‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر خريطة الحركات الإسلامية في مصر بعد 7 سنوات من الانقلاب
مصر - ديسمبر 29, 2020

خريطة الحركات الإسلامية في مصر بعد 7 سنوات من الانقلاب

 

 

بنجاح «الثورة المضادة» في مصر بعد الانقلاب العسكري على المسار الديمقراطي في 30 يونيو و3 يوليو 2013م، مثل ذلك تدشينا لمرحلة جديدة، سعت خلالها قوى الثورة المضادة وتحالفها الواسع الذي يضم الإمارات والسعودية ومصر إلى إعادة صياغة خريطة الحركات الإسلامية في مصر والمنطقة، فتم الاتفاق على ضرورة تشديد القبضة الأمنية  وغلق الفضاء العام، واستئصال كل ما يتعلق بالإخوان المسلمين، وذلك لاعتبارين: الأول، أن الجماعة تمثل تهديدا مباشرا لنظم الحكم المستبدة في المنطقة، وخصوصا في مصر ودول الخليج الثرية؛ لأنها تتبنى الدعوة إلى تحكيم الشريعة بشكل عصري يحقق الأهداف الكبرى في الإسلام من تكريس التوحيد ونشر العدل وخلق أجواء واسعة من الحرية والأمان، كما تتبنى خيار الديمقراطية وهو ــ أيضا ــ خيار مرفوض بشكل مطلق من جانب النظم العربية المستبدة. علاوة على ذلك، فإن هذه النظم كانت تخشى من عدوى الثورة المصرية التي أطاحت بحكم المستبد الأسبق محمد حسني مبارك، وكان للإخوان فيها دور كبير. الثاني، أن الجماعة في ذات الوقت تمثل تهديدا مباشرا للمشروع الصهيوني والمصالح الأمريكية والغربية في مصر والمنطقة عموما؛ وذلك لأن حركات المقاومة الفلسطينية (حماس ــ الجهاد)، ما قامت إلا على أفكار الإخوان المسلمين؛ كما أن للجماعة الأم في مصر وفروعها في دول العالم تاريخ حافل في مناهضة المشروع الصهيوني منذ النصف الأول من القرن العشرين؛ وبالتالي تلاقت المصالح الإسرائيلية الأمريكية مع مصالح نظم الحكم العربية المستبدة على حساب قيم الديمقراطية والعدالة والحريات بشكل عام، وعلى حساب شعوب المنطقة التي يجري حرمانها من حقها في الحرية والتمتع بنظم حكم ديمقراطية رشيدة.

لم يشفع لجماعة الإخوان أنها تمثل كبرى الحركات الإسلامية التي تؤمن بالمسار السلمي في التغيير، وترى في آليات الديمقراطية والانتخابات سبيلا إلى التغيير السلمي للسلطة، وتؤمن بحق الشعوب في اختيار حكامها وعزلهم إن أساءوا وفق أدوات دستورية تستمد احترامها من التوافق الشعبي من جهة وتوافقها مع مبادئ الإسلام وأحكامه من جهة ثانية، وتتسق في ذات الوقت مع آليات الديمقراطية الحديثة التي تحظى بقبول واسع بين شعوب العالم باعتبارها أرقى النظريات السياسية التي تضمن الانتقال السلمي للسلطة بإرادة الجماهير من جهة ثالثة.

مخططات استئصال الإخوان جرى وضعها من جانب مخابرات الإمارات والسعودية ومصر في أعقاب سقوط الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، بعد ثورة 25 يناير 2011م مباشرة وقبل حتى فوز الإخوان بأكثرية مقاعد البرلمان وفوز مرشحها الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية بإرادة الشعب الحرة, وباركتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي توا وفي الحال بعد تقديرات موقف رأت في نجاح الثورة وسيطرة  الإسلاميين على حكم أكبر دولة عربية تهديدا كبيرا ومباشرا على الكيان الصهيوني. والبرهان على ذلك هو التسريب الصوتي لضابط كبير بأمن الدولة مع رئيس حزب الوفد السابق سيد البدوي، وهو التسريب الذي تم بثه في 2015م ويرجح أنه جرى أواخر 2011م أو خلال يناير أو فبراير 2012م على أقصى تقدير؛  وهو التسريب الذي كشف فيه الضابط الكبير الذي لم تعرف هويته حتى اليوم عن سيناريو الدولة العميقة لمواجهة ثورة يناير والشعبية الجارفة للإخوان المسلمين، وهو التسريب الذي احتوى على  تأكيد الضابط الكبير بأن الإخوان لن يحكموا البلد وأنهم سوف يتعرضون خلال السنوات المقبلة لمذابح دموية مروعة. «أنا يا سيد بقولك إن الإخوان دول هيتعمل فيهم إللي متعملش في الكام سنة اللي جايين .. هيدبحوا.. هتطلع مليشيات تدبحهم في بيوتهم .. هتخش عليهم بيوتهم تدبحهم في سرايرهم». وكشف أن هذه المليشيات المسلحة لن يعرف أحد هويتها. وأن مصر سوف تغرق في إرهاب لا يعلم أحد مصدره. «مصر بقى هتغوص في إرهاب محدش عارف مصدره». وكانت الإمارات سباقة في مخططات استئصال الإخوان وجرى اعتقال قادة جمعية الإصلاح سنة 2011م. كما جرى تصنيف الإخوان حركة إرهابية في كل من مصر والإمارات والسعودية.

حصلت هذه المخططات على دعم واسع من اليمين المتطرف في أعقاب نجاح دونالد ترامب في انتخابات 2016م،  وجرى ربط هذه المخططات أيضا بضرورة حصار حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” باعتبارها تمثل أكبر تهديد للكيان الصهيوني من جهة، وباعتبارها فرعا من جماعة الإخوان المسلمين من جهة ثانية.

وفي مصر جرى إعادة تشكيل خريطة الحركات الإسلامية بما يضمن هيمنة النظام العسكري على الفضاء العام الدعوي والإسلامي وتأميم الخطاب الديني بما يضمن ولاءه للنظام وتوظيفه لخدمة أجندته حتى لو كانت بالغة الشذوذ والانحراف وتتصادم مع ثوابت الإسلام وقيمه ومبادئه. وفي مرحلة لاحقة جرى تدشين مرحلة الحرب على التدين ذاته باعتباره الحاضنة لما تطلق عليه النظم “الإسلام السياسي”. وفي سبيل ملء الفراغ الهائل الذي تركه الإخوان المسلمون والذين كان لهم نشاط دعوى واجتماعي وسياسي هائل؛ عملت أجهزة النظام الأمنية على إعادة صياغة خريطة الحركات الإسلامية التي تشكلت من ثلاثة أضلاع تدين جميعا بالولاء المطلق للنظام والدفاع عن مواقفه وسياساته وحتى جرائمه.

 

المؤسسة الدينية الرسمية

الضلع الأول، هو المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهرـ الإفتاءـ الأوقاف)، أما الأوقاف فقد سيطر عليها الأمن الوطني من الألف إلى الياء بوضع محمد مختار جمعة على رأس هذه الوزارة بعد الانقلاب مباشرة حتى اليوم فقد تغير رؤساء حكومات ووزراء لكن مختار جمعة بقي في الوزارة مدعوما بقبول واسع من جهاز الأمن الوطني الذي يرى فيه خير خادم وعميل؛ وبذلك تحولت الأوقاف إلى أداة في يد النظام، حيث جرى فصل كل خطيب وإمام يعارض النظام وسياساته وتوجهاته، وجرى إخضاع كافة الأئمة بسيف الفصل وقطع الأرزاق، كما جرى غلق أكثر من 70 ألف مسجد بدعوى أنها مساجد صغيرة لا سيطرة للحكومة عليها. كما تم فرض الخطبة  الموحدة التي تحدد الوزارة عناصرها وأفكارها كل أسبوع.  والأهم هو حماس الوزير لمنح أموال الوقف الخيري (تقدر بأكثر من ألف مليار جنيه) للطاغية عبدالفتاح السيسي يفعل به ما يشاء رغم أن ذلك يخالف الأحكام القطعية للشريعة ونصوص القانون.  وأما الإفتاء فقد تحولت إلى أداة تستخدمها السلطة سياسيا للتوقيع الأعمى على كل أحكام الإعدام بحق الرافضين للنظام دون حتى النظر في دلائل هذه الأحكام القاسية التي تفتقد إلى أدنى درجات الشفافية والنزاهة والإنصاف. كما تحولت إلى بوق ديني للنظام بهدف إضفاء مسحة شرعية دينية زائفة على مواقف النظام السياسية من خلال ما يسمى بمرصد  الفتاوى التكفيرية. أما الأزهر، فرغم مشاركة إمامه الدكتور أحمد الطيب في  مشهد انقلاب 3 يوليو 2013م، إلا أنه لا يزال يعافر من أجل إبعاد الأزهر عن التورط في مزيد من الضلال السياسي ورغم توافقه مع الخط العام للنظام الانقلابي، لكنه يعمل على بقاء مواقف الأزهر مستقلة نسبيا عن سياسات النظام ما استطاع إلى ذلك سبيلا رغم الضغوط الهائلة التي تمارس عليه. ورغم عمليات الإخضاع التي جرت للمؤسسة الدينية الرسمية خلال سنوات ما بعد الانقلاب لكن النظام حريص على مزيد من الإخضاع عبر مشروعات قوانين تستهدف تمكين النظام من كل مفاصل المؤسسة الدينية من خلال «مشروع قانون تنظيم الإفتاء» الذي وصفه الأزهر ومجلس الدولة بأنه يخلق كيانا موازيا (الإفتاء) للأزهر ينازعه في اختصاصاته التي حددها الدستور. كما ينزع صلاحيات اختيار المفتي من هيئة كبار العلماء ليكون من صلاحيات الرئيس. وقد ناقش البرلمان مشروع القانون في أغسطس 2020م، وأمام العوار الدستوري من جهة ورفض الأزهر من جهة ثانية؛ صدرت «أوامر عليا» لرئيس البرلمان بتعليق المناقشة وتأجيلها إلى حين. وكذلك وافق مجلس النواب في أغسطس 2020م على مشروع قانون هيئة الأوقاف الذي يسمح لأول مرة بالسطو على أموال الوقف بدعوى الاستثمار الأمثل لهذه الأصول والأموال.

 

الحركة الصوفية

الضلع الثاني، هو الطرق الصوفية، حيث «تقدر بنحو 77 طريقة، تتفرع إلى ٦ طرق رئيسة هي: “الدسوقية، الشاذلية، الرفاعية ، البدوية، العزمية ، القادرية» ، ورغم أن الصوفية في جوهرها هي الاهتمام بالجوانب الروحية والأخلاقية والابتعاد عن السياسة والحكام، إلا أن تاريخ الحركة الصوفية في مصر يناقض هذه الحقيقة؛ ؛ فقد توطؤ الصوفيون مع الاحتلال الإنجليزي حتى سمح لهم بإقامة الزوايا والتكايا وحماية احتفالاتهم، وعمل الاحتلال على نشر هذا  الشكل من التدين الزائف الذي ينافق الحاكم المتغلب ولو كان كافرا، ويبدي مطاوعة كبيرة لأي سلطة غالبة حتى لو كانت ظالمة، كما أيد الصوفيون انقلاب 23 يوليو 1952م، ومدحوا الدكتاتور عبدالناصر مديحا يفوق كل وصف. كما أيدوا اتفاق “كامب ديفيد” المشئوم الذي وقعه الرئيس الأسبق محمد أنور السادات مع الكيان الصهيوني في مارس 1979م؛ وقد كافأهم السادات بإصدار مجلة التصوف في نفس السنة (1979م).  وكانوا سندا لمبارك طوال سنوات حكمه الثلاثين، بل كانوا جزءا من حزبه «اللا وطني» داعمين له على طول الخط. وعارضوا ثورة 25 يناير سنة 2011م.

كما كانت الحركة الصوفية واحدة من أهم العناصر التي حرص مدبرو الثورة المضادة في مصر على جرها بقوة في المعترك السياسي بعد ثورة يناير. وجرى توظيف العلاقات الوثيقة التي تربط كبار شيوخ هذه الحركة بالقيادات الأمنية في عصرمبارك من أجل توظيف هذه  الحركات لخدمة أجندة الدولة العميقة ومخططاتها نحو الانقلاب على ثورة 25يناير والرئيس المنتخب محمد مرسي. وتعمدت الآلة الإعلامية في مرحلة ما بعد مبارك ــ كانت تتحكم فيها المؤسسة العسكرية والأمنية عبر نفوذها الواسع على رجال أعمال مبارك المالكين لهذه الفضائيات وقتها ــ تضخيم الدور السلفي وترهيب الصوفيين من عواقب ترك الساحة لحزب النور وغيره والذين يسوقون لتصورات تصل إلى تكفير الصوفية وضرورة هدم الأضرحة باعتبارها شكلا من أشكال الشرك بالله. وشوهدت مظاهرات صوفية لأول مرة إلى ميدان التحرير، وفي بعض الجمع نصبوا منصة  لهم وشرع بعضهم في تأسيس أحزاب سياسية لم تحقق نجاحا يذكر في برلمان الثورة “2012”م. وأيدت الطرق الصوفية  انقلاب 3 يوليو 2013م، وأفتى بعض المنتسبين لها بإباحة قتل الإخوان وكل من يعارض الانقلاب كما فعل المفتي الأسبق على جمعة. ووصف بعض منتسبيها (سعد الدين الهلالي) السيسي ومحمد إبراهيم برسولين كموسى وهارون. ويسعى النظام العسكري إلى تكريس الوجود الصوفي والعمل على توسعه وانتشاره، ولايزال هذا التيار يحظى بدعم السلطة باستمرار باعتباره كان دائما سندا لها في كل المواقف، ففي كل مسرحيات الانتخابات التي ترشح فيها السيسي كان دعم الطرق الصوفية له بالغ الحماسة والتأييد؛ وساهموا في الدعاية وقدموا جميع القرابين تزلفا ونفاقا للنظام؛ وقد كوفئ بعض قيادات مشايخ الصوفية على دورهم في دعم نظام الانقلاب العسكري حتى جرى اختيار شيخ الطريقة العزمية عبدالهادي القصبي، ليكون رئيسا لائتلاف الأغلبية البرلمانية “في حب مصر”، وأحد قيادات حزب “مستقبل وطن” الذي تشرف عليه أجهزة السيسي الأمنية.

 

السلفية البرهامية والرسلانية

الضلع الثالث، هو التيارات السلفية وعلى رأسها الرسلانية والبرهامية. بخلاف عدة جمعيات أخرى.

أما  البرهامية  نسبة إلى طبيب  الأطفال ياسر برهامي، نائب رئيس ما تسمى بالدعوة السلفية بالإسكندرية، فقد أسس “حزب النور”  في أعقاب نجاح ثورة 25 يناير في  الإطاحة بالرئيس الراحل محمد حسني مبارك، وفاجأ البرهاميون الجميع بدخول معترك السياسة بعد الثورة دون أي مراجعة فكرية لمواقفهم السابقة التي كانت تحرم التنافس السياسي والانتخابات، والتي لا تزال موثقة على مواقعهم حتى اليوم؛ فكيف جرى هذا التحول الهائل؟ وما الدوافع التي جعلتهم يخوضون غمار المنافسة السياسية والحزبية؟ وما الأسس الفكرية والأصول الفقهية التي استندوا إليها؟ ولماذا تخلوا عن موقفهم الفقهي السابق؟ وهل للأجهزة الأمنية دور في هذا التحول الهائل؟  كل هذه الأسئلة لا إجابة عليها من جانبهم؛ لكن المؤكد أن دخول هذه الفئة من السلفيين (البرهامية) غمار السياسة بعد الثورة كان الهدف منه هو إرباك المشهد السياسي، لتحقيق عدة أهداف، أبرزها أن ذلك مثل في حد ذاته رسالة تخويف للولايات المتحدة الأمريكية والغرب و”إسرائيل” وما يسمى بالمجتمع الدولي بشكل عام. مفاد هذه الرسالة أن مصر في طريقها نحو تشكيل نظام سياسي أصولي متصادم مع المجتمع الدولي. والهدف الثاني هو تخويف القوى المدنية العلمانية وإجبارها على الاستنجاد بمؤسسات الدولة العميقة والتحالف معها ضد “بعيع الإسلاميين”، وهؤلاء كان لهم دور بارز في رسائل التخويف الكثيفة التي جرى إرسالها إلى الغرب خلال هذه الفترة. والهدف الثالث هو ابتزاز الإخوان، ووضعهم في مربع التفريط والدفاع أمام خطاب سلفي  متشدد فيما يتعلق بخطاب الشريعة والمواقف من دورها في توجيه المجتمع ومدى العلاقة بين الشريعة والمجتمع والدولة. وبذلك حققت الدولة العميقة الهدف من إقحام السلفيين في المشهد السياسي بعد الثورة والذي أسهم في الحد من انتشار الإخوان وهيمنتهم على المشهد السياسي؛ حيث حصلت القائمة الوطنية التي قادها حزب “الحرية والعدالة” الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين بالتحالف مع حزب الكرامة الناصري الذي يقوده حمدين صباحي وغد الثورة الذي يقوده الدكتور أيمن نور، وحزب العمل الذي كان يقوده مجدي أحمد حسين وعدة أحزاب أخرى. على 43%،  فيما حصل حزب النور الذي تحالف مع حزب البناء والتنمية “الجماعة الإسلامية” وعدة أحزاب سلفية صغيرة أخرى على 23% (112) عضوا. وخلال مرحلة برلمان الثورة والعام الذي حكم فيه الرئيس الشهيد محمد مرسي كان حزب النور يناكف باستمرار في الإخوان والرئيس. وأيدوا انقلاب 3 يوليو 2013م وشارك ممثلهم يونس مخيون في مشهد الانقلاب. وظلوا حتى اليوم مؤيدين للانقلاب رغم المحطات الكثيرة التي تؤكد أن نظام السيسي هو مجرد عصابة اغتصبت الحكم بالقوة وتحكم البلاد بالحديد والنار. وجرى توظيف قيادات “البرهامية” لتحقيق هذا الهدف فصورهم بلحاهم الطويلة وجلابيبهم القصيرة في مشهد الانقلاب كان مقصودا في حد ذاته؛ للزعم بأن الإسلاميين أنفسهم منقسمون، وأن  منهم فريقا يؤيدون الإطاحة بالرئيس والحكومة المنتخبة بقوة المؤسسة العسكرية. وبعد أن أدى البرهاميون دورهم المطلوب منهم في مرحلة ما بعد الإطاحة بمبارك ثم مرحلة الانقلاب جرى تهميش دورهم؛ حيث تراجع تمثيلهم في البرلمان من 112 عضوا في برلمان الثورة 2012م، إلى 12 عضوا فقط في برلمان 2015م. ثم 7 فقط في برلمان 2020م. وفي مجلس الشيوخ لم يحصلوا على نائب واحد وجرى تعيين أشرف ثابت في المجلس من جانب السيسي الذي يحق لهم تعيين 100 نائب بحسب قانون المجلس. ورغم هذا التهميش  فإن النظام وأجهزته  الأمنية حريصون كل الحرص على بقاء السلفيين البرهاميين في الصورة لاستعمالهم باستمرار في خدمة أجنده النظام وتكريس وجوده وإضفاء مسحة شرعية زائفة على اغتصابه للبلاد وحكمه الاستبدادي.

 

أما الرسلانية، فهم فئة من السلفيين تنتمي إلى الشيخ محمد سعيد رسلان، وهم أكثر خطورة وتطرفا ونفاقا للنظام العسكري من البرهامية.  وينتمي هؤلاء إلى تيار الجامية المدخلية الذي تأسس داخل غرف المخابرات السعودية في تسعينات القرن الماضي إبان أزمة الاحتلال العراقي للكويت.  ويرى مؤلف كتاب “زمن الصحوة” ستيفان لاكروا، أن الجامية المدخلية  تقوم على مبدأين لا يمكن تخطيهما :

1)  الأول، الولاء الحاد والمطلق لولي الأمر والعائلة الحاكمة وتمجيد السلطة والدفاع عنها دفاعًا مستميتًا وتبني مواقفها وإضفاء مشروعية دينية عليها. ووصلت فكرة تقديس ولي الأمر بالنسبة للحركة الجامية إلى حد اعتبار بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي الذي عينه الرئيس الأمريكي جورج بوش رئيسًا للإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق في 6 مايو 2003، ولي أمر لا يجوز الخروج عليه “ولو جلد ظهرك وسلب مالك” وعلى العراقيين السمع والطاعة.

2)  والثاني،  طاعة ولي الأمر المطلقة وإضفاء الشرعية الدينية الكاملة عليه وعلى سياساته. وبحسب “لاكروا”، فإن هذين المبدئين يتغيران بحسب التحالفات السعودية، فكما شرعن مؤسسا الجامية  الاستعانة بالقوات الأمريكية،  لمواجهة العراق وضربه بعد ذلك،  تولى تابعوهم لاحقًا تبرير كل ما سيصدر عن السلطة من أقوال وأفعال دون إعطاء فرصة لأي تعبير عن الرأي المخالف لهوى السلطان، لأن ذلك في عرف المدخلي “نوع من الخروج المثير للفتن”.

وعندما ألغت وزارة الأوقاف تصريح الخطابة للشيخ محمد سعيد رسلان في سبتمبر 2018م، ومنعته من اعتلاء المنبر وإلقاء دروسه بمسجده «سبك الأحد» بمركز أشمون في محافظة المنوفية،  والمساجد الأخرى، أثار القرار موجة من الاستغراب والاندهاش؛ ذلك أن سعيد رسلان هو رجل جهاز الأمن الوطني، وولاؤه لنظام الانقلاب أكبر من أي تصور، إضافة إلى أن عداءه للإخوان المسلمين عداء اعتقادي وليس مبنيا على اختلاف فرعي في بعض الرؤى والفتاوى والتصورات، وكم دافع عن الإجراءات الدموية التي اقترفتها أجهزة الانقلاب في محاولة لصبغها بشرعية دينية مزيفة. لكن هذه الدهشة سرعان ما زالت بقرار عاجل أعاد رسلان إلى منبره في ذات الأسبوع. وينتمي رسلان الذي ولد سنة 1955 بقرية “سبك الأحد” بمحافظة المنوفية، إلى المدرسة «السلفية الجامية» أو «المدخلية»، وهو التيار الذي وضع قواعده وأفكاره الشيخان “محمد أمان الجامي”، وربيع بن هادي المدخلي، في تسعينات القرن العشرين، بدعم مطلق من النظام السعودي. معروف عن هذا التيار الطاعة المطلقة لأولى الأمر حتى لو كانوا ظلمة فاسقين أو حتى كافرين. ومعروف أيضا بتأييده المطلق لطعاة العرب ورفض الثورة على الحكام المستبدين  باعتبارها خروجا على الحاكم، ويصف معارضي النظم العربية المستبدة بخوارج العصر. وأظهرت وثائق جهاز “أمن الدولة” التابع لوزارة الداخلية، المسربة عقب اندلاع ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، أن الجهاز الأمني كان داعمًا لرسلان باعتباره مفيداً لنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، في حين وظفت الأجهزة الأمنية رسلان لاحقاً في حملات التشويه الممنهجة ضد الإخوان والرئيس محمد مرسي، بغرض إسقاط حكمه، حتى وقع الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م وجرى اعتقال الرئيس المنتخب  بإرادة الشعب الحرة وأركان الحكومة المنتنخبة والآلاف من أنصارالرئيس حتى استشهد في سجون النظام العسكري في يونيو 2019م.

وعندما ارتكبت عصابة الانقلاب عشرات المذابح وعلى رأسها مذبحتي رابعة والنهضة،  أيد الرسلانيون في مصر هذه الجرائم الوحشية وارتقى رسلان منبره مدعيا «هؤلاء الذين اعتصموا في هذا المكان هم من خوارج هذا العصر. هؤلاء قيل لهم مرات على مدار 45 يوماً لا تعتصموا في هذا المكان، واعلموا أنكم ستتجنبون الملاحقة، ولن يمسكم أحد بسوء. ولكن قادتهم هربوا جميعاً، وتركوا من غرر بهم يحملون السلاح ويحاربون الأمن”. وهي ذات الأكاذيب التي تروج لها الآلة الأمنية والإعلامية للعسكر؛ بما يعني أن رسلان وتياره حريص كل الحرص على تبني الرواية الأمنية والدعاية لها عبر منابر المساجد دون أن نجد من إعلاميي السلطة والأحزاب العلمانية من يدين هذا التوظيف السياسي للمنابر. ووصف رسلان ذكرى مذبحة فض الاعتصامين، بـ”اليوم القومي لذكرى المحرقة، تماماً كما عند اليهود”، زاعماً أن “جماعة الإخوان تجد في المظلومية سنداً لها أمام العالم”، وزعم أن جماعة الإخوان أسست في الأصل على “الماسونية”، وأن شارة “رابعة” هي إحدى شارات “الماسونية”، معتبراً أن الاحتجاجات علناً تخالف الهدي الصحيح للإسلام، وأن على الشعب مناصرة جيشه في حربه. وخلال مسرحية الرئاسة في عامي 2014 و2018م، كانت المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر ــ الإفتاء ــ الأوقاف) تصدر الفتاوى التي تحرم المقاطعة؛ وذلك لأن النظام كان يريد مشاركة شعبية من أجل إقناع الأمريكان والغرب والمجتمع الدولي عموما أن هناك عملية سياسية ديمقراطية في مصر تحظى بإقبال شعبي واسع. بخلاف دور هذه المؤسسات في حشد موظفيها دعما للسيسي ونفاقا له. لكن سعيد رسلان وتيار الجامية ذهب لما هو أبعد من ذلك؛ فهو يرى بعدم الحاجة إلى انتخابات أصلا؛ ليس لأنها مزورة ومعلومة النتائج مسبقا، ولكن لأن الرسلانيين يرون أن الله بوأ السيسي منصب الرئاسة فلا يجوز أن ينازع في مقامه حيث قال رسلان في إحدى خطبه «ولي الأمر لا يُنازع في مقامه، ولا منصبه الذي بوّأه الله إياه، ولا مجال مطلقاً في أن ينافس عليه، بل هو باق فيه إلا إذا وقع عارض من موانع الأهلية”. وواصل رسلان نفاقه للسيسي وأجهزته الأمنية مضيفا «الدولة محددة برأسها، ورئيسها، والذي لا يقول عن كذب أو مبالغة، ويقول عن رؤية وبصيرة وواقع يعلمه علم اليقين. ومن أساسيات الأمن القومي ألا يصرح بتفاصيله، وأن يفهم صاحب كل عقل أن الدولة مهددة، والمؤامرة عُطلت، ولكنها لم تحبط، وماضية. وتتجمع خيوطها مجدداً، والمصريون لا يبالون”. وإلى جانب محمد سعيد رسلان، هناك رموز أخرى أقل شهرة داخل التيار الجامي المدخلي وهم “محمود لطفي عامر” و“أبو عبد الأعلى خالد عثمان” و“عبد الوهاب حسن البنا” و“على الوصيفي”، وكان أبرز رموزه والسبب الرئيسي في ظهور التيار في مصر، “أسامة القوصي” لكن حدثت له العديد من التحولات الفكرية والتي أدت لتغير مساره لكنه ظل على ولائه المطلق للنظام وأجهزته الأمنية.  وقد نشرنا دراسة في يناير 2020م بعنوان ««السلفية المدخلية» ذراع الأنظمة  لتحريف الإسلام ووأد الربيع العربي»، والتي أفردنا فيها مساحة كبير حول دور المخابرات السعودية في نشأة هذا التيار ودور نظم الحكم في دعمه والعمل على انتشاره للتشكيك في الخطاب الإسلامي الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين وحركات المقاومة الفلسطينية. وهو دور وظيفي يقوم به هذا التيار لخدمة نظم الحكم والمشروع الصهيوني في المنطقة. فالتيار المدخلي لا يقوم على أسس وتفسيرات رصينة لنصوص الإسلام، ولكنه تيار تأسس في غرف المخابرات وبقاؤه مرهون ببقاء هذه الأنظمة وزوالها منذر بزاله؛ ولهذا يدافع أنصاره باستماتة شديدة عن النظم رغم بشاعة ما تقوم به من ظلم وفجور وفساد في الأرض. في ذات السياق، تمكنت الأجهزة الأمنية من السيطرة بشكل كامل على الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية، ووضعت على رأس كل منها وعلى كل فروعها إدارات مقبولة أمنيا، لأن هاتين الجمعيتين تديران فعليا آلاف المساجد ولهما خطباء وأئمة يصعدون المنابر بشرط الالتزام حرفيا بموضوعات الخطبة التي تحددها الأوقاف وعدم التعرض مطلقا لأي موضوعات يمكن تصنيفها على أنها مادة مناهضة للسلطة أو تمس سمعتها. كما أن الأجهزة الأمنية تجبر جميع فروع الجمعية الشرعية  على مستوى الجمهورية بحشد المكفولين تحت مشروع “الطفل اليتيم” الذي يعد أحد أكبر المشروعات الاجتماعية في مصر، في شاحنات خاصة في مسرحيات الرئاسة وتعديل الدستور، وأحيانا دعم مرشحي حزب “مستقبل وطن” الحكومي. ورغم أن جماعة التبليغ والدعوة لا علاقة لها بالسياسة وفقا للقواعد التي تأسست عليها، إلا أن أجهزة السيسي الأمنية تتشدد حاليا في السماح لهم بممارسة أنشطتهم الدعوية للحد من انتشارها في إطار مخططات الحد من التدين بشكل عام.

 

مستقبل جماعة الإخوان

بعد كل هذا الاستعراض، فماذا عن مستقبل جماعة الإخوان المسلمين والمؤيدين لها الذين رفضوا الانقلاب على الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي والمسار الديمقراطي ونسف مسار الثورة المصرية؟ جرى التنكيل بالجماعة والمتعاطفين معها على نحو واسع؛ فقد استشهد منهم الآلاف على رأسهم قيادات رفيعة مثل الرئيس محمد مرسي، والأستاذ محمد مهدي عاكف، مرشد الجماعة  السابق، والدكتور عصام العريان عضو مكتب الإرشاد ونائب رئيس حزب “الحرية والعدالة”،والشيخ عصام دربالة، القيادي بالجماعة الإسلامية، كما تم اعتقال عشرات الآلاف من قادتها وعناصرها، وتلاحق أجهزة السيسي الأمنية الهياكل الإدارية والتنظيمية للجماعة، وفي أعقاب اعتقال  الدكتور محمود عزت، الذي كان يدير الجماعة من الداخل وعددا من اللجنة الإدارية التي كانت تساعده، قررت الجماعة في منتصف 2020م تشكيل لجنة إدارية جديدة تدير الجماعة من الخارج بقيادة نائب المرشد العام إبراهيم منير. ولا شك أن الجماعة تتعرض منذ انقلاب 3 يوليو 2013م لأكبر محنة في تاريخها، وتحتاج إلى مراجعات في مستوياتها الفكرية والتنظيمية والسياسية، لكنها في ذات الوقت ستكون مع جموع الشعب المصري، أحد الفائزين الكبار في حالة سقوط نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي، بينما تبقى أضلاع السلطة الثلاثة التي تمثل المؤسسة الدينية للنظام(المؤسسة الرسمية ــ الصوفية ــ السلفية البرهامية والرسلانية) مثلها مثل أحزاب مدنية علمانية اختارت الدكتاتورية مع العسكر على الديمقراطية مع الإسلاميين، اختارت أن ترهن مستقبلها بمستقبل النظام، تبقى ببقائه وتزول بزواله؛ لأنها رهنت بقاءها وجودا وعدما بنظام دكتاتوري يقوم على القهر والبطش الأمني، وسنة الله في الخلق والكون أن الأيام دول يوم لك ويوم عليك ” وتلك الأيام نداولها بين الناس”.

———————
[1] https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

[2] سيد أمين/ تساؤلات عن الحضور الصوفي في السياسة!/ الجزيرة مباشر 25 إبريل 2019
[3] فريق التحرير/ الجامية.. خطاب ديني مسعاه تحقيق إرادة الحاكم/ نون بوست 21  مايو 2019

[4] أوقاف مصر تمنع الداعية محمد سعيد رسلان من الخطابة لهجائه الظالمين/ العربي الجديد 20 سبتمبر 2018// شيماء عبد الهادي/تفاصيل عودة محمد سعيد رسلان لخطبة الجمعة بمسجده بالمنوفية/ بوابة الأهرام 27 سبتمبر 2018
(5) أوقاف مصر تمنع الداعية محمد سعيد رسلان من الخطابة لهجائه الظالمين/ العربي الجديد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعدام 17 معتقلا سياسيا بقضية كرداسة..  مغزى التوقيت بين الرسائل والدلائل

      لعامل التوقيت في تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 معتقلا سياسيا في قضية “اقت…