‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تصفية شركة “الحديد والصلب”..  مصر تفقد درعها وسيفها
مصر - يناير 19, 2021

تصفية شركة “الحديد والصلب”..  مصر تفقد درعها وسيفها

 

 

 

عندما أراد الرئيس الشهيد محمد مرسي الاحتفال بعيد العمال مايو 2013م، اختار أكبر قلعة صناعية مصرية وهي شركة “مصر للحديد والصلب” بحلوان، وهناك التقى بآلاف العمال داخل مقر الشركة مرددا «هذا هو المكان الذي نحبه كلنا، ونريده أن يكون رمزا للإنتاج والعرق والجهد ولكل مصانع وعمال مصر»، وأعلن بملء الفم أنه اختار الاحتفال بعيد العمال داخل مقر الشركة للتأكيد على أن عهد بيع القطاع العام قد ولى فلا خصخصة بعد اليوم ولا تصفية للشركات ولاتسريح للعمال. وقبل احتفال الرئيس مع العمال بستة شهور ناقش رئيس الحكومة الدكتور هشام قنديل وضع الشركة والعمل على تطويرها لزيادة طاقة الإنتاج وتنويعه والخروج من مرحلة الخسائر إلى مرحلة الأرباح، كما تقرر تطوير بطارية مصنع الكوك، حتى يتمكن المصنع من الاستمرار في الإنتاج، وتلبية حاجة السوق المحلي وطلبات التصدير. [[1]] لكن كل هذه الجهود الوطنية المخلصة ذهبت أدراج الرياح؛ فبعد شهرين فقط من احتفال الرئيس مع العمال والتأكيد على عدم بيع القطاع العام جرى الانقلاب على الرئيس والمسار الديمقراطي كله وثورة يناير نفسها لتعود مصر أكثير طغيانا واستبدادا كما كانت عليه أيام حسني مبارك.

واليوم، وفي العام الثامن للانقلاب العسكري، تسود حالة من الصدمة والألم أوساط المصريين المخلصين لهذا الوطن في أعقاب إعلان حكومة الطاغية عبدالفتاح السيسي يوم 10 يناير “2021م” عن تصفية شركة “مصر للحديد والصلب” بمدينة حلوان جنوب القاهرة، فيما سيتم تأسيس شركة منبثقة عنها خاصة بالمناجم والمحاجر. وفي أول تبعات قرار الجمعية العمومية بالتصفية، أوقفت البورصة في اليوم التالي مباشرة (الاثنين 11 يناير2021م) التعامل على سهم شركة الحديد والصلب، فيما أعلن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عن رفضه لقرار تصفية الشركة، وحزنه لـ«تشريد عمالها البالغ عددهم 7500، والقضاء على شركة وطنية عملاقة لها تاريخ وطني»، بحسب صحيفة “الشروق”، التي نقلت عن نائب رئيس الاتحاد قوله إن «هذا القرار يأتي في إطار مناخ عام تصنعه الحكومة الحالية لتصفية القطاع العام، الذي كان درعًا وسيفًا للوطن في مجال الإنتاج، وإذا كان قد تعرض لخسائر، فبسبب سوء الإدارة وعجز الحكومة عن التطوير واستغلال الموارد والمقومات، والنهوض بالصناعة الوطنية».

وتوصف شركة “مصر للحديد والصلب” بعملاق الصناعة المصرية التي تأسست سنة 1954م؛ الأمر الذي رأه كثيرون شكلا من أشكال الخصخصة لحساب مافيا وحيتان مقربة من المؤسسة العسكرية، ويمثل خسارة كبرى للصناعة المصرية، ودليلا جديدا يؤكد أن نظام انقلاب 3 يوليو 2013م ما جيء به إلا من أجل إضعاف مصر وإخضاعها لحساب قوى إقليمية ودولية ترغب في أن ترى مصر راكعة أمام الاحتلال الصهيوني من جهة، وتستجدي التسول من مؤسسات النقد الدولية من جهة أخرى؛ وبالتالي يبقى القرار المصري مخطوفا لحساب مصالح هذه القوى التي تآمرت على ثورة 25 يناير والمسار الديمقراطي الذي خطه الشعب بعدها بإرادته الحرة.

تكتسب الشركة أهمية كبيرة؛ حيث تعتبر أول وأكبر شركة في الشرق الأوسط في إنتاج الحديد الصلب، وهي مدرجة بالبورصة المصرية. بدأ التفكير في إنشائها سنة 1932م، لكنها تأسست سنة 1954 بمرسوم جمهوري من  الدكتاتور جمال عبدالناصر، في منطقة التبين بحلوان جنوبي القاهرة، وبدأ الإنتاج سنة 1961 حسب خطة  تستهدف إنتاج الحديد والصلب بطاقة مليون ومائتي ألف طن سنويا مطابقة للمواصفات المحلية والعالمية، لتكون بذلك، أول مجمع متكامل لإنتاج الصلب فى العالم العربي، برأس مال 21 مليون جنيه. يقع على مساحة تبلغ 1700 فدان. ويتوزع هيكل ملكياتها بين الشركة القابضة للصناعات المعدنية بنسبة 82.4821%، وبنك مصر بحصة 4.9992%، وشركة مصر للألومنيوم 1.8146%، وشركة النصر للتعدين 0.9944%.

كما كان للشركة دور كبير في بناء مشروع السد العالي وبناء حائظ الصواريخ أثناء حرب الاستنزاف (1967 ــ 1973م)، إضافة إلى تطور إنتاجية المصنع بمرور الزمن حتى وصل إلى 1.2 مليون طن سنوياً، مما ساهم في “تنمية شاملة للصناعات الأخرى باعتبارها صناعة مغذية للعديد من الصناعات الأخرى المرتبطة بها في التشييد والبناء والصناعات الثقيلة والخفيفة”.

وكان المهندس خالد الفقي نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، رئيس النقابة العامة للصناعات المعدنية والهندسية، قد أكد خلال حضوره الجمعية العمومية، الإثنين، رفضه قرار التصفية. وأوضح أنّ القرار “غير مدروس وساهم في القضاء على تاريخ كبير لصناعة الحديد والصلب”، مشيراً إلى أنّ الشركة كانت تمتلك من المقومات ما يؤهلها للنهوض بشرط وجود الإرادة والرغبة في التطوير، لافتاً إلى أنّ مصر فيها 18 كلية هندسية قادرة على التطوير وإعادة بناء الشركة.

وفي 23 أغسطس 2020م، كتب رجل الأعمال القبطي المثير للجدل نجيب ساويرس تويتة صغيرة من كلمتين فقط «الحديد والصلب»، وهو ما فسره محللون ومراقبون بأن ساويرس يضع عينه على الشركة العملاقة في ظل التقارير التي كانت تؤكد أن حكومة الانقلاب تتجه نحو تصفية الشركة وخصخصتها. وكان ساويرس أثار غضب المسئولين بالشركة في مارس 2020م، بعد تصريحات لأحد البرامج التليفزيونية، تناول فيها الشركة بتهكم، ودعا إلى بيعها والتخلص منه.[[2]]

 

مؤامرة التصفية

ما يؤكد أن ما جرى هو شكل من أشكال المؤامرة في إطار الخصخصة التي يفرضها صندوق النقد الدولي وجهات التمويل الدولية، أنه بحسب بيان الشركة فقد تمت الموافقة على تقسيم الشركة إلى شركتين: شركة الحديد والصلب التي تمت تصفيتها وشركة المناجم والمحاجر، ومن المنتظر أن يدخل القطاع الخاص شريكا فيها (الخصخصة) لتشغيلها خلال المرحلة المقبلة. إضافة إلى أن «قرار تصفية الشركة لم يستغرق سوى 15 دقيقة فقط لاجتماع الجمعية العمومية غير العادية للشركة، وهو الاجتماع الذي لم يتضمن سوى كلمة رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية “محمد السعداوي” أعلن خلالها القرار الذي كان معد سلفا، وذلك دون نقاش مع الحاضرين بمن فيهم ممثللي العمال الثلاثة في الجمعية الذين حاولوا الاحتجاج على القرار، غير ان رئيس الشركة القابضة غادر سريعًا، دون حتى أن يناقش مذكرة معدة من اللجنة النقابية للشركة، تم ضمها لمحضر الاجتماع قبل بدايته». [[3]]

الدليل الثاني على أن ما جرى هو مؤامرة، أن الجمعية العمومية أرجعت تصفية الشركة إلى ارتفاع خسائرها، وعدم قدرتها على العودة إلى الإنتاج والعمل مجددًا، لكن عضوا في اللجنة النقابية للشركة كشف أن رئيس الشركة القابضة التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام بحكومة الانقلاب التي تمتلك أكثر من 83% من أسهم شركة الحديد والصلب، فيما تتوزع النسبة الباقية على شركات وهيئات وبنوك وأفراد، تجاهل مذكرة نقابية تضمنت اقتراحا لوقف خسائر الشركة تماما مع سداد مديونيات الشركة المتراكمة خلال سنتين فقط. وقالت المذكرة التي تجاهلها رئيس الشركة القابضة، إن تقليص خسائر الحديد والصلب، يتوقف على رفع شركة النصر لصناعة الكوك إمداداتها للشركة، لتصل إلى ما بين 700 إلى 750 طن يوميًا، بدلًا من 100 إلى 200 طن يوميًا حاليًا، وهو ما يضمن رفع الإنتاج وبالتالي زيادة المبيعات إلى مستوى تغطية التكاليف وسداد المديونيات.

الدليل الثالث، أن المؤامرة بدأت على شركة الحديد والصلب في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث تصاعدت المؤامرة سنة 2010 حين بدأ التراجع الكبير في إنتاج شركة النصر لصناعة الكوك، ثم تفاقمت الأزمة بشدة بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز خلال السنوات الماضية. كما تجاهل رئيس الشركة القابضة الحكومية التي تمتلك النسبة الأكبر في الأسهم أن الشركة تمكنت بالفعل من تقليل خسائرها  خلال سنة 2020م بنسبة 35% عن سنة 2019م، وحققت خسائر بسبب سوء الإدارة قيمتها 982.83 مليون جنيه فقط، وذلك بعد سدادها نسبة كبيرة من مديونياتها عبر بيع قطع من أراضيها غير المستغلة خارج أسوارها.

الدليل الرابع، أن الشركة التي أقيمت على 1700 فدان، كان قوام العاملين بها عند بداية الإنتاج نحو 25 ألف عامل، وبمرور الوقت تقلص عددهم ليصل إلى 12 ألفًا فقط. حيث دأبت الشركة على إكراه بعض العاملين على تقديم طلبات موقعة منهم بالإحالة إلى اللجنة الطبية بزعم معاناتهم من حالات صحية. وحسب عمال بالشركة، تستخدم الإدارة هذه الوسيلة لإنهاء خدمة العمال غير المرغوب فيهم، بل إن هناك بعض الحالات السابقة التي أثبت فيها عمال محالون إلى اللجنة الطبية تزوير تواقيعهم على طلبات الإحالة.[[4]]

الدليل الخامس، أن الشركة تخسر رغم الإمكانات الهائلة بخلاف الامتيازات التي تحظى بها، فالشركة تحصل على طن الخام من المحاجر بسعر ألف جنيه فقط (نحو 65 دولار أمريكيا)، في الوقت الذي ارتفع فيه سعر طن الحديد بالأسواق المصرية حاليا إلى نحو 13 ألف جنيه (نحو 833 دولارا) في بلد لا يتوقف فيه البناء والتعمير![[5]] وكانت دراسة أعدها الاستشاري العالمي سنة 2015م أكد أن خسائر الشركة تعود إلى «عدم وجود إدارة ذات كفاءة أدى إلى الخلل المتواجد في أفران الشركة»، وهو ما كشفت عنه تصريحات وزير قطاع الأعمال العام «هشام توفيق».

الدليل السادس، أن دراسة نشرها بنك الاستثمار القومي سنة 2017م كشفت أن صناعة الصلب في مصر تأثرت بشكل سلبي نتيجة قرار الطاغية عبدالفتاح السيسي في نوفمير 2016م بتعويم الحنيه المصري، نتيجة ازدياد نفقات التشغيل للمصانع، نتيجة لأرتفاع سعر الدولار، بجانب انقطاع موارد الطاقة كالغاز الطبيعي عن المصانع بشكل متكرر. كما حذرت الدراسة من أن «صناعة الحديد المصرية تواجه الكثير من المشاكل من أهمها المنافسة غير العادلة مع الحديد المستورد، حيث زادت عمليات إغراق السوق بالحديد المستورد، وبخاصة من تركيا وأوكرانيا والصين بأسعار تقل عن تكلفة إنتاجه». كما حذرت من خطورة ضعف التنافسية في السوق وسط احتكار شركة “حديد عز” التي يملكها رجل أعمال نظام مبارك أحمد عز، لما يقرب من 50 % من حجم الإنتاج الكلي للحديد في مصر تقريبا.[[6]]

والدليل السابع على أن نظام السيسي تآمر على الشركة لتصفيتها لحساب مصالح حيتان مقربين من النظام والمؤسسة العسكرية أن مجلس النواب الذي تديره أجهزة السيسي بالريموت كنترول قد تجاهل مرارا مناقشة الاستجواب الذي تقدم به محمد عبدالغني عضو لجنة الإسكان في البرلمان السابق في نوفمبر 2019م، والذي كشف فيه الحقائق الآتية: [[7]]

  • الحكومة تضع العوائق والعقبات التي تحول دون تطوير الشركة وتتغاضى عن إهدار المال العام في الشركة ومحاولات بيعها من جانب الحكومة. والدليل على ذلك عدم موافقة الوزارات المعنية (الكهرباء والبترول والتعدين) لجدولة الديون على الشركة، وعدم استكمال مشروعات التطوير التي تم بدء العمل بها.
  • تتمتع الشركة بإمكانات هائلة؛ حيث تمتلك ورش عمل عملاقة لتصنيع 80% من قطع الغيار الخاصة بالشركة، وتصنيع قطع غيار لعملاء من جميع أنحاء الجمهورية، فضلاً عن خط إنتاج متكامل، من استخراج المادة الخام من المنجم، ووحدة تجهيز الخام (التلبيد)، وأفران للصهر، وصولاً إلى المنتج النهائي؛ وبالتالي كيف تحقق الشركة كل هذه الخسائر الهائلة (نحو 9 مليارات جنيه) رغم تنوع منتجاتها النهائية، وكذلك المربعات التي تُباع لتصنيع حديد التسليح.
  • «الفساد المالي والإداري في الشركة يتضمن نقاطا عدة، من بينها التعيينات والعقود الجديدة للمستشارين، والتي تحمل الشركة المزيد من الأعباء المالية من دون أداء المهام الموكلة إليهم، وذلك على الرغم من الادعاءات المستمرة من الحكومة إزاء العمالة الزائدة في الشركة، بما يكشف تناقض المصالح الواضح في سياسة التعيينات».
  • في ما يتعلق بادعاء وزارة قطاع الأعمال بوجود عمالة زائدة في الشركة تزيد عن 5 آلاف عامل، أفاد الاستجواب بأن هذا الحديث خاطئ، أن الشركة تعمل وفق نظام (DPR)، والذي صمم على أساس وجود 18 ألف عامل في الشركة، والتي لا يعمل فيها وقتها سوى 8600 عامل.
  • هناك عقود وقعت للعمل مع عدد من المستشارين والمندوبين بعشرات الآلاف من الجنيهات شهرياً لكل واحد منهم، بالإضافة إلى توقيع عقود تعيين مع رجل الأعمال عفيفي عفيفي، والذي تتناقض مصالحه مع شركة الحديد والصلب، بوصفه كان وكيل شركة “تاتا ستيل” المنافسة، وكان وقت تقديم الاستجوات يشغل منصب مستشار الحديد والصلب والكوك بالشركة القابضة للصناعات المعدنية.

 

أزمة مستحقات العمال

بحسب مصادر داخل اللجنة النقابية للشركة، فإن العمل في الشركة مستمر كالمعتاد حتى إشعار آخر، «ﻷن قرارات الجمعية لم تتضمن وقف النشاط حتى الآن»، فيما يُنتظر أن تبدأ إجراءات التصفية بعد إتمام تأسيس الشركة المنقسمة منها.

أما بخصوص مستحقات العاملين في «الحديد والصلب»، فإن قانوني العمل وقطاع الأعمال العام، ولائحة الشركة، لا تتضمن أي ذكر للتعويض عن التصفية، وبالتالي فالمتوقع هو أن تتولى اللجنة النقابية بالشركة التفاوض مع الإدارة الحكومية في وقت لاحق لحصول العاملين على حد أدنى يساوي ما حصل عليه عمال الشركة القومية للأسمنت (تحت التصفية منذ 2018) وهو 14 ألف جنيه عن كل سنة خدمة.   ولن تتعجل اللجنة النقابية في البدء بالتفاوض حول مستحقات العاملين، بعد إتمام التصفية لسببين: الأول، حتى لا تبدو  اللجنة النقابية وهي ممثلة للعمال وكأنها تستدعي تسريح العمال. الثاني، حتى يستفيد العمال حاليا قدر الإمكان من أجورهم في الفترة المتبقية -التي لم تحدد بعد- من عمل الشركة».

خلاصة الأمر أن ما جرى مع شركة “الحديد والصلب” هو مخطط يمضي كالقطار المندفع دون توقف في إطار الخصخصة التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولية على النظام العسكري في مصر منذ عهد حسني مبارك. وهناك شركات أخرى عملاقة على طريق الخصخصة والتصفية منها شركة ألومنيوم نجع حمادي عملاق صناعة الألومنيوم في مصر والشرق الأوسط كله؛ فالهدف هو تدمير الصناعة المصرية.

الغريب في الأمر أن نظام السيسي يمضي في إطار تصفية وبيع هذه الشركات العملاقة رغم أن صناعة الصلب تعتبر من أهم مقومات الدولة الحديثة؛ وفي الولايات المتحدة الأمريكية التى قادت الثورتين الصناعيتين الثالثة والرابعة، مازالت الصناعات الثقيلة تحظى باهتمام ورعاية الدولة. فالرئيس الأمريكى دونالد ترامب أعلنها صريحة: «الصلب هو الصلب، إن لم تملك صلبا لا تملك أمة»!  وبرر بتلك العبارة رسوم الإغراق التى فرضها على واردات الصلب والألومنيوم، والتى كانت وما زالت مقدمة منطقية لإرهاصات الحرب التجارية العالمية التى تتشكل معالمها اليوم بين أمريكا والصين. وما فعل ذلك إلا لحماية الصناعات الأمريكية الثقيلة في الصلب والألومنيوم.

لكن في مصر السيسي، فالوضع مختلف، وعمليات «الخصخصة»، تأتي انعكاسا لليبرالية المتوحشة، وهي تقوم على فرضية أن الخصخصة ضرورة، لأن القطاع الخاص أكثر كفاءة، من القطاع العام، فى استغلال وإدارة الموارد والمصانع والمشاريع العامة. ولكن الشواهد لا تؤيد هذا الادعاء، بل على العكس تشير إلى ان الهدف الأبعد لهذه العملية هو خصخصة موارد وممتلكات الشعوب الفقيرة ونقلها، بأبخس الأثمان، من خلال العولمة والتبعية والسوق المفتوحة إلى رأسماليى العالم وأغنى أغنيائه، مما يؤدى فى نهاية المطاف إلى تقوية الزخم المحافظ على استمرار وتعميق تبعية الدول النامية للدول الرأسمالية فى الغرب، وبالتالى يؤدى لزيادة ثروة الأغنياء ولمزيد من إفقار الفقراء وإبقاء الدول النامية فى مستنقع التخلف. وحتى أدبيات الليبرالية الجديدة تسمح بإمكانية استثناء بعض الصناعات والموارد الاستراتيجية من عملية الخصخصة فى الدول النامية. وهى تلك الصناعات ذات العائد الاجتماعى العالى، وذات الأهمية الاستراتيجية القومية والأمنية والسياسية، أو تلك الصناعات الضرورية للنمو المستقبلى ولبناء بنية تحتية صناعية تساعد على قيام صناعات أخرى لتعزيز النمو المستدام وتماسك النسيج الاجتماعى وتقليل حدة الفقر. وعادة ما يعزف القطاع الخاص عن الاستثمار فى تلك الصناعات حيث ان عوائدها وأرباحها غير سريعة ومخاطر الاستثمار فيها عالية. أمثلة لتلك الصناعات الاستراتيجية فى مصر تأتى صناعة الحديد والصلب وصناعات الالومنيوم والنحاس والطاقة وكذلك تأتى مشروعات قومية مثل السد العالى وقناة السويس، ولكن ما يحدث في مصر يخالف كل هذه الأدبيات.[[8]]

وبحسب تقرير للمركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد بلغ اجمالى عدد الشركات التى باعت منها الحكومات المصرية المتعاقبة فى عهد مبارك ــ حتى العام 2009 ــ عبر برنامج الخصخصة 382 شركة، ووصل اجمالى حجم تلك الصفقات 57.353 مليارجنيه.ووصل اجمالى صفقات بيع شركات واصول القطاع العام فى عهد آخر جكومات مبارك، احمد نظيف، إلى 172 صفقة. وقالت المحكمة الادارية العليا فى حيثيات حكمها برفض الطعن على حكم بطلان إحدى صفقات الخصخصة الشهيرة، شركة غزل شبين الكوم إن «الشر المستطير الذى يصاحب الخصخصة المدمرة لاقتصاد الوطن هو الخصخصة القائمة على الاذعان لبيع القطاع العام بشروط المؤسسات الدولية لإعطاء القروض والتسهيلات الجديدة والسماح بإعادة الجدولة لبعض الديون الخارجية، سعيا وراء تصفية القطاع العام».[[9]]

 

 

—————-

[1] قنديل: بيت خبرة علمي لتطوير شركة الحديد والصلب/ بوابة الشروق الخميس 29 نوفمبر 2012

[2] حياة حسين/ ساويرس يثير تكهنات رواد السوشيال ميديا بشأن شركة الحديد والصلب/ بوابة الشروق الأحد 23 أغسطس 2020

[3] في 15 دقيقة.. عمومية «الحديد والصلب» توافق على التصفية.. والمفاوضات على مستحقات العمال مؤجلة/ مدى مصر الاثنين 11 يناير 2021م

[4] يوم أسود للصناعة المصرية: تصفية عملاق الحديد والصلب رسمياً/ العربي الجديد 11 يناير 2021

[5] يوم أسود للصناعة المصرية: تصفية عملاق الحديد والصلب رسمياً/ العربي الجديد 11 يناير 2021

[6] البكاء على الأطلال.. الحديد والصلب المصرية من الريادة إلى التصفية (تسلسل زمني)/ المصري اليوم الثلاثاء 12 يناير 2021م

[7] مصر: استجواب برلماني عن إهدار المال العام في شركة الحديد والصلب / العربي الجديد 19 نوفمبر 2019// علي كمال/«تكتل 25-30» يطالب بسرعة مناقشة استجواب شركة الحديد والصلب/ بوابة الشروق الخميس 16 يناير 2020

[8] محمود الخفيف/ عمال حديد وصلب مصر فى مواجهة العولمة والخصخصة والتبعية/ بوابة  الشروق السبت 28 ديسمبر 2013

[9] بيسان كساب/ فى عهد مبارك.. عشرون عامًا من استنزاف شركات الدولة تحت شعار الخصخصة/ بوابة الشروق الخميس 4 ديسمبر 2014

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

«رافال الجديدة» .. دلالات التوقيت ورسائل الصفقة

      خلال أزمة تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسيئة للإسلام في الربع …