‫الرئيسية‬ عالمي اثيوبيا الأزمة السودانية- الإثيوبية وتأثيراتها على اتفاق جوبا وحرب التيجراي ومواقف دول الجوار
اثيوبيا - السودان - فبراير 2, 2021

الأزمة السودانية- الإثيوبية وتأثيراتها على اتفاق جوبا وحرب التيجراي ومواقف دول الجوار

 

يبرز في المشهد السياسي السوداني والإثيوبي هذه الفترة مجموعة من المشكلات الأمنية والاقتصادية، والتي تؤثر بدورها على الوضع الداخلي وما يشمله من تعقيدات تواجه النظم الحاكمة في الدولتين. هذا وتبدو المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني والميليشيات المدعومة من القوات الإثيوبية، أبرز عناوين المشهد الأمني في كلٍّ من السودان وإثيوبيا في الوقت الحالي، لاسيما بعد التصعيد الذي نشب على الحدود بين البلدين، بعد أن استعاد السودان منطقة الفشقة الواقعة بجوار الحدود الإثيوبية، والتي لابد أن يكون لها انعكاسات مباشرة على الأوضاع السياسية الداخلية في كلا البلدين. فبينما تحاول إثيوبيا امتصاص غضبة السودان وعدم الدخول في حرب ممتدة لتحييد موقفها من حرب التيجراي، تحاول السودان الاحتفاظ بالخارطة، التي رسمها بعد استرداده لغالبية أراضيه التي وقعت تحت سيطرة إثيوبيا على مدار عقود، وتبقى الأزمة متفجرة لبعض الوقت، لأن المعادلة الصفرية الظاهرة لن تُمكِّن أي جهود وساطة من التوصل إلى تسوية مرضية. فماذا كانت خلفيات الصراع؟ وكيف تطور؟ وما تأثيره على اتفاق السلام السوداني وحرب التيجراي الإثيوبية؟ وما هي مواقف دول الجوار منه؟ وما هي السيناريوهات المُتوقعة لمستقبله؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى هذه الورقة للإجابة عليها خلال السطور القليلة القادمة..

 

خلفيات الصراع وتطوره: شهدت العلاقات السودانية- الإثيوبية تصعيدًا لافتًا منذ نوفمبر 2020؛ بعد اجتياح الجيش السوداني لمنطقة سودانية متاخمة للحدود مع إثيوبيا كانت تحتلها ميليشيات إثيوبية لأكثر من ربع قرن. وقد جاء التصعيد؛ بعد هجوم لهذه الميليشيات المعروفة محليًا باسم “الشفتة” من قومية الأمهرا في نوفمبر 2020 على موقع للجيش السوداني أسفر عن مقتل ضابط برتبة رائد وأسر ضابط صف، الأمر الذي خلق حالة من الغضب وسط السودانيين، بعد أن تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة العسكري السوداني الأسير محمولًا في سيارة ومحاطًا بأفراد من الميليشيا الإثيوبية سيئة السمعة وسط المزارعين السودانيين وسكان المنطقة الحدودية مع إثيوبيا. الغريب في التصعيد هو حدوثه بعد عقدين من التفاهم والانسجام بين الخرطوم وأديس أبابا، فبالرغم من اجتياح عصابات الشفتة لمنطقة الفشقة السودانية منذ منتصف التسعينيات استغلالًا لضعف موقف الخرطوم بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في أديس أبابا، إلا أن العلاقات السياسية بين البلدين لم تتعرض لتصعيد بسبب احتلال منطقة الفشقة، حيث كان الإثيوبيون يقولون إنه ليس نزاعًا بين دولتين، ويعترفون بتبعية المنطقة للسودان، ربما بسبب التوازنات السياسية حينها التي جعلت السودان في مواجهة عسكرية مباشرة مع إريتريا والمعارضة السودانية التي انطلقت من أسمرا. كما أن العلاقات بين الخرطوم وجيرانها المصريين والأوغنديين، إضافةً إلى حرب الجنوب داخليًا، كانت في أسوأ حالاتها. الأمر الذي جعل نظام البشير يتغاضى عن الانتهاكات الإثيوبية في الفشقة، وطرد سكانها ودخول الجيش الإثيوبي إليها بدباباته ومدرعاته. هذا الانسجام في العلاقات السودانية- الإثيوبية استمر حتى بعد الإطاحة بالبشير ونظامه، حيث جاءت الثورة برئيس وزراء يرتبط بصلات ممتازة مع القادة الإثيوبيين بحكم عمله في المنظمات الدولية والإقليمية وإقامته في إثيوبيا لفترة طويلة. بالإضافة إلى دخول إثيوبيا مُمثلة في رئيس وزرائها آبي أحمد كوسيط رئيسي بجانب الاتحاد الإفريقي بين المدنيين والعسكريين، بعد مجزرة فض الاعتصام والأزمة السياسية الداخلية في السودان عام 2019. وقد جعل الاتفاق السياسي بين المكونين المدني والعسكري في السودان من آبي أحمد شخصية لامعة ومحبوبة وسط المدنيين السودانيين، لكن التطورات اللاحقة قلبت هذه الشعبية إلى النقيض تمامًا. والجديد في الموقف الرسمي الإثيوبي؛ حديثه هذه الأيام عن دخول السودان لأراضٍ إثيوبية، وحديثه أيضًا عن اتفاق 1972 الذي يلزم الجانبين بالوصول لاتفاق ودي حول منطقة الفشقة. وهو موقف مختلف من اللهجة المهادنة التي تميز بها القادة الإثيوبيون في السابق عند الحديث عن منطقة الفشقة، التي لم يكن هناك خلاف حول تبعيتها للسودان. وربما كان سبب هذا التصعيد في اللهجة الرسمية الإثيوبية؛ الرد القوي وغير المتوقع من الجيش السوداني باستعادته المنطقة في فترة قصيرة، وطرد المستوطنين والميليشيات منها بعد مناوشات ومعارك قصيرة. وهذا الموقف يمكن تفسيره أيضًا في سياق السيطرة المتنامية لقيادات من قومية أمهرا – المعروف أطماعها التاريخية في شرق السودان- في الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، بعد الإطاحة بكثير من قيادات الحكومة من قومية تيجراي.[1]

 

الأزمة الحدودية واتفاق جوبا: رغم التأييد الشعبي والدعم السياسي الذي يحظى به الجيش السوداني لخوض هذه العمليات العسكرية، بيد أن المخاوف تزداد من تأثير ذلك على الوضع الأمني الداخلي الهش في ظل معارضة وتحفظ بعض القوى السياسية المدنية من التورط في حرب كبيرة لا يحتملها الوضع الانتقالي السياسي، واستنزاف الموارد الاقتصادية الشحيحة التي تحتاجها البلاد لترميم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها. وبعد توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية التي تضم حركات تحمل السلاح وتجمعات جهوية في عاصمة دولة جنوب السودان جوبا مطلع أكتوبر 2020، حققت عملية السلام التي هدفت إلى إنهاء الحروب في مناطق النزاعات؛ بعض النجاحات لكنها غير كافية لتحقيق الاستقرار السياسي خلال الفترة الانتقالية، حيث ما تزال فرص انضمام أطراف مسلحة إلى العملية السلمية بعيدة المنال، مثل حركة تحرير السودان في ولاية جنوب كردفان جنوبي البلاد بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في دارفور. وموقف تلك الأطراف من الأزمة على الحدود؛ يثير المخاوف في دارفور وجبال النوبة، حيث أن تحفز الأوضاع في البلاد تلك الحركات المسلحة من أجل الانقضاض على السلطة، أو السيطرة على تلك المناطق، فضلاً عن احتمالية إعلان دول أو كيانات مستقلة عن دولة السودان، وتحقيق أهدافها بقوة السلاح في ظل انشغال القوات المسلحة بترتيبات المرحلة الانتقالية. كما أن هناك خطر آخر، يتمثَّل في غموض موقف حكومة جنوب السودان من الوضع في منطقة أبيي المتنازع عليها بين دولتي السودان وجنوب السودان. ويُخشى من أن تؤدي معارضة الحركات المسلحة لعرقلة الاتفاق، في حال لم تستطع الحكومة الانتقالية المرتقبة استيعاب هذه الحركات، ما يزيد من احتمالية أن تواجه الحكومة الانتقالية باستمرار حركات التمرد المسلح وتعقيد المشهد السياسي. وفي هذا الإطار فإن الحركات المسلحة تسعى للحصول على ضمانات تؤكد جدية اتفاقات السلام، وما يترتب عليه من سلام شامل يُعالج بشكل جذري مسببات الحرب، فالحركات تخشى من تكرار تجارب سابقة. وهكذا فإن موقف الحركات المسلحة وبشكلٍ خاص حركة الحلو في جبال النوبة ونور في دارفور يتوقف على جدية الحكومة، وكيفية إدارتها لملف الحرب والسلام. أما حركة تحرير السودان بقيادة مالك عقار، وبقية الحركات المسلحة لا تبدو بعيدة عن توجهات ورؤى تنظيمات قوى الحرية والتغيير، بيد أن الحركة التي يقودها عبد العزيز الحلو بمقدورها أن تمثل خطرًا حقيقيًا على تنفيذ الاتفاق واستقرار البلاد خلال المرحلة الانتقالية في حال لم تشعر بجدية كافية في التعامل مع مطالبها خلال الفترة الانتقالية. وتطالب حركة الحلو التي تنشط في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان المحاذية لدولة جنوب السودان بحكم ذاتي، وترفض أي تفاوض لا يشمل هذه النقطة الخلافية.[2] هذا الخلاف الذي يحمل في طياته خطاب كراهية يهدد اتفاق السلام، والذي بدا واضحًا في الأيام الأخيرة بعد أحداث الجنينة بولاية جنوب دارفور، والتي لا يُستبعد وجود أيادٍ خفية قامت بتفجيرها مُستغلةً انشغال القوات السودانية في منطقة الفشقة لحصد مكاسب على الأرض، سواء من جهة معارضي اتفاق جوبا والموالين لإثيوبيا، أو من جهة النظام الإثيوبي ذاته.

 

واللافت في التصعيد العسكري بين البلدين أن قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا بدأت كفرقة تتبع لقوات حرس الحدود، تجنَّبت إدخال نفسها في الصراع الدائر بين الجيشين. حيث راجت أنباء عن رفض مؤسس هذه القوات، العضو في مجلس السيادة محمد حمدان (حميدتي)، المشاركة بلواء ضمن القوات التي تم نشرها في منطقة الفشقة. وبينما تحدث البعض عن أن سبب إبعاد الرجل لقواته عن المشاركة بحجة عدم استعدادها حاليًا هو استثماراته في إثيوبيا. إلا أن الراجح هو أن حميدتي يخشى أن يكون سحب قواته للقتال في الشرق فخًا يُراد به إخلاء العاصمة الخرطوم من قواته، التي تعزز من موقفه السياسي داخل التحالف الذي يحكم البلاد حاليًا. الشيء الآخر اللافت في التصعيد الأخير أن الشعب السوداني وقف بقوة مع قواته المسلحة في استعادتها لأراضٍ سودانية كانت محتلة لربع قرن، بالرغم من اختلاف الغالبية العظمى من السودانيين مع قيادة الجيش الحالية وغضبهم من محاولاتها سرقة الثورة التي واجه السودانيون فيها لأشهر آلة البشير القمعية في ظل صمت البعض من قادة الجيش واحتقار أو تواطؤ البعض الآخر. فالسودانيون بالرغم من علاقتهم الطيبة مع الإثيوبيين الذين يعيش ما لا يقل عن ثلاثة ملايين منهم في السودان، وحبهم لشعب إثيوبيا، إلا أن احتلال أراض سودانية والانتهاكات التي تمارسها عصابات الشفتة في شرق البلاد لسنوات طويلة يثير حفيظتهم ويوحدهم مع قواتهم المسلحة في أي مواجهة محتملة.[3]

 

الأزمة الحدودية وحرب التيجراي: جاءت الأزمة في إقليم التيجراي نوفمبر 2020 لتضع تحديات حقيقية أمام مسار العلاقات السودانية الإثيوبية، لاسيما أنها تلت توترات حدودية متكررة بينهما في منطقة القضارف بالسودان، وصلت إلى مرحلة انتهاك علني لسيادة السودان وقواته ومواطنيه في عمق أراضيه، بينما اقتصرت استجابته وقتها على مواقف كلامية متفاوتة القوة. ويمكن تلمس الوضع الحالي في مسارين: تقارب تقليدي شابه توتر مكتوم مؤخرًا بين رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك ونظيره الإثيوبي آبي أحمد، اتضح في تقليص جدول أعمال زيارة الأول لأديس أبابا منتصف ديسمبر 2020، فيما اعتبر رفضًا إثيوبيًا لأداء حمدوك في أزمة التيجراي وما تلاها، تم تداركه جزئيًا في قمة الإيقاد بجيبوتي مؤخرًا. أما المسار الثاني فإنه يتمثَّل في حالة استقطاب واضحة في علاقة المكوِّن العسكري بأديس أبابا، وتمكُّنه من خلخلة الاصطفاف الشعبي واجتذاب قطاعات أكبر وراء مواقفه داخليًا وخارجيًا؛ مما مثَّل تهديدًا حقيقيًا لإثيوبيا كقوة مهيمنة في المرحلة الانتقالية، مع تبنِّي مواجهة العناصر الإثيوبية المعتدية على سيادة السودان عسكريًا. هذا فيما عمد آبي أحمد إلى امتصاص الغضب العسكري والشعبي السوداني ضد نظامه في قمة الإيقاد بجيبوتي برئاسة حمدوك، باتفاق البلدان على استئناف اجتماعات لجنة الحدود المشتركة 22 ديسمبر، وحشد المواقف وراء فكرة حل إفريقي للمشكلة، رغم التواضع سابقًا ومرارًا على فكرة ترسيم الحدود المعترف دون مخرجات جدية حتى الآن.[4] وهكذا فإن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يواجه تداعيات حرب إقليم التيجراي، إضافةً إلى التحدي المستمر من قِبل المعارضة الداخلية التي يقودها عدد من العناصر المؤثرة، والتململ الواضح من قِبل قوميات أخري ضد سياسة التهميش التي تُمارس ضدهم كما في إقليم الأوجادين. كما أن العنصر الوحيد الذي يستمد منه آبي أحمد بعض التأييد هو إثنية الأمهرا، والتي مصلحتها في إبقاء أراضي الفشقة السودانية التي تُعد جزء من أراضيها.

وتسعى قيادة المرحلة الانتقالية في السودان حاليًا للخروج من دائرة النفوذ الإثيوبي؛ لاسيما بعد قيام إثيوبيا بدور رئيس في التأثير في السودان بوقوفها المبكر خلف قطاعات واسعة من القوى المدنية والمسلحة المعارضة للرئيس المعزول عمر البشير؛ الأمر الذي مكَّنها لاحقًا من استمرار تأثيرها في المرحلة الانتقالية، كما يتضح في التنسيق المستمر بين حمدوك وآبي أحمد في أكثر من ملف سوداني، والتحيز الإثيوبي الواضح لحمدوك. ولا يُتوقع تخلِّى إثيوبيا، التي خرجت من أزمة التيجراي أكثر جنوحًا لتعزيز هيمنتها الإقليمية، عن تأثيرها عبر قنوات الاتصال مع حمدوك وبعض المكونات المدنية، واحتواء المعارضة المسلحة. إلا أن هذا التأثير حاليًا يواجه مشكلات طارئة لعدة عوامل؛ أهمها تآكل صورة آبي أحمد كقائد إقليمي للسلام، والتقارب الواضح بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية السودانية مع المكون العسكري؛ مما يؤشر على اصطفاف شعبي متزايد وراء القيادة العسكرية السودانية، وتقارب القاهرة مع الخرطوم في ملفات عدة. هذا فيما تظل قدرة أديس أبابا على استمرار دورها كقوة إقليمية رئيسة في المنطقة؛ دافعًا لدورها في السودان ومساعي اندماجه في النظام الدولي سياسيًا واقتصاديًا، الأمر الذي يجعلها تحاول احتواء الأزمة، وربما تهدئتها لبعض الوقت على المستوى الديبلوماسي دون الوصول لحل على الأرض.

 

مواقف دول الجوار:

مبادرة جنوب السودان للحل: رغم أن الأجواء الحدودية بين السودان وإثيوبيا لا تزال ملبدة بغيوم التوتر في ظل الحشد والحشد المضاد، فإن المبادرات التي تبنتها بعض الدول لاقت ترحيبًا أوليًا، ربما يخفف من حدة الطقس السيء في العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا في ظل رغبة كلتاهما في عدم الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة. المبادرة التي تفرض نفسها الآن هي مبادرة جنوب السودان التي نقلها مستشار رئيس الدولة توت جلوك، لرئيس الحكومة السودانية المؤقتة عبد الله حمدوك، خلال زيارته للخرطوم هذا الأسبوع، وقبلها أجرى الرئيس الجنوب سوداني سلفاكير ميارديت، اتصالًا هاتفيًا برئيس المجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، عرض فيه التوسط لاحتواء الأزمة بين السودان وإثيوبيا. الخرطوم على لسان رئيس الحكومة جدَّدت ترحيبها مرة أخرى بالتحركات الدبلوماسية لجارتها الجنوبية، بهدف نزع فتيل التوتر الحدودي مع الجارة الشرقية. وقد وجدت جوبا في التوتر السوداني الإثيوبي فرصةً مواتيةً لتقديم نفسها على الساحة الدبلوماسية الإفريقية في محاولة لإيجاد موضع قدم لها في التأثير القاري الذي بدأ يعاد تشكيله مجددًا في ظل فقدان العديد من القوى التقليدية دورها المحوري خلال العقدين الماضيين.[5]

 

الموقف المصري: اللافت للنظر أنه في خضم هذا المشهد الساخن، غابت القاهرة بشكل مثير للجدل، رغم تقاطع الملفات الحساسة مع طرفي النزاع، وبدلًا من استغلال الدبلوماسية المصرية لهذه الفرصة السانحة لاستعادة عمقها القاري إذ بها تكتفي بالمتابعة من مقاعد المشاهدين. فمع بداية التوتر الإثيوبي مع التيجراي، وبعد عرض العديد من الدول القيام بالوساطة لحلحة الأزمة، لم تتحرك مصر، سواء لعرض الوساطة لتذويب جليد العلاقات مع إثيوبيا وفتح صفحة جديدة تراجع فيها أديس أبابا موقفها المتعنت من السد، أو لاستغلال هذا التوتر ودعم الإقليم بما يستنزف القوة الإثيوبية، ويصعد من الاحتجاج الشعبي ضد نظام آبي أحمد بما يمهد للإطاحة به أو تغيير سياساته الخارجية. وهو ما يتكرر الآن مع اندلاع الأزمة الحدودية السودانية- الإثيوبية، فبينما كان أمام المصريين إما دعم السودان دعمًا ملموسًا، لكسب تأييدها في مسار المفاوضات، خاصةً أن الخرطوم كثيرًا ما تبنَّت مواقف مناوئة للموقف المصري ومؤيدة تمامًا للرؤية الإثيوبية، وإما التقدم بمبادرة للتوسط إلى حل ينهي تلك الأزمة، بما يحسِّن الأجواء العامة في العلاقات بين البلدان الثلاث، إلا أن كل هذا لم يحدث. وبالنسبة إلى الزيارة التي قام بها وفد حكومي سوداني في 14 يناير للقاهرة، برئاسة عضو مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، والتي رافقه فيها وزير الإعلام ومدير جهاز المخابرات العامة، والتقوا خلالها بالسيسي؛ فلم تسفر تلك الزيارة وما سبقها من زيارة للبرهان عن أي شيء، حتى المحاولات المصرية للتقارب مع الخرطوم من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي عبر المشروعات القومية المشتركة، والعسكري من خلال المناورات العسكرية المشتركة، لم يكن لهما أي أثر إلزامي مباشر في مسار سد النهضة، سوى بعض التغير الطفيف في الموقف السوداني حيال المفاوضات وتوجيه الانتقادات للجانب الإثيوبي. والذي رأى البعض أنه موقف مؤقت لا يعدو أن يكون رد فعل في ظل التوتر بين البلدين، وأنه سرعان ما يتغير حينما تعود الأمور إلى ما كانت عليه.[6] ولم يتخط الأمر بعض التصريحات الداعمة للسودان، والتي ليس لها أي توابع أو تأثيرات على الأرض. وهكذا يُمكن القول بأن العلاقات بين مصر والسودان تشهد حاليًا تقاربًا؛ يُمكن وصفه بالتضامن من الناحية العسكرية، في مقابل عدم تنسيق يصل حد التناقض في المواقف بشأن مفاوضات سد النهضة، وفي كلا الملفين إثيوبيا حاضرة.

 

الموقف الإريتري: ينعكس التوتر الحاصل بين السودان وإثيوبيا على شكل علاقة الطرفين مع إريتريا، ويختبر مدى صمود التعاون والتنسيق مع الأولى لكبح جماح المعارضة على الجانبين، حيث سادت في فترة طويلة الحرب بالوكالة. ووفر السودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير ملاذات آمنة لمعارضي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والعكس صحيح، وهو ما وضع العلاقة بينهما فوق تلال من الأزمات المتكررة. كما تختبر أزمة الحدود مدى صمود التحالف الصاعد على وقع حرب تيجراي بين أديس أبابا وأسمرة، فبعد فترة من شكوى كل طرف من برودة السلام بينهما، أعادت تيجراي الحرارة بينهما، ووفرت التحديات المشتركة في الإقليم أجواء مناسبة لتقريب المسافات وزيادة التعاون بينهما. والعلاقات بين الدول الثلاث متقلبة، يتوقف صعودها أو هبوطها على درجة المصالح المحققة بين أضلاع هذا المثلث، الذي لم يصل في أي مرحلة سابقة إلى مستوى التماسك الجماعي، فعندما ينجذب طرف لآخر يبدو الثالث مُستهدفًا من الطرفين الآخرين، حيث لم تخمد تمامًا المتاجرة بورقة المعارضة بين الدول الثلاث، وفي كل مرة يتوصل فيها طرفان إلى تفاهمات محددة تظل هناك ذيول تصعب السيطرة عليها بحكم الحدود المتشابكة والتركيبة الاجتماعية المعقدة، فإريتريا تتمتع بعداوات قديمة مع مواطني الدولتين على حدودها، سواء إقليم التيجراي الإثيوبي، أو كسلا السوداني. ومع ذلك فإن موقف إريتريا مفصليًا، فإذا اشتدت المعارك وقرر الرئيس أفورقي الانحياز صراحة إلى إثيوبيا؛ سوف يواجه السودان موقفًا صعبًا على امتداد الحدود الشرقية من الشمال إلى الجنوب يضطره إلى تفعيل ورقة المعارضة الإريترية القابعة في أراضيه، وعدم التردد في التعاون مع معارضي الحكومة الإثيوبية الفارين إليه. ويبدو الموقف السوداني أفضل نسبيًا في هذه المسألة، بعد توقيع اتفاق سلام مع الحركات المسلحة التي كانت تلجأ إلى إثيوبيا أو إريتريا، ويتم توظيفها من حين إلى آخر ضد نظام الخرطوم، فقد جرى تقويض هذه الورقة، بينما لا يزال السودان يملك مقاطع مهمة من معارضي خصومه، تمنحه ميزة نسبية في حالة عودة الحرب بالوكالة. وفي هذه الحالة بات السودان مطالبًا بالحفاظ على اتفاق السلام مع الحركات المسلحة وتسريع وتيرة تطبيقه على الأرض قبل أن يتعرض للاهتزاز، بل والاتفاق مع الحركة الشعبية – قطاع الشمال، جناح عبدالعزيز الحلو الذي لم يوقع على اتفاق جوبا. وقد يجد الحلو فرصة لفرض شروطه، لأنه يملك قوة عسكرية كبيرة في الجنوب، هي الأقرب لتلقي دعم من إثيوبيا إذا لم يتوصل إلى اتفاق حاسم مع السلطة في الخرطوم. وهكذا أصبحت إريتريا عنصرًا مركزيًا في التوتر الحالي، وانحيازها أو عدم انحيازها نحو إثيوبيا يحسم إلى حدٍّ كبير توجهات البلدين نحو التمادي في الحرب أو القبول بالسلام، فمن الصعوبة وقوفها على الحياد بسبب تشابكات إقليمية كبيرة لن تجعلها بعيدة عن المصير الذي سوف تتوصل إليه الخرطوم وأديس أبابا في الحالتين، لأن نظام الحكم في أسمرة ربما يواجه مصيرًا غامضًا في حالة غياب قائده لأي سبب، حيث تتهيأ المعارضة لاقتناص ملامح ارتباك ظاهرة حول من يخلف الرئيس أفورقي.[7]

 

سيناريوهات المستقبل: لا تخرج السيناريوهات المحتملة من دائرة الدخول في الحرب المباشرة، أو حرب الاستنزاف التي يُمكن أن تلجأ إليها إثيوبيا من خلال استخدام مجموعات مسلحة لشن عمليات موسمية، أو اقتناع الطرفين بمواصلة الجهود لترسيم الحدود، أو السيناريو الثالث المُتمثِّل في حدوث اختراق من قِبل وسطاء إقليميين أو دوليين. ومن بين السيناريوهات الثلاثة المحتملة فإن الأكثر توقعًا نظريًا هو سيناريو المواجهة المباشرة، وذلك وفقًا للتطورات والتداعيات المتجددة على الأرض، والتي كان آخرها ما حدث خلال الأيام الماضية، والذي عكس نوعًا من انسداد الأُفق بين الجانبين، إضافةً إلى التباعد الواضح في المواقف بينهما. إلا أن ما يُمكن أن يستبعد هذا السيناريو؛ أن كلا الطرفين يريد استخدام الأزمة إلى أبعد حد ممكن لمواجهة الأزمات الداخلية المستفحلة.[8]

 

الخُلاصة؛ آخر ما يتمناه العقلاء في البلدين في هذه الأيام الدخول في حرب لا يُعرف مداها، خاصةً مع الاحتجاجات في أروميا والتمرد الداخلي الذي يواجه آبي أحمد من قومية تيجراي، والأزمة الاقتصادية والسياسية التي تواجه السودان. لكن يبدو أن الحسابات السياسية الداخلية الضيقة للطرفين؛ هي المسيطرة حاليًا. وبالنسبة للسودان كدولة وشعب، فإن استعادة أراضيه في منطقة الفشقة تعتبر كسبًا استراتيجيًا طال انتظاره، حتى ولو كان في الأمر تعزيزًا لسلطة العسكريين بقيادة عبدالفتاح البرهان. بينما تنظر أديس أبابا إلى الأمر من زاوية قومية أمهرا، التي يبدو أن نجمها سيسطع من جديد بعد سيطرة قومية التيجراي التي استمرت لما يقارب الثلاثة عقود، وسيكون الأمر كارثيًا لو قادت الحسابات السياسية الضيقة الطرفين لحرب واسعة النطاق.

————————————–

[1]  أحمد زمراوي، “اختراق للأجواء واقتحام للحدود..هل أوشكت الحرب بين السودان وإثيوبيا على الاندلاع؟”، عربي بوست، 18/1/2021.متاح على الرابط: https://2u.pw/g0tJj

[2]  خالد سعد عثمان، “السودان…عراقيل تهدد «المرحلة الانتقالية»”، المجلة، 16/1/2021.متاح على الرابط: https://2u.pw/mG9oL

[3]  أحمد زمراوي، مرجع سبق ذكره.

[4] محمد عبد الكريم، “دليل استرشادي: ماذا يحدث بين السودان وإثيوبيا؟”، مركز الإنذار المبكر، 2/12/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/KPDcP

[5]  “وساطة جوبا لخفض التوتر السوداني الإثيوبي.. مصر وإهدار الفرص السهلة”، نون بوست، 19/1/2021.متاح على الرابط: https://2u.pw/ZCKAe

[6] جلال خيرت، “الصراع الحدودي بين السودان وإثيوبيا: استثمار مصري لاجتذاب الخرطوم”، الأخبار، 15/1/2021.متاح على الرابط: https://2u.pw/yWxxb

[7]  محمد أبو الفضل، “أين تقف إريتريا في النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا”، العرب، 20/1/2021. متاح على الرابط: https://2u.pw/kdpLo

[8]  كمال عبد الرحمن، “أزمة السودان وإثيوبيا تتعقد وهذه هي السيناريوهات المحتملة”، عربية Sky News، 17/1/2021. متاح على الرابط: https://2u.pw/gQgvG

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سد النهضة الإثيوبي الملء الثاني

سد النهضة الإثيوبي الملء الثاني مع اقتراب ميعاد ال ملء الثاني لبحيرة سد النهضة، الذي تتمسك…