‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا استقالة وزير الخزانة والمالية التركي تربك المشهد السياسي
تركيا - نوفمبر 19, 2020

استقالة وزير الخزانة والمالية التركي تربك المشهد السياسي

يتعرض النظام السياسي والاقتصادي التركي لتحدٍّ جديد، يتمثل في الزلزال الذي حدث بإعلان وزير المالية والخزانة التركي بيرات ألبيرق استقالته على صفحته الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتأتي أبعاد الصدمة في هذا القرار، من كون الرجل صهر الزعيم التركي رجب طيب أردوغان؛ حيث يتزوج من ابنته؛ لذا فالجميع في الداخل والخارج كانوا يرونه الخليفة المنتظر لأردوغان، بعدما صعد بقوة في سلم السياسة والاقتصاد، حتى أصبح الرجل الثاني في الدولة، والمخطط الأهم لسير العملية الاقتصادية برمتها.

يدور هذا التقرير حول الأسباب التي دفعت ألبيرق للاستقالة من منصبه، والطريقة التي تعامل بها أردوغان في إدارة تلك الأزمة، ومآلاتها على المدى القريب والمتوسط.

 

أسباب استقالة وزير الخزانة والمالية:

إن الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي كانت تعاني منها تركيا كانت وراء استقالة صهر الرئيس رجب أردوغان من الحكومة، وجاءت بعد أشهر من التحديات المتزايدة، التي عجز وزير الخزانة عن التعامل الصحيح معها؛ بل كان أحد الأسباب الرئيسة وراء تفاقم الأزمات الاقتصادية، التي أحدثت حالة من الغضب داخل قطاعات المجتمع الفقيرة، التي عانت من ارتفاع الأسعار من ناحية، وعدم استقرارها من ناحية أخرى؛ نتيجة انهيار العملة المحلية.

الغريب في الأمر، هو الطريقة التي خرج بها ألبيرق من المشهد السياسي، وكأنه خروج بلا عودة مجددًا؛ حيث وضع رسالة عاطفية على إنستغرام، أعلن فيها عن استقالته. قائلا: “آمل بقضاء وقت أكثر مع أبي وأمي وزوجتي وأولادي”. ولم يكن هناك أي ذكر للرجل الذي جعله ثاني أقوى رجل في الحكومة، والمدين له بمسيرته السياسية؛ أي أردوغان، وكأنه تعمد تجاهله، بعدما شعر بالاستياء من القرار الذي اتخذه أردوغان بتعيين محافظ جديد للبنك المركزي، وهو واحد من أهم المعارضين لسياسة ألبيرق، إضافة إلى عدم حضوره مراسم تسليم المنصب المعتاد عليها لخلفه لطفي ألوان، يؤكد على أنها استقالة من طرف واحد، ودون علم الرئيس. شعر ألبيرق أن الرئيس سيقيله؛ لذلك بادر بإعلان قراره هذا، متجاهلا حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا جراء سياسته، رغم أن أردوغان والحزب لم يعلنا عن إقالته، وهناك من يقول إن أردوغان كان يحاول ثنيه عن قراره بالاستقالة.

إن سبب اندلاع الانفجار السياسي والعائلي هو اكتشاف الرئيس الوضع الحقيقي للاقتصاد. وتعرض أردوغان في الأسابيع الماضية لضغوط من داخل حزب العدالة والتنمية، الذي عانى بسبب فيروس كورونا، وارتفاع أسعار المعيشة، ومعدلات البطالة، وانهيار قيمة العملة التركية.

وظل ألبيرق طوال الأشهر الماضية يؤكد أن تركيا في وضع اقتصادي أفضل من الدول المنافسة لها، وتعيش وسط عملية تحول اقتصادي كبرى. وردد الكلام نفسه في اجتماع مع نواب حزب العدالة والتنمية في الأسبوع الماضي، حسب الإعلام التركي. وأكد أن الليرة التي فقدت ثلث قيمتها أمام الدولار الأمريكي منذ بداية العام الحالي، يجب ألا تكون المعيار الوحيد للحكم على صحة الاقتصاد.

ولكن الرئيس قرر التحرك عندما قُدمت له كشوفات عن حجم الأزمة الاقتصادية، وذلك حسب مسؤولين من داخل حزب العدالة والحكومة، خاصة الوضع الخطير للعملة الصعبة داخل المصرف المركزي. وعند استبعاد الأموال المقترضة والمسؤوليات الأخرى جانبًا، فوضع العملة الأجنبية خطير؛ حيث وضعتها تقديرات بحوالي 50 مليار دولار في نهاية شهر سبتمبر. والعجز هذا سببه التدخل الفاشل في العملة، الذي قاده ألبيرق، والذي كلف أكثر من 140 مليار دولار خلال العامين الماضيين.

ولكن البعض يجد صعوبة في عدم معرفة أردوغان، الذي يلتقي عادة برجال الأعمال من كل المجالات بالوضع الاقتصادي. ولكنّ آخرين يرون أنه عزل نفسه عن الواقع؛ بسبب تهميشه النقاد الداخليين، وإحاطة نفسه بالموالين الأشداء.

من جانب آخر، قال الأكاديمي التركي محمد خيري قرباش أوغلو، إن جميع أحزاب المعارضة منذ البداية وجهت انتقادات قاسية جدًّا للسياسة الاقتصادية والمالية للحزب الحاكم، وتصاعدت وتيرتها عندما شغل ألبيرق منصب وزارة الخزانة والمالية.

وأضاف قرباش أوغلو بأن تدهور سعر صرف الليرة، وفشل إستراتيجية الوزير المستقيل في إنقاذ الاقتصاد التركي، فرضت على أردوغان تغيير منهجيته، وإجراء تغييرات على مستوى مسؤولي الملف، وهذا يدل على فشل رؤية الرئيس وصهره في الخروج من أزمة البلاد الحالية، على حد وصفه.

وتابع بالقول إن “إصرار أردوغان على سياساته، سبب انحدارًا في صرف الدولار مقابل الليرة في السوق المحلية، فالضخ المستمر للدولار من المخزون الوطني في الأسواق المحلية من قبل الحكومة، لم يكبح جماح هبوط الليرة؛ ما دعاه بالنهاية إلى العدول عن سياساته، والتضحية بالوزير ككبش فداء أمام الرأي العام”[1].

ووصف قرباش أغلو خطوات الرئيس أردوغان حيال التطلعات والسيايات الجديدة المرتقبة في الملف الاقتصادي بـ “المتأخرة”، كما حذر من اقتراب البنك المركزي من الإفلاس.

 

إدارة الرئيس التركي للأزمة:

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن حكومته أطلقت إصلاحات اقتصادية جديدة، داعيًا المستثمرين المحليين والدوليين للوثوق بها، وضخ استثمارات.

جاء ذلك في كلمة ألقاها، خلال مؤتمر لـ “حزب العدالة والتنمية”، في ولاية تكيرداغ شمال غربي تركيا.

وقال أردوغان إنه تم إطلاق مرحلة جديدة، ترمي إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وزيادة النمو والتوظيف، مضيفًا: “بدأنا عهد إصلاحات جديدة على صعيدي الاقتصاد والقوانين”[2].

وأردف: “بإذن الله سنصل إلى أهدافنا، عبر بناء سياساتنا الاقتصادية على 3 ركائز، هي: استقرار الأسعار، والاستقرار المالي، واستقرار الاقتصاد الكلي”.

وأضاف: “شهدنا حركة إيجابية ظاهرة للعيان في الأسواق، مع الإعلان عن ركائز المرحلة الاقتصادية الجديدة”.

واستطرد الرئيس التركي: “أدعو المستثمرين المحليين والدوليين مرة أخرى للوثوق ببلدنا، وضخ استثمارات جديدة بسرعة”[3].

وتابع: “نعلم أن مبدأ سيادة القانون من أهم السبل لتهيئة المناخ المناسب للاستثمارات؛ لضمان النمو الاقتصادي والتنمية والازدهار، والاستقرار في البلاد”.

وشدد على أن حكومته أعدت وثيقة إستراتيجية للإصلاح القضائي، تتضمن تعديلات قانونية مهمة للغاية بهذا الاتجاه، وأن جزءًا من هذه التعديلات أقرها البرلمان التركي.

وأكد أن أولوية الحكومة خفض التضخم بأسرع وقت إلى رقم من خانة واحدة، ثم إلى المستويات المحددة في برنامجها على المدى المتوسط.

وأوضح أردوغان أن النظام العالمي الذي اهتز بسبب الاضطرابات في العالم والمنطقة، بات يواجه مشاكل أعمق بكثير مع انتشار فيروس كورونا، مضيفًا أن هذه الصدمات العالمية أثرت أيضًا على تركيا بطبيعة الحال.

وأشار إلى أن “الذين حاولوا إخضاع تركيا عبر الوصاية والإرهاب، والانقلابات العسكرية، والأزمات السياسية والاجتماعية، أدركوا فشلهم، فتوجهوا للهجوم على اقتصادنا”.

وقال أردوغان إن مدير المصرف المركزي والاقتصاد يخططان لحملة تهدف لاستعادة ثقة المستمثرين والعملة الأجنبية التي يحتاجها الاقتصاد. وبناء عليه استعادت الليرة التركية بعضًا من قيمتها.

ويرى المتشككون والمعارضون للعدالة والتنمية أن مصاعب تركيا لا تُحل بتغيير مسؤول، أو بلغة لطيفة، كما أن أردوغان سيظل الشخصية الأقوى في السلطة، ولديه مواقف غير تقليدية من الاقتصاد. وفي حالة قرر المصرف المركزي رفع سعر الفائدة الأسبوع المقبل، فقد يساعد على عودة الاستثمارات الضرورية. وفي الوقت الذي يقول فيه المحللون إن مشاكل الاقتصاد التركي هي من صنع أردوغان، إلا أن أحداث الأسبوع الماضي كشفت عن براعة وتكيّف الرجل، الذي تسيّد السياسة التركية على مدى العقدين الماضيين؛ فقد “أظهر أردوعان مهارته السياسية مرة ثانية .. وكان هناك ثمن لتعيين بيرات في ذلك المنصب، ولعامين، وتحمل أردوغان الثمن. ولكنه عندما اكتشف أن الاقتصاد ينهار وهو ينهار معه، تحرك بطريقة غير متوقعة”[4].

 

الخاتمة:

لا يُعتقد حصول أي تداعيات من الاستقالة على حزب العدالة والتنمية، رغم أنها تأتي بشكل غير طبيعي، واحتجاجًا على تغييرات الرئيس، معللا ذلك لوجود عامل المصاهرة من جانب، وبقائه في مناصب عليا داخل الحزب وبعض المناصب الاقتصادية، فضلا عن شكر الرئيس ونائبه والوزير الجديد من جانب آخر.

من المستبعد حدوث أية مشاكل جوهرية داخل الحزب إثر الاستقالة، وعلى خلاف ما يثار على بعض وسائل الإعلام من خلافات متوقعة على خلفيتها، نجد أن الحزب يسوده حالة من الإيجابية خلال الأيام الماضية؛ نتيجة عودة العديد من القيادات مرة أخرى لتولي حقائب ومناصب عليا في الدولة، علاوة على ذلك، اتجاه أردوغان لإعادة بعض الوجوه القديمة في العدالة والتنمية إلى الواجهة، يشير إلى حرصه على لمّ شمل الحزب، وتمتين بنيته أكثر، خصوصًا أننا على أعتاب المؤتمر العام.

والجدير بالذكر، أن الطريقة التي أدار بها أردوغان الأزمة، حولت السلبيات إلى إيجابيات لصالحه هو؛ فقد ظهر الرجل أمام الشعب بأنه لا يستثني أحدًا يخطأ في إدارة أي مسؤولية يكلف بها، حتى لو كان صهره.

 

—————————–

[1]  هكذا قرأ مراقبون استقالة براءات ألبيرق وزير المال التركي، عربي 21، 12/11/2020

[2]  فايننشال تايمز: أردوغان تحرك ضد صهره بعدما اكتشف حجم الأزمة الاقتصادية، عربي 21، 13/11/2020

[3]  أردوغان: بدأنا عهد إصلاحات اقتصادية جديدة، القدس العربي، 1/11/2020

[4]  فايننشال تايمز: أردوغان تحرك ضد صهره بعدما اكتشف حجم الأزمة الاقتصادية، القدس العربي، 13/11/2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تراجع الدور المصري إقليميا.. الملف  الفلسطيني نموذجا

  خلال الشهور الماضية فقدت مصر قدرا كبيرا من تأثيرها على الساحة الإقليمية؛ لا سيما تل…