‫الرئيسية‬ إفريقيا روسيا والقرن الإفريقي
إفريقيا - روسيا - يناير 12, 2021

روسيا والقرن الإفريقي

 

 

على الرغم من تراجُع إفريقيا في أجندة السياسة الخارجية الروسية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وما تسبَّب فيه الغياب الروسي من فراغ استغله لاعبون جُدد خلال العقود الثلاثة الماضية في القارة، إلا أنه مع صعود الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة، حاولت روسيا استعادة نفوذها السياسي كقوة كبرى في النظام الدولي، تمتلك العديد من المصالح في شتَّى أنحاء العالم، ومنها قارة إفريقيا التي تمتلك أهمية استراتيجية في النظام الجيوسياسي الدولي برزت بوادره بشكل مُكثَّف خلال العقد الماضي. ولطالما كانت منطقة القرن الإفريقي أحد أهم المناطق الاستراتيجية في العالم؛ نظرًا لما تتمتَّع به من موقع جغرافي مميز، وكونها تطل على ممرات مائية هامة، فضلاً عن احتوائها على العديد من الموارد الطبيعية، وقُربها من مسرح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، مما جعلها محطَّ أنظار العالم لا سيما القوى الكبرى. ومع تراجع نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في القارة على عهد ترامب؛ لانشغالها بتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وتعقيداتها، وهو ما كان يُعد فرصة أمام روسيا للاندفاع نحو إفريقيا، وخلق مناطق نفوذ لها في منطقة القرن الإفريقي؛ بهدف تحقيق وتعزيز مصالحها فيها. فما هي المصالح الدافعة للتواجد الروسي في منطقة القرن الإفريقي؟ وما هو الوضع الحالي لهذا التواجد؟ وكيف يُمكن توقُّع مستقبل هذه التحركات؟ تلك هي التساؤلات التي تسعى تلك الورقة للإجابة عليها خلال السطور القليلة القادمة..

 

المصالح الدافعة للتواجد الروسي في منطقة القرن الإفريقي: ترتبط المساعي الروسية بشأن التوجه نحو منطقة القرن الإفريقي بجملة المصالح الرئيسة للروس فيها؛ أولها؛ المشاركة في احتواء خطر الجماعات والحركات الإرهابية؛ بما لا يهدد مصالحها في المنطقة، وبما يصعِّب من انتقال العناصر الجهادية إليها. وثانيها؛ استعادة النفوذ الروسي في المنطقة، وإيجاد موطئ قدم لها في منطقة البحر الأحمر، في ظل تصاعد التنافس الدولي والإقليمي على المنطقة. وثالثها؛ تستغل روسيا المنطقة كقاعدة للانطلاق نحو توسيع نفوذها في مناطق أخرى من القارة الإفريقية، باعتبار أن منطقة القرن الإفريقي هي بوابة عبور إلى وسط وجنوب القارة. ورابعها؛ المساهمة في تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر، والمشاركة في حماية مضيق باب المندب، فضلاً عن القرب من الأزمات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. وخامسها؛ تعزيز التعاون السياسي، والتفاعل مع دول المنطقة، لضمان دعم روسيا في المحافل الدولية بخصوص القضايا والملفات التي تهم الجانب الروسي. وسادسها؛ تنمية العلاقات التجارية والاقتصادية، وتعزيز التجارة الثنائية بين دول المنطقة في مختلف القطاعات. وسابعها؛ فتح سوق جديدة في المنطقة، يمكن من خلالها تصدير المنتجات والخدمات والتقنيات الروسية مثل الأسلحة الروسية، وبناء محطات الطاقة النووية، وبناء البنية التحتية، وتكرير النفط وخطوط أنابيب البترول، وإطلاق الأقمار الصناعية. وثامنها؛ استغلال الموارد الطبيعية للمنطقة، مثل النفط والغاز الطبيعي، والأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والمعادن، واليورانيوم.[1]

 

التنافس في القرن الإفريقي: تنظر روسيا إلى فرنسا كمنافس مباشر في القرن الإفريقي، كما أنها تحاول تقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة. حيث تحاول كلٌّ من روسيا وفرنسا الاستفادة من مخاوف دول القرن الإفريقي بشأن الاعتماد المفرط على الصين. كما أنه في العام الماضي، تزامن إقامة كلٍّ من روسيا وفرنسا لتعاون بحري مع إثيوبيا، والتي يرى المحللون الروس، أن هذا المسعى الفرنسي هو محاولة لربط إثيوبيا بجيبوتي، لمواجهة الدور الروسي. خاصةً وأن روسيا أقامت علاقات مع إفريقيا الوسطى ومالي، المسارح التي تتواجد بها فرنسا، مما دفع الأخيرة لإقامة علاقات مع دول لم تحتلها من قبل مثل نيجيريا وغانا. وهناك احتمالية لاستخدام روسيا الوسيلة الإعلامية لتقويض الدور الأمريكي في المنقطة، نظرًا لعدم رغبتها في التدخل عسكريًا في القرن الإفريقي، مما يحد من قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة. وبجانب المواجهة المحتملة مع فرنسا والولايات المتحدة، تنعكس أدوار روسيا في الشرق الأوسط كذلك على دورها في القرن الإفريقي. فعلى سبيل المثال، ستمنح إقامة روسيا لعلاقات مع المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن، منذ مارس 2019، موطئ قدم على البحر الأحمر وخليج عدن، وتقوية روابطها مع القرن الإفريقي بشكل متبادل. كما أن هناك إمكانية لتبنِّي روسيا نهجًا حذرًا مع إثيوبيا؛ حال استمرار التوترات بين الأخيرة ومصر بشأن مفاوضات سد النهضة، حيث أصبحت القاهرة شريكًا مهمًا بشكل متزايد لروسيا في ليبيا وسوريا. إذ لا تزال منطقة القرن الإفريقي تمثل أولوية ثانوية لروسيا، نسبةً إلى علاقتها المتنامية مع مصر وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، مما قد يدفع روسيا بتقليل مشاركتها في المنطقة، حال تم تهديد مصالح أي من هؤلاء الشركاء.[2]

 

الوضع الحالي للتواجد الروسي في المنطقة: في إطار سعيها إلى التغلغل في منطقة القرن الإفريقي، تحرص روسيا على توسيع دائرة علاقاتها مع دول المنطقة؛ بهدف خلق المزيد من الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين، من خلال المُضي قُدُمًا نحو تعزيز العلاقات السياسية والدبلوماسية، وفتح آفاق جديدة في أسواق دول القرن الإفريقي. ففي إثيوبيا؛ يمثل قطاع الطاقة مدخلاً هامًا لروسيا يفتح المجال أمام شراكة قوية بينها وبين إثيوبيا، ومن ثَمَّ إعادة الارتباط بين موسكو وأديس أبابا؛ بحيث تصبح الأخيرة بوابة روسيا لإفريقيا بهدف إيجاد موطئ قدم ملموس في القارة؛ من أجل تعزيز المصالح الروسية في إفريقيا؛ حيث تعمل شركة Rosatom في مجال مراكز الأبحاث والتكنولوجيا النووية في إثيوبيا، وفي دول أخرى مثل تنزانيا وغانا وزامبيا. وفي إريتريا؛ تُمثِّل أسمرة مدخلاً هامًا لموسكو للولوج إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وبسط النفوذ الروسي هناك؛ حيث تطوَّرت العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية على المستويات السياسية والاقتصادية وكذلك العسكرية. أما في الصومال؛ فترى روسيا في الصومال موردًا مهمًّا لعددٍ من الموارد الطبيعية غير المُستغلة؛ مثل النفط والغاز واليورانيوم، بالإضافة إلى حاجتها إلى شريك استراتيجي يسهم في إعادة بناء الدولة الصومالية، في ظل عدم الاستقرار السياسي الذي يعصف بالبلاد منذ الإطاحة بنظام بري في التسعينيات. كما ترغب مقديشو في الاستفادة من الخبرة العسكرية الروسية في محاربة الإرهاب، كما ترى روسيا في الصومال نقطة انطلاق مهمة لها في محاربة الإرهاب؛ لا سيما تنظيم داعش في المنطقة، فضلاً عن أن تعزيز الدعم العسكري والاقتصادي الروسي للصومال، بالإضافة إلى كونه يدعم بشكل كبير استعادة السلام والاستقرار الإقليمي في القرن الإفريقي؛ إلا أنه يُعزِّز أيضًا من الدور الروسي في تحقيق الأمن الإقليمي. وفي السودان؛ تتمتع روسيا بعلاقات سياسية واقتصادية وعسكرية متميزة مع السودان، فقد كانت روسيا داعمًا رئيسًا للسودان في المجال العسكري من خلال تعزيز روسيا لقدرات السودان العسكرية وصلت مؤخرًا لعقد اتفاق روسي سوداني حول إنشاء مركز لوجيستي على شواطئ البحر الأحمر السودانية في 6 نوفمبر 2020. وكذلك في جنوب السودان؛ يعتمد الرئيس سلفاكير ميارديت على روسيا والصين في الوقوف إلى جانبه ضد العقوبات الأمريكية على بلاده، وحظر الأسلحة من مجلس الأمن الدولي؛ بسبب الصراعات والحرب الدائرة في البلاد منذ منتصف ديسمبر 2013. ومن ثَمَّ، ترغب جنوب السودان في تعزيز العلاقات مع روسيا؛ من أجل التوازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يُمَثِّل فرصة أمام الروس للولوج إلى المنطقة، وفتح آفاق تعاون مع دولها، وفتح مجالات جديدة وأسواق جديدة، سواء في مجال بيع السلاح، أو الطاقة النووية السلمية.[3]

 

مستقبل التحركات الروسية في القرن الإفريقي: هناك عدة معطيات تساعد في التنبؤ بسلوك وسياسات روسية وتحركاتها الخارجية، ومن ثَمَّ من المتوقع أن تتبوأ منطقة القرن الإفريقي -وحوض البحر الأحمر على وجه الخصوص- مكانة كبيرة في السياسة الروسية مستقبلًا، وذلك للمعطيات والتحولات الآتية: أولًا؛ بروز ملامح لتشكُّل نظام دولي جديد: بسبب التحولات المتسارعة في السياسة الدولية، حيث تراجع القوة الأمريكية، وبروز عالم متعدد الأقطاب تسعى القوى الصاعدة فيه -منها روسيا- لتعظيم فرص نفوذها في مناطق العالم وأقاليمه الحيوية المختلفة، ومنها القرن الإفريقي. ثانيًا؛ الحرب الباردة الجديدة: حيث ترى وسائل إعلام غربية ومراكز الأبحاث أن ما يجري حاليًا بين الغرب وموسكو هو إعادة إنتاج للحرب الباردة، فقد بات التنافس اليوم بين القوى الدولية من خلال تكالبها على بعض المناطق الاستراتيجية من العالم، خصوصًا الشرق الأوسط والقرن الإفريقي؛ نظرًا للأهمية الجيوستراتيجية لهاتين المنطقتين بالنسبة لمصالح الدول الكبرى وسياساتها. ففي خضم هذه الحرب الباردة الجديدة ستسعى بعض القوى التقليدية إلى المحافظة على مناطق نفوذها، وتسعى دول أخرى إلى الحصول على مناطق نفوذ جديدة، وتسعى دول ثالثة إلى استعادة مكانتها ونفوذها، وهو بالفعل أشبه بحرب باردة جديدة. ثالثًا؛ الفراغ والتنافس الإقليميين: ففي هذين الإقليمين الحيويين -الشرق الأوسط والقرن الإفريقي- هناك تراجع في أدوار القوى الإقليمية التقليدية، لاسيما بعد ثورات الربيع العربي وتداعي النظام الإقليمي العربي في ظل بروز قوى وسياسات إقليمية جديدة كُليًّا على أنقاض النظام القديم، وهو ما شجَّع القوى الكبرى على التكالب نحو هذه المنطقة عبر سياسات العسكرة شديدة الخطورة.[4]

 

الخُلاصة؛ يأتي الانخراط الروسي ليسهم في اشتداد التنافس في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ كونها منطقة مزدحمة بالقوى الدولية والإقليمية، كما أنها موطن للقواعد العسكرية لقوى غربية وآسيوية وأمريكية، بالإضافة إلى التنافس الأمريكي الصيني في المنطقة، والتنافس الدولي والإقليمي على الموارد، وبالتالي التواجد الروسي يفتح جبهة جديدة من التنافس الدولي في المنطقة. ومن ثَمَّ، ففي ظل مسارعة الجانب الروسي إلى الانخراط في قضايا المنطقة، وتعزيز علاقاتها بدولها، يُمثِّل التوجه الروسي نحو المنطقة عبئًا إضافيًّا عليها في إطار تعدُّد الأطراف الدولية والإقليمية، وتضارب المصالح والأجندات في القرن الإفريقي، بما يُعقِّد بيئة التفاعلات في المنطقة، التي تنعكس على مصالح الجميع فيها. ولذا؛ هناك موجة من التوجُّس لدى الدوائر الغربية من المساعي الروسية للعودة إلى منطقة القرن الإفريقي؛ لعدة أسباب؛ تتمثل أبرزها في التخوف من تكتل روسي صيني في المنطقة، وما يمكن أن يترتب عليه من إقامة شراكة بين روسيا والصين على حساب المصالح الغربية في القارة الإفريقية؛ بحيث يكمِّل بعضهما البعض، سواء في إطار تجمع البريكس أو الاتفاقيات الثنائية الروسية الصينية، وفي مجلس الأمن الدولي أيضًا، كما يُمكن لروسيا استغلال بعض القوى الإقليمية المتمركزة في المنطقة كبوابة لتوطيد وتطوير علاقاتها مع بعض دول المنطقة؛ مثل تركيا، التي تتواجد بشكل جيد في دول مثل الصومال وجيبوتي، والسودان وإثيوبيا. وهكذا فمن غير المحتمل أن يتغير نهج روسيا الانتهازي في المنطقة، إذ أنها ترغب في تنظيم مشاركتها في حل التحديات الأمنية العديدة في القرن الإفريقي، فضلًا عن استمرار بيع الأسلحة وإقامة القواعد العسكرية. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تتأثر سياستها في المنطقة بتكثيف التوترات بين روسيا والقوى الغربية لاسيما فرنسا والولايات المتحدة، فضلاً عن انعكاسات التوسع في نفوذ روسيا بالشرق الأوسط، وقدرتها على تخصيص موارد لتعزيز قدرتها على خلق موطئ قدم لها والتغلب على القيود التي فرضها عليها شركاؤها في الشرق الأوسط.

 

[1]  إيمان زهران، “إعادة التموضع .. فرص موسكو لتعظيم الدور في القمة الروسية الإفريقية “سوتشى 2019″، المركز العربي للبحوث والدراسات، 24/10/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/zGxpM
[2]  شيماء البكش، “انخراط انتهازي.. الدور الروسي في القرن الإفريقي”، المرصد المصري، 10/8/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/VhM6p
[3]  أحمد عسكر، ” التوجُّه الروسي نحو القرن الإفريقي.. الدوافع والتَّداعيات”، قراءات إفريقية، 25/11/2018. متاح على الرابط: https://2u.pw/gF6Lh
[4]  عباس محمد صالح، “مستقبل التحركات الروسية في إفريقيا القرن الإفريقي نموذجًا”، رؤية تركية، 1/6/2018. متاح على الرابط: https://2u.pw/QzjRn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قمة دول الإيقاد: الأهداف والنتائج

  تأسست مجموعة دول الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا (إيقاد) في عام 1985 لمكافحة…