‫الرئيسية‬ عالمي “دافوس 2021”.. البحث عن مشكلات الكبار مع كورونا وتهميش الفقراء مستمر
عالمي - فبراير 9, 2021

“دافوس 2021”.. البحث عن مشكلات الكبار مع كورونا وتهميش الفقراء مستمر

“دافوس 2021″ البحث عن مشكلات الكبار مع ” كورونا”.. وتهميش الفقراء مستمر

 

انطلقت الاثنين 25 يناير الماضي، فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، الذي عقد “عن بعد” بسبب جائحة كورونا واستمر حتى الجمعة 29 يناير 2021م، تحت عنوان “عام حاسم لإعادة بناء الثقة”.

وعقد المنتدى أكثر من 100 جلسة وورشة عمل بمشاركة عدد كبير من أبرز قادة العالم، من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة خاصة في ظل تداعيات جائحة كورونا، التي عرقلت عجة الاقتصادات العالمية، وحسب البيانات الإعلامية الواردة عن القمة،  ركز المشاركون على الوسائل والطرق الكفيلة بخلق التأثير وإعادة بناء الثقة وتشكيل السياسات والشراكات اللازمة خلال عام 2021م.

وبعيدا عن مشكلات الدول الفقيرة وغير المستقرة، تضمنت أجندة المنتدى خمسة محاور هي: تصميم أنظمة اقتصادية متماسكة ومرنة ومستدامة، و قيادة التحول والنمو الصناعي المسؤول، وتعزيز الإشراف على الموارد والمشاعات العالمية، وتسخير تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، والنهوض بالتعاون العالمي والإقليمي.

وضم المنتدى أكثر من عشرة آلاف من القادة الشباب من ممثلي المؤسسات والمجتمعات المدنية كأعضاء مجتمع “مشكلو العالم” التابع للمنتدى، ومجتمع القادة العالميين الشباب، ورواد التكنولوجيا، ورواد الأعمال الاجتماعية، وحاول الشباب تقديم حلولا ووجهات نظر جديدة لأجندة دافوس، كما تضمن جدول القمة ورشات عمل بعنوان “رأسمالية أصحاب المصالح: بناء المستقبل” وأخرى بعنوان “الدفع نحو عقد اجتماعي جديد” و”إعادة ضبط الاستهلاك من أجل مستقبل مستدام”.

وأطلق مؤسس دافوس “كلاوس شواب” على هامش القمة كتابه حمل عنوان “رأسمالية المساهمين: اقتصاد عالمي يعمل من أجل التقدم والبشر والكوكب” ، والذي ذهب فيه إلى أن النظام الاقتصادي العالمي بات معطلا، لكنه يرى أنه لا يزال بالإمكان استبدال الصورة الحالية للاضطرابات العالمية وعدم الاستدامة وعدم اليقين باقتصاد يعمل لصالح جميع الناس وكوكب الأرض، أولاً، عبر وجوب القضاء على التفاوت المتزايد في الدخل داخل المجتمعات، حيث تباطأ نمو الإنتاجية والأجور. وثانياً، عبر الحد من التأثير المثبط لقوة السوق الاحتكارية التي تمارسها الشركات الكبرى على مكاسب الابتكار والإنتاجية. وأخيراً، دعا شواب في كتابه إلى وجوب إنهاء الاستغلال قصير النظر للموارد الطبيعية، الذي يؤدي إلى تآكل البيئة، ويؤثر في حياة الكثيرين نحو الأسوأ وهي آمال أكثر منها واقع معاش، وحاول المنتدى رسم صورة مشرقة لمستقبل المجتمعات، وسط اقتصادات الاحتكار المتنامية وتوحش السياسات النيوليبرالية في مناطق العالم المختلفة، والتي بدت واضحة في احتكار الدول الغنية لقاحات وباء كورونا، دون النظر بعين المسئولية أو الاهتمام بمشكلات الدول المحيطة.

وفي سياق رسم صورة مشرقة حول المنتدى الذي يسعى لحلول مشكلات الدول الغنية والصناعية ، كتب مؤسس المنتدى كلاوس شواب، في مقالة نشرت منتصف يناير الماضي، إن” 2021 ستكون سنة إيجابية وتاريخية، بعد 75 عاما على “السنة صفر” الأصلية في أعقاب دمار الحرب العالمية الثانية”. وأضاف: “مرة أخرى لدينا فرصة لإعادة البناء”، داعيا إلى إعادة النظر في الرأسمالية في ضوء جائحة فاقمت انعدام المساواة، معتبرا أن “كوفيد-19 سدد الضربة الأخيرة” لنموذج ما بعد الحرب، عندما حققت أسواق حرة وحكومات محدودة ازدهارا وتقدما “لم يعودا مستدامين لا من الناحية البيئية ولا الاجتماعية”.

وأيضا، خصص المنتدى الاقتصادي العالمي لدافوس في يومه الأخير جلسة بعنوان “إصلاح نظام التجارة الدولية”، تناولت سبل تكيف نظام التجارة الدولية مع الاضطرابات المستقبلية المحتملة، وكيف يمكن للصناعات والحكومات العمل معاً في عام 2021، لجعل النظام التجاري أكثر مرونة، وتراجعت التجارة العالمية بنسبة 9% في عام 2020، بحسب منظمة التجارة العالمية، في ظل مواجهة التوترات السياسية واستجابة العالم لجائحة “كوفيد-19”.

وبحسب إليزابيث تروس، وزيرة الدولة البريطانية للتجارة الدولية، فـ”النظام التجاري العالمي كان مضطرباً لبعض الوقت، ما يجعل من الأهمية بمكان مقاومة العالم للحمائية التجارية وتعزيز التجارة الحرة والعادلة، مشيرة إلى أن بريطانيا  الآن دولة تجارية مستقلة، وستستخدم رئاستها لمجموعة السبع لتعزيز التجارة الحرة والعادلة، كما أكدت الأهمية الكبيرة التي توليها بلادها للتجارة البيئية.

مروجة أن الرسوم الجمركية العالمية في المملكة المتحدة أقل، وأكثر خضرة، وأبسط من سابقاتها إلى جانب الترتيبات الثنائية ومتعددة الأطراف، مؤكدة أن المملكة المتحدة تريد أن ترى إصلاحاً تجارياً، بما في ذلك ترتيب آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، وبناء الثقة، بحيث “يمكن للناس رؤية الأشياء غير عادلة”، على حد قولها. وهو ما يأتي من خلفية عدة مصاعب اقتصادية تتعرض لها بريكانيا، بعد خروجها من  الاتحاد الاوروبي، وفق تقرير لفرانس برس عن القمة في 29 يناير الماضي.

 

مؤشرات الاقتصاد العالمي في 2021

وحول التوقعات الاقتصادية لدول العالم في 2021،  ذهب تقرير مشترك للمنتدى الاقتصادي العالمي لدافوس، أعد بالشراكة مع “ماكينزي وشركاه”، إلى أن عام 2021م سيكون عاما انتقالياً وعام التحول باستثناء أي كوارث غير متوقعة، وبالتالي يمكن للأفراد والشركات والمجتمعات أن يبدأوا في التطلع إلى تشكيل مستقبلهم بدلاً من مجرد المضي قدماً في الحاضر، سيكون الوضع الطبيعي في العالم  مختلفاً هذا العام، لكنه لن يعني العودة إلى الظروف العالمية التي كانت سائدة عام 2019، وفق تقدير نشرته “صحيفة الاندبندنت” في 24 يناير الماضي، لكنه لن يعني العودة إلى الظروف العالمية التي كانت سائدة عام 2019.

ورصد التقرير عودة تدريجية في ثقة المستهلك، ما سينعكس إيجاباً على الإنفاق، مع إطلاق العنان للطلب المكبوت، وهي تجربة شهدتها جميع فترات الانكماش الاقتصادي السابقة التي عاصرها العالم، ومع ذلك، فإن أحد الاختلافات أن الخدمات تضررت بشدة هذه المرة من تداعيات الجائحة، بالتالي من المرجح أن يؤثر الارتداد على تلك الأعمال، لا سيما تلك التي لها عنصر مجتمعي، مثل المطاعم وأماكن الترفيه.

 

تغيير هيكلي طويل الأجل

وعلى عكس توقعات “المنتدى” فإن السفر الدولي لا يزال محبطاً نظراً للقيود الحدودية المرتبطة بالوباء والمخاوف في شأن الصحة والسلامة مع تفشي موجات جديدة من فيروس كورونا. ورجح انتعاش السفر التجاري الإقليمي والمحلي أولاً، في وقت قد ترغب بعض الشركات والقطاعات في استئناف المبيعات الشخصية واجتماعات العملاء في أقرب وقت ممكن. ووجدت دراسة استقصائية لمديري سفر الأعمال أنهم يتوقعون أن يكون الإنفاق على سفر الأعمال في عام 2021 نصف ما كان عليه عام 2019 فحسب، في حين أن السفر التجاري سيعود على نطاق واسع، كما سيولد النمو الاقتصادي العالمي طلباً جديداً، إلا أن السفر الترفيهي المدفوع بالرغبة البشرية في الاستكشاف والاستمتاع لم يتغير، لكن الاستخدام الفعال للتكنولوجيا أثناء الوباء، والقيود الاقتصادية التي سيواجهها عديد من الشركات لسنوات بعده، يمكن أن ينذرا ببدء تغيير هيكلي طويل الأجل في سفر الأعمال.

ومن ضمن المؤشرات العالمية، استمرار التسارع الكبير في استخدام التكنولوجيا والرقمنة وأشكال العمل الجديدة، إذ أفاد عديد من المديرين التنفيذيين بأنهم تحركوا أسرع من 20 إلى 25 مرة مما كانوا يعتقدون في بناء سلاسل التوريد، وتحسين أمن البيانات، وزيادة استخدام التقنيات المتقدمة في عملياتهم، حيث ساعد تفشي أزمة فيروس كورونا في تسريع التحول نحو الذكاء الاصطناعي والرقمنة لسنوات عدة، وكان الأسرع في آسيا.

وكان استطلاع لـ”ماكينزي” نشر في أكتوبر 2020، كشف عن أن 80% من تفاعلات الشركات مع عملائها كانت رقمية خلال الجائحة، أي أكثر بثلاث مرات مما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة، وأوضحت المؤشرات الاقتصادية تغير  سلوك التسوق بعد تفشي جائحة كورونا، وأن 9 من أصل 13 دولة رئيسة شملتها دراسة “ماكينزي”، قال فيها ثلثا المستهلكين في تلك البلدان، إنهم جربوا أنواعاً جديدة من التسوق، ومن إجمالي 13 دولة  ، قال 65 % أو أكثر إنهم يعتزمون الاستمرار في تلك التجربة، أي بالمعنى الضمني من الأفضل للعلامات التجارية التي لم تكتشف كيفية الوصول إلى المستهلكين بطرق جديدة اللحاق بالركب، وإلا ستتخلف عنه.

وتشير التطورات إلى سرعة أكبر للتسوق الرقمي في الأسواق النامية مثل البرازيل والهند.  كما كان لافتا  توجهاً أكبر للمستهلكين للتسوق عبر الإنترنت في أوروبا، لكن ليس بدرجة الحماسة الكبيرة الموجودة في بريطانيا والولايات المتحدة، وبات التحول للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت حقيقة واقعة، مع توقعات باستمرار هذا النمط من البيع وبشكل أبرز في الولايات المتحدة،اذ كان متوقعاً أن يصل تغلغل التجارة الإلكترونية إلى 24 % بحلول عام 2024م، لكنه بلغ 33 % من إجمالي مبيعات التجزئة في يوليو2020م.

بعبارة أخرى، شهد النصف الأول من 2020 زيادة في التجارة الإلكترونية تعادل تلك التي حدثت في السنوات العشر الماضية. ففي أميركا اللاتينية، لم تكن البنية التحتية للمدفوعات والتوصيل بالقوة نفسها، مع تضاعف استخدام التجارة الإلكترونية من 5 إلى 10%، وفي أوروبا، بات الاعتماد الرقمي الإجمالي عالمياً تقريباً 95 %، مقارنة بـ81% في بداية الوباء، وفي الأوقات العادية، كان الوصول إلى هذا المستوى يستغرق عامين إلى ثلاثة أعوام، واللافت، أن أكبر الزيادات جاءت في البلدان التي كانت سابقاً حذرة نسبياً في شأن التسوق عبر الإنترنت مثل ألمانيا ورومانيا وسويسرا، على سبيل المثال، إذ كان لديها أدنى ثلاثة معدلات ولوج عبر الإنترنت قبل أزمة كورونا، ومنذ ذلك الحين، زاد الاستخدام 28 و25 و18 نقطة مئوية على التوالي، أكثر من أي أسواق أخرى.

في المقابل، أظهر تقرير “دافوس وماكينزي” نقاط ضعف في سلاسل التوريد الطويلة والمعقدة للعديد من الشركات بسبب كورونا، وأنه عندما يخيم الظلام في بلد واحد أو حتى مصنع واحد، يؤدي نقص المكونات الأساسية إلى توقف الإنتاج، وتحدث التقرير عما سماه “بدء عملية إعادة التوازن الكبير في سلاسل التوريد”، متوقعاً أن يشهد ربع صادرات السلع العالمية، أو 4.5 تريليون دولار أميركي هذا التحول بحلول عام 2025، مضيفاً أنه بمجرد أن بدأت الشركات في دراسة كيفية عمل سلاسل التوريد الخاصة بها، أدركت ثلاثة أشياء هي: أولاً، إن الاضطرابات ليست غير عادية، حيث يمكن لأي شركة أن تتوقع إغلاقاً يستمر لمدة شهر أو نحو ذلك كل 3.7 سنوات، بالتالي فإن مثل هذه الصدمات أصبحت سمات يمكن التنبؤ بها لممارسة الأعمال التجارية، وتحتاج إلى إدارتها مثل أي صدمات أخرى. ثانياً: تضييق الفروق في التكلفة بين البلدان المتقدمة وعديد من البلدان النامية. ففي التصنيع، يمكن للشركات التي تتبنى مبادئ الصناعة (بمعنى تطبيق البيانات والتحليلات والتفاعل بين الإنسان والآلة والروبوتات المتقدمة والطباعة ثلاثية الأبعاد)، بالتالي تعويض نصف فرق تكلفة العمالة بين الصين والولايات المتحدة. وثالثاً، ليس لدى معظم الشركات فكرة جيدة عما يجري في أسفل سلاسل التوريد الخاصة بها، حيث قد تلعب الفئات الفرعية أدواراً صغيرة، لكنها مهمة، وهو المكان الذي تنشأ فيه معظم الاضطرابات.

 

توزيع اللقاحات

وفيما يتعلق بإخطار الاتحاد الأوروبي بصادرات اللقاحات، قالت وزيرة التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي بوزارة الخارجية الهولندية، سيغريد كاج، “هذا ليس حظراً على الصادرات، بل إنه محدود زمنياً، ويحتوي على إعفاءات للمساعدات الإنسانية، وتلك اللقاحات، بموجب اتفاقية كوفاكس”، مضيفة “نعمل على تأمين خطوط الإمداد الأساسية في جميع أنحاء العالم، ليس من الصدق عدم اقتراح عدم تلقيحنا في هولندا في الوقت المناسب”.

وتابعت أن اتفاقية كوفاكس تحتاج إلى مزيد من الدعم والتمويل، مضيفة “نحن بحاجة إلى زيادة الاستثمار في مرافق الإنتاج والتأكد من بقاء خطوط الإمداد مفتوحة”. وفيما يتعلق بالاتفاقية التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي، قالت كاج إنها تستطيع تقدير المخاوف الأميركية في شأن السرعة التي تمت بها الصفقة، موضحة أن لدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عديداً من المخاوف في شأن حقوق الإنسان في الصين. ورأت أنه لن يتم التصديق على الاتفاقية لفترة طويلة، لكن التركيز يجب أن يكون على العناية الواجبة في سلسلة التوريد.

وتبقى  رسالة القمة الافتراضية لأعمال المنتدى الاقتصادي العالمي 2021، مفادها أن الجائحة أظهرت أنه لا توجد مؤسسة أو فرد بمفرده يمكنه مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والتكنولوجية لعالمنا المعقد والمترابط. فقد أدى الوباء إلى تسريع التغيرات المنهجية التي كانت واضحة قبل ظهوره. في حين أظهرت أزمة الوباء والأزمات التي ولدت من رحمها ظهور خطوط الصدع في عام 2020 وشكلت مفترق طرق حاسماً في عام 2021.

إلا أن ما بينته جائحة كوفيد-19 هو أن كبريات دول العالم وجدت نفسَها في حالة عجز كلي عن احتواء الآثار المدمرة للجائحة وفق قواعد الشراكة الدولية التي لم تواكب تحولات الاندماج التقني والاقتصادي الكوني، في الوقت الذي لم تعد السياسات الصحية والاجتماعية القومية مهيأة للتعامل مع حالات الأوبئة العابرة للحدود. كما أن الجدل الواسع الذي واكب  ما أطلق عليه بعض الباحثين الاستراتيجيين «جيوبولوتيك اللقاح»، أظهر للعيان زيف وهم الخلاص الانتقائي الذي تبنته الدول الكبرى للإفلات من الجائحة دون الاهتمام بالأمم الفقيرة المتروكة لمصيرها البائس.

 

أزمة النظام العالمي

وعلى عكس بعض نقاشات “دافوس”،  فإن الازمة الجديرة بالدراسة والبحث والتي يتجاهلها “دافوس”،  تكمن في الخلل العالمي الذي ولدته أفكار نيوليبرالية سادت العالم بعد نهاية الحرب الباردة وتبنت منطق التبادل الحر غير المقيد وللفاعلية الإنتاجية الحرة. فالخلل الأكبر في السياسات الدولية الحالية من عدم ضبط الوسائل التقنية الحاملة لدينامية العولمة باختزالها في مكاسب اقتصادية إنتاجية دون نظر لآثارها الاجتماعية.

وهو ما ترجمه في خطابه أمام منتدى دافوس ،  الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتحذير من أن العالم سائر راهناً حول «حرب الكل ضد الكل»، معتبراً أن وضعية المنظومة الدولية تشبه إلى حدٍّ بعيد عالم ما بين الحربين، ولم يعد بإمكان المؤسسات الدولية القائمة ضبط التحديات النوعية التي يواجهها السلم العالمي والوضع الاقتصادي الكوني. ورأى بوتين أن المأزق الرئيس الذي يعانيه النظام العالمي هو انهيار الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن نمط الرأسمالية السائدة التي تقوم على تراكم الثروة، مع تفاقم التفاوت الاجتماعي.

ولم يعد بالمتاح مواجهة التحديات الحالية بالسياسات التقليدية، مثل القروض الميسرة الممنوحة للأفراد والشركات من أجل دفع الإنتاجية وتنمية الاستهلاك وسوق العمل. ولقد خلُص بوتين إلى أن المطلوب هو إبداع نظام دولي جديد بمؤسسات متخصصة ملائمة لتحقيق المطالب الأربع الضرورية لانتشال الاقتصاد العالمي المنهار، وهي:

أولا: خلق فرص جديدة للعمل بمكافآت مجزية، ثانيا: توفير المساكن الضرورية للفئات المشردة والمهمشة، ثالثا: تطوير الطب الوقائي والاستشفائي، رابعا: توفير الخدمة التعليمية النوعية للشباب. ومع أن لهجة بوتين بدت حادةً نوعاً ما، إلا أنها عكست بقوة أجواء الحوار السياسي بين قيادات العالم المتقدم حول أزمة النظام الدولي الحالي في أبعاده الاستراتيجية والاقتصادية.

وبحسب الباحث الموريتانيالسيد ولد أباه ، بصحيفة الاتحاد الاماراتية، “أزمات النظام العالمي في حوارات دافوس”، فإن لهجة بوتين بدت حادةً نوعاً ما، إلا أنها عكست بقوة أجواء الحوار السياسي بين قيادات العالم المتقدم حول أزمة النظام الدولي الحالي في أبعاده الاستراتيجية والاقتصادية.

 

تهميش الفقراء

تلك المؤشرات الاقتصادية والتي تركزت حول آلام ومشاكل الدول الصناعية، تجاهلت اوضاع الدول الفقيرة والنامية بصورة كبيرة، فلم تتطرق لأسواق المال والاعمال في مناطق العالم المترامية في الدول العربية والافريقية، وهو ما يؤثر بقوة على اقتصاد العالم، بصورة سلبية، اذ ان تزايد الفقر يدفع نحو تفاقم أززمات المرض عالميا ، بجانب معدلات الهجرة إلى الدول الصناعية والدول الغنية.

وأمام التهميش للفقراء ، فليس من محض المصادفة أن يختار المشرف على منتدى دافوس، الاقتصادي الألماني المعروف كلاوس شواب، مقولةَ ” إعادة الضبط الكبرىgreat reset  ” شعاراً للدورة الجديدة للمنتدى التي التأمت هذه السنة في سياق استراتيجيات المواجهة العالمية لجائحة فيروس كورونا المستجد التي كشفت عن الثغرات الخطيرة في تركيبة وسياسات النظام الدولي القائم. ومن أبرز هذه الثغرات، إخفاق إجراءات التحكم في الديناميكية المالية للاقتصاد المعولم، وتفاقم الفوارق الطبقية أفقياً وعمودياً، أي داخل المجتمع الواحد وما بين الفئات المندمجة في الثورة التقنية الجديدة واقتصادياتها والفئات المحرومة من الطفرة الحالية.

 

المنتدى وفلسفته

ويعود تاريخ تأسيس المنتدى إلى العام 1971 على يد رجل الأعمال الألماني كلاوس شاب، وحينما بدأ المنتدى أعماله قبل نحو نصف قرن من الآن، لم يكن رجال السياسة على قائمة المدعوين، وبدأ حضورهم بصفة رسمية منذ العام 1974 للمرة الأولى، إلى أن صار المنتدى متلقى يجمع بين الأغنياء من رجال الأعمال وقادة الدول الكبرى ورجال السياسة بالوقت الحالي.

ومع بدء أعمال منتدى دافوس الاقتصادي من كل عام يتكرر الحديث حول الفجوة بين الفقراء والأغنياء والتوزيع غير العادل للثروة حول العالم، في عالم يرزح به نصف مليار نسمة في فقر مدقع، بحسب بيانات “World Poverty” المنصة المعنية بتتبع معدلات الفقر حول العالم، وهو ما أكده تقرير آخر لوكالة بلومبرغ الأميركية أنه بعد أكثر من عقد على الأزمة المالية العالمية، فإن عددا لا بأس به من الأثرياء تضاعفت ثرواتهم على غرار ديفيد روبينستاين وجيمى ديمون وستيفن شوارزمان، وغالبا ما تتزامن أعمال المؤتمر مع تظاهرات مناوئة للمنتدى وسط حالة من السخط على الأغنياء ورجال السياسة.

وأظهر تقرير لمؤسسة أوكسفام الخيرية، في 2019،  أن نحو 26 شخصا يملكون ما يعادل نحو نصف ثروة سكان العالم، مع تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وضربت المنظمة مثلا بثروة جيف بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون الأميركية، وقالت في تقرير على موقعها الإلكتروني إن ميزانية الصحة في دولة على غرار إثيوبيا تعادل نحو 1% فقط من ثروته، وبحسب الموقع الرسمي للمنتدى، فإن تكلفة العضوية تتراوح ما بين 60-600 ألف دولار، أما رسوم المشاركة لغير الأعضاء فتبلغ نحو 28 ألف دولار للشخص الواحد، وللمشاركين في المنتدى بطاقات عضوية مختلفة الألوان، بناء على لون كل منها يسمح للمشارك بالتنقل من منطقة إلى أخرى، على حسب لون البطاقة التي يحملها.

ويبقى المنتدى فرصة للأغنياء للالتقاء والبحث عن فرص زيادة الثروات وبناء علاقات أكثر ربحية، وهو ما قد يفيد بعض المجتمعات الفقيرة نجو ايجاد بعض فرص العمل  جتى لو كانت هامشية، أو تلقي بعض المساعدات، أو جذب بعض الاستثمارات، ولعل مناقشة أزمات الفقر وتزايده لدى الساسة وصناع القرار أكثر منطقية من قمم الاغنياء  والتي يترجمها حرفيا “منتدى دافوس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إيران والولايات المتحدة الأمريكية… توتر متزايد ورئيس أمريكي جديد: أيهما يحسم الأمر

    في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، تعيش العلاقات الأ…