‫الرئيسية‬ العالم العربي اغتيال العالم النووي الإيراني “محسن زادة” – الرسائل والتداعيات وسيناريوهات المستقبل
العالم العربي - ايران - عالمي - ديسمبر 3, 2020

اغتيال العالم النووي الإيراني “محسن زادة” – الرسائل والتداعيات وسيناريوهات المستقبل

وفق مساعي ترامب لعرقلة فترة بايدن الرئاسية المقبلة، وافتعال الأزمات مع إيران، فقد لجأ عبر إسرائيل، بتوجية ضربة قوية تمثلت في اغتيال “أبو المشروع النووي الإيراني” وأكبر علماء الذرة الإيرانيين “محسن فخري زادة”، وترافقت العملية مع إرسال حاملة الطائرات الأمريكية “يو اس اس” وهو ما قد يخلط الأوراق ويضع منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط على فوهة المواجهة العسكرية.

 

دلالات عملية الاغتيال

-ضربة قاسية:

يعد “زادة”  أحد أكثر العلماء نفوذاً وأرفع مرتبة في مجال البحث العلمي في الجمهوية الإيرانية، وأحد علماء الصف الأول في البرنامج النووي الإيراني، وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية “إنسا”، فإن زادة كان مطلوبا للموساد منذ سنوات، وهو العالم الوحيد الذي ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في أحد البرامج التلفزيونية، كما سبق أن فشلت مؤامرة لاغتياله خلال السنوات الأخيرة. يذكر أن اسم “فخري زاده” ورد كواحد من خمس شخصيات إيرانية ضمن قائمة أقوى 500 شخصية في العالم نشرتها مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية .

وفي 24 مارس 2007، تم تعيينه كعالم بارز في وزارة الدفاع ودعم القوات المسلحة، وهو المدير السابق لمركز أبحاث الفيزياء (PHRC)، كما ورد على قائمة مجلس الأمن الدولي للعقوبات ضد إيران. ويُقارن “زاده”، الضابط السابق في الحرس الثوري، بـ”روبرت أوبنهايمر”-أبو القنبلة الذرية الأمريكية- لدوره في قيادة مشروع “AMAD” الإيراني الذي أجرى أبحاثًا حول تطوير قنبلة نووية إيرانية. ويعد “زاده” ثاني مهندس لاستراتيجية الردع والأمن القومي الإيرانية الذي يُقتل منذ الضربة الأمريكية في 3 يناير التي قتلت “قاسم سليماني”، الذي كان مهندس استراتيجية إيران الإقليمية المتعلقة بالمليشيات.

 

-تبجح إسرائيلي أمريكي:

وفي ظل عدم إعلان أي جهة عن مسئوليتها عن الحادث، اتهم وزير الخارجية الإيرانية “جواد ظريف” إن الهجوم له مؤشرات خطيرة تدل على دور إسرائيلي. ومن المرجح أن يكون الطرف المسؤول عن العملية هو إسرائيل بالفعل، بمساعدة من الولايات المتحدة أو بدونها؛ مما يعد علامة أخرى على أن إسرائيل ستسرع على الأرجح عملياتها السرية ضد البرنامج النووي الإيراني في الأشهر الأخيرة من إدارة “ترامب” وأثناء إدارة “بايدن” المقبلة في محاولة لجعل المفاوضات الأمريكية  الإيرانية المحتملة أكثر صعوبة.

بل أنه لدى إسرائيل، تاريخ طويل من الاغتيالات والعمليات السرية داخل إيران؛ فبين عامي 2010 و 2012، اغتيل 4 علماء نوويين إيرانيين في ذروة القلق الدولي بشأن برنامج إيران النووي. وفي الآونة الأخيرة، استعرضت إسرائيل قدراتها العملياتية في طهران من خلال اغتيال “أبو محمد المصري” المنتمي لتنظيم “القاعدة” في أغسطس 2020. ومن المحتمل أيضا أن تكون إسرائيل متورطة، أو تقف بشكل مباشر خلف انفجارين في يونيو ويوليو في مجمع صواريخ خوجير الإيراني ومنشأة نطنز لتخصيب الوقود.

 

-استمرار سياسة الضغط القصوى:

ولا تزال درجة تورط الولايات المتحدة أو إخطارها بعملية “زاده” غير واضحة، لكن إدارة “ترامب” تهدف إلى تسريع ما يسمى بحملة “أقصى ضغط” قبل رحيلها، ومن المحتمل أنها داعمة لأي عملية على افتراض أنها لم تشارك بشكل مباشر. وقد جاء الاغتيال بعد أسبوعين فقط من طلب “ترامب” خيارات عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني في أعقاب التقرير الفصلي الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن إيران، كما تشير سرعة “ترامب” لإعادة تغريد المنشورات التي أبلغت عن الحادث إلى مستوى معين من تورط الولايات المتحدة أو معرفتها أو دعمها. لكن إيران لن ترغب في فعل أي شيء يهدد الانفتاح مع إدارة “بايدن” المقبلة، التي قالت إنها ستعود إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، مقابل عودة إيران إلى الامتثال لالتزاماتها النووية.

وفي نفس السياق، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز”، الأمريكية ، يوم الجمعة 27 نوفمبر، عن ثلاثة من مسؤولي المخابرات، أن الموساد الإسرائيلي كان وراء اغتيال “زاده” مشددة على أن أمريكا وإسرائيل هما أقرب الحلفاء ولطالما تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن إيران”. فيما امتنع البيت الأبيض عن التعليق. تلي ذلك ، ما أعلنه برلمانيون إيرانيون وعلي شنخاني عقب تشييع جنازة زادة يوم الاثنين 30 نوفنبر، بأن عملية معقدة نفذذها الموساد الإسرائيلي لاغتيال زادة ، وأن عناصر من منظمة مجاهدي خلق شاركوا في العملية.

 

رسائل الاغتيال

وجاءت عملية اغتيال أبرز العلماء الإيرانيين في توقيت حساس للغاية، وفي سياقات عدة، تحمل العملية رسائل متعددة لأكثر من جهة.

-بالنسبة لتوقيت العملية، فإنه يأتي بعد الإعلان عن فوز المرشح الديمقراطي الأميركي جو بايدن، الذي أثار مخاوف لدى الإسرائيليين وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة حول احتمال أن ينتهج الرئيس الأميركي الجديد المسار الدبلوماسي مع طهران، وعليه، على الأغلب وجدت إسرائيل في الظروف الراهنة أفضل فرصة لتصفية العقل النووي الدفاعي الإيراني الأبرز، لتحقيق جملة أهداف في آن واحد، الأول، هو التأثير على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وإبطاء عجلة تقدمهما، إن لم يكن توقف هذه العجلة بعض الوقت بالنظر إلى موقع الرجل الكبير في هذه المجالات. وفي السياق أيضاً، يمكن النظر إلى تكثيف إسرائيل عملياتها العسكرية في سورية، استغلالاً للفترة المتبقية لولاية الرئيس الأميركي الخاسر دونالد ترامب، لتسجيل نقاط كبيرة، فيما يرتبط بالحد من التواجد والنفوذ الإيرانيين في سورية على الجبهة الشمالية.

-أما الرسالة الثانية، فهي السعي للإبقاء على التوترات بين إيران والغرب بشكل عام والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص في عهد بايدن، بل وزيادتها بما يحول دون خفضها وتراجع “الضغوط القصوى” الأميركية التي بدأها ترامب كاستراتيجية شاملة في مواجهة إيران، بعد الانسحاب من الاتفاق النووي يوم الثامن من مايو 2018.

-فيما جاءت الرسالة الثالثة، من إسرائيل إلى إيران، مفادها أنها لن تتوانى في السعي لتعطيل البرنامج النووي الإيراني بعد الخطوات النووية الإيرانية على مدى العامين الأخيرين، رداً على تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، والتي بموجبها زادت من نسبة تخصيب اليورانيوم، وقامت بتركيب أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وزادت من إنتاجها اليورانيوم واحتياطاتها له 12 ضعفاً عن الحد المسموح به في الاتفاق، وفق أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، نشر في وقت سابق من نوفمبر 2020. وعليه، يريد الاحتلال الإسرائيلي القول لطهران باغتيال أبرز العلماء الإيرانيين، إنه جاد في تعطيل البرنامج النووي الإيراني، وأن استئناف الاغتيالات يأتي لتحقيق هذا الهدف.

وفي السياق أيضاً، يمكن قراءة “العملية التخريبية” التي استهدفت منشأة “نطنز” النووية، وهي الأهم في البلاد في تخصيب اليورانيوم، يوم الثاني من يوليو الماضي، حيث دمّرت صالة لتجميع أجهزة الطرد المركزي.

 

أهداف اغتيال زادة

-استفزاز إيران تمهيدا لتوجيه ضربة نووية لها:

ومن ضمن الأهداف التي هندستها عملية الاغتيال، وهو ما أشار إليه خبير الشرق الأوسط “شتيفان كينسلر”، ومؤلف عدة كتب في العلاقات الأمريكية الإيرانية، في تغريدة له على “تويتر”، بأنّ الهجوم يستهدف استفزاز إيران لتوجيه ضربة مضادة والتي سوف تُتخذ كذريعة لشن حرب ضد إيران ووقف أي حلول دبلوماسية معها، وهو ما يذهب إليه الدبلوماسي السابق “مارك فيتسباتريك”، والذي كان مسئولًا عن مكافحة انتشار الأسلحة النووية في وزارة الخارجية الأمريكية ، قائلا في بيان صحفي، أنّ العقل المدبر لمقتل زاده يريد منع أي حل دبلوماسي مع طهران بشأن برنامجها النووي.

وقد ثبت أنّ جهاز الموساد الإسرائيلي قادر على القيام بأعمال مذهلة في أراضي العدو. فقبل عامين، سرق الموساد الأرشيف النووي من قلب طهران، وفي ذلك الصيف، استطاع جهاز المخابرات الإسرائيلي بتكليف من واشنطن أن يغتال في العاصمة طهران أبو محمد المصري، نائب زعيم القاعدة. وفي الصيف الماضي، انفجرت أجزاء كبيرة من منشأة نووية إيرانية، حيث كان يتم بناء أجهزة طرد مركزي وتخصيب اليورانيوم، وافترضت طهران أنّ عمل تخريبي وراء الحادث،  ويشتبه المراقبون في أنّ إسرائيل كانت أيضا وراء هذا الهجوم. وتعتقد إسرائيل والحكومة الأمريكية  المنتهية ولايتها بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وكذلك المملكة العربية السعودية، أنّ إيران لا تزال تعمل على صنع قنبلة نووية، لا سيما أنّ طهران انتهكت عن عمد بعض بنود الاتفاقية النووية  ردًا على انسحاب الولايات المتحدة في عهد ترامب منها قبل عامين.

 

-استهداف بايدن:

وفي الأيام التي سبقت مقتل فخري زاده،  ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنّ القيادة في تل أبيب وإدارة ترامب يخططان معًا لأعمال عنف جديدة ضد إيران من أجل الإضرار بسلاحها النووي قبل تولي بايدن السلطة في 20 يناير. وبحسب ما ورد في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد زار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤخرًا وتحدث معه عن القتال ضد إيران، وكان الاجتماع السري إشارة  تحذيرية لجو بايدن مفادها أنّ أهم شريك للولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتحدى سياسته المخطط لها تجاه إيران.

وعلى وجه الخصوص، فإنّ نتنياهو غير مستعد تمامًا لتأييد مسار أكثر اعتدالاً تجاه طهران، لا سيما أنه منذ سنوات، يعتبر أنّ مهمته الأساسية هي ردع إيران، كما يتبنى هذا الرأي أيضا العديد من الإسرائيليين الآخرين، الذين يأخذون تهديدات إيران المستمرة بمحو “الكيان الصهيوني” من الخريطة على محمل الجد. ولهذا السبب، يبذل نتنياهو كل ما في وسعه لمنع إيران من صنع قنبلة نووية – بكل الوسائل المتاحة له-، ويمكن أن يكون القتل المستهدف للباحث النووي البارز جزءًا من استراتيجية الردع، وحتى في ظل ولاية الرئيس الأمريكي بايدن، من غير المرجح أن يتغير شيء في هذا الشأن، حيث تقوم إسرائيل عادةً بفعل ما تراه ضروريًا لضمان أمنها القومي. ويخشى تحالف ترامب المناهض لإيران أن يؤدي تحول السياسة الأمريكية  تحت قيادة بايدن إلى تقوية إيران وبالتالي ضعف دوره، ولذلك فهو الآن يفعل كل ما في وسعه لإنقاذ سياسة “الضغط القصوى”، ويساعده ترامب في ذلك من خلال إصدار عقوبات جديدة ضد طهران، ولا يستبعد المراقبون أن تذهب الحكومة الأمريكية  المنتهية ولايتها إلى أبعد من ذلك.

 

تأثيرات الاغتيال

بحسب التقديرات الاستراتيجية الغربية، على الصعيد الفني، لن يكون لمقتل “زاده” سوى تأثير رمزي على أنشطة إيران النووية الحالية، لكن إذا سعت إيران إلى العودة إلى برنامج أسلحة أكثر نضجا، فسوف تفتقد خبرته، فقد استمر مشروع “AMAD” من عام 1989 حتى عام 2003، وتشير جميع المؤشرات المعلنة من عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن المشاريع التي تركز على تطوير الأسلحة النووية تظل خاملة إلى حد كبير على الرغم من استمرار إيران في برنامجها النووي المتعلق بتخصيب اليورانيوم والطاقة النووية المدنية.

ورغم تسريع هذه الأنشطة منذ مايو 2019 -عندما أوقفت طهران التنفيذ الكامل لخطة العمل الشاملة المشتركة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية في مايو 2018- فإن ذلك لم يشمل برنامجها للأسلحة. وأكدت إيران أن جميع الخطوات التي اتخذتها منذ مايو 2019 قابلة للتراجع إذا دخلت الولايات المتحدة الاتفاق مرة أخرى.ومن المحتمل أن يؤثر الانفجار في منشأة نطنز النووية على برنامج إيران بشكل أكبر من اغتيال “زاده”؛ لأن الانفجار دمر منشأة جديدة لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي كانت إيران تبنيها كجزء من ردها على مغادرة خطة العمل الشاملة المشتركة. ومنذ ذلك الحين، تعيّن على إيران أن تبدأ في بناء واحدة جديدة تحت الأرض بالقرب من نطنز.

 

سيناريوهات الرد الإيراني

اولا: الرد المتحفظ:

فمن المرجح أن تجبر المرتبة البارزة لـ”زاده” إيران على الانتقام من إسرائيل أو الولايات المتحدة بطريقة ما، لكن كما حدث مع مقتل “سليماني” في وقت سابق من هذا العام، ستسعى طهران إلى ضمان ألا يؤدي ردها إلى نزاع أوسع مع الولايات المتحدة، فيما يمكن أن يؤدي إلى ضربات مباشرة في إيران أو إلى حرب مفتوحة. ومع ذلك، لن يكون انتقام إيران من إسرائيل محدودا جغرافيا بالضرورة، وقد يأتي بعد شهور أو حتى سنوات. ويبدو أن رد إيران الانتقامي على سلسلة الاغتيالات في الفترة بين 2010 و2012 جاء على شكل هجمات على دبلوماسيين إسرائيليين في جورجيا والهند وتايلاند في عام 2012، بعد عامين تقريبا من الاغتيال الأول وهجوم ستوكسنت على برنامج إيران النووي. وتشمل الخيارات الإيرانية المحتملة الهجمات الإلكترونية أو الهجمات على الدبلوماسيين في الخارج أو الهجمات الصاروخية بما في ذلك صواريخ حلفاء إيران في أماكن مثل لبنان وسوريا والعراق.

 

ثانيا: سيناريو التهدئة والتوصل لاتفاق امريكي إيراني جديد:

كان الرئيس الأمريكي المنتخب “جو بايدن” تعهد بعودة واشنطن للالتزام بالاتفاق النووي لعام 2015 إذا التزمت به إيران، فيما يخوض الطرفان سباقا مع الزمن في حقل ألغام سياسي لتحقيق هذا الهدف، ومن المرجح أنه بمجرد استلام زمام السلطة في البيت الأبيض، سيتعين على الآلة الدبلوماسية للرئيس “بايدن” التحرك بسرعة فائقة إذا كان يسعى بجدية للعودة لآليات الاتفاق النووي مع إيران، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات في إيران المقررة في يونيو القادم.

وكان الرئيس الإيراني الحالي، الإصلاحي “حسن روحاني”، ألقى بكل ثقله لإبرام اتفاق عام 2015. وبعد انسحاب إدارة “دونالد ترامب” من الاتفاق، هناك مخاوف جدية من انتخاب رئيس إيراني من صقور النظام، الذين لا يرون جدوى في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة. وسيواجه الرئيسان “بايدن” و”روحاني” معارضة شرسة في الداخل والخارج للعودة للاتفاق، خصوصا أمام أمر واقع جديد فرضته التركة التي خلفها “ترامب” وسيتعين على الجانبين تقديم تنازلات متبادلة للخروج من المأزق خصوصا أنهما يواجهان معارضة داخلية شديدة للاتفاق.

غير أن إيران بدأت في المساومة في استباق لتسلم “بايدن” مقاليد السلطة، وذلك وفق “كيرستن كنيب” في موقع “دويتشه فيله” الألماني، في (23 نوفمبر 2020). وتسعى واشنطن أيضا إلى كبح البرنامج الصاروخي لإيران الذي لا يشمله الاتفاق النووي، وكذلك الحد من تدخلاتها في الشرق الأوسط. ولطالما قالت إيران إنها لن تتفاوض بخصوص الصواريخ، ولن تشارك في محادثات ما لم تعد واشنطن للاتفاق النووي وترفع العقوبات دون شروط. وما يدعم التوجهات نحو الاتفاق، وفق ما ذكره  موقع “كروريي” الألماني في 18 نوفمبر الماضي،  بشأن العلاقة التي تربط “ظريف” بـ”بايدن” قائلا: “ظريف يعرف بايدن شخصيا منذ أكثر من ثلاثين عاما، وكان يلتقي به لما كان يعمل كمندوب لبلاده في الأمم المتحدة بين (2002 و2007) في نيويورك. وخلال ولاية باراك أوباما وجو بايدن، تمت الصفقة النووية التي أسقطها ترامب. وشارك الدبلوماسي الكبير ظريف في تلك المفاوضات”.

من جهتها، أبدت إيران استعدادها للترحيب بعودة الولايات المتحدة، لكنها شددت على ضرورة اقتران ذلك بتعويض أمريكي عما تكبدته منذ 2018 جراء إخلال واشنطن بالاتفاق، حيث فرضت إدارة “ترامب” سلسلة من العقوبات ضد إيران، بل ولا تزال تفعل ذلك وهي في طور الخروج من البيت الأبيض، بل وتسربت معلومات عن خطط أجهضت، في اللحظة الأخيرة، بضرب مواقع نووية إيرانية قبيل مغادرة إدارة “ترامب”.

 

ثالثا: سيناريو التصعيد العسكري:

وفق التقديرات الاستراتيجية المتداولة، يمكن لإيران أن تبدأ هجوما ضد إسرائيل وتشعل صراعا أوسع يجذب الولايات المتحدة، ما يؤدي إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران كان “نتنياهو” يسعى إليها منذ فترة طويلة. إلا أن هذا السيناريو غير مضمون الواقب إيرانيا، في ظل التمدد الاسسرائيلي على اطراف إيران وهو ما قد يدفعها نحو المناوشات مع الدول الخليجية باستهداف المصالح الأمريكية في المياة الدولية بالمنطقة، أو جر الدول الخليجية نحو مشاكل إقليمية مع إيران تعوق التمدد الأمريكي  والإسرائيلي بالمنطقة.

 

المآلات المستقبلية

وعلى أية حال ، فان تلك السيناريوهات السابقة، تشير إلى أنه من المرجح أن يؤدي الاغتيال، وغيره من الهجمات المستقبلية المحتملة، إلى تقوية موقف إيران وتعقيد محاولات فريق “بايدن” لإحياء الدبلوماسية. ويخدم كل ذلك مصلحة “نتنياهو” أيضا. ومن المرجح أن يتضاءل انفتاح طهران على مفاوضات بشأن الصواريخ وغيرها من الأمور إذا انخرطت إسرائيل في سلسلة من الاغتيالات في إيران. ففي الواقع، أدانت إدارة “أوباما” السابقة الاغتيالات الإسرائيلية السابقة، لأنها كانت تعلم أن جرائم القتل لن تؤدي إلى انتكاسة كبيرة لبرنامج إيران النووي بقدر ماستؤدي إلى تقويض أي جهد للتفاوض على اتفاق للحد منه. وبافتراض مسؤولية إسرائيل وتورط إدارة “ترامب” في استفزازات إسرائيلية إضافية، نجد أنفسنا الآن في وضع مشابه، ولكن ربما يكون أكثر خطورة خلال الشهرين المقبلين، خاصة إذا فشل “بايدن” وفريقه للسياسة الخارجية في إيصال رسالة شديدة اللهجة بأن إسرائيل ستتحمل وحدها التكاليف إذا استمرت في شن هجمات داخل إيران خلال الفترة الانتقالية الحالية.

على هذا النحو، يجب أن نكون مستعدين لطريق وعر للغاية في انتظار تنصيب “بايدن” وإذا تبين أن إسرائيل كانت وراء الاغتيال، فلن تبقى رغبة “نتنياهو” في جر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط مجرد شكوك. ومن المهم أيضا أن يلاحظ الجمهور الأمريكي النمط الأوسع للأزمة. فمن عام 2002 إلى عام 2012، ضغطت إسرائيل على الولايات المتحدة للتصدي لبرنامج إيران النووي. وخلال تلك الفترة، فرضت واشنطن عقوبات أكثر صرامة على طهران وهددت مرارا بعمل عسكري. لكن هذه الجهود فشلت في منع إيران من بناء قدراتها النووية بشكل منهجي. وبعد ذلك، من عام 2012 إلى عام 2015، حاولت الولايات المتحدة اتخاذ مسار الدبلوماسية الحقيقية، جنبا إلى جنب مع المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وبلغت ذروة الدبلوماسية في خطة العمل الشاملة المشتركة، التي تم الترحيب بها على نطاق واسع باعتبارها اتفاقية منع الانتشار النووي الأكثر أهمية، والتي وافقت إيران بموجبها على كبح حاد لبرنامجها النووي.

وبالرغم من هذه القيود، أعلنت إسرائيل معارضتها للاتفاق، وضغطت بنجاح على إدارة “ترامب” للانسحاب منه عام 2018، وفرض عقوبات جديدة كجزء من حملة “أقصى ضغط” ضد إيران.وكما هو متوقع، أدت سلسلة من التصعيد منذ ذلك الحين لجعل الولايات المتحدة وإيران على بعد دقائق من الحرب مرتين. لكن مع ذلك، لم تقع الحرب التي سعى إليها كثيرون في إسرائيل والولايات المتحدة. والآن، بعد أن تعرض “ترامب” للهزيمة أمام “بايدن”، من المرجح أن يرى أولئك الذين يريدون الحرب، لا سيما في إسرائيل، أن نافذة الفرص المتاحة للحرب تكاد تنغلق. وفي هذه الأثناء، تنسق إسرائيل مع “ترامب” والسعودية والإمارات من أجل مجموعة جديدة من العقوبات تهدف أيضا إلى إفساد فرص “بايدن” في استئناف الدبلوماسية مع إيران. وتوضح هذه التطورات الدرجة التي يشعر بها “نتنياهو” بالجرأة لتقويض رئيس الولايات المتحدة الديمقراطي وجر الولايات المتحدة إلى الحرب دون خوف من العقاب، وذلك وفق  ما ذهبت إليه “تريتا بارسي” بمجلة “ريسبونسيبل ستيتكرافت”، وترجمه موقع”الخليج الحديد”.

ووفق تقدير موقف استراتيجي تشرته مجلة ستراتفور، فلن يؤثر اغتيال”زاده” ماديا على برنامج إيران النووي، لكن اغتياله مؤشر هام على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسرعان استراتيجيتهما السرية ضد إيران في الأيام الأخيرة لإدارة “دونالد ترامب”. ومن المتوقع أن ترد إيران بشكل ما، بالرغم أنها ستمتنع على الأرجح عن الرد السريع الذي قد يحول الحرب السرية مع إسرائيل والولايات المتحدة على الأراضي الإيرانية إلى حرب علنية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الاتفاق النووي… بين الوساطة الأوروبية وحدود التغير في الموقف الأمريكي

    عادت التحليلات الخاصة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية للتصدر مجددًا، في محاولة لاست…