‫الرئيسية‬ العالم العربي العراق العراق وجدل الانتخابات المتكرر
العراق - فبراير 2, 2021

العراق وجدل الانتخابات المتكرر

 

 

لاتزال الأوضاع في العراق متغيرة متبدلة غير واضحة المعالم بعد مرور شهور على الاحتجاجات الشعبية، خاصة بعدما تزايدت الأنباء حول امكانية تأجيل الانتخابات، نتيجة عدم توفير البيئة المناسبة لضمان نزاهتها، ونجاح تنظيمها، فقد شهدت العاصمة بغداد اجتماعات ولقاءات مكثفة بين القوى السياسية، فضلا عن رؤساء الحكومة والجمهورية والبرلمان، والقضاء، وبرعاية بعثة الأمم المتحدة، إلى جانب مفوضية الانتخابات، بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حيال موعد الانتخابات المبكرة العامة، وتشير آخر التسريبات من اجتماع لبحث الاستعدادات لإجراء الانتخابات، جرى  بين رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الحكومة مصطفى الكاظمي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء فائق زيدان، إلى جانب مبعوثة الأمم المتحدة، إلى إمكانية الإعلان رسميا خلال الساعات القادمة عن تأجيل موعد الانتخابات المبكرة لغاية سبتمبر أو أكتوبر من العام الحالي.

يبحث هذا التقرير أبعاد قضية الانتخابات العراقية، وابرز التحديات التي تواجهها، وهل يمكن للانتخابات أن تمثل إرادة الشعب بصورة نزيهة بالفعل.

 

معوقات تواجه الانتخابات:

يظل السؤال الرئيسي في أزمة الانتخابات هو السطوة الواسعة التي يتمتع بها المليشيات غير النظامية التابعة لإيران في السيطرة على الشارع، حيث يخشى الجميع من كيفية تأمين المشاركة الواسعة في العملية الانتخابية، وكيفية حماية القرار الفردي للمجتمعات التابعة لتلك المليشيات، مرورًا بالفرز واعلان نتائج الانتخابات، بدون تهديدات من المليشيات، وكيفية تأمين المراقبة الدولية على الانتخابات من مصير تعرضها لمضايقات عنيفة.

تسعى حكومة الكاظمي نحو اتمام الانتخابات، إلا أنها تخشى أن تعجز مفوضية الانتخابات عن حسن إدارة العملية، وذلك في الوقت الذي ترغب القوى السياسية الداعمة لطهران مثل قوى الفتح ودولة القانون نحو تأجيل الانتخابات للعام القادم، ونظرًا لحالة الاستقطاب المتزايد، خاصة بعد تزايد الصراع بين طهران وواشنطن على أراضي العراق، وهو ما يقود لمحاولة القوى السياسية الوصول لحل وسط، ولذلك قد يكون التأجيل لشهر أكتوبر حل وسط للجميع، ومما يؤكد تلك المعلومات هو بيان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، والتي أوضحت فيه أنها مستعدة لإجراء الانتخابات في موعدها أو في موعد لا يتجاوز شهر سبتمبر المقبل، واستخدمت عبارة “موعد واقعي للانتخابات لتتمكن مفوضية الانتخابات من إجراء انتخابات حرة ونزيهة”، في بيان آخر نقلته وسائل الإعلام المحلية العراقية، ومن الجدير بالذكر، موقف زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر الذي حذر من محاولات تأجيل الانتخابات المبكرة، معبرا عن أمله في أن يتحلى الجميع بالحكمة والعمل معا على إنجاح العملية الانتخابية[1].

 

ما بعد الغزو الأمريكي: تجربة الانتخابات في العراق:

ثمة أسباب عديدة تعوق نزاهة الانتخابات، بخلاف قضية المليشيات العسكرية التي تتعمد وسائل تشكيل الوعي المختلفة تصديرها للجمهور، ونحن هنا لسنا بصدد القول بأن الدور الذي تقوم به تلك المليشيات هامشي وثانوي، بالطبع لا، فدور المليشيات معيق بقوة، ولكنه ليس السبب الوحيد الذي لا يضمن صدق نتائج الانتخابات، حيث تخبرنا التجربة في سياق الوهم الأمريكي لدمقرطة العراق، عندما أصدر رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، وهي السلطة التي أقرها مجلس الأمن كسلطة احتلال، الأمر رقم 92 في مايو 2004 بتشكيل مفوضية الانتخابات العراقية المستقلة التي تحكم ذاتها، باعتبارها جهة غير حزبية، محايدة ومهنية، والأهم من ذلك، مستقلة عن سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكأن الديمقراطية قرار يمكن أن يسقط من أعلى لاسفل بهدوء تام، ناهيك عن توافر الإرادة الصادقة في نشر الديمقراطية من عدمه[2].

إن مراجعة إدارة الاستفتاء الخاص بالدستور الذي جرى في 15 أكتوبر 2005 تحديدا، فيما يتعلق بنتيجة تصويت محافظة نينوى، كشف عن التسييس الذي حكم عمل المفوضية، فاستنادا إلى ما قرره قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، كان تصويت محافظة نينوى حاسما، بعد تصويت محافظتي الأنبار وصلاح الدين ضده بنسبة أكثر من الثلثين (التصويت بالرفض بنسبة 96.9٪ و 81.7٪ على التوالي)، لأنه كان سيعني رفض ثلثا ثلاث الناخبين في ثلاث محافظات لتمرير الدستور، لذلك تأخر إعلان نتيجة الاستفتاء بشكل غير منطقي، لتأتي النتيجة في النهاية برفض محافظة الموصل للدستور بنسبة 55.08٪ فقط، أي دون نسبة الثلثين، والمفارقة هنا أن الأمريكيين أنفسهم، وهم الذين أرادوا مفوضة مستقلة قد تدخلوا للإطاحة بهذه الاستقلالية هذه المرة، لأن النتائج لم تكن على هواهم في تلك المحافظات السنية التي كانت مؤيدة للرئيس الراحل صدام حسين.

بعد شهرين من ذلك، وفي اول انتخابات برلمانية جرت في 15 ديسمبر 2005، أعلنت المفوضية أرقام المشاركة في الانتخابات، وقد جاءت هذه الأرقام بعيدة عن الواقع؛ تحديدا فيما يتعلق بمحافظتي الانبار وصلاح الدين، فالأرقام التي أعلنتها حول نسبة مشاركة الناخبين في محافظة الانبار فيها بلغت 86.4٪ (585429 مصوتا من مجموع 677821 ناخبا مسجلا) في حين بلغت نسبة المشاركة في محافظة صلاح الدين 98.4٪ (555755 مصوتا من مجموع 564607 ناخبين مسجلا)، في حين كان الجميع في العراق يعلم أن هذه الأرقام أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، مع المقاطعة الواسعة لتلك الانتخابات في هاتين المحافظتين تحديدا، ومع سيطرة الفصائل المسلحة عليهما [3].

والمفارقة الأكبر هنا أن المفوضية نفسها، تحدث عن مشاركة سنية واسعة في انتخابات عام 2010، وقارنوها بـالمقاطعة التي جرت لانتخابات عام 2005، مع أن أرقام المفوضية تحدثت في العام 2010 عن نسبة مشاركة في محافظة الانبار بلغت 61٪ فقط، ونسبة مشاركة في محافظة صلاح الدين بلغت 73٪، يومها لم يسأل أحد عن صحة هذه الأرقام، او مدى مصداقيتها، بما فيهم المفوضية نفسها، فهذه الأرقام المعلنة لم تكن تعني سوى أمرين: أن تلاعبا رسميا بالأرقام قد حدث، أو أن تزويرا واسع النطاق قد وقع، فتسييس الانتخابات حكم الجميع، ليس محليا فقط، بل دوليا أيضا، ولم تكن الأمم المتحدة نفسها، وعبر تقاريرها، بمعزل عن هذا التسييس وهذا التواطؤ. في تجربة الانتخابات في 2005 و2010، كانت هناك رغبة دولية لتمكين المليشيات التابعة لطهران من السيطرة على المشهد السياسي، لضمان تصفية الجيوب البعثية التي تؤمن بالولاء لصدام حسين[4].

منذ اندلاع الربيع العربي، وفي اطار سياسة إدارة أوباما في عدم التدخل أو تقليله، فقد تركت عملية الانتخابات للأحزاب الشيعية بصفة خاصة، وللوجود الإيراني عامة، وقد ساهمت التطورات التي حدثت منذ 2014 بتوسع تنظيم داعش في السيطرة على محافظات عراقية مختلفة، في المزيد من التقوية للأحزاب الشيعية، بعدما تعاونت مع التحالف الدولي في مواجهة داعش، وهو ما كتب قتلًا جديدًا للقوى السياسية السنية، التي تعرضت محافظاتها للحرق والقتل والتنكيل من جانب تلك المليشيات الشيعية، التي تعاملت مع الأهالي كما لو كانوا داعمين لداعش.

في ديسمبر 2019 شرع قانون جديد للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، تغير، بموجبه، مجلس أمناء المفوضية بقضاة لا يزالون في الخدمة، بل ومُنح هؤلاء القضاة حق العودة إلى الخدمة بعد انتهاء دورة المفوضية البالغة خمس سنوات مع أن تجربة القضاة المنتدبين لإدارة عملية العد والفرز اليدوي في انتخابات عام 2018 كانت تجربة فاشلة باعتراف الجميع.

عندما يرتهن البلد بيد طبقة سياسية تقفز على القوانين والدستور حسب المصالح الشخصية والاتفاقات السياسية التي تحقق هذه المصالح، فمن الطبيعي أن تنتج مفوضيات انتخابات مسيّسة وتابعة للأحزاب، وتدرك واشنطن جيدًا، أن النفوذ الإيراني في العراق كبير وكبير جدًا، ومهيمن على الدولة العميقة، لذلك تحاول أن تلعب لعبة الكراسي الموسيقية لانهاك النفوذ الإيراني، تمهيدًا لاقصاء المليشيات في عملية سياسية قاضية.

 

الخاتمة: تهيئة أرضية لتجفيف النفوذ الإيراني:

تدرك واشنطن جيدًا الوضع السابق في العراق، وتعلم أن الهيمنة الإيرانية متوسعة في كافة قطاعات بغداد، لذلك تحاول تبني استراتيجية ناجزة، لتدمير المليشيات الإيرانية، باعتبارها مقدمة لتطهير العراق من الوجود الإيراني، فقد قامت الولايات المتحدة الامريكية بتصعيد عقوباتها ضد الحشد الشعبي في العراق، حيث أصدرت عقوبات بحق رئيس الحشد فالح الفياض، وكذلك رئيس أركان الحشد عبدالعزيز المحمداوي، وصنفتهما إرهابيان عالميان، وطالبت الجهات الأمنية بالتعامل معهم.

حالة التصعيد الأمريكية هذه ضد أبرز قيادات هيئة الحشد الشعبي المقربين من إيران، والمرتبطين رسميا بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وقد انعكست دلالة هذا التصعيد على قضية الانتخابات، وتسأل العديد حول أهداف واشنطن من هذا التصعيد، ومن المتوقع أن تطال العقوبات الأمريكية أسماء أخرى في المستقبل، منها، هادي العامري زعيم تحالف الفتح وأحمد الأسدي المتحدث السابق باسم الحشد الشعبي، إضافة إلى كل من شارك باقتحام سفارة واشنطن ببغداد في ديسمبر 2019[5]، وتسعى واشنطن أن تحول تلك العقوبات دون مشاركة هذه الشخصيات في الانتخابات التشريعية المقبلة، بهدف تقليل النفوذ الإيراني، من أجل التمهيد لعملية انتخابية لا يكون هؤلاء القريبون من إيران طرفا فيها.

ويبدو أن دخول العقوبات الأمريكية نحو الشخصيات السياسية مرحلة جديدة -في حال حدوثها-، لأنها ستظهر جدية النية الأمريكية نحو تجفيف الوجود الإيراني في بغداد، وهنا سيدور السؤال حول السيناريوهات التي ستقوم بها تلك المليشيات ومن خلفها طهران لمواجهة التكتيكات الأمريكية، لأنه في حال قبلت طهران دخول أي من حلفاء السياسيين تحت دائرة المنع السياسي جراء العقوبات الأمريكية، فهذا سيعني أن البقية ستأتي لا محالة، وتشير أنباء إلى أنه من المحتمل أن يقوم المجتمع الدولي بتبني العقوبات الأمريكية، وهو ما يعني مزيد من الحصار لتلك القوى، وكذلك قد تفسح المجال أمام المنظمات والمحاكم الدولية للمطالبة بمعاقبة كل من تسبب باغتيال المتظاهرين طيلة عام كامل[6]، ناهيك عن أن الحشد الشعبي نفسه كمنظمة قد يتعرض للتصفية، في حال استهدفته العقوبات الأمريكية، ويمثل الحشد رأس حربة المليشيات الإيرانية، والذي ساعدها في تجنيد عدد كبير من الطائفة الشيعية في المنظمات الإيرانية، فضلًا عن العناصر الاخرى التي تحولت من المليشيات إلى الجهات العسكرية والأمنية، ولذلك ربما ستشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية تصعيدًا جديًا في المرحلة المقبلة، ليس في الأيام الترامبية المتبقية، بل أنه ثمة توجه أمريكي واضح للعيان يتمثل في الدعم المتناهي لحكومة الكاظمي من جهة، والعقوبات الأمريكية ضد حلفاء طهران في العراق من جهة أخرى.

————————-

 براء الشمري، ” الانتخابات العراقية: خيار التأجيل هو الأقرب وترقب لإعلان رسمي غداً السبت”، العربي الجديد، 15/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3ipZedt

[2]  يحيي الكبيسي، “هل يمكن إجراء انتخابات نزيهة في العراق؟”، القدس العربي، 14/1/2021، الرابط: http://bit.ly/38Mmmz

المرجع السابق. [3]

[4]  المرجع السابق.

[5]  وليد الخزرجي، ”  ما هدف واشنطن من معاقبة أبرز قادة الحشد الشعبي بالعراق؟”، عربي 21، 14/1/2021، الرابط: http://bit.ly/2XRZRCZ

[6]  المرجع السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العراق وتركيا زيارة مهمة وملفات عالقة

  ذهب رئيس الوزراء العراقي الكاظمي إلى أنقرة بعدما أصدرت حكومته منذ شهرين ورقة الإصلا…