‫الرئيسية‬ العالم العربي اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات
العالم العربي - تونس - ليبيا - نوفمبر 30, 2020

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس، بعد التوافق على ثلاث ملفات مهمة؛ تشمل اختصاصات السلطة التنفيذية، ومعايير الترشح، وخارطة الطريق، كما تم الاتفاق على الفصل بين المجلس الرئاسي ورئاسة الوزراء. إلى ذلك، فقد أعلنت وليامز أن المشاورات ستتواصل من خلال اجتماع افتراضي عبر الإنترنت خلال أسبوع، مخصص لبحث آلية اختيار شاغري المناصب، وبحث إنهاء القضايا الخلافية. وشددت على أنه لا يمكن وضع حلول لصراع استمر 10 سنوات خلال أسبوع، مؤكدة أنه لا يزال أمامهم عمل كثير[1].

 

أولًا: نقاط التوافق التي تم التوصل إليها:

نجح ملتقى الحوار الوطني الليبي في تونس في تحقيق بعض النتائج الإيجابية نحو حل سياسي شامل للأزمة الليبية، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- إجراء انتخابات وطنية: إذ تمخض عن الملتقى تحديد موعد لإجراء انتخابات وطنية في 24 ديسمبر 2021، الذي يوافق اليوم الذي استقلت فيه البلاد في 1951؛ ما يعني أن المرحلة الانتقالية التي كان مقررًا أن تستغرق 18 شهرًا بداية من اليوم الذي يتم فيه منح الثقة للحكومة الجديدة، تقلصت إلى نحو عام واحد فقط[2].

وعلى الرغم من أن الملتقى لم يحدد ماهية هذه الانتخابات، وما إذا ستكون تشريعية أم رئاسية أم كلاهما، بيد أنه في بيان صادر عن المجلس الرئاسي في 16 نوفمبر الجاري، رحّب بالتوافق على تحديد موعد انتخابات “رئاسية وتشريعية”، كما أكد المجلس دعمه للعملية الانتخابية، عبر تخصيص مبلغ مالي للمفوضية العليا للانتخابات، وتسخير كافة الإمكانات المتاحة؛ لتمكينها من أداء عملها، وفي حال تم عقد تلك الانتخابات فستكون هي الأولى في ليبيا منذ عام 2014[3].

2- تحديد صلاحيات الحكومة والمجلس الرئاسي: فقد اتفقت لجنة الحوار على أن تعود رئاسة الحكومة للغرب، ورئاسة المجلس الرئاسي إلى الشرق، مع تعيين نائبين من الغرب والجنوب لرئيس المجلس. وتتمثل أبرز صلاحيات المجلس الرئاسي في أنه يتولى مجتمعًا مهام القائد الأعلى للجيش، والتعيين في جميع المناصب القيادية العسكرية، وكذلك السفراء، ووجوب تشاور رئيس الحكومة مع المجلس الرئاسي في تعيين وزيري الدفاع والخارجية.

وبالتالي فالمجلس الرئاسي مجتمعًا هو من سيقود الجيش، ويرسم السياسة الخارجية للبلاد في المرحلة التمهيدية. أما الحكومة، فسيكون من مهامها الرئيسة تهيئة شروط تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها، وتوفير الخدمات للمواطنين، وإعداد الميزانية ومشاريع القوانين التي تعرض على البرلمان، ويكون أعضاؤها من التكنوقراط[4].

3- مسار أمني موازٍ: بالتزامن مع المسار السياسي في ملتقى تونس، كانت هناك نقاشات ممتدة حول المسارات الأمنية والعسكرية، من خلال اجتماعات ممثلي حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي في سرت الليبية، وقد أكد مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني، في 14 نوفمبر الجاري، أن المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق الأمني تتضمن فتح طريق من الشرق انطلاقًا من سرت باتجاه الغرب نحو مصراتة بطول 900 كم، على أن تكون المرحلة الثانية إجلاء المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، ثم المرحلة الثالثة تفكيك الميليشيات المسلحة في البلاد. فيما أعلنت المبعوثة الأممية، في 16 نوفمبر، اتفاق طرفي الصراع الليبي على توحيد القوات المخولة بحماية المنشآت النفطية، وذلك بعد عقد محادثات توسطت فيها الأمم المتحدة مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط “مصطفى صنع الله”[5].

 

ثانيًا: نقاط الاختلاف التي كشف عنها الملتقى:

أظهر الملتقى مجموعة من الاختلافات بين الأطراف المتحاورة، منها:

1- الخلاف حول بعض التفاصيل التي ترتبط بصلاحيات «المجلس الرئاسي»، الذي يفترض أن يتولّى الحكم في الفترة الانتقالية، ولا سيما في شأن الاتفاقيات الموقّعة بين تركيا وحكومة الوفاق؛ حيث تسعى «الوفاق» إلى حفظ هذه الاتفاقيات من خلال رفض منح «المجلس الرئاسي» الحق في النظر فيها، وهو ما يعني ضمنًا استمرار التعاون العسكري بين الحكومة الجديدة وتركيا؛ الأمر الذي ترفضه قوات حفتر، وتعتبره عائقًا أمام توحيد المؤسسات الأمنية في ليبيا. فضلًا عن أن هذه الاتفاقيات تضمنت ترسيم الحدود البحرية التي تثير الجدل مع دول المتوسط، على رأسها اليونان ومصر[6].

2- التباين حول آليات تولي المناصب، فلم ينجح أعضاء الملتقى في وضع المعايير والآليات للترشح للمجلس الرئاسي والحكومة، بالرغم من وجود اتفاق على تقاسم منصبي رئاسة المجلس الرئاسي والحكومة الموحدة، على أن يكون الأول لإقليم برقة شرق ليبيا، وكانت الترجيحات تشير إلى تولي رئيس مجلس النواب عقيلة صالح هذا المنصب، بالرغم من منافسة أسماء أخرى له، ويكون لإقليم طرابلس في الغرب الحق في تسمية رئيس الحكومة الموحدة، وكانت الترشيحات تشير إلى وزير داخلية الوفاق “فتحي باشاغا”، بالرغم من منافسة أسماء أخرى له.

إلا أن الملتقى أظهر تباينًا شديدًا في وجهات النظر، نابعًا من دفاع بعض أعضاء الملتقى عن آليات بعينها؛ من أجل وصول أشخاص معينين إلى السلطة، في مقابل وجهات نظر أخرى، لا سيما تلك التي تؤكد على ضرورة استبعاد قيادات المرحلة الحالية من أي مناصب مقبلة، ما دفع المبعوثة الأممية إلى تأجيل انعقاد الملتقى إلى الأسبوع المقبل، عبر عقد لقاء افتراضي؛ من أجل بحث آليات اختيار من سيتولى المناصب في السلطة التنفيذية[7].

ففى حين تم تداول اسم “عقيلة صالح”، رئيس مجلس نواب طبرق مرشحًا لتولي رئاسة المجلس الرئاسي، إلا أن شخصيات من الغرب الليبي اعترضوا عليه بشدة؛ لدوره في دعم هجوم حفتر على العاصمة طرابلس، ووصفِه المدافعين عنها بـ “الإرهابيين”. كما اقترح أعضاء في ملتقى الحوار السياسي شرط استبعاد متقلدي المناصب منذ 2014 في السلطة التنفيذية المقبلة، بشكل يقطع الطريق على عقيلة صالح، وآخرين.

ورغم أن أغلبية المشاركين في الملتقى كانوا مع هذا الشرط، إلا أن أنصار عقيلة من الشرق هددوا بالانسحاب. وبعد عرض المقترح للتصويت حاز على تأييد 61 بالمئة من إجمالي 75 مشاركًا، ومع ذلك لم يتم اعتماده؛ لأن أي قرار يجب أن يحصل على تأييد 75 بالمئة على الأقل. وسيفسح سقوط هذا الشرط لمن تولوا مناصب سياسية -سواء في المجلس الرئاسي أو الحكومة أو مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة- بأن يكون لهم فرصة أخرى في المرحلة المقبلة، بمن فيهم عقيلة صالح[8].

3- توجس عدة أطراف خاصة من القيادات العسكرية في “عملية بركان الغضب”، التي طردت مليشيات حفتر من الغرب الليبي، من أن يؤدي اختيار عقيلة، رئيسًا للمجلس الرئاسي، إلى تعيين حفتر قائدًا للجيش، فضلًا على أن منصب محافظ البنك المركزي سيعود إلى الشرق، بحسب تفاهمات بوزنيقة. وفي حال حدوث هذا السيناريو، يفقد الغرب الليبي الشرعية السياسية والعسكرية والمالية، التي كانت أحد أسباب هزيمة حفتر في عدوانه على طرابلس (4 أبريل 2019- 4يونيو 2020).

وعلى الرغم من أن مسودة وثيقة المرحلة التمهيدية التي اقترحتها البعثة الأممية تشترط “الإجماع” بين أعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة على أي قرار؛ مما يجعل سيناريو تعيين حفتر قائدا للأركان، أو حتى وزيرًا للدفاع مستبعدًا، لكن هناك من يجادل أن عقيلة صالح، سبق له وأن اتخذ قرارات جدلية دون الرجوع إلى مجلس النواب؛ بل إن المجلس الرئاسي الحالي اتخذ عدة قرارات دون إجماع أعضائه؛ لذلك لا توجد ضمانة حقيقية، بحسب المشككين في الغرب الليبي، من اختطاف عقيلة وحفتر للشرعية من طرابلس[9].

4- عدم حسم مسألة الاستفتاء على مسودة الدستور؛ إذ لم يحدد أي موعد له، على عكس الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ورغم أن مسودة الدستور، التي أعدتها لجنة الستين المنتخبة، جاهزة، ولا تحتاج سوى عرضها على الاستفتاء، إلا أن ذلك يتطلب إصدار قانون الانتخابات، ومجلس نواب طبرق اعترض على بعض مواد مسودة الدستور، وأصدر قوانين انتخابات تتناقض -في بعض موادها- مع المسودة؛ بل تضع شروطًا من شأنها تسهيل إسقاطها في حال صوت أحد الأقاليم الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان) خلال الاستفتاء ضدها. كما ظهر مقترحان آخران بديلًا لمسودة الدستور المثيرة للجدل؛ أولهما اعتماد الإعلان الدستوري (2011) دون الحاجة إلى إجراء الاستفتاء، والثاني: اعتماد دستور الاستقلال (1951 والمعدل في 1963)، مع إجراء بعض التعديلات عليه.

بينما تقترح المسودة الأممية لحل الأزمة أن تعرض مسودة الدستور مجددًا على مجلس النواب والدولة؛ لاعتمادها خلال 60 يومًا، وفي حال مرور 7 أشهر دون إنجاز هذه المهمة، تُوكَل إلى ملتقى الحوار السياسي (لجنة الـ75) مهمة تعديلها واعتمادها، في محاولة من البعثة الأممية لتفادي تكرار إخفاقات سابقة، على غرار عرقلة عقيلة صالح، والنواب الموالين له، عملية اعتماد حكومة الوفاق، وعرض مسودة الدستور على الاستفتاء.

إلا أن هذا الاقتراح جُوبه باعتراضات عديدة؛ أولها من لجنة صياغة الدستور، والتي تعتبر أنه لا يحق لأحد غيرها تعديل مسودة الدستور، سواء مجلس النواب أو ملتقى الحوار السياسي؛ لأنها صادرة من هيئة منتخبة. كما أن أعضاء من مجلسي النواب والدولة اعترضوا على تنازل المجلسين عن صلاحياتهما التشريعية لصالح لجنة سياسية غير منتخبة (لجنة الـ75)، أو البعثة الأممية ذاتها[10].

5- ظهور تخوفات من قبل معسكر حفتر وداعميه الإقليميين (مصر والإمارات)، بدعم البعثة الأممية التي تقودها الأمريكية ستيفاني ويليامز لعملية إدماج الإسلاميين -خاصة جماعة الإخوان- في المناصب السياسية والسيادية بليبيا، وهي المخاوف التي تزايدت بعد فوز جو بايدن بالرئاسة الأمريكية؛ حيث إن بايدن ليس لديه مشكلة في وصول التيار الإسلامي في ليبيا، بل وربما يكون داعمًا لذلك. فضلًا عن أن بايدن سيركز بصورة أكبر على محاربة النفوذ الروسي في ليبيا، وسيعتمد بصورة كبيرة على هذا التيار في ذلك.

ويرى أنصار هذا المعسكر أيضًا، أن ويليامز سعت بكل قوتها السياسية إلى عدم المساس بالاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية، التي وقعتها حكومة الوفاق مع تركيا؛ لتعزيز نفوذ الإسلاميين، ما شجع قطر هي الأخرى على التوقيع على حزمة اتفاقيات أمنية وعسكرية مع كل من وزيري الداخلية والدفاع مؤخرًا؛ لتأمين مستقبل وجودها وأنقرة في ليبيا[11].

كما يزعم بعض أعضاء البرلمان الليبي مثل النائب محمد العباني، أن ما يجري في تونس “طبخة أمريكية بنكهة إخوانية، مشيرًا إلى أن 45 أو يزيد من لجنة الحوار هم من أعضاء الجماعة، أو من يدور في فلكهم، وهذا يؤكد سطوة الإخوان على المشهد السياسي”. كما قالت النائبة صباح الترهوني، أن “أغلبية المشاركين في حوار تونس من التيار الإسلامي، أو متحالفون معهم، وهذا قد يؤدي إلى وجود إملاءات وتدخلات خارجية تؤثر على المشاركين في الحوار”.

وفي المقابل، يرى البعض أن اتهام الإسلاميين بالانفراد أو السيطرة على جلسات الحوار ما هو إلا لتشتيت للرأي حول القضايا المصيرية التي أهملتها البعثة بقصد، وهي: الاستفتاء على مشروع الدستور، ومطالبتها بتشكيل لجنه قانونية لإعداد مشروع الانتخابات القادمة. فضلًا عن محاولة تمكين عقيلة صالح من رئاسة المجلس الرئاسي الجديد، والذي سيتمتع بصلاحيات واسعة وكافية، تمكنه من السيطرة على البلاد وإقصاء الجميع؛ لهذا يقومون بتوجيه الرأي العام على منصب رئيس الحكومة، وإبعاده عن رئيس المجلس الرئاسي[12].

6- توظيف المال السياسي: أوضحت المبعوثة الأممية إلى ليبيا -خلال مؤتمر صحفي في ختام ملتقى الحوار الليبي- أن البعثة ستجري تحقيقات حول اتهامات بتلقي رشى؛ تمهيدًا لمحاسبة الضالعين في ذلك، وذلك في ظل وجود شبهات فساد مالي لشراء الأصوات لصالح بعض الأسماء المرشحة للمناصب العليا؛ لقيادة المرحلة الانتقالية في ليبيا، حتى إن بعض المصادر أكدت وصول سعر الصوت الواحد إلى 200 ألف يورو لصالح بعض المرشحين لرئاسة المجلس الرئاسي، وقد وقّع بعض أعضاء الملتقى على عريضة تطالب بتأجيل الحوار السياسي؛ بسبب ما وصفوه بأنه صفقة مسبقة ومال سياسي فاسد لشراء الأصوات لبعض المرشحين لتقلد مناصب في الفترة الانتقالية[13].

 

 

———————————–

[1] “وليامز تعلن انتهاء ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس دون تسمية حكومة انتقالية”، تي أر تي، 16/11/2020، الرابط: https://bit.ly/35HJ9Lw

[2] “حوار تونس .. 3 اختراقات في حقل ألغام الأزمة الليبية (تحليل إخباري)”، الأناضول، 16/11/2020، الرابط: https://bit.ly/3pGLAG0

[3] نقاط اختراق: أسباب تعثر ملتقى الحوار الوطني في حلحلة الأزمة الليبية”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17/11/2020، الرابط: https://bit.ly/32XGuM1

[4] “حوار تونس .. 3 اختراقات في حقل ألغام الأزمة الليبية (تحليل إخباري)”، مرجع سابق.

[5] “نقاط اختراق: أسباب تعثر ملتقى الحوار الوطني في حلحلة الأزمة الليبية”، مرجع سابق.

[6] “ليبيا | اختتام اجتماعات سرت: توافق على إخراج المرتزقة”، الأخبار، 13/11/2020، الرابط: https://bit.ly/2K9JKx5

[7] “نقاط اختراق: أسباب تعثر ملتقى الحوار الوطني في حلحلة الأزمة الليبية”، مرجع سابق.

[8] “حوار تونس .. 3 اختراقات في حقل ألغام الأزمة الليبية (تحليل إخباري)”، مرجع سابق.

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق.

[11] “شكوك سياسية متزايدة حيال نوايا البعثة الأممية في ليبيا”، العرب، 18/11/2020، الرابط: https://bit.ly/36QraBM

[12] “حملة ضد إخوان ليبيا بعد ملتقى تونس .. ما أسبابها وأهدافها؟”، عربي 21، 18/11/2020، الرابط: https://bit.ly/3pKDw7m

[13] “نقاط اختراق: أسباب تعثر ملتقى الحوار الوطني في حلحلة الأزمة الليبية”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تصاعد الدعم الاقليمى والدولى لحكومة الوحدة الوطنية فى ليبيا وسط مجموعة من التحديات

  عقب أداء حكومة الوحدة الوطنية الليبية اليمين القانونية أمام مجلس النواب في 15 مارس …