‫الرئيسية‬ العالم العربي المغرب التطبيع مع إسرائيل  مقابل الاعتراف الأمريكي  بسيادة المغرب على الصحراء الغربية… مخاطر وتحديات
المغرب - ديسمبر 21, 2020

التطبيع مع إسرائيل  مقابل الاعتراف الأمريكي  بسيادة المغرب على الصحراء الغربية… مخاطر وتحديات

 

 

في مقايضة تبدو مقيتة من الوهلة الأولى، أعلن الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على إقليم  الصحراء الغربية، المتنازع عليه مع جبهة البوليساريو، مقابل إعلان المغرب التطبيع الكامل مع إسرائيل، وتجديد علاقاتهما المشتركة المجمدة منذ العام 2000، بعد إعلان إسرائيل إنهاء عملية السلام، وردت بعنف على انتفاضة الأقصى.

الإعلان الأمريكي  تلاه العديد من الإجراءات من قبل واشنطن، بإعلان ترامب عن إشاء قنصلية جديدة لبلاده في المنطقة الصحراوية، وتقديم السفير الأمريكي  فيشر خريطة جديدة للمغرب تضم منطقة الصحراء للسيادة المغربية. إلى ذلك، ينتظر أن يشهد الأسبوع المقبل الإعلان عن سلسلة من القرارات لتعزيز الشراكة الاستراتيجية القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المغربية في مجالي التنمية الاقتصادية والتجارة، بحسب ما قاله السفير الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده الجمعة الماضية. وسبق ذلك إعلان الإمارات إقامة قنصلية لها في منطقة العيون الجنوبية، وإعلان دولة البحرين إقامة قنصلية لها في المنطقة الجنوبية أيضا، وترحيب من قبل كل من مصر والسعودية بالخطوة المغربية، بالتطبيع مع إسرائيل ، وتسيير رحلات طيران متبادلة وإقامة علاقات كاملة.

من جهة ثانية، أثار الإعلان الأمريكي  العديد من الاشكالات، ففي منطقة الصحراء، رفضته جبهة البوليساريو، التي ارتأته مخالفا لقواعد القانون الدولي والاتفاقات الدولية، التي تطالب باجراء استفتاء تقرير المصير للصحراويين، المعطل بسبب عدم الاتفاق على الإجراءات والخطوات التنفيذية، فيما تتمسك المغرب بالحكم الذاتي للإقليم  الصحراوي، وفق أوسكار ريكيت ودانيال هيلتون، بـ”ميدل إيست آي”. وكذلك رفضت الجزائر الإعلان الأمريكي  التي ارتأته متصادما مع القرارات الدولية، وأنه لن يغير شيء على أرض الواقع، ويبقى الحراك الصحراوي الذي تدعمه الجزائر، هو الفاصل في مستقبل الإقليم  المتنازع عليه. وأمريكيا ورغم ترحيب مستشار ترامب، كوشنر بالاتفاق، نددت عضوة الكونجرس الأمريكية “بيتي ماكولوم”، وهي مدافعة عن حقوق الفلسطينيين، بخطوة “ترامب” للاعتراف بمطالب المغرب في الصحراء الغربية.

وكتبت “ماكولوم” على “تويتر”، الخميس: “أدين اعتراف ترامب أحادي الجانب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية مقابل اعتراف المغرب الدبلوماسي بإسرائيل .. للشعب الصحراوي حق معترف به دوليا في تقرير المصير ويجب احترامه”. وأيضا، اتهم “جيم إينهوفي”، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري البارز الذي يدعم مساعي شعب الصحراء الغربية لتقرير المصير، “ترامب” بـ “مقايضة حقوق شعب لا صوت له” لتأمين الصفقة المغربية الإسرائيل ية. وجاء الإعلان الأمريكي  ليضع إسلامي المغرب في حرج شديد، حيث يرفض تيار الاخوان المسلمين، الذي ينتمي إليه حزب التنمية والعدالة الحاكم التطبيع مع إسرائيل بشكل قاطع، وهو الموقف الذي عبر عنه رئيس الحكومة سعد العثماني، في بيان صحفي، إلا أن وضعية العلاقة مع الملك محمد السادس، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للمغرب، دفع نحو اصدار الحزب بيانا لاحقا، بعد اجتماع استثنائي لأمانته العامة، أيد خطوات الملك نحو الحفاظ على وحدة التراب المغربي، مرحبا بالإعلان الأمريكي، لكنه وقع في ازدواجية بقبوله الخطوة التطبيعية، مع التأكيد على دعمهم القضية االفلسطينية، وتمسكهم بحل الدولتين، وهو موقف ملتبس أثار انتقادات الشارع المغربي، وهو نفس التبرير والموقف الذي اتخذته جماعة العدل والإحسان وحزب الإصلاح والتوحيد وحركة الاصلاح وغيرهم من القوى الأسلامية، وكذلك سوقته وزارة الخارجية المغربية، بإعلان استئناف التواصل مع إسرائيل، مع دعم خيار حل الدولتين على الأراضي الفلسطينية، وسار الملك محمد السادس عليه باتصاله بمحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ، رغم انتقادات حركات المقاومة الفلسطينية الذين وصفوا الخطوة المغربية بالخيانة للقضية الفلسطينية. ولعل ما يزيد من حرج الموقف المغربي ككل، أن إعلان التطبيع مع إسرائيل يأتي في توقيت يتصاعد فيه التوسيع الإسرائيل ي المستمر للمستوطنات غير القانونية، وتدمير المنازل والمباني الفلسطينية، والعنف المتواصل ضد الفلسطينيين.

ومن جانب أخر، ثمنت الأوساط الإسرائيلية وادارة ترامب الخطوة والتي وصفتها بالإيجابية، حيث باتت المغرب الدولة الرابعة التي تدخل في مسار التطبيع خلال العام 2020، بعد الإمارات والبحرين والسودان، وسط مواءمات تجري مع السعودية لاخراج قرار التطبيع، بعد الاتفاق الإسرائيل ي السعودي الأمريكي على التفاصيل في اجتماع نيوم الشهير.

 

علاقات قديمة

وبالرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية كاملة بين إسرائيل والمغرب منذ تأسيس الأولى عام 1948، إلا أنهما مع ذلك يتبادلان العلاقات (خاصة الاستخباراتية) منذ وقت طويل. وبدأ المغرب وإسرائيل  علاقات منخفضة المستوى عام 1993، بعد أن توصلت الأخيرة إلى اتفاق سلام مع منظمة التحرير الفلسطينية كجزء من اتفاقيات أوسلو. لكن الرباط علقت علاقاتها مع (إسرائيل ) بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. ووصف المغرب إعلان الخميس بأنه “استئناف” للعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل .

ويعيش نحو نصف مليون يهودي مغربي في إسرائيل ، ومن المعروف أن الإسرائيل يين يزورون المملكة الأفريقية من حين لآخر. وقال “نتنياهو” إنه يتوقع بدء رحلات جوية مباشرة بين البلدين قريبا. وفي الأعوام الأخيرة، شجع الملك “محمد السادس” ترميم التراث اليهودي في بلاده، وهو ما شارك فيه اليهود المغاربة الإسرائيل يون. وفي فبراير الماضي ، ذكرت وسائل إعلام إسرائيل ية أن “نتنياهو” ضغط على الولايات المتحدة للاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية في مقابل اتخاذ الرباط خطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل . وبعد بضعة أشهر، كشفت منظمة العفو الدولية عن استخدام برامج تجسس إسرائيل ية لاستهداف ناشطين مغاربة…وهي مؤشرات على علاقات مستمرة بين الجانبين، دون الإعلان عن تطبيع كامل..

يشار إلى أن الصحراء الغربية كانت مستعمرة أسبانية سابقة، وطالب بها المغرب منذ عام 1957، ويُعتقد أن بها احتياطيات نفطية كبيرة وموارد معدنية. وقد رفض سكانها الأصليون بشدة السيطرة المغربية. وبين عامي 1975 و1991، خاضت جبهة البوليساريو تمردا ضد الوجود المغربي. وتقدر البوليساريو أن عدد السكان الأصليين للصحراء الغربية يتراوح بين 350 ألفا و500 ألف وطالبت منذ فترة طويلة بحقهم في إجراء استفتاء على الاستقلال، وهو الأمر الذي وعدت به قرارات الأمم المتحدة. واتهمت البوليساريو المغرب مرارا باستغلال الثروات الطبيعية للمنطقة بينما ينتظر نصف سكانها الاستفتاء في المخيمات وفي المنفى. وفي الشهر الماضي، اشتبكت القوات المغربية ومقاتلو البوليساريو على طريق الكركرات المؤدي إلى موريتانيا، وذلك للمرة الأولى منذ إعلان الحركة الصحراوية وقف إطلاق النار عام 1991.

 

الدوافع المغربية

وتبرز العديد من الدوافع والأسباب التي أوصلت الصفقة للإعلان، ومنها:

-المصلحة المغربية في فرض سيادتها على الإقليم  الصحراوي:

وهو ما تسعى إليه الممغرب منذ عقود،وفق الباحث المغربي عادل نجدي بمقاله “التطبيع المغربي مع إسرائيل : لا تخلي عن القضية الفلسطينية” بالعربي الجديد. حيث  يبدو المغرب كمن يمسك عصا التطبيع من الوسط، ففي الوقت الذي تدفعه مصالحه الوطنية إلى السعي بكل الطرق لحسم ملف الصحراء، يحرص على التأكيد أن ترسيخ مغربية الصحراء لن يكون على حساب القضية الفلسطينية. ومؤخرا تحركت القوات السلحة المغربية نحو إقليم  الصحراء، عقب اغلاق جبهة البوليساريو الطريق الوححيد الواصل بين المغرب وموريتانيا بريا، والمعروف بمعبر الكركرات، وهو ما مثل تحديا للسيادة المغربية على أراضيها، ربما حفزها للتوجه نحو خطوة التطبيع، لضمان اعترافات دولية وعربية بسيادتها على الإقليم.

 

-الضغوط  الأمريكية

فقبل نحو عامين انطلقت المساعي الأميركية والإسرائيلية من أجل إقناع المغرب بطلب إقامة علاقات مع تل أبيب بمستوى العلاقات نفسها التي أقامها معها عام 1994، حينما فتحت إسرائيل في الرباط مكتباً للاتصال، والشيء نفسه قامت به الرباط، بيد أن المفاوضات تكثفت خلال الأشهر القليلة الماضية، من تفاوض كبير مستشاري دونالد ترامب، جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص آفي بيركوفيتش مباشرة مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة. وكان لافتاً طيلة السنتين الماضيتين دفع الحكومة الإسرائيل ية الإدارة الأميركية في اتجاه متابعة مساعي الظفر بتطبيع العلاقات مع الرباط، وعودة المملكة على الأقل إلى ما كانت عليه قبل 2000، تاريخ إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيل ي في الرباط بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

وكان الحديث عن تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل  قد عاد إلى الواجهة في فبراير 2019 مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى الرباط، حين تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية آنذاك عن احتمال أن يكون المغرب مستعداً للتطبيع مع إسرائيل في مقابل دعم أميركي لموقف الرباط في قضية الصحراء. وتزامنت زيارة بومبيو مع حديث وسائل إعلام إسرائيل ية عن إعراب رئيس الوزراء الإسرائيل ي بنيامين نتنياهو، خلال لقائه بومبيو في البرتغال قبل أيام من زيارته الرباط، عن أمله في “تحقيق إنجاز دبلوماسي حقيقي”، لتعزيز فرصه السياسية قبل انتهاء الفترة المحددة للكنيست لاختيار رئيس لتشكيل حكومة في 11 ديسمبر 2019. غير أن آمال نتنياهو تبخرت بعد أن غادر بومبيو المغرب من دون أن يستقبله العاهل المغربي الملك محمد السادس.

وزادت الشكوك في تطبيع المغرب مع إسرائيل، بعد الزيارة التي قام بها كوشنر إلى المغرب في مايو 2019، باعتباره مهندس الخطة الأميركية لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيل ي “صفقة القرن”. في حين عاد الحديث عن إمكانية التطبيع بين الرباط وتل أبيب مباشرة بعد الإعلان عن اتفاق التطبيع بين إسرائيل  والإمارات في 13 أغسطس الماضي، والحديث عن تطبيع مرتقب مع بلدان عربية أخرى، في المستقبل، ذكر من بينها المغرب، الذي تمت الإشارة إليه باعتباره بلداً محتملاً لعقد اتفاق تطبيع مع إسرائيل بضغط من واشنطن، التي ستقدم للرباط في المقابل اعترافاً بالسيادة المغربية على الصحراء من خلال فتح قنصلية لها في العيون.

وفي سبتمبر الماضي، أثارت زيارة كوشنر إلى الرباط جملة من التساؤلات حول مغزاها ومدى قابلية الرباط لإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل في ظل تصريحات إسرائيل ية عديدة عن اقتراب قيامها، وكان لافتاً ردود أفعال شعبية رافضة لها، وأخرى لرئيس الحكومة المغربي سعد الدين العثماني، الذي قال أمام اجتماع لحزب “العدالة والتنمية”، إن المغرب يرفض أي تطبيع مع “الكيان الصهيوني” لأن ذلك يعزز موقفه في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني.

 

انعكاسات التطبيع المغربي

-مزيد من التحديات المغربية

وعلى الرغم من التطبيع المغربي، الذي تتعدد تبريراته، تارة بأنه استئناف ما كان موصولا، أو العودة للعلاقات القديمة… الخ، فإن الخطوة المغربية، قد لا تحقق ما ترنو إليه في الصحراء، فبحسب رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع أحمد ويحمان، فإن “قضية الصحراء لا تحتاج إلى الصهاينة لكي يتم التعبير عن مغربيتها، فالمغرب في صحرائه، وهو واقع ذو بعد تاريخي واجتماعي وثقافي، وكذا من المنظور الواقعي للأمور”. فتبرير التطبيع بقضية الصحراء أمر غير مقبول، وهو خضوع للابتزاز الذي صمد فيه الجانب الرسمي لسنوات.

 

-حشر القضية الفلسطينية بالنفق الصهيوني:

وبفرض التسليم بالمبررات التي تسوقها المغرب، حول قرارها التطبيع، فإن الخطوة ليست تطبيعاً الآن، بل هي استئناف لعملية التطبيع السابقة التي كانت قائمةً بين المغرب وإسرائيل . وإذا كانت الخطوة، بهذا المعنى الذي تسعى الرباط إلى تكريسه، معزولةً عن سياق الهرولة نحو إسرائيل  الذي تنتهجه بعض الدول العربية، إلا أنها بكل تأكيد غير معزولة عن مسار التطبيع العربي العام والانفتاح على إسرائيل  الذي يريده الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وما قد يكون له من انعكاساتٍ على القضية الفلسطينية، والتي لا يزال المغرب يعتبرها أولوية بالنسبة إليه، وذلك وفق ما ذهب إليه الباحث الفلسطيني حسام كنفاني، بمقاله  بـ”الخليج الجديد” : “تبريرات التطبيع المغربية”.. وبالتالي، فإن خطوة كهذه، بغض النظر عن النوايا المغربية، تخدم الأهداف الأميركية الإسرائيل ية العامة التي تسعى إلى عزل العلاقة العربية الإسرائيل ية عن فكرة السلام الشامل، والتي كانت جوهر المبادرة العربية للسلام التي أقرتها الدول العربية كافة، والمغرب من بينها.

 

-عدم استفادة المغرب بالجالية المغربية بإسرائيل :

وفي سياق الحديث الرسمي المغربي، ركزت الأوساط المغربية، على “الجالية اليهودية المغربية” الموجودة في إسرائيل، واهتمام الرباط بها، خصوصاً بوجود “أماكن عبادة وأماكن ثقافية” لليهود في المغرب. وهو رهان مغربي غير مجد ، بحسب التقديرات الاستراتيجية، لأنه بدايةً من تسمية “جالية”، والتي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتم إسقاطها على اليهود المغاربة في إسرائيل، وخصوصاً أن الغالبية العظمى منهم اختاروا دولة الاحتلال، والانتماء للصهيونية، بمحض إرادتهم، في ذروة حالة الحرب والعداء بين الدول العربية وإسرائيل، في وقت بقي آلاف اليهود إلى اليوم في المغرب. وبالتالي فإن مثل هذا الخيار كان يعني التخلّي التام عما يحملونه من عروبة وانتماء إلى المغرب، وهو ما انعكس على ولاءاتهم الحزبية في الداخل الإسرائيل ي، إذ إن معظمهم يصوت لأحزاب اليمين والأحزاب الدينية. إضافة إلى ذلك، فإن رحلات بعض اليهود المغاربة إلى المغرب لم تتوقف حتى بعد إغلاق مكتب الارتباط الإسرائيل ي، وبالتالي فإن ربط العلاقات بهذه الزيارات ليس في مكانه.

إلا أنه من المؤكّد فأن الرباط لن تُقدم على المغالاة في المجاهرة بالعلاقة مع إسرائيل، على غرار ما قامت به الدول المطبّعة حديثاً، وتحديداً الإمارات والبحرين، سواء لناحية فتح الأبواب على مصراعيها للتبادل السياحي والاقتصادي، والذي يشمل منتجات المستوطنات الممنوعة أوروبياً، أو لناحية التطبيع الدبلوماسي لجهة فتح السفارات الرسمية، فحديث وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، لقناة كان الإسرائيل ية، اقتصر على “فتح المكاتب والممثليات الدبلوماسية الإسرائيل ية التي كانت موجودة في المغرب”، من دون الإشارة إلى فتح مكاتب أو ممثليات مغربية في المقابل في دولة الاحتلال. وهو ما يؤكد أن الخطوة تمثل انتصارا للمشروع الصهيوني، حتى ولو كان معنويا أكثر منه واقعيا، كما في حالة الامارات والبحرين..

 

-استمرار أزمة إقليم  الصحراء :

وبحسب تقديرات استراتيحية، فإن الاعتراف الأمريكي  بمغربية الإقليم  الصحراوي لن تحل أزمة البوليساريو مع المغرب ، بل تعقدها، خاصة وأن الاعتراف المستقل من قبل كل دولة على حدة، لن يقدم جديدا على أرض الواقع في الإقليم ، وهو ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في بيان له، أن حل قضية إقليم  الصحراء “لا يعتمد على الاعتراف الفردي لأي دولة، وإنما على تنفيذ القرارات الأممية”. وجاء ذلك في مؤتمر صحافي على هامش قمة “طموح” المناخية، رد خلاله غوتيريس على أسئلة الصحافيين حول إعلان ترامب اعتراف بلاده بسيادة المغرب على إقليم  الصحراء. وشدد الأمين العام على إن “موقفنا في غاية الوضوح في ما يتعلق بالصحراء الغربية. كل شيء يبقى كما كان عليه الوضع من قبل”. وأضاف، حسب ما نقلت “الأناضول”، أن “إيجاد حل لملف الصحراء الغربية لا يعتمد على اعتراف فردي لأي دولة، وإنما يتوقف الأمر على تنفيذ قرارات مجلس الأمن التي نحن الأوصياء عليها”. يشار إلى أنه منذ استقالة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة هورست كوهلر، في 21 مايو 2019، مرحلة الجمود. حتى وان كان الاعتراف الأمريكي، يمنح  ترجيحا لكفة المغرب في نزاع الصحراء وتكسيرا لقاعدة التوازن التي كانت تسلكها الإدارات الأميركية المتعاقبة بهذا الشأن.

و على أية حال، فإن الاعتراف الأمريكي  يفتح صفحة جديدة في نزاع امتد لأكثر من 45 عاماً. وضمنيا ووفق الاعتراف الأمريكي  فأن إقامة دولة مستقلة في الصحراء ليس خياراً واقعياً لحلّ الصراع  وهو ما يمثل مؤشراً على بداية “مرحلة جديدة” قد يكون لها ما بعدها على الملف الذي كان دخل في مرحلة جمود منذ استقالة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة هورست كوهلر في 21 مايو 2019. وحرصت واشنطن، على امتداد سنوات النزاع في الصحراء، وبأشد ما يكون الحرص، على أن تمسك عصا الملف من الوسط، فهي لم تعترف بمغربية الصحراء حتى عندما كانت الحرب بين المغرب و”البوليساريو” والجزائر حرباً بين المعسكرين الشرقي والغربي، لكنها بالمقابل ساعدت الرباط عسكرياً. وفيما ظلّت واشنطن تعتبر اعترافها بمغربية الصحراء أمراً لا يخدم أهدافها الاستراتيجية، وأن ليس من مصلحتها أن تصير طرفاً في صراعات المنطقة، كان لافتاً حرصها على عدم إفساد العلاقة مع المغرب، ولا مع الجزائر. وظهر ذلك الحرص أيضاً من خلال محاولة المبعوثين الأميركيين التوفيق بين موقف الطرفين بشأن حلّ هذا النزاع، بل ذهب بعضهم إلى اقتراح تقسيم المنطقة بين الأطراف المتنازعة، ومن خلال تجديد ولايات البعثة الأممية إلى الصحراء للحفاظ على الوضع القائم بين البلدين. وفيما يبدو قرار ترامب الاعتراف بسيادة المغرب، قبل أيام قليلة من نهاية ولايته، تحولاً في موقف واشنطن من نزاع الصحراء، تُطرح أكثر من علامة استفهام حول مآل النزاع وتأثيره على موقع الأطراف المتنازعة خلال الأشهر المقبلة، بعدما حرّك الاعتراف الأميركي المياه السياسية الراكدة، وأثار ردود فعل متباينة.

وفي الوقت الذي دانت فيه جبهة “البوليساريو” قرار ترامب بشأن الصحراء، مطالبة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بإدانته، كان لافتاً اعتبارها أن “قرار ترامب لا يغير في أي شيء من الطبيعة القانونية للقضية الصحراوية، إذ إن المجتمع الدولي لا يعترف للمغرب بالسيادة على منطقة الصحراء، لأنها تبقى ملكاً حصرياً للشعب الصحراوي”. وأكدت “البوليساريو” في بيان، أن “الموقف المعلن عنه من قبل ترامب، يشكل خرقاً سافراً لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ـ منظمات ومحاكم ـ ويعرقل مجهودات المجتمع الدولي الرامية لإيجاد حلّ سلمي للنزاع الدائر بين الطرفين في المنطقة”…وتراهن البوليساريو على النظام الأمريكي  الجديد بقيادة بايدن ، والذي قد يجمد الاعتراف الأمريكي، إلا أنه لتجاوز الأزمات والصراع الذي قد يتصاعد مستقبلا، فإنه  ينبغي أن تقود واشنطن مفاوضات لإنهاء النزاع على أساس الحكم الذاتي باعتباره الحلّ الأنسب والأكثر واقعية، فيه حسم موضوعي لنزاع الصحراء، وتوافق لما سبق وخلص إليه مجلس الأمن الدولي من أن حلّ النزاع يجب أن يكون واقعياً وعملياً ومستداماً، بخسب افتتاحيات الصحف المغربية المختلفة السبت الماضي.

 

قلاقل داخل المغرب

ولعله ، من الوارد بقوة، ان يتواجه النظام السياسي المغربي، سواء مؤسسة الملك، أو الحكومة، بحراك شعبي مضاد، من قبل الشعب المغربي عامة، سواء اليسار أو حتى الاسلاميين أنفسهم أو العناصر الشابة من القوى السياسية، التي لا ترى في التطبيع مندوحة، للبعد المكاني المغربي عن خطوط التماس مع إسرائيل  وبحسب المفكر العروبي المهدي مبروك، يختلف تطبيع المغرب عن تطبيع الإمارات، فللمغرب نخب سياسية وثقافية مناصرة للقضية الفلسطينية، علاوة على حسٍّ شعبي ينبض بالتعاطف مع الفلسطينيين، ولكن يبدو أن الحسابات الإقليم ية المعقدة والحادّة دفعت الملك محمد السادس إلى الذهاب إلى نقطة اللاعودة من التطبيع بعد علاقات دافئة مع الكيان الإسرائيل ي، كانت من وراء حجاب. وليس مستبعدا أن يدفع هذا التطبيع إلى توترات محلية، أو إقليم ية حادّة، فالجزائر لن تراه سوى نصل يغرس في خاصرتها الرخوة. وعلى الصعيد المحلي قد يدفع حزب التنمية والعدالة المغربي فاتورة التطبيع في الاستحقاقات السياسية المقبلة، في جولات الانتخابات على المستوى المحلي أو الوطني.

 

خاتمة:

يأتي الدور الأمريكي الداعم لمسلسل التطبيع في الأيام الأخيرة لحكم ترامب، وفاءً لتعهدات سابقة للوبيات اليهودية، وتمهيدا أيضا لانتخابات 2024، التي ينتوي ترامب خوضها. وعلى الرغم من ابتعاد المغرب عن فلسطين، إلا أن تطبيعها يؤثر تأثيرا كبيرا على مسار القضية الفلسطينية التي يجري تصفيتها يوما بعد الآخر، عبر “صفقة القرن” التي تجري بهدوء بعد رفضها من قبل أطراف ودوائر سياسية مؤثرة في الأردن ومصر وبعض الدول الخليجية، والتي يبدو أنها تتحقق وتسير بخطى ثابتة عبر التطبيع وصم الآذان العربية عن سياسات الاستيطان التي تتوسع يوما بعد الأخر في فلسطين.

ومما لا شك فيه فإن المقابل الذي سيحصله المغرب يبقى بخسا، في ضوء الأزمات المحلية المتوقعة، ودخول أزمة الصحراء الغربية في أتون أزمة جديدة قد تفجر مواجهات مسلحة، وتشعل المزيد من الخلافات بين المغرب والجزائر، وتبقى الإدارة الأمريكية الجديدة عامل حسم في الملف الصحراوي المجمد منذ عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الإسلاميون في المغرب والموقف من التطبيع.. السياق والمآلات

  – انضمام دولة المغرب لحظيرة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني يمثل ورطة كبرى لحزب …