‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا اتفاق “بوزنيقة” حول توزيع المناصب السيادية الليبية…الفرص والتحديات
ليبيا - فبراير 1, 2021

اتفاق “بوزنيقة” حول توزيع المناصب السيادية الليبية…الفرص والتحديات

 

 

توصل، الجمعة 21 يناير، الفرقاء الليبيون المشاركون في محادثات بوزنيقة جنوبي العاصمة المغربية الرباط، إلى توافق حول توزيع المناصب السيادية في ليبيا، والتي تشمل رئاسة مصرف ليبيا المركزي والنائب العام ورئيس المحكمة العليا وديوان المحاسبة وجهاز مكافحة الفساد وجهاز الرقابة الإدارية ورئيس وأعضاء المفوضية العليا للانتخابات.

وقال البيان الختامي للحوار الليبي في المغرب، الذي نقلته “وكالة سبوتنيك”، إنه تقرر تلقي الترشيحات رسمياً لشغل المناصب السيادية في ليبيا، بين 26 يناير و2 فبراير، مع مراعاة التوازن الجغرافي العادل إلى جانب الكفاءة في تعيينات المناصب السيادية، كما اتفقوا على تشكيل وتسمية فرق عمل مصغرة تختص بإجراءات شغل المناصب السيادية.

 

مسار بوزنيقة المغربية

والجمعة الماضية ، انطلقت جلسات الجولة الخامسة للحوار الليبي بين مجلسي النواب والأعلى للدولة (لجنة 13+13)، في مدينة بوزنيقة، شمالي المغرب، لبحث اختيار المناصب السيادية. ولجنة (13+13) تضم 13 عضوا من مجلس النواب، ومثلهم من “الأعلى للدولة”، ومهمتها العمل على المسارات المكلف بها المجلسان، والتي تتضمن مخرجات الحوار السياسي الليبي، والمناصب السيادية، والمسار الدستوري. ويعد اجتماع بوزنيقة، جولة جديدة من الحوار الليبي – الليبي، وهي واحدة من أهم التحديات التي تواجه عملية التسوية الشاملة في ليبيا التي تقودها الأمم المتحدة.

وجاء اجتماع بوزنيقة، الذي نتجت عنه هذه التفاهمات، بعد نحو شهر على اجتماع مثيل له في مدينة طنجة شمالي المغرب، شارك فيه وفدان يمثلان المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، ومرت فصوله وسط ترحيب دولي لافت.

 

اجتماع الغردقة

وسبق ذلك، اجتماع اللجنة الدستورية  بمدينة الغردقة المصرية، حيث توصل أعضاء اللجنة المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الوطني إلى اتفاق بشأن الاستحقاق الدستوري في ليبيا، حيث وافقت اللجنة على إجراء استفتاء على الدستور قبل الانتخابات العامة في 24 ديسمبر المقبل..فيما تنتظر مصر الجولة الثالثة والأخيرة للمسار الدستوري في فبراير المقبل بحضور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا لوضع خارطة الطريق لكل من الاستفتاء والانتخابات.

 

مسار الحوار الوطني بطرابلس

فيما أعلنت البعثة الأممية في ليبيا، مساء الثلاثاء 19 يناير، موافقة ملتقى الحوار السياسي الليبي على مقترح آلية اختيار السلطة التنفيذية للفترة التمهيدية.

وأوضحت البعثة، في بيان لها، أنها أجرت عملية تصويت استغرقت يوماً واحداً بدءاً من صباح الاثنين 18 يناير  وحتى صباح اليوم الثلاثاء 19 يناير ، طالبة من أعضاء الملتقى الإدلاء بأصواتهم على المقترح. وأشارت إلى أن 72 عضواً من أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي شاركوا في عملية التصويت، حيث صوّت 51 منهم لصالح الآلية المقترحة، مؤكدة أنه يمثل حوالي 73% من الأصوات المدلى بها، فيما صوّت 19 عضواً ضدها، وامتنع عضوان عن التصويت، ولم يشارك اثنان آخران في العملية.

وبحسب البعثة، جاء ذلك بعد الاتفاق على مقترح آلية اختيار السلطة التنفيذية الموحدة، والذي توصلت إليه اللجنة الاستشارية بملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف السبت 16 يناير الجاري.

وبحسب البيان، فقد لفتت رئيسة البعثة بالإنابة ستيفاني وليامز، إلى أن أعضاء الملتقى “اتخذوا في هذا التصويت خطوة هامة نحو تنفيذ خارطة الطريق التي تم تبنيها في تونس العاصمة في منتصف نوفمبر الماضي”، ولفتت إلى أن “أمام الليبيين الآن فرصة حقيقية لتجاوز خلافاتهم وانقساماتهم، واختيار حكومة موقتة لإعادة توحيد مؤسساتهم من خلال الانتخابات الوطنية الديمقراطية التي طال انتظارها”، مؤكدة أن هذه سلطة تنفيذية موقتة سيتم استبدالها بسلطة منتخبة بعد الانتخابات في 24 ديسمبر المقبل.

 

ومن المقرر أن يعمل كل إقليم على اختيار مرشحه بنسبة 70٪ على الأقل، فإن لم يتم ذلك يصبح لازمًا اللجوء إلى خيار القوائم المكونة من 4 أشخاص لكل قائمة، مع تحديد المنصب الذي يترشح إليه، سواء في رئاسة المجلس الرئاسي أو عضويته أو رئاسة الحكومة.

ويشترط في القائمة المترشحة أن تحظى بتزكية 17 عضوًا، 3 من الجنوب، و6 من الشرق، و8 من الغرب، وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم تخفيض نسبة العتبة الانتخابية من 75 ٪ إلى 60 ٪ من الأصوات لفوز أي قائمة بالجولة الأولى، وإذا تعذر الحصول على هذه النسبة، تتنافس القوائم في جولة ثانية للحصول على 50 ٪ + 1.

ووفق النتائج التي توصلت لها اجتماعات بوزنيقة والغردقة المصرية، فتحت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، باب الترشح، ولمدة أسبوع، لعضوية السلطة التنفيذية للمرحلة التحضيرية التي ستنتهي بالانتخابات المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر 2021.

ومن المقرر أن تشكل البعثة لجنة من 3 أعضاء من الملتقى، وبدعم من الأمم المتحدة لاعتماد الترشيحات من خلال مراجعة كل طلبات الترشح بما يطابق شروط الترشح، وإعداد قائمة نهائية لمرشحي المجلس الرئاسي لكل إقليم (طرابلس وبرقة وفزان) ومرشحي رئاسة الحكومة.

 

ترحيب دولي

وقوبل التوافق الليبي بترحيب دولي، إذ دعا السفير الأمريكي لدي ليبيا “ريتشارد نورلاند” الشعب الليبي، إلى إحراز تقدم حقيقي يتوجه بالانتخابات التشريعية والرئاسية في ديسمبر المقبل. وحث “نورلاند” الليبيين، على دعم منتدى الحوار السياسي الليبي لإكمال عمله، معرباً عن ارتياحه لخطوة تقديم الترشيحات لمناصب مجلس رئاسي من 3 أعضاء ورئيس وزراء، والتي تنتهي الخميس المقبل.

وكانت لجنة 5+5 العسكرية ، قد قادت حوارا مشتركا ، وتضم اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5)، 5 أعضاء من الحكومة الليبية الشرعية و5 من طرف قوات الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” الذي يقود قوات شرق ليبيا. فيما رحبت فرنسا وألمانيا وايطاليا وبريطانيا وواشنطن بالتوافقات الليبية..

 

تحديات الوصول لسلام شامل بليبيا

وتكمن أهمية الإنجاز الدبلوماسي ، الذي تحقق في “بوزنيقة”، في كونه مقدمة لتشكيل سلطة تنفيذية للمرحلة التمهيدية في ليبيا، كونه أحد الملفات الخلافية، لكن العمل الشاق لا يزال أمام الليبيين خصوصا مع هشاشة الوضع الأمني والتدخلات الخارجية. كما سيساعد حسم المناصب السياسية في إتمام مهمة الحكومة الانتقالية، بعدما اتفق الفرقاء الليبيون على إجراء انتخابات عامة في البلاد في ديسمبر 2021 للوصول إلى حكومة موحدة، وتريد الأمم المتحدة حكومة مؤقتة سيجري التصويت عليها في فبراير المقبل بمدينة جنيف السويسرية، للإشراف على المرحلة الانتقالية... فيما ستعقد محادثات جديدة بين الأطراف الليبيين في مصر في فبراير المقبل، لتحديد خريطة طريق للاستفتاء والانتخابات، وفقما نقلت “فرانس برس” عن السلطات المصرية... الا ان التوافق يتواجه بالعديد من التحديات والصعوبات، ومنها:.

 

-وجود القوات الأجنبية والمرتزقة:

ويمثل  ملف المرتزقة والقوات الأجنبية العاملة في ليبيا، أبرز التحديات أمام انجاح جهود التسوية السياسية التي ترعاها الامم المتحدة والاطراف الاقليمية… هو ما دفع اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5)، للتأكيد في بيانها الصادر يوم السبت 23 يناير الجاري، الدول المشاركة في مؤتمر برلين، إلى تنفيذ ما تعهدت به من التزامات تجاه الأزمة الليبية، والتي تشمل ترحيل المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم. ويأتي بيان اللجنة العسكرية تزامناً مع نهاية مدة 90 يوماً لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي ينص على انسحاب المرتزقة من ليبيا، وهو الاتفاق المدعوم من البعثة الأممية في اجتماعي غدامس وسرت خلال نوفمبر الماضي.

وطالبت اللجنة في بيانها، الدول المعنية “بالتنفيذ الفوري، لإخراج كافة المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، والامتثال لحظر توريد السلاح المفروض من قبل مجلس الأمن، وفي 19 يناير 2020، اتفقت الجزائر والصين ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وتركيا والكونغو وبريطانيا وأميركا، وممثلون عن الأمم المتحدة، على خلاصات تتضمن خطة المسار العسكري لإخراج المرتزقة ووقف القتال وتطبيق حظر التسليح.

وعلى الرغم من الأجواء الايجابية المرافقة للتفاهمات الجديدة، كانت  شبكة “سي أن أن” الأميركية، قد أكدت الجمعة الماضية، بأن أقماراً صناعية رصدت صوراً لبناء مرتزقة شركة “فاغنر” الروسية الداعمة للواء المتقاعد خليفة حفتر، خندقاً ضخماً بين مدينتي سرت والجفرة وسط ليبيا، ويمكن رؤية الخندق، الذي يمتدّ عشرات الكيلومترات جنوباً من المناطق الساحلية المأهولة بالسكان حول سرت باتجاه معقل الجفرة الخاضع لسيطرة جماعة “فاغنر”، من خلال صور الأقمار الصناعية، حيث تدعمه سلسلة من التحصينات المعقدة، ويثير بناء الخندق شكوكاً من عدم انسحاب المقاتلين الأجانب من البلاد ، الذي حل السبت 23 يناير الجاري، كما هو وارد في اتفاق السلام.

وفي 23 أكتوبر 2020، أعلنت الأمم المتحدة، توصل طرفي النزاع في ليبيا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ضمن مباحثات اللجنة العسكرية المشتركة في مدينة جنيف السويسرية، والذي نصّ على انسحاب كلّ المرتزقة الأجانب من ليبيا خلال 3 أشهر من ذلك التاريخ، ومنذ ذلك الوقت، تخرق مليشيات حفتر، اتفاق وقف إطلاق النار بين الحين والآخر، وتستمر في الحشد العسكري، وفق تقارير دولية نقلتها وكالة رويترز. وبحسب الأمم المتحدة،  يوجد في ليبيا ما يربو على نحو 20 ألف عنصر أجنبي..

 

هشاشة الوضع السياسي

كما تتواجه المسارات التفاوضية بتعقيدات الوضع الأمني الداخلي وهشاشة هذه المسارات، إلى جانب التدخلات الخارجية، بحسب عضو مجلس النواب الليبي محمد الرعيض، في حديث إلى موقع “سكاي نيوز عربية”..اذ ان توظيف النخب السياسية لهذه المسارات للحفاظ على الوضع الراهن، يمثل تأزيما حادا للأزمة الليبية، مع بقاء مخاطر التقسيم والفوضى..وذلك في ظل عدم توفر إرادة سياسية توافقية بصورة كبيرة، مع بقاء اطماع حقتر وداعميه في التهام ليبيا.

ولعل اطلاق المنسقة الأممية ستيفاني ويليامز، في حوارها ، الخميس الماضي مع صحفة “الجارديان” البريطانية، وصف “ديناصورات ليبيا”على  السياسيين الليبيين، يعبر عن مخاوف جمة تنتظر الساحة الليبية، حيث بنت تقديرها للمشهد الليبي، على دور سلبي للطبقة السياسية، الذين يستفيدون من بقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن، حيث صرحت أن “أعدادهم ليست كبيرة عدديًا، لكن هناك دائرة تحب استمرار الوضع الراهن، إنهم يرون أي تغيير من خلال سلطة تنفيذية مؤقتة أو انتخابات وطنية على أنه نهاية لسيطرتهم على خزائن وموارد الدولة، حيث إن هذه الخطوات ستضع حداً لنظام المحسوبية الذي طوروه بمهارة في السنوات الأخيرة…بحسب ويليامز..تشكل الانتخابات تهديدًا مباشرًا لوضعهم الراهن، وسيقاتلون للدفاع عن وضعهم الراهن،وما يتضمنه ذلك من محاولة منع تشكيل هيئة تنفيذية موحدة توافقية هم نفس القوى السياسية التي ستحاول تعطيل الانتخابات.

 

موازين القوى على الأرض

ومن ضمن التحديات، ما  تمثله موازين القوى على الأرض ، والتي تمثل عقبة أخرى في طريق تنفيذ أي اتفاق يمكن التوصّل إليه في جولات حوار قادمة بناءً على تفاهمات بوزنيقة، ففي حين ما زال الحراك السياسي والتفاوضي مقتصرًا على وفود وأشخاص تحيط الشكوك بقدرتهم التمثيلية وصلاحياتهم، يظل خيار التصعيد العسكري قائمًا بجدّية في ظل التحشيد الكبير الذي تشهده مختلف الجبهات، وفي ظل تصاعد حجم التدخلات الإقليمية. وآخر فصول ذلك تمثّلُه الأنباء المتواترة عن تحضير قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر لشن هجوم جديد؛ بغرض استعادة مدن ترهونة وغريان وبني وليد، والوصول إلى تخوم العاصمة، وهو التطوّر الذي قابلته حكومة الوفاق برفع درجة استنفار قواتها وتوجيه تشكيلات مقاتلة جديدة إلى الخطوط المقابلة لمحاور سرت والجفرة وجنوب شرق طرابلس، منذ أكتوبر الماضي. بجانب أن أطرافًا إقليمية ما زالت تراهن على الحسم العسكري خيارًا واحدًا في تعاطيها مع الملف الليبي.

ولعل ما يهدد التوافق الليبي مستقبلا،  وما يخشاه أطراف دوليون، اعتماد المحاصصة في اختيارات  المواقع القيادية في الوظائف السيادية أيضًا، اذ يمكن ان تتحول تلك المعايير تكريسا لمبدأ المحاصصة والترضيات، بناءً على حسابات مناطقية وجهوية وقبلية، وتهميشًا لمبدأ الكفاءة والجدارة، وانحرافًا بهذه المؤسسات عن أدوارها ومهماتها؛ إذ مثّل اقتسام المناصب على الأقاليم المعيار الأبرز في عملية الاختيار. ويخشى المتحفظون على هذه الآلية من تحوّل هذا الخيار إلى عامل تشظٍّ وصراعٍ جديد داخل المكونات الاجتماعية والقبلية لكل إقليم..فحين تأخذ دولة بمبدأ المحاصصة على أساس الهوية المحلية، لا يعود ثمّة حدود للهويات التي تُستثار لتبرير الأهلية للوظيفة. والخطير في حالة المفاوضات الليبية.

وكما تذهب “دراسة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، في أكتوبر الماضي، عن تفاهمات بوزنيقة، التي جرت العام الماضي، أن المحاصصة لا تجري على التمثيل في الهيئات السياسية فحسب، بل على وظائف الدولة أيضًا؛ ما يعطل عملية بناء جهاز دولة محايد تجاه الصراعات السياسية والإقليمية، ويعطل معايير عقلانية؛ مثل الكفاءة، والنجاعة، والولاء للدولة بوصفها دولة.

 

وقف اطلاق النار

وهو ما يمثل تحديا كبيرا على الصعيد الميداني، بعدما تم الاتفاق عليه في 21 أغسطس 2020 ، حيث اتفقت حكومة الوفاق الليبية ومجلس نواب (طبرق)، على الوقف الفوري لإطلاق النار والعمليات القتالية في عموم البلاد، مع الدعوة إلى جعل سرت والجفرة منطقتين منزوعتي السلاح. وكانت سرت والجفرة موضع خلاف كبير بين القوى الإقليمية ذات النفوذ في الملف الليبي، حيث هددت مصر بالتدخل العسكري حال تجاوزتهما حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، فيما دعت أطراف دولية إلى نزع سلاح المنطقتين الاستراتيجيتين.

وبدعم تركي، حققت قوات حكومة الوفاق مؤخرا انتصارات، أبرزها السيطرة على كامل الحدود الإدارية لطرابلس، وترهونة، وكامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة الوطية الجوية، وبلدات بالجبل الغربي، ما جعل البلدان التي تدعم “خليفة حفتر” وبينها روسيا، تبحث له عن مخرج، عبر طرح المبادرات السياسية.

 

تباين وجهات نظر العسكريين والسياسيين:

ومن جملة التحديات التي تواجه المسار السلمي في ليبيا، تباين وجهات  النظر بين القيادات السياسية والعسكرية في داخل كل معسكر ليبي، وفي الوقت الذي رحّب المجلس الأعلى للدولة بما توصل إليه أعضاء الملتقى الوطني في بوزنيقة، وأيضا   بما توصل إليه أعضاء اللجنة الدستورية، بالغردقة، داعياً كل الأطراف الليبية إلى “إحداث أكبر توافق ممكن لكي يدخل حيز التنفيذ مباشرة عقب تشكيل حكومة الوحدة الوطنية”، واستكمال تنفيذ خارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها في الجولة الأولى من حوار تونس، التي أكدت اختصاص مجلسي لدولة والنواب بالمناصب السيادية. لكن وفي مقابل ترحيب السياسيين بمجريات الحوارات، أعلنت “قوة حماية طرابلس والمنطقة الغربية” عن رفضها لأي من نتائج التصويت على آلية اختيار السلطة الجديدة.

وتتألف “قوة حماية طرابلس” من أبرز أربع قوى مسلحة بالعاصمة طرابلس وهي “قوة الردع الخاصة”، و”لواء ثوار طرابلس”، و”لواء النواصي”، و”قوة التدخل السريع وفي خطابها الذي أشارت إلى أنها وجهته إلى الأمين العام للأمم المتحدة وسفراء الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن ورؤساء بعثات الدول الراعية للحوار السياسي، قالت القوة إنها تابعت “عن كثب مجريات الحوار السياسي الجاري حاليا”، و”رصدت انحرافًا خطيرًا عن المسار الصحيح في جملة من التجاوزات.

وذكرت القوة، في خطابها، أنّ الانحراف “بدأ بالطريقة المشبوهة لاختيار بعض الشخصيات المشاركة في الحوار، إلى الطريقة التي يتم بها عرض المقترحات والتصويت، وانتهاءً إلى التدخل الشخصي لبعض أعضاء البعثة في توجيه المسار السياسي نحو أهداف معينة لا تخدم مصلحة ليبيا، وإنما تخدم دائرة حزبية ضيقة لن تستطيع الوصول بليبيا إلى بر الأمان وأكدت القوة أنها ترفض “مخرجات وطريقة التصويت التي تضغط رئيسة البعثة لتحقيقها في المدة المتبقية لمهامها في ليبيا، في مشهد يسلب إرادة الأغلبية من الشعب الليبي، وفي عجلة من الوقت تعكس استهتار رئيسة البعثة بمصالح الشعب الليبي الذي يعاني ويلات المرض والحروب والفاقة المالية.

ودعت القوة الأطراف الليبية إلى “العودة إلى الحوار الليبي -الليبي ورعايته والمضي قدمًا في التحاور السلمي خلال أسرع وقت ممكن من خلال مؤسساتنا الوطنية”، مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بـ”التدخل لتصحيح مسار البعثة بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن. وشددت القوة على رفضها لـ”أي مخرجات لحوار منقوص يسلب أو ينقص من سيادة الشعب الليبي على أرضه ومقدراته وإرثه التاريخي. وظهر الثلاثاء، أعلنت البعثة عن اتفاق أعضاء ملتقى الحوار السياسي على مقترح آلية اختيار السلطة الجديدة، بنسبة 73% خلال عملية تصويت أجرتها البعثة بدءاً من صباح الإثنين، وحتى صباح الثلاثاء 19 يناير.

 

 

حفتر وخيار الحسم العسكري

ومن أبرز تحديات صناعة سلام بين الفرقاء الليبيين، عرقلة الجنرال المتمرد خليفة حفتر وميليشياته مسار الحل السياسي عبر اللجوء إلى التصعيد العسكري، فتاريخ حفتر يؤكد أنه يسعى دائما إلى إعادة إنتاج دائرة الدم والحرب في ليبيا، فمنذ أقل من شهر وفي خضم تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة، دعا حفتر قواته إلى حمل السلاح مجددا لطرد “المحتل التركي”، على حد قوله. تلك التصريحات جاءت بعد 5 أيام من لقائه عباس كامل، رئيس المخابرات العامة المصرية، في مدينة بنغازي الليبية.

 

عرقلة تصدير النفط

ومن أبرز النزاعات والملفات الملتهبة التي تعرقل أي اتفاق سياسي في ليبيا، يأتي تصدير النفط الليبي، الذي توقف الأسبوع الجاري، بعدما أعلنت قوات الجنرال خليفة حفتر وقف تصدير النفط من ميناء الحريقة بمدينة طبرق، بدعوى عدم استئناف صرف رواتبها الشهرية والعلاوات..حسبما بثته  “قناة ليبيا الأحرار” التي نشرت على صفحتها بموقع “تويتر” مقطعاً مسجلاً جاء فيه أن قوات الحرس النفطي علّقت تصدير النفط بشكل رسمي من ميناء الحريقة، بسبب عدم استئناف صرف رواتبها الشهرية والعلاوات.

وفي سبتمبر الماضي أبلغ حرس المنشآت النفطية جميع شركات النفط التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط باستئناف الإنتاج و التصدير من الحقول والمواني، بعد توقف دام 8 شهور. وفي 6 يناير الجاري توقف ميناء الحريقة عن العمل بسبب احتجاج لأفراد حرس المنشآت النفطية يتعلّق بالأجور، وسط تهديد بغلق باقي المواني. وميناء الحريقة النفطي يملك قدرة على تصدير 120 ألف برميل يومياً. ويبلغ إنتاج ليبيا من النفط الخام 1.25 مليون برميل يومياً، بحسب بيانات منظمة أوبك، التي أكدها رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، بحسب “TRT عربي”. وهو ما يزيد الازمات الاقتصادية التي تواجهها ليبيا في الفترة الحالية، والتي تفتقمها ازمات صحية متعلقة بالعجز الصحي عن مواجهة وباء كورونا وغيرها من الاشكالات المتفاقمة على أرض الواقع الليبي.

 

تغيير المبعوث الأممي لليبيا

وإلى جانب الأوضاع الملتبسة في الداخل الليبي، وما يمثله ذلك من تحديات، يأتي تحدي دولي جديد، قد يعرقل فرص التوصل لسلام شامل بليبيا، وهو إنهاء مهمة المبعوثة الأممية إلى ليبيا ” ستيفاني ويليامز” ، التي سترحل عن منصبها مطلع فبراير المقبل ليحل محلها “يان كوبيش” كمبعوث الامم المتحدة الخاص إلى ليبيا، وكوبيش هو وزير خارجية سلوفاكيا السابق، وكان على رأس بعثات سابقة للأمم المتحدة في أفغانستان والعراق، كما شغل منصب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان.

وتباينت الآراء بخصوص تعيين كوبيش، فبينما رحبت كل من تركيا وإيطاليا بتلك الخطوة، اعتبر محمد صوان، رئيس حزب العدالة والبناء الليبي، في تصريحات صخفية لوكالة رويترز، أن الدفع بتسليم كوبيتش مهامه في ليبيا في هذا التوقيت الحساس الذي توشك فيه ويليامز على إنهاء المرحلة الأخيرة لمسار الحوار “أمر مثير للاستغراب والتساؤل”، كما حذر في تصريحات لتلفزيون ليبي، من أنه “قد ينسف مسار التسوية برمته، ويعود بنا إلى نقطة الصفر”. وبحسب عضو اللجنة الاستشارية بملتقى الحوار السياسي، السيدة اليعقوبي، تعيين كوبيش جاء نتيجة ضغوط دولية تمارسها بعض الأطراف على الأمم المتحدة. ومن المنتظر أن تواجه كوبيش تحديات عديدة على مختلف الأصعدة، ويعد أبرز تلك التحديات تثبيت وقف إطلاق النار الهش والعمل على إخراج المرتزقة الأجانب من البلاد، علاوة على الاستمرار في الحوار السياسي الليبي.

ويأتي سحب ويليامز من ليبيا، في وقت تحقق نجاحات في المسار السياسي، عبر”اللجنة الاستشارية لمنتدى الحوار السياسي الليبي”، التي اجتمعت في جنيف في الفترة من 13 إلى 16 يناير، والتي أفرزت توافق حول آليه موصى بها لاختيار السلطة التنفيذية، وفق خارطة الطريق التي أقرتها تونس في نوفمبر الماضي. وستيفاني ويليامز كانت قد تولت منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة بالإنابة في مارس الماضي خلفاً لغسان سلامة الذي استقال لظروف صحية..

 

فرص التسوية السلمية

وعلى أية حال، فإن  توافقات بوزنيقة المغربية، تعد اختراقًا سياسيًّا واعترافًا بقصور خيار الحسم العسكري وإلغاء الآخر، غير أن هذا الإنجاز الجزئي لا يخفي صعوبة اعتماده مرجعية متعلقة بتوافق شامل يمكن البناء عليها؛ من أجل جَسْر الهُوّة بين الفرقاء، وتجاوز حالة التشظي السياسي والمؤسساتي التي تشهدها البلاد، في ظل الشكوك التي تدور حول مدى تمثيل المساهمين فيه وصلاحياتهم وقدرتهم على ترويجه والإقناع به وتحويله إلى واقع سياسي. لكن الرهان يبقى معقودًا على أن تدرك كل الأطراف أنْ ليس هناك من سبيل آخر إلى حل الصراع في ليبيا إلا عبر توافقات سياسية وتنازلات متبادلة؛ لأن البديل هو استمرار القتال من دون قدرة أي طرفٍ على الحسم. وقد أصبحت الغالبية مقتنعة بذلك، لكن فكرة اقتسام الوظائف ليست الطريق الأمثل إلى ذلك.

إلى أنه أمام الليبيين الآن فرصة حقيقية لتجاوز خلافاتهم وانقساماتهم، واختيار حكومة مؤقتة لإعادة توحيد مؤسساتهم، ومما يدعم ذلك، جملة من التطورات الايجابية على الساحة، منها:

 

تبدل  مواقف الأطراف الدوليين:

ويبقى الحسم بيد الأطراف الداعمة للفرقاء الليبيين، فكل الدول الداعمة –باستثناء الإمارات– للجنرال المتقاعد خليفة حفتر وميلشياتيه ترفض الانخراط في أي أعمال مسلحة جديدة، أو بالأحرى يمكن القول إنها بدأت القبول بالانخراط في حوار سياسي مع الحكومة الشرعية في طرابلس.

ففي تصريح للمتحدث باسم الخارجية الفرنسية يوم 28 ديسمبر 2020، شدد على أنه “لا حل عسكري في ليبيا، الأولوية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار”. أما مصر من جانبها تبدو أقرب إلى الإيمان بالحل السياسي، فقد استقبلت لأول مرة منذ 6 سنوات وفدا من حكومة الوفاق الليبية، حيث وعد المتحدث باسم الخارجية المصرية محمد القبلاوي الجانب الليبي بإعادة عمل السفارة من داخل طرابلس في أقرب الآجال، كما تم الاتفاق على ضرورة وضع حلول عاجلة لاستئناف الرحلات الجوية الليبية للقاهرة.

وموسكو من جهتها بدأت تميل إلى القبول بالحل السياسي رغم استمرار وجود مرتزقة “فاغنر” الروسيين والمقربين من الكرملين على الأراضي الليبية. فقد استقبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في 30 ديسمبر 2020، نظيره الليبي محمد سيالة، في أول زيارة لمسؤول من الحكومة الشرعية إلى روسيا، منذ نحو عام، وقد أكد  خلالها لافروف مساعيه “لتثبيت وقف إطلاق النار في ليبيا رغم بعض الخروقات”.

أما الإمارات فتبقى الدولة الوحيدة من معسكر داعمي اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي لم يتواصل معها أو يزورها أي مسؤول ليبي من طرف الحكومة الشرعية، مما يثير التساؤلات حول استمرار المساعي الإمارتية لتأليب الأوضاع وإشعال فتيل الحرب مرة أخرى على الأراضي الليبية، وفق تقرير لـ”اندبندنت عربية، الأحد 24 يناير 2021.

 

اقرار الاستفتاء على الدستور:

وكان أعضاء اللجنة الدستورية ” المؤلفة من ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ” أعلنوا  الاتفاق بالإجماع، مساء الثلاثاء 19 يناير، على إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية لصياغة الدستورفي ليبيا، بناء على القانون الصادر من مجلس النواب رقم (6) لسنة 2018 المعدل بالقانون رقم (1) لسنة 2019 مع تعديل المادة السادسة باعتماد نظام الدوائر الثلاث (50%+1) فقط، وحمل الاتفاق، توقيع أعضاء اللجنة الدستورية المؤلفة من 28 عضواً عن مجلسي الدولة والنواب، بعد انتهاء اجتماعهم الثلاثاء  19 يناير الجاري، بمدينة الغردقة المصرية.

وعزا الاتفاق إجماع أعضاء اللجنة على طرح مسودة الدستور، المقدمة من الهيئة التأسيسية منذ يوليو 2017، إلى “ضرورة مواكبة التطورات الإيجابية التي تشهدها الساحة الليبية في الوقت الحالي، لا سيما في المسارين العسكري والاقتصادي، وذلك من خلال الاتفاق على الاستحقاق الدستوري لإجراء الانتخابات في الموعد الذي تبناه ملتقى الحوار السياسي الليبي، وبحسب الاتفاق، فقد أكد اعضاء اللجنة على “ضرورة تحصين المراكز القانونية الجديدة التي ستنجم عن الاستفتاء، وذلك من خلال إيقاف نظر الطعون المتعلقة بـقانون الاستفتاء المتوافق عليه، وقانونية إصدار مشروع الدستور، والتعديل العاشر للإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 26 نوفمبر2018″، ودعوة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات للحضور والمشاركة في المناقشات وصولاً إلى تحديد موعد الاستفتاء والإجراءات المرتبطة به.

وبيّن نص الاتفاق أنّ أعضاء اللجنة سيرفعون “هذا الاتفاق إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة”، بالإضافة لـ”رفع تقرير بنتائج أعمال اللجنة إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لاتخاذ اللازم بشأن تفعيل هذا الاتفاق وتوفير الدعم الضروري لإجراء الاستفتاء في الموعد الذي ستحدده اللجنة بعد الاستماع إلى رئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتبقلى الساحة الليبية مفتوحة على كل الخياارت المتاحة، وسط خلافات السياسيين والعسكريين، وتمسك  حفتر بالخيار العسكري.إلا أن تسريع الجهود الدولية ورعاية الحوارات الوطنية، الفاعلة نحو صياغة مستقبل سياسي يضمن استقرار الاوضاع بليبيا تعد عنصرا حاسما في المشهد الليبي خلال الفترة المقبلة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الموقف المصري من انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا.. الخلفيات والمآلات

    نحو عشر سنوات مرت منذ اندلاع أحداث الثورة الليبية في فبراير 2011[1]، طوال هذ…