها، كذلك تتقاطع على أراضي الصومال العديد من الأجندات الإقليمية والدولية، نظرا لموقعها الاستراتيجي في القرن الإفريقي.

والأسبوع الماضي، كشف حساب “الصومال بالعربية”، على موقع “تويتر” أن مصادر مطلعة تؤكد تعرض الحكومة الصومالية لضغوطات سياسية وابتزاز من قبل إدارة الرئيس الأمريكي -الخاسر بالانتخابات- دونالد ترامب للتطبيع مع إسرائيل” وبحسب دوائر سياسية إفريقية، قوبلت الضغوطات الأمريكية بالرفض من قبل الرئيس الصومالي “محمد عبدالله فرماجو”، والحكومة الصومالية.

وفي نفس السياق، استدعت الخارجية الصومالية، مطلع نوفمبر الجاري، السفير المصري في مقديشيو وحذرته من مغبة الانسياق وراء سياسات أبوظبي والتدخل في الشأن الداخلي الصومالي. وقال مقربون من الخارجية الصومالية؛ إن المخابرات المصرية بإيعاز من الإمارات رتبتا لقاء بين المرشح الرئاسي “حسن شيخ” ومسؤولين إسرائيليين في القاهرة، لدعم حملته الانتخابية مقابل التطبيع مع إسرائيل.

 

تاريخ العلاقات الصومالية الإسرائيلية

وبحسب الباحث المصري المتخصص في الشئون الإفريقية، د. سامي صبري عبد القوي، تنطلق أهمية الصومال إسرائيليًّا، من كونها إحدى الدول الرئيسة المكوِّنة لمنطقة للقرن الإفريقي، والتي تُمثل بدورها أهميةً قصوى في التوجه العام للسياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا؛ نظرًا لما تتسم به  تلك المنطقة من خصائص استراتيجية تبدو فريدة، بجانب تقاطعها مع مناطق جيو-استراتيجية عدة تنطلق منها؛ وهو ما جعلها دائمًا وأبدًا محط أنظار القوى الإقليمية والدولية. حيث تطل  على خليج عدن والمحيط الهندي، والمُشرف على مدخل باب المندب الجنوبي، والطريق عبر البحر الأحمر، وقناة السويس، واقترابها من حقول النفط بالشرق الأوسط.

ورغم محاولات إسرائيل العديدة تأسيس علاقات دبلوماسية مع الصومال، وتطبيع العلاقات معها في مختلف المجالات، غير أن المتغيرات الأمنية سواءً المتصلة بتنامي ظاهرة القرصنة أمام السواحل الصومالية، وتهديدها لحركة التجارة العالمية، أو المتصلة بنشاط حركة الشباب الصومالية، التي تُصنِّفها إسرائيل كحركة إرهابية معادية لها؛ قد جعلت من الصومال -حسب وصف البعض- الغائب الحاضر في العديد من الاتفاقيات والمحادثات الأمنية بين إسرائيل ودول المنطقة، وفي مقدمتها كينيا وإثيوبيا، وقد كرَّس ذلك من جعل الصومال هدفًا مهمًّا لتكثيف التغلغل الإسرائيلي، لا سيما خلال السنوات القليلة الفائتة، وفق دراسة غادة محمد أحمد زيان: “السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الإفريقي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر” .

ووفق دراسة “الصومال في الاستراتيجية الاسرائيلية”  المنشورة في موقع “قراءات افريقية”، في العام 2017، توجهت سياسة إسرائيل إزاء الصومال في الفترة ما بين استقلالها، حتى انهيار الدولة، متناقضةً على نحوٍ كبيرٍ في وسائلها، لكنها في نهاية المطاف رَمَتْ إلى تحقيق هدفٍ واحدٍ؛ ألا وهو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع تلك الدولة، وتطبيع العلاقات معها، مهما كانت الكلفة ترغيبًا وترهيبًا.

وفي خمسينيات القرن المضي، ووفق سياسات جولدا مائير لخقل أرضية في الدول المقبلة على الاستقلال، اتجهت إسرائيل قبيل استقلال الصومال بعدة أشهر، إلى التمهيد لإقامة علاقات معه؛ ففي أواخر عام 1959م، التقت وزيرة الخارجية جولدا مائير بالدكتور محمد جيو، أحد قادة حركة المقاومة الصومالية، خلال وجوده في ليبيريا، التي كانت تزورها حينذاك، وعرضت عليه مساعدة إسرائيل الاقتصادية للصومال بعد الاستقلال.

وفي 6 يونيو 1960م، قام راحاميم  تيمور مسئول وحدة تشغيل العملاء في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (آمان)، والقنصل الأسبق لإسرائيل في أديس أبابا؛ بزيارة مقديشيو، واتصل بكلٍّ من عبد الله عيسى رئيس وزراء الصومال، ومحمد جيو الذي أصبح وزيرًا للدستور، وكرَّر عليهما عرض مائير.

وفي 30 يونيو 1960م، بعث الرئيس الإسرائيلي إسحاق بن زئيفي برقية تهنئة للرئيس الصومالي بمناسبة استقلال بلاده، أعلن فيها اعتراف تل أبيب بالدولة الصومالية الجديدة، إلا أن الحكومة الصومالية تجاهلت البرقية.

ومنذ تلك اللحظة تبنَّت الصومال خطًّا قوميًّا معاديًا لإسرائيل، بل وانضمت إلى جامعة الدول العربية، أي: أصبحت دولة عربية، ومِن ثَمَّ باتت الصومال تُعِدُّ نفسها في حالة حرب مع إسرائيل، بحكم انتمائها للعالم العربي؛ وبذلك قطعت الطريق أمام محاولات إسرائيل تأسيس علاقات دبلوماسية معها، فاتجهت إسرائيل نجو توثيق علاقاتها بأديس أبابا ضد الصومال، خاصة فيما يتعلق بإقليم أوجادين الصومالي، الذي تحتله إثيوبيا، وقد انفجرت أول حرب على الحدود بين إثيوبيا والصومال خلال شهري يناير وفبراير 1964م، ولم تتوقف إلا بعد تدخُّل منظمة الوحدة الإفريقية ودعوتها طرفي النزاع إلى وقف إطلاق النار بينهما في منتصف فبراير 1964م، وقامت إسرائيل بدعم الجيش الاثيوبي وارسال مدربين عسكريين إليه .

وعندما نشب نزاع مسلح بين إثيوبيا والصومال خلال عامي 1977-1978 حول إقليم أوجادين؛ كان هناك اعتقاد إسرائيلي أنه في حالة استقلال أوجادين؛ فإنها ستنضم إلى الصومال لا محالة، مما يعني توسع الحدود الصومالية على حساب إثيوبيا، وهو ما عدته إسرائيل يُشكِّل خطرًا عليها، باعتبار أن الصومال يمثل أحد أطراف صراعها مع العرب، وأن أية زيادة في قوتها-أي الصومال- تعني مزيدًا من القوة “للعدو” وتجلت رؤية مناحم بيجن، رئيس وزراء إسرائيل، في عدم رؤية البحر الأحمر والقرن الإفريقي خاضعًا لهيمنة العرب، وخاصة مِن قِبَل مَن أسماهم بالعرب “المتطرفين” !وشاركت إسرائيل بجانب إثيوبيا في حرب الأوجادين ، على الرغم من مقاطعة أمريكا لإثيوبيا، وهو ما دفع إثيوبيا للتوجه نحو الاتحاد السوفييتي طلبًا للمساعدة العسكرية، ولعبت اسرائيل دورا كبيرا في تطوير الطائرات والصواريخ في اثيوبيا، ومع الحرب الأهلية الصومالية، وانهيار الدولة ، جعلها “بيئة مثلى” للتغلغل الإسرائيلي، لكنه أضحى نسبيًّا بعد أن بدأت الصومال تخطو خطواتها صوب إعادة بناء مؤسساتها.

وبحسب تقرير لموقع “الصومال الجديد”، عقب سقوط نظام سياد بري عام 1991م، وتردّي الأوضاع الداخلية وغياب الأُطُر المؤسساتية، وانفراط عقد الدولة وانهيارها. وجدت إسرائيل في ذلك فرصة مواتية للتغلغل داخل الصومال؛ وهو ما تمَّ على نحو فعلي عبر آليتين؛ هما: الواجهة التجارية، ومساندة إحدى الفصائل ضد الأخرى والاتصال بقوى المعارضة. وكان الموساد قائد تنفيذ هاتين الآليتين لا سيما بعد نشر تقارير عن وجود عناصر تابعة له داخل معسكرات القوات الدولية، التي كانت تعمل بالصومال تحت ستار واجهة شركات هولندية معنية بتوفير مستلزمات الجنود.

وبرزت في هذا الصدد شخصية “ديفيد مورس” وهو يهودي أسترالي كانت له علاقات قوية بالموساد، وقد بدأ نشاطه مع دخول القوات الدولية للصومال في عام 1992م، وتميز بقدرته الواسعة على التواصل والتغلغل في الوسطين السياسي والتجاري؛ حيث مُنِحَ عدة عطاءات من الأمم المتحدة لتوريد المواد الغذائية لقواتها في الصومال، كما تمكَّن من الانتشار في الوسط التجاري في العاصمة مقديشيو، بعدما اتسع نشاطه بها ليشمل عدة مجالات، أبرزها: تحلية المياه، وتصدير الماشية، وتوريد المواد الغذائية. وقد اغتيل في أبريل 1995م، من قِبل عناصر مسلحة، ونَسْجت اسرائيل علاقات مع قادة الفصائل الصومالية، وذلك من خلال مشاركتها في المؤتمر الدولي الثاني لتنسيق المساعدات الإنسانية للصومال في أديس أبابا في ديسمبر 1992،  وقد تبرعت إسرائيل في هذا المؤتمر بثلاثة ملايين دولار، كمساعدات إنسانية للاجئين الصوماليين الذين نزحوا إلى البلدان المجاورة. ولم تحصل إسرائيل على إذن بالمشاركة في المؤتمرات اللاحقة الأخرى، سواء التي عُقِدَت في القاهرة عام 1997م، أو طرابلس عام 1998م، أو جيبوتي عام 2000 .

وقد استمرت محاولات إسرائيل الاتصال بقادة الفصائل الصومالية المتمردة، سواءً على نحو مباشر أو غير مباشر من خلال إثيوبيا؛ بهدف إيجاد عناصر موالية لها. وفي ضوء ذلك اقترحت بعض الفصائل الصومالية على الحكومة الإسرائيلية في فبراير 2001م، إمكانية المساعدة في استعمال المطارات التي كانت تحت سيطرتهم. وعلى خلفية هذا الاقتراح عُقِدَ اجتماع في إثيوبيا بين بعض زعماء تلك الفصائل وأحد أعضاء الكنيست للتباحث في الأمر، بل شاركت اسرائيل بصفة مراقب، بمؤتمر الصلح الصومالي الذي انعقد في كينيا عام 2003م؛  والاكثر من ذلك قام عملاء الموساد بزيارة مقديشيو سرًّا تحت غطاء صحفيين ومستثمرين أجانب، حيث نزلوا ضيوفًا على أحد زعماء تلك الفصائل، وعقدوا اجتماعًا مع بعض أمراء الحرب .

ووفق دورية “الصومال الجديد”، خلال الغزو الإثيوبي- الأمريكي للصومال في ديسمبر 2006م، لعبت إسرائيل دورًا في دَحْر سلطة المحاكم الإسلامية عن طريق دعمها للجيش الإثيوبي الغازي. وطبقًا لتقرير بثته إذاعة صوت إسرائيل عقب الغزو؛ فقد شارك العسكريون الإسرائيليون المنحدرون من أصول يهود الفلاشا في خوض الحرب ضد المحاكم، كما أوضح التقرير أن بعضًا من اليهود الصوماليين وبالتعاون مع الفلاشا، قاموا إبَّان تلك الحرب بجمع تبرعات مالية وبمجهودات مكثفة، لحثِّ الحكومة الإسرائيلية على مساعدة القوات الإثيوبية الغازية للصومال، وتوفير المال والعتاد اللازم لها لمواجهة المحاكم؛ وذلك انطلاقًا من اعتقاد إسرائيلي بأن انتصار تلك المحاكم كان سيؤدي إلى هدر حقوق الطائفة اليهودية بالصومال، و”تعريض حقهم في أرضهم المقدسة للخطر.

وهو ما خلق بدوره عداء من قبل الاسلاميين الصوماليين لاسرائيل، ودخلت حركة الشباب الصومالية في حلقة العداء الإسرائيلي لها، حتى إن جُلّ التعاون الأمني بين تل أبيب ونيروبي أصبح موجَّهًا على نحوٍ أكثر تركيزًا ضد تلك الحركة؛ بدءًا من الاتفاق الأمني بينهما في عام 2011م؛ مرورًا بالتدخل الإسرائيلي إبَّان أحداث الهجوم المسلح الذي شنته مجموعة من حركة الشباب على المركز التجاري “ويستجيت”Westgate  بنيروبي في 21 سبتمبر 2013م، الذي يمتلك الإسرائيليون فيه عدة مؤسسات؛ حيث تورطت إسرائيل في مهمة إنقاذ الرهائن الذين اتخذتهم حركة الشباب دروعًا بشرية؛ وصولاً إلى  بناء جهاز مشترك عام 2014م “لمواجهة الإرهاب” في البلدين.وقد سعت إسرائيل في الآونة الأخيرة إلى بناء تحالف أمني إقليمي لمواجهة حركة الشباب بعد أن باتت تمثل تهديدًا لمصالحها المختلفة في القارة الإفريقية، ولا سيما القرن الإفريقي؛ فخلال حفل الإعلان عن تشكيل “لوبي إفريقيا-إسرائيل” في الكنيست، في 29 فبراير 2016م، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على أهمية التعاون الأمني، في مواجهة ما أطلق عليه “التشدد الإسلامي والإرهاب” الذي عده يهدد أيّ دولة إفريقية، مختصًّا بذلك حركة الشباب الصومالية. وبناءً عليه أعلن استعداد إسرائيل التعاون مع دول شرق إفريقيا -بصفة خاصة- بوضع خبرتها في هذا الجانب تحت تصرُّف تلك الدول، معتبرًا أن الكثير منها تهتم بتعزيز العلاقات مع إسرائيل -على المستوى الأمني- من أجل “مواجهة قوى التشدد الإسلامي ومحاربتها.

 

أرض الصومال معبر إسرائيلي

وفي استغلال للتفكك والانشطارات الجيوسياسية بالصومال، استغلت إسرائيل الحرب الأهلية، وتمكَّنت من مدِّ جسور التواصل مع أول إقليم أعلن انفصاله في الصومال في مايو 1991م، عقب سقوط نظام سياد بري، تحت مسمى “جمهورية أرض الصومال”، وقد اختير محمد عقال رئيسًا له. وحقيقة كان عقال مهيأً بدوره للتواصل مع إسرائيل بعدما أدار ظهره للعالم العربي؛ وفي ضوء ذلك بادر بإرسال خطاب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في الثالث من يوليو 1995م، طلب فيه عقد اتفاقية استراتيجية مع إسرائيل؛ لمواجهة ما أطلق عليه “الأصولية الإسلامية”، طالبًا منه التدخل لوقف هذا “الخطر”، وحدَّد عقال مطالبه في ثلاث: مد “جمهورية أرض الصومال” بالمعدات العسكرية والخبراء، وإدارة ومراقبة الاستفتاء فيها نهاية 1996م، وتقديم المعونات لها .

ولم تتسرع اسرائيل في تلك المرحلة، مخافة استثارة الفصائل الأخرى والتكتل ضدها بالقرن الافريقي، فسعت للولوج الى “أرض الصومال” بطرق ملتوية ، عبر الاستثمارات، ورجال الأعمال التابعين لشركة “شاليفيت. أيه.أس إنترناشيونال القابضة” للمشاركة في توسيع مطار بربرة ومينائها، وإعادة تأهيلهما، وإقامة مكتب اتصال فيهما، وتعبيد الطرق المؤدية إلى المطار والميناء وتحسينها، وإعادة بناء وسط المدينة التي دمَّرته الحرب الأهلية، فضلًا عن إقامة المشاريع الزراعية والاستثمار في مجال التعدين، بل وصل الأمر، لتوقيع محمد عقال اتفاقية مع إسرائيل في نوفمبر 2001م، تضمنت تقديم مساعدات عسكرية لأرض الصومال وتدريب أفرادها، وبقت العلاقات متسعة ، إلا أن إسرائيل لم تعترف بأرض الصومال كدولة، في ظل عدم اعتراف المجتمع الدولي بها.

 

القرصنة البحرية والعودة نحو الصومال

ومع استشراء القرصنة البحرية بالسواحل الصومالية، وتعرض مصالحها للخطر- لا سيما بعد حادث تعرض إحدى سفنها المسماة “أفريكا ستار” للقرصنة قبالة تلك السواحل- قد دفع إسرائيل إلى اختبار مدى تقبُّل الرأي العام لقرار اعترافها بأرض الصومال” التي تشارك  بموقعها الاستراتيجي في التحكم في مضيق باب المندب وخليج عدن، فأعلنت في 11 فبراير 2010م، عن استعدادها للاعتراف بأرض الصومال، ورغبتها في أن تجد دولة إسلامية صديقة في القرن الإفريقي، مشبِّهة الصومال بأفغانستان أخرى بالمنطقة، واستهدفت إسرائيل من ذلك السيطرة على مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر؛ حيث إن مراقبة هذا الممر تعني القدرة على عرقلة الحركة الملاحية الآتية من منطقة الشمال، وتحديدًا من قناة السويس، كما تهدف إلى استثمار هذه المنطقة لإقامة قاعدة عسكرية وإرساء الغواصات الحربية في ميناء بربرة، وهو ما يعني – في مجمله – محاولة خلق وجود عسكري إسرائيلي في الصومال.

ذلك التوجه دفع الحكومة الصومالية المركزية للاقدام على تطبيع العلاقات معها. وربما وَعَتْ مقديشيو ذلك المقصد ولو على نحو بطيء، ومن ثَمَّ بدأت فتح قنوات تواصل مع إسرائيل بخطى بطيئة وفي سرية تامة، على الأقل من طرفها، وقد تبلور ذلك في عقد أول لقاء بين مسئولين رسميين من البلدين- وإن كان على مستوى منخفض- في إسرائيل في ديسمبر 2015م، شارك فيه ممثلون من وزارة المالية الإسرائيلية ومسئولين بالحكومة الصومالية. وبعد ذلك عُقِدَ لقاء آخر جمع بين الطرفين الصومالي، وبعد ستة أشهر من هذا اللقاء، ذكرت مصادر إسرائيلية أن لقاءً رفيع المستوى عُقِدَ في إسرائيل في يونيو 2016م بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود- إبَّان وجوده في السلطة- وثلاثة مسئولين صوماليين آخرين .

وبحسب تقرير لموقع “تايمز أوف إسرائيل” في الخامس من شهر يوليو 2016، تسرب خبر اللقاء إبَّان زيارة نتانياهو لمنطقتي حوض النيل والقرن الإفريقي في مطلع يوليو 2016م. وسارعت وزارة الخارجية الصومالية بدورها إلى نفي حدوث مثل هذا اللقاء البتة، مع تذييل النفي بالتأكيد على حق الحكومة في بناء علاقات مع دول الحلفاء أو دول الجوار؛ لحاجة البلاد إلى الخروج من العزلة الإقليمية. وهو اتجاه براجماتي، لقطع الطريق على اعتراف اسرائيل بأرض الصومال، والتقارب عبر البوابة الاسرائيلية مع أمريكالصالح الصومال. وعلى خلاف سلفه، بدت سياسة الرئيس الصومالي الحالي محمد عبد الله فرماجو، تجاه إسرائيل قاطعة –حتى الآن- ولم تترك مجالاً للتواصل معها، وكان أول اختبار لهذه السياسة رفضه المشاركة في اجتماع ضم نتنياهو وعددًا من القادة الأفارقة، الذين شاركوا في حفل تنصيب الرئيس الكيني أوهورو كينياتا في نوفمبر 2017.

في غضون ذلك، وفي سياق السجالات السياسية نحو التطبيع، وفي مارس 2019، أشار موقع “تايمز أوف إسرائيل” إلى امتناع الصومال في 22 مارس2019، عن التصويت على مشروع قرار تحت عنوان “حقوق الإنسان في الجولان السوري المحتل” في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف،  وهي المرة الأولى التي تفوت فيها دولة عضو في جامعة الدول العربية الفرصة لإدانة الدولة اليهودية في محفل دولي، بحسب الصحيفة الاسرائيلية، وأثارت هذه الخطوة نوعا من الاستغراب، لأن مقديشو كانت تصوت بشكل تقليدي ضد إسرائيل، بغض النظر عن المسألة المطروحة، كما أنها صوتت في اليوم نفسه لصالح مشاريع قرارات أخرى ضد إسرائيل، وفي وقت لاحق كررت رفضها المطالب الإسرائيلية بشأن الجولان، وفي 26 مارس، أي بعد أربعة أيام من قرارها، المفاجئ وفي اليوم الذي اعترف ترامب فيه رسميا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، أصدرت الحكومة الصومالية بيانا كررت فيه “موقفها الثابت بأن أراضي مرتفعات الجولان هي أرض سورية تحتلها إسرائيل بشكل غير قانوني”، في حين قال مسؤول حكومي رفيع المستوى للصحافيين إنه “فوجئ” من قرار الامتناع عن التصويت على مشروع القرار المتعلق بالجولان، مضيفا أن ذلك “يتعارض مع موقف الحكومة الرسمي”.

وقامت وزارة الخارجية الصومالية باستدعاء سفيرتها في سويسرا، فاطمة عبد الله محمود، فيما طالب مدير مكتب وزارة الخارجية الصومالية عبد الله طول، والذي يعمل في السلك الدبلوماسي الصومالي منذ عام 1983م، دعا عبر تويتر إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين مقديشو وتل أبيب، معتبرا أن “هذه مسألة طال انتظارها” وأن “إنشاء علاقات دبلوماسية لا يضر أحدا بل يعزز السلام والتعاون”. منذ ذلك الحين قام طول بإزالة تغريداته وقال إنه كان يعبّر عن رأيه الشخصي فقط. لكن ذلك لم يمنع رؤسائه من إقالته، إلا أن طول أعاد صباح الاثنين تأكيد موقفه بشأن الدولة اليهودية في رسالة إلكترونية بعث بها لـ”تايمز أوف إسرائيل”، كتب فيها: “أنا أؤيد بكل تأكيد العلاقات مع إسرائيل، وفي بلدنا هناك العديد من المسؤولين المؤيدين لها أيضا، وهناك من هم ضد ذلك، قد يستغرق الأمر بضع سنوات أخرى حتى تقرر الصومال إنشاء علاقات”.

 

فرص النجاح والفشل بمسار التطبيع

وفي إطار هذا المسعى، وبعيدًا عن مفارقة موقفي فرماجو وشيخ محمود من إشكالية التواصل مع إسرائيل، فإن التساؤل الذي أصبح يطرح نفسه، هو مدى قدرة الحكومة المركزية بمقديشيو على التجاوب مع محاولات إسرائيل الدؤوبة لجرِّها إلى ساحة التطبيع، سواءً من خلال محاولات التواصل مع النُّخَب الصومالية ودوائر صنع القرار، أم محاولات الضغط على تلك الحكومة، من خلال التهديد بين فينة وأخرى باعترافها بـجمهورية أرض الصومال. ولعل التطورات المتلاحقة في سجل التطبيع المستهدف إسرائييليا وأمريكيا، يتواجه بالعديد من العراقيل، منها التقارب التركي الصومالي والمشروعات الضخمة التي تقييمها تركيا على أراضي الصومال، إلا أن أدوارا اخرى تبدو مساعدة لمشروع التطبيع، منها الدور الإماراتي والدور المصري الداعم لإسرائيل.

 

تعويض سحب الجنود الأمريكيين هدف إسرائيلي

في 14 أكتوبر  الماضي، كشفت مصادر دبلوماسية أمريكية، لوكالة الأنباء الألمانية، إن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قال لبعض مستشاريه إنه يرغب بسحب القوات الأمريكية من الصومال. وفق تعهداته الانتخابية، بإعادة الجنود إلى الوطن، وذلك رغم أن المسلحين الموالين لتنظيم “القاعدة” لا يزالون يشنون هجمات في الصومال، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية، ووفقا للمصادر، شملت المناقشات مستشار الأمن القومي “روبرت أوبراين”، ووزير الدفاع “مارك إسبر”، ورئيس الأركان المشتركة “مارك ميلي”. وبدأت وزارة الدفاع الأمريكية صياغة خطط للرئيس حول هذا الأمر. وللولايات المتحدة حوالي 700 جندي في الصومال، معظمهم من القوات الخاصة يساعدون في تدريب الجيش الصومالي، وأرسل معظمهم إلى الصومال خلال رئاسة” ترامب”، وهو ما يبقى هدفا استراتيجيا للسياسة الأمريكية، بعد رخيل ترامب عن البيت الأبيض، إذ أن السياسات الأمريكية تصاغ بشكل مركزي، وهو ما حدث وتكرر سابقا في العراق وافغانستان، عبر توقيع اتفاقات سلام، بين الأطراف المتسارعة.

وهو ما سيكون هدف إسرائيل الاستراتيجي في الفترة المقبلة، لوقف التمدد الإسلامي بالقرن الافريقي، وإكمال تأمين ححدودها الجنوبية الممتدة للسودان ثم الصومال، لوقف أية امدادات عسكرية لحركات المقاومة من خلال الججبهة الجنوبية، بجانب الإقتراب من التحكم في البحر الأحمر، بصورة أوسع، بعد اتفاقها مع الإمارات للتطبيع ما مكنها من التواجد البكير في الجزر اليمنية وخاصة سقطري، وبعد بيع مصر جزيرتي تيران وصنافير للسعودية ما وسع من الدور الإسرائيلي في أمن وترتيبات الملاحة في البحر الأحمر، وخاصة لتأمين خط النفط الانبوبي بين دول الخليج وإسرائيل، لنقله عبر البحر المتوسط عبر إسرائيل، وليس قناة السويس.

 

المصالح الإماراتية ودورها في تسهيل التطبيع الصهيوني

وتنشط في الفترة الأخيرة التحركات الإماراتية في منطقة القرن الافريقي، وبشكل خاص في مناطق الصومال، التي تشهد تفاعلات متلاحقة، يخشى معها تمدد النموذج الإماراتي باليمن إلى الصومال، الذي يواجه انقسامات حادة، وتصاعد استغلال الإمارات ظروف الانقسامات وعدم الاستقرار وانعدام الأمن في الصومال، لتحقيق أهدافها التوسعية، ووجدت الإمارات أرضا خصبة للتدخل في الصومال، حيث تبحث اثنتان من الولايات الفيدرالية المكونة للصومال، وهما صوماليلاند وبونتلاند، عن الاستقلال عن الحكومة المركزية التي فشلت في توفير روح الوحدة والتنمية اللازمة. وتتمتع كلا الولايتين بموقع جيوسياسي، حيث تمتدان على طول الساحل الجنوبي لخليج عدن، مما يوفر منطقة نفوذ مهمة على الجانب الآخر من جنوب اليمن.

ومع ضعف الحكومة المركزية في الصومال واعتمادها على المساعدات الدولية، جعلها غير قادرة على تحدي خطط الإمارات. ومع تخلي المجتمع الدولي عن أي محاولة جادة للانخراط في الشؤون الصومالية، وجدت الإمارات الطموحة أنه من السهل العثور على محاورين راغبين في الحصول على المساعدات وتقديم التنازلات في المقابل في كل من صوماليلاند وبونتلاند. وأقامت الإمارات علاقات اقتصادية وعسكرية مزدهرة مع صوماليلاند “أرض الصومال” التي أعلنت استقلالها من جانب واحد عام 1991. وفي مارس 2019، قام رئيس أرض الصومال، “موسى بيهي عبدي” برحلة مدتها 6 أيام إلى الإمارات، حيث التقى بالمسؤولين ووقع اتفاقية لتوسيع مطار “بربرة”، الذي بناه الاتحاد السوفييتي في السبعينيات، لاستيعاب الطائرات الكبيرة.

وتقوم الإمارات بتشغيل المطار والميناء في مقابل العديد من مشاريع البنية التحتية في المنطقة، وستحصل على قاعدة عسكرية قريبة منه. ومع سياسات دعم الانفصاليين والمناطق المستقلة من جانب واحد، انتقلت العلاقة بين الصومال والامارات بشكل مفاجئ من الدفء والتعاون إلى الشقاق وتبادل الاتهامات؛ فبعدما كانت مقديشو تثني على الدور الإماراتي في مساعدتها على مواجهة الاضطرابات والعنف، أصبحت تتهمها بتمويل الانفصاليين ودعم نشر الفوضى وشراء ولاءات في الداخل. كما بدأت أبوظبي تتهم السلطات في مقديشو بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وتوقف بعض مشروعاتها “الخيرية”، وهي التي كانت قبل شهور تعرب عن دعمها للسلطة نفسها في حربها على الإرهاب. ولتعزيز عسكرة وجودها في القرن الأفريقي أسّست الإمارات، أواخر عام 2016، أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في ميناء “عصب” على سواحل إريتريا.

وأغلقت الإمارات، الاثنين 16 أبريل 2018، مستشفى “الشيخ زايد” في مقديشو..وبدت حملات اماراتية دولية تتهم مقديشيو بإيواء “حركة الشباب” ، المصنفة دوليا كحركة إرهابية.. وأبدت الحكومة المركزية في العاصمة مقديشو رفضها الاعتراف بالاتفاقيات بين أبوظبي و”أرض الصومال”، باعتبارها  تجاوزاً على السلطة الشرعية، المعترف بها في جميع أروقة الأمم المتحدة، وباعتبارها خرقاً لسيادتها.، وفق ما ذهبت اليه دراسة سابقة لـ”الشارع السياسي” بعنوان : للامارات وتقسيم المقسم بالصومال”.. بينما سعت أبوظبي بكل ما أوتيت من قوة، إلى إخضاع حكومة مقديشو، وأنفقت الأموال ببذخ لتحقيق هدفها، لكن الأخيرة رفضت التمدد الاماراتي، عندما صادرت في أبريل 2018، ملايين من الدولارات ضُبطت بحوزة السفير الإماراتي لدى الصومال محمد أحمد عثمان، حيث كانت في طريقها إلى قوات أمنية تدربها الإمارات، وطردت المدربين.

كما كشف تقرير دولي في أكتوبر 2018، عن اجتماع بين دبلوماسيين إماراتيين ومسؤول سابق رفيع بالوكالة الوطنية للاستخبارات والأمن الصومالي في مطعم بالعاصمة الكينية نيروبي، قبل يوم من مصادرة الأموال الإماراتية، وهو ما يكشف التحركات الإماراتية الخفية لشراء ذمم عسكريين صوماليين، في إطار خططها للسيطرة والنفوذ والهيمنة وسياسيا، أجج حياد الصومال في خلاف عام 2017 بين قطر ودول الحصار، التي ضمت السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في تصاعد الأنشطة الاماراتية العدوانية في الصومال، نحو تعميق الخلافات الداخلية،  وكان رئيس الصومال “محمد عبد الله فاراماجو”، الذي تم انتخابه في فبراير 2017، يرى أن البقاء على الحياد في أزمة الخليج عام 2017 يمكن أن ينقذ البلاد من الدخول في صراع جيوسياسي غير مبرر. كما رفض الرئيس الصومالي منحة بقيمة 80 مليون دولار من السعودية، بعد بدء الأزمة مباشرة، مقابل قطع العلاقات مع قطر. ويمكن القول إن قرار الصومال بالبقاء على الحياد، ومصلحة الإمارات في تطوير العلاقات مع المنطقتين الانفصاليتين، هي أهم العوامل التي رسمت أبوظبي مسار عملها بالصومال.

ومما زاد من المشاكل بين الإمارات والصومال علاقة مقديشو الجيدة مع أنقرة والدوحة. وكانت تركيا من بين أكبر مقدمي الخدمات الاقتصادية والاجتماعية للصومال، كما أنشأت قاعدة عسكرية في مقديشو عام 2017 تدرب 10 آلاف جندي صومالي. بالإضافة إلى ذلك، زادت الصادرات التركية إلى الصومال من 5.1 مليون دولار في عام 2010 إلى 123 مليون دولار في عام 2017. ومن جانبها، دعمت قطر الحكومة المركزية في مقديشو، وتعهدت بتقديم مساعداتمالية لمشاريع البنية التحتية والتنمية الاجتماعية. وفي أوائل عام 2019، تبرعت الدوحة بـ 68 مركبة مدرعة للقوات المسلحة الصومالية. وفي 20 أغسطس 2018، وقع البلدان اتفاقا يقضي بأن تقوم قطر ببناء ميناء بحري جديد في مدينة “هبيا” الساحلية على الساحل الشرقي لموازنة استثمارات الإمارات في المنشآت البحرية في صوماليلاند وبونتلاند.

ومع تصاعد الفشل الاماراتي في اثناء الصومال عن موقفها الحيادي في الأزمة الحليجية، والرافض للتمدد الإماراتي في أراض صومالية، صعدت الإمارات من أساليب الحرب القذرة بتنفيذ عدة تفحيرات في العاصمة مقديشيو، كان منها التفجير الذي استهدف فندقا بحوار السفارة القطرية في مقديشيو، وعدة تفحيرات أخرى. ومؤخرا، وفي يوليو 2019، وبدعم اماراتي ، قالت “نيويورك تايمز”، في تقرير لها: أنها حصلت على تسجيل صوتي لمكالمة هاتفية اعترضتها وكالة استخبارات معارضة لقطر، دون أن توضح جنسية هذه الوكالة. وزعمت الصحيفة كذلك أن التسجيل الصوتي يتحدث فيه سفير قطر في الصومال حسن بن حمزة بن هاشم مع رجل الأعمال القطري خليفة كايد المهندي، الذي وصفته بأنه “مقرب” من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وأضافت الصحيفة أن المهندي أبلغ السفير بأن المليشيات نفذت تفجيراً في مدينة بوساسو الساحلية “لتعزيز مصالح قطر وإبعاد الإمارات عن استثمارات الموانئ هناك”، ونسبت إليه قوله: “أصدقاؤنا يقفون خلف التفجيرات الأخيرة“.

وهو ما نفته قطر، وفي 24-07-2019، قال وزير خارجية الصومال، أحمد عيسى عوض، إن الحكومة الفيدرالية ببلاده اقتنعت ببيان الحكومة القطرية الذي نفت فيه ما ورد في تقرير “نيويورك تايمز“. ولم تكف الامارات عن ممارساتها، بل حرضت غينيا على استقبال رئيس حكومة أرض الصومال ، في يونيو 2019، وهو ما اعتبرته الصومال اساءة مقصودة من غينيا للسيادة الصومالية، كون الاقليم غير معترف به دوليا… ومما يؤكد الضلوع الإماراتي في الموقف الغيني من الصومال، إقدام رئيس غينيا ألفا كوندي، في 29 يونيو  قبل  الماضي، على تعيين علي الخوري، القيادي السابق في شرطة أبوظبي مستشاراً لحكومته. وبحسب “مجلة  قراءات” لم تكن الصومال أو حتى “أرض الصومال” الخيار المفضل للإماراتيين؛ إذ كانوا قد وقعوا اتفاقيات مع جيبوتي في عام 2006، تمنحهم امتيازات لإدارة ميناء “دوراليه” 50 عاماً. وحاولت حكومة جيبوتي، على مدار السنوات الماضية، تعديل الاتفاقية؛ اعتراضاً على عدة بنود، على غرار الإدارة الإماراتية للميناء وحق الأولى في بناء موانئ أخرى، قبل أن تفسخ جيبوتي، في فبراير 2018، العقد؛ لـ”تعارُضه مع المصالح الأساسية للدولة“. وبانسحابها من جيبوتي وفشلها في إدخال الحكومة المركزية بالصومال المدعومة قطرياً وتركيّاً إلى بيت طاعتها، لم تجد الإمارات سوى “صوماليلاند” لإيجاد موطئ قدم لها بإقامة قاعدة عسكرية هناك، للحفاظ على وجودها في خليج عدن.

ووضعت الامارات خطة للاستحواذ على دول القرن الأفريقي: الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وإرتريا، في إطار سعيها لبسط نفوذها على المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، وهو ما يظهر بوضوح من خلال تحركاتها في اليمن، وسعيها للسيطرة على الموانئ والمنافذ البحرية الاستراتيجية. وبحسب دراسة للمركز العربي، بواشنطن، يخشى سياسيون من أن مساعدة الزعماء الانفصاليين في تحقيق حلمهم بالاستقلال من المرجح أن يؤدي إلى اندلاع الفوضى في الصومال والبلدان المجاورة. ويعني تجدد الحرب الأهلية في الصومال توفير الفرص للجماعات المسلحة ومساعدتهم على توسيع عملياتهم في الصومال… وهو نفسما عبرت عنه في مارس الماضي، الفيدرالية الدولية (مقرها روما) في بيان، عن خشيتها من تداعيات استمرار التدخل الاماراني السلبي على السلم والأمن الأهلي في الصومال. وقالت إن الإمارات تستخدم قواعدها العسكرية في الصومال ودول أفريقية أخرى لتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي ولخدمة خططها في نشر الفوضى والتخريب في عدة بلدان.

 

 

الدور المصري

تتسم العلاقات بين مصر والصومال بالقوة والمتانة، فهي علاقات تاريخية منذ عهد الفراعنة، وتحديداً عندما قامت الملكة حتشبسوت، خامسة حكام الأسرة الثامنة عشر، بإرسال البعثات التجارية إلي بلاد البنط، الصومال حالياً، لجلب منتجات تلك المنطقة، خاصة البخور. وفي العصر الحديث كانت مصر أول الدول التي اعترفت باستقلال الصومال عام 1960، ولا يزال يُذكر بكل تقدير اسم الشهيد المصري كمال الدين صلاح مندوب الأمم المتحدة لدي الصومال الذي دفع حياته عام 1957 ثمناً لجهوده من أجل حصول الصومال علي الاستقلال والحفاظ علي وحدته. وتعد دولة الصومال واحدة من أهم دول القرن الأفريقي التي تلعب دوراً كبيراً في التحكم بمضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما زاد من أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية بالنسبة لمصر. وقد دعمت مصر الصومال في الفترة التي أعقبت الاستقلال في مختلف المجالات لا سيما في مجال التعليم حيث تواجدت المدارس والمدرسين المصريين في مقديشو، كما كان للبعثات الأزهرية والمعلمين التابعين للأزهر الشريف دور في نشر العلم وتعاليم الإسلام الصحيح.

كما سعت مصر منذ اندلاع الأزمة الصومالية عام 1991 إلى إيجاد الحلول وإنهاء الاقتتال بين الصوماليين، وفي إطار محاولات مصر المستمرة لإيجاد حل للمشكلة الصومالية، استضافت القاهرة مؤتمراً للمصالحة الوطنية الصومالية عام 1997 جمع معظم قادة الفصائل الصومالية آنذاك. كما تحرص مصر علي المشاركة في كافة المؤتمرات الدولية والاجتماعات الخاصة بالأزمة الصومالية ومنها مؤتمر الخرطوم عام 2006، ومؤتمر جيبوتي عام 2008 والذي تمخض في النهاية عن المجئ بالرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد رئيساً للصومال. كما تعد مصر عضواً فاعلاً فى مجموعة الاقتصاد الدولية التى تُعنى بالمشكلة الصومالية وتحرص على المشاركة فى كافة الاجتماعات التى تعقدها المجموعة، وقد كثفت مصر تحركاتها الدولية خلال السنوات الأخيرة لحشد الدعم للقضية الصومالية وحث القوى الدولية للمساهمة في إعادة بناء المؤسسات الوطنية الصومالية نظرا للأهمية القصوى التي تشكلها الصومال ودورها في تعزيز الأمن القومي المصري، وقد شاركت مصر بوفد ترأسه ريس الوزراء السابق شريف إسماعيل، في مؤتمر لندن حول الصومال في  مايو 2017 بالتعاون بين الأمم المتحدة والحكومة الصومالية والحكومة البريطانية من أجل بحث دعم الاستقرار والسلام في الصومال .

كذلك تشترك مصر في عضوية مجموعة الاتصال الدولية المعنية بمكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية حيث تولت رئاسة مجموعة العمل الرابعة المنبثقة عن مجموعة الاتصال وهي مجموعة تختص بدعم الجهود الدبلوماسية ونشر الوعي بشأن ظاهرة القرصنة، واستضافت مصر الاجتماع الثاني لمجموعة الاتصال في مارس عام 2017. وفى 20/8/2017 قام محمد عبد الله محمد فرماجو رئيس الصومال بزيارة لمصر، حيث بحث مع عبد الفتاح السيسى سبل دعم العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتقديم المساندة في تحقيق التنمية والاستقرار في الصومال، وكذلك الدعم في المجالات التعليمية والدورات التدريبية والرعاية الصحية في إطار الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والأفريقية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب.

كما شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر والصومال نموا مطردا في السنوات الأخيرة؛ وقد بلغ حجم الميزان التجاري بين مصر والصومال نحو 88 مليون دولار خلال عام 2017 مقارنة بـ 54 مليون دولار عام 2016. وتتمثل الصادرات المصرية للصومال في السلع الغذائية ومواد البناء، وقطاع الأدوية، فيما تستورد مصر من الصومال الماشية. وفي أغسطس 2016 افتتح السفير المصري لدى الصومال منتدى رجال الأعمال المصري الصومالي تحت عنوان (في قلب مصر .ووقعت مصر والصومال خلال عامى 2015 و 2016 على مذكرات تفاهم فى مجالات عديدة مثل: الصحة، والتعليم، والجمارك، والزراعة، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية، والتجارة، وفي 19 أبريل 2016 وقعت الصومال ومصر، مذكرة تفاهم في مجال التعاون الاقتصادي تضمنت إنشاء لجنة تجارية مشتركة برئاسة وزيرى التجارة في البلدين وتضم كبار المسئولين في مجال التجارة..

وفي 18 مارس 2018، قامت السفارة المصرية بتسليم شحنة مساعدات طبية تبلغ نحو ٢ طن من الأدوية مقدمة من الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية، وفي 17 مايو 2017، قدمت مصر مساعدات لمعاونة الصوماليين المتضررين من موجة الجفاف العنيف التى ضربت مناطق متفرقة من دولة الصومال، حيث تم ارسال دفعات جديدة من المواد الغذائية والأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية. ووافقت مصر في أكتوبر 2014 على زيادة عدد المنح الدراسية المقدمة لطلاب الصومال بالجامعات المصرية لتصبح مائتي منحة جامعية سنوياً، وكذا معاملة الطلاب الصوماليين الدارسين بمختلف الجامعات المصرية معاملة الطلاب المصريين،  طبقاً للبرنامج الثقافي بين البلدين.. وتقوم البعثة التثقافية المصرية بتشغيل مدرستين هما مدرسة 15 مايو الثانوية ومدرسة شيخ حسن برسانى الثانوية بمقديشيو، كما تسعي مصر لإعادة تشغيل مدرسة جمال عبد الناصر وإيفاد خبراء لتطوير المناهج الدراسية، علما بأنه توجد بعثة تعليمية مصرية (تعليم عالى) فى إقليم أرض الصومال (43 مدرساً) وتوجد بإقليم بونتلاند بعثة أزهرية (16 معلماً أزهرياً)، فيما قامت الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية بتقديم 61 منحة تدريبية خلال عام 2015. الا انه وفي نوفمبر 2019، أرسلت وزارة التعليم الصومالية رسالة للبعثة التعليمية المصرية لديها، تفيدها بإنهاء مهامها، وإغلاق المدرسة الصومالية في الصومال. جاء رد الوزير السابق محاد صلاد، على ذلك بأنه يرجع إلى اشتباه تورط القائمين بها بعمليات لتخريب العلاقات الإثيوپية الصومالية، وهو ما ترافق مع جهود مصر لمواجهة أزمة سد النهضة، حيث تسعى مصر في الفترة الاخيرة، نحو اقامة قواعد عسكرية في الصومال، وهو ما يراه  العسكريون المصريون ضرورة في ظل التوسع التركي الاستراتيجي والقطري، وليس لمواجهة أزمة سد النهضة الإثيوبي.

من جانب أخر، بدأت الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول المياه تأخذ منحى آخر أشد وطأة بعد فشل المفاوضات والإصرار الإثيوبي على عدم الاتفاق مع دولتي المصب رغم ضغوط أمريكية وأوروبية لا تستجيب لها أديس أبابا. وفي أغسطس 2020 تناقلت تقارير إعلامية، سعي مصر لإنشاء قاعدة في إقليم صوماليلاند، وهو ما عبر عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، إن “لدى مصر الحق في تأسيس علاقات مع الإدارة التي تريد بالمنطقة، لكن يجب ألا يضر ذلك باستقرار إثيوبيا”، مضيفا أن بلاده تتابع عن كثب جهود مصر لإنشاء قاعدة في صوماليلاند. وزار وفد سياسي ودبلوماسي وعسكري مصري أرض الصومال لمدة يوم واحد الأربعاء 22 يوليو الماضي، والتقى رئيسها موسى بيهي عبدي في هرجيسا، وزار بعض المناطق الساحلية بها على خليج عدن.

وقالت مجلة “”Geopolitical Futures الأمريكية، إن مصر تسعى لإقامة قاعدة عسكرية بحرية بصوماليلاند مقابل تبادل مكاتب تمثيلية مع أرض الصومال، أو في أريتريا، على الحدود مع إثيوبيا، فيما لفتت إلى رفض هرجيسا طلب القاهرة. وأشارت المجلة لتقديم مصر طلبا مماثلا لأريتريا، بعد أيام من لقاء رئيسها أسياس أفورقي عبد الفتاح السيسي بالقاهرة 6  يونيو الماضي. ومع دخول أزمة السد في أطوارها النهائية، حيث إن إثيوبيا ستقوم بالمرحلة الثانية من الملء في يوليو2021، وحينها سيتحول السد إلى أمر واقع…تزداد اهمية الصومال لمصر، لاستخدامها كمقر لمناوشة اثيوبيا، وهو ما ترفضه الصومال.. بينما تعتمد القاهرة على حليفها الامارات في الضغط على الصومال، وبالاخرى ارض الصومال، لاقامة علاقات عسمرية اوسع مع مصر.. وهو ما يتوافق مع الاجندة الاسسرائيلية المدعومة مصريا واماراتيا نحو التطبيع، وهو ما يصب في صالح مصر، وفق التقديرت الاستراتيجية، وهو ما يستتبعه ضغوط على التمدد التركي في الصومال والقرن الافريقي..

 

التعاون المتصاعد بين تركيا والصومال وكبح مسار التطبيع

وقد استشعرت تركيا مبكرا إمكانات الصومال الواعدة فطورت علاقاتها معه بينما أدارت دول أخرى ظهورها له واعتبرته “دولة فاشلة” وبدأت العلاقات بين الصومال وتركيا بالنمو والازدهار بعد أول زيارة قام بها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لمقديشو عام 2011، وحينها كان رئيسا للوزراء، منذ تلك الزيارة، تجري الدولتان محادثات دورية رفيعة المستوى، وتتبادلان البعثات، وتتعاونان في المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة. واليوم تربط البلدين علاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة، تنعكس في مجالات التعاون الأمني بينهما.

وبحسب الباخث عبدالله قاسم دامي، بمقاله “كيف أنقذت تركيا وطنا اسمه الصومال؟” بموقع الجزيرة نت، امتد التعاون التركي في مواجهة الاحتلال البرتغالي لبلاد بونت، ثم تزايد الدور التركي الداعم للدولة الصومالية، مع تصاعد الحروبٌ والمجاعات وتحولها لبؤرة لحروب الوكالات ومأوا للتطرف والقرصنة والإرهاب. وفي أغسطس عام ٢٠١١، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة مفاجأة إلى مقديشوا استجابة للوضع الإنساني هناك، ثم بعدها بأربعة أعوام، زارها مرة أخرى عام ٢٠١٥ لافتتاح أكبر مستشفى في شرق إفريقيا، وتنفيذ مشروع توأمة مقديشوا مع إسطنبول، منذ ذلك الحين نفذت تركيا مشاريع ضخمة في الصومال مثل بناء الطرقات، والمستشفيات، والمدارس وتشغيل المطارات والموانئ وترميم المقرّات الحكومية بالإضافة إلى تدريب وتسليح الجيش الصومالي، وإنشاء قاعدة تركيصوم العسكرية، كما أنشأت في مقديشوا أكبر سفارة تركية في العالم، مما أدّى إلى إعادة الصومال في أنظار العالم كبلدٍ ذات موقع وأهمية إستراتيجية.

لعب الأتراك أيضا دورا في استقرار الصومال ومحاربة الإرهاب هناك، وانعقاد مؤتمرات للتصالح بين الشمال (الانفصالي) والجنوب، إضافة إلى دعم كافة الأنشطة المجتمعية الهادفة إلى نهضة البلاد. حاليا، تتمتع الصومال بهيبة أخلاقية بسبب مواقفها المحايدة في القضايا العربية والإفريقية والدُّولية، كحصار قطر والتدخل في الشأن الليبي وملف سدّ النهضة، مما يجعل الصومال دولة ذات قرارات منفردة بعيدة عن الخضوع والتبعية. الا ان ذلك لا يعجب، بالطبع، الدوائر الممصرية والاماراتية، التي يقلقها التمدد التركي بالقرن الافريقي، خاصة في ظل الدور الاخلاقي الكبير لتركيا بالصومال، وكان اخرها قيام تركيا بسداد نحو 3.5 مليار دولار ديون الصومال لصندوق النقد الدولي.

 

خاتمة

وأما تلك التقاطعات والأجندات المختلفة، والمصالح الدولية والإقليمية، فمن المرجح أن يدفع كل طرف نحو تحقيق مشروعه وأهدافه المضادة للطرف الآخر، فمن المتوقع أن تدفع إسرائيل لممارسة ضغوطا على الحكومة الصومالية، عبر مصر والإمارات، الذان يلعبان بقوة في الساحة الصومالية ويسعيان ضد التمدد القطري التركي، وهو ما تجلى في يناير 2020، حينما نفذت حركة الشباب الصومالية تفجيرا ضد مصالح وشركات تركية وفقا لما نقلته قناة “إن تي في” التركية، إلا أن نتيجة الانتخابات الرئاسية في الصومال ستحدد إلى مدى كبير طبيعة التطورات المستقبلية.

وجرى في سبتمبر الماضي، اتفاق بين الحكومة الفيدرالية ورؤساء المحافظات بشأن الإعداد لعقد انتخابات رئاسية وبرلمانية في البلاد خلال شهر نوفمبر 2020م، ورغم العراقيل الإدارية والغموض السياسي، تظل الانتخابات نقطة العبور إلى مرحلة استقرار سياسي وأمني، لينهي مرحلة القلاقل التي جعلت الصومال، لسنوات يدفع فاتورة الحرب بالوكالة تارة وتداعيات وتأثيرات التدخل الأجنبي والحرب على الإرهاب تارة أخرى.

وشهد الصومال في العقد الأخير انتخابات برلمانية ورئاسية أظهرت تقدم النظام السياسي في هذا القطر الأفريقي نحو الأمام، وتخطي عقبات سياسية تمثلت في الفشل الذريع الذي رافق مسيرته السياسية منذ سقوط الدولة المركزية عام 1991، وخاصة في إيجاد مخرج آمن من مأزق الفوضى السياسية والأمنية، وعكست انتخابات 2017 صورة مغايرة عن محيطه الأفريقي الموسوم بالإضطرابات السياسية والإنقلابات العسكرية عندما يحين موعد الانتخابات، لكن مع مشهد التداول السلمي للسلطة بين رؤساء الصومال برزت نجاح الجهود الدولية والأفريقية المبذولة لفرض استقرار سياسي وأمني في هذا البلد، كما أن التجربة الديمقراطية الوليدة تعد حديثة عهد على دولة الصومال التي لا تختلف عن أغلب دول القارة الإفريقية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…