‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا انتخاب السلطة التفيذية الليبية.. الأبعاد وتحديات المستقبل
ليبيا - فبراير 15, 2021

انتخاب السلطة التفيذية الليبية.. الأبعاد وتحديات المستقبل

 

 

بعد أيام من الحوار والتصويت والانتخاب، كُللت في جنيف أولى خطوات خارطة الطريق التي صدّق عليها الأطراف الليبية في تونس في نوفمبر الماضي، تحت رعاية الأمم المتحدة.

وخلافاً للمتوقع، فاز محمد يونس المنفي برئاسة المجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء، بـ39 صوتاً مقابل 34 صوتاً لمنافسيهما رئيس برلمان الشرق عقيلة صالح لرئاسة المجلس الرئاسي، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا لمنصب رئيس الوزراء.

وعلى أية حال، فإن الاتفاق الليبي برعاية الامم المتحدة حول السلطة التنفيذية المؤقتة مثل خطوة مهمة على طريق السلام الذي ما زال صعبا، وإن كان الاتفاق جاء بضغوط دولية لوقف التمدد الروسي والتركي في أعماق البحر المتوسط عبر الملف الليبي، وهو ما يجعل الأوضاع مُلغّمة، والإشكاليات ظاهرة، والقضية خاضعة لتسويات ليس من السهل تحقيقها.

وهو بدوره ما يطرح العديد من التساؤلات حول هل من الممكن أن يقبل حفتر بأوضاع قد تخلو من فرض سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية في ليبيا؟ وهل يمكن القول إن ليبيا وصلت إلى هذه المحطة الفارقة بدافع حالة الإنهاك التي أصابت كل القوى المتصارعة؟ أم أن كان دافع الاتفاق مخاوف تقسيم وتفاقم أزمات اقتصادية واجتماعية؟ أم أن توافق غربي بقيادة أمريكا للحد من النفوذ التركي والروسي في ليبيا؟

 

 

آلية الانتخاب

أقرّت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بالاشتراك مع اللجنة الاستشارية للملتقى، آلية معقدة، نسبيًا، للترشّح والتصويت تفاديًا للفشل في انتخاب قيادة للمرحلة الانتقالية أو فوز فريقٍ لا يتوفر على الشروط التي توافق عليها أعضاء الملتقى في جولة تونس، والمتمثلة في اختيار رئيس للمجلس الرئاسي من الشرق ونائبين له من الغرب والجنوب ورئيس وزراء من الغرب. ووفق هذه الآلية، فشل جميع المرشحين لرئاسة المجلس الرئاسي في الحصول على العدد المطلوب من الأصوات، في الجولة الأولى من التصويت، التي جرت في 3 فبراير 2021، على الرغم من أن كلًا من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، وعبد المجيد سيف النصر، تصدّروا الترتيب على مستوى أقاليم الشرق والغرب والجنوب.

كما كان متوقعًا، أدى فشل التصويت على الأفراد في حسم المنافسة إلى الانتقال إلى مرحلة التصويت على القوائم، حيث اشترطت الآلية التي أقرّتها بعثة الأمم المتحدة أن تضم كل قائمة أربعة مرشحين، وأن تستجيب تركيبتها لما تم التوافق عليه سابقًا في أن يكون الرئيس من الشرق ونائباه من الغرب والجنوب ورئيس الوزراء من الغرب. وأفضت التزكيات والتحالفات إلى تقدّم أربع قوائم للمنافسة في جولة الاقتراع التي جرت في 5 فبراير.

وشهدت المرحلة الثانية من الاقتراع انسحاب خالد المشري من السباق، على الرغم من حصوله على صدارة الترتيب على مستوى مرشحي المنطقة الغربية في الجولة الأولى، واجتماع أربع شخصيات مهمة في المشهد السياسي والعسكري الحالي في قائمة واحدة؛ هم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، وآمر المنطقة العسكرية الغربية أسامة الجويلي، والسياسي الجنوبي عبد المجيد سيف النصر.

ولم تفلح أي من القوائم الأربع المترشحة في الحصول على 60% من الأصوات؛ وهي النسبة المطلوبة للفوز في المرحلة الأولى من التصويت على القوائم، بينما حصلت القائمة التوافقية التي يرأسها عقيلة صالح على المرتبة الأولى، تليها القائمة التي يرأسها محمد يونس المنفي، وهما القائمتان اللتان خاضتا الجولة الأخيرة، وانتهت بفوز القائمة التي تضم المنفي رئيسًا، وعبد الله اللافي وموسى الكوني نائبين له، وعبد الحميد الدبيبة رئيسًا للوزراء.

وحتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان النتيجة النهائية للاقتراع، ظلت التوقعات تشير إلى فوز القائمة التي يرأسها عقيلة صالح، نظرًا إلى أهمية الشخصيات المترشّحة ضمنها، سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا؛ فعقيلة صالح، المنحدر من قبيلة العبيدات النافذة في المنطقة الشرقية، يتولى، منذ 2014، رئاسة مجلس النواب. أما فتحي باشاغا، المنحدر من مدينة مصراتة، فقد بات إحدى الشخصيات المتصدرة المشهدين، السياسي والأمني، في العاصمة والمنطقة الغربية، منذ تعيينه وزيرًا للداخلية في حكومة الوفاق الوطني، ويتمتع بتأثير قوي في عدد من التشكيلات الأمنية في العاصمة، في حين يعدّ اللواء أسامة الجويلي، المنحدر من مدينة الزنتان التي ترأس مجلسها العسكري منذ الثورة، شخصيةً عسكريةً بارزة في المنطقة الغربية، أدّت دورًا مهمًا في قيادة قوات حكومة الوفاق، إبّان الحرب التي شنتها قوات خليفة حفتر في عامي 2019 و2020.

 

دلالات اختيار القيادات الجديدة

ومثّل فشل القائمة التي يرأسها صالح وصعود القائمة التي يرأسها المنفي مفاجأة الجولة الأخيرة من الاقتراع، فجميع الشخصيات المرشحة ضمنها لم تكن من شخصيات الصف الأول في المشهدين السياسي والعسكري الليبي، ولم يعرف عنها أي انخراط مباشر في الصراع الدائر في البلاد، منذ عام 2014، ولم تكن لها مواقف منحازة إلى أحد طرفي النزاع خلال الحرب الأخيرة التي شنتها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس.

وينحدر محمد يونس المنفي من قبيلة المنفة في المنطقة الشرقية، وهي القبيلة التي ينحدر منها أيضًا قائد المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي في برقة في الثلث الأول من القرن العشرين عمر المختار، انتخب المنفي لعضوية المؤتمر الوطني العام في عام 2012، قبل أن ينشق عنه وينضم إلى تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل. لم تعرف عن المنفي نشاطات أو مواقف تذكر منذ الانقسام السياسي الذي تلا “عملية الكرامة” عام 2014، التي قادها حفتر، إلى حين تعيينه سفيرًا لليبيا لدى اليونان، والتي دعته إلى مغادرة أراضيها عقب توقيع حكومة الوفاق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا.

أما رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، فهو رجل أعمال منحدر من مدينة مصراتة، تولّى عدة مسؤوليات في مؤسسات اقتصادية كبرى زمن نظام معمر القذافي، ولم يعرف عنه أي انخراط مباشر في الشأن السياسي. وعلى الرغم من أنه أسس، منذ سنتين، تيارًا تحت مسمى “ليبيا المستقبل”، فإن انخراطه في العمل السياسي ظل محدودًا جدًا، ولم تكن له أي مواقف تذكر من الأحداث الجارية في البلاد.

وتشترك الشخصيات التي تم اختيارها لتشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا في نأيها عن الخوض في المشهدين السياسي والعسكري منذ عام 2014، وفي عدم انخراطها، على نحو مباشر، في النزاع الدامي الذي شهدته البلاد عقب هجوم قوات حفتر على المنطقة الغربية والعاصمة في عامي 2019 و2020، على الرغم من تولي بعضها مسؤوليات رسمية، سواء من خلال عضوية المجلس الرئاسي فترة محدودة (موسى الكوني) أو بالعمل في السلك الدبلوماسي التابع لحكومة الوفاق (محمد المنفي) أو عضوية مجلس النواب (عبد الله اللافي)، ما يجعلها أقرب إلى فريق تكنوقراط منها إلى حكومة سياسية، بحسب تقدير موقف للمركز العربي للأبجاث ودراسات السياسات، فبراير/ 2021.

 وإضافة إلى ذلك، يمثّل وجود اللافي المنحدر من الزاوية، وعبد الحميد الدبيبة المنحدر من مصراتة، كما سبق، ترضية للمدينتين اللتين كان لتشكيلاتهما العسكرية الدور المحوري في دحر قوات حفتر عن العاصمة والمنطقة الغربية، أما اختيار موسى الكوني، المنحدر من قبائل الطوارق في الجنوب، فيبدو رسالة ضمنية مفادها الحرص على الوحدة الوطنية بالانفتاح على جميع مكونات المجتمع الليبي وإثنياته في المرحلة الجديدة، وإشراكها في الحكم والمسؤوليات.

 

تحديات ما بعد اختيار السلطة  التنفيذية

وعلى الرغم من أن الاتفاق على السلطة التنفيذية يدشن لدخول ليبيا  لمرحلة نبشر بالاستقرار للشعب الليبي، إلا أن الفريق الجديد، غير المدعوم مباشرة من قوى وازنة على الأرض، سيواجه صعوبات كبيرة في المرحلة المقبلة، فالأوضاع مُلغّمة، والأمور  خاضعة لتسويات ليس من السهل تحقيقها، ليس فقط بين خصوم الداخل، بل بين أطراف خارجية تمسك بخيوط اللعبة. ومن أبرز التحديات التي تواجه السلطة  الجديدة:

حفتر:

فالجنرال خليفة حفتر المدعوم من قبل المحور الاماراتي المصري من غير المتوقع أن يقبل بأوضاع قد تخلو من فرض سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية في ليبيا، وذلك على الرغم من أنه هنأ بالنتائج المنبثقة من الحوار السياسي برعاية بعثة الأمم المتحدة عن طريق الناطق باسمه، اللواء أحمد المسماري، إلا أننا لن نستطيع أن ندفع عن أذهاننا استعداداته السابقة لإشعال ليبيا، في سبيل كسب معاركه، ولا يخفى أنه منذ إعلان الأمم المتحدة في 23أكتوبر 2020، عن توصل طرفي النزاع في ليبيا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ضمن مباحثات اللجنة العسكرية المشتركة في مدينة جنيف السويسرية، قامت ميلشيا حفتر بخرق هذا الاتفاق أكثر من مرة، واستمرت تحشيدات حفتر العسكرية، كان آخرها ما تم رصْده الخميس 4 فبراير  من تحشيداته في مدينة الجفرة.

وربما يعزز من تلك المخاوف، الصيغة التي علقت بها حكومة الشرق الليبي الموالية لحفتر على نتائج التصويت، حيث اشترطت من خلال تصريح لرئيسها عبد الرحمن الثني، مصادقة برلمان طبرق على الحكومة الجديدة لكي تسلم السلطة، وهي صيغة مقلقة، وهو نفس المنحى الذي سار عليه عقيلة صالح  رئيس مجلس النواب ، في أول خطاب له أمام أنصاره في شرق البلاد، حيث ألمح  إلى إمكانية عرقلة تشكيل الحكومة إلا “إذا سارت كما نريد نحن”.!! وإذا سلمنا بأن الأطراف الداعمة لحفتر (مصر والإمارات وروسيا) سوف تقبل بخروج الجنرال خارج المعادلة، فهل سيذعن هو لذلك، أم يدخل البلاد في فوضى جديدة بإشعال فتيل الحرب مرة أخرى؟

 

فتحي باشاغا:

وفي مقابل ملامح العرقلة التي لوح بها عقيلة صالح يوجد فتحي باشاغا في غرب البلاد وهو العضو الآخر في القائمة الخاسرة، وهو شخصية نافذة تمكن من ربط علاقات قوية مع أطراف إقليمية كالقاهرة وأنقرة رغم اختلافهما في بلاده، إضافة إلى ذلك “تواليه مجموعات مسلحة قوية في العاصمة طرابلس سبق أن ضغط بها على السراج حين أوقفه عن وظيفته وزيراً وأجبره على التراجع..

 

الإمارات ومصر:

ومن أبرز التحديات المرتقبة ، ورغم التصريحات الايجابية الخارجة عن العديد من الاطراف الاقليمية والدولية،إلا أن طرفي الإقليم اللذيْن تتنازع مصالحهما في ليبيا، وهما الإمارات ومصر، اللتان تدعمان حفتر من ناحية، وتركيا الداعمة لحكومة السراج السابقة من ناحية أخرى. فهل يتم التوافق بين الطرفين في إمضاء الأمور على مجراها الطبيعي، لحين الاستحقاقات الانتخابية واحترام نتائجها، من دون تعقيد؟

ورغم ما تم تداوله عن وجود توافق تركي مصري في الملف الليبي، إلا أن القبول بذلك تعترضه عقبة كؤود، وهي أن دعم مصر والإمارات لحفتر يرتكز على رغبة جامحة في ملاحقة آثار الربيع العربي، وتتبع وجود الإسلام السياسي في المنطقة، والدولتان في الوقت نفسه تتهمان تركيا بمساندة هذا التيار في ليبيا وغيرها، فهل تتخلى مصر والإمارات عن هذا الدور في ليبيا؟

فقبولهما بمخرجات الحوار السياسي مرهونٌ بمدى جدية الولايات المتحدة في إنهاء النزاع في ليبيا، وهو ما يصعب التكهن به، رغم وجود الدافع (الوقوف أمام النفوذ التركي في ليبيا) بالنظر إلى المناورات التي عرفت بها السياسة الأمريكية. وعلى الرغم من بيانات الترحيب الصادرة عن عدد من العواصم العربية، بانتخاب السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا ، إلا أن هناك تحركات من جانب تلك العواصم، في محاولة لاحتواء الموقف، بعد خسارة القوائم التي راهنوا عليها لتأمين مصالحهم في ليبيا.

ومثلت  خسارة القائمة التي كانت تدعمها القاهرة، والتي كان يقودها رئيس مجلس النواب في طبرق، عقيلة صالح، وتضم معه قائد المنطقة العسكرية الغربية أسامة الجويلي، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، بعد خسارة نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق في التصويت الفردي، كانت بمثابة الصدمة للدوائر المصرية المعنية بملف الأزمة الليبية، خاصة بعد وصول شخصيات تميل في توجهاتها إلى تركيا. بل هناك حالة من الغضب، داخل مؤسسة الرئاسة بعد فوز قائمة المنفي ودبيبة. ووفق مصادر موثوقة نقلت  عنها وسائل الاعلام العربية، اعتبر عبد الفتاح السيسي  ما حدث بمثابة انتصار كبير للسياسات التركية في ليبيا. إلا أن القاهرة ما زال في يديها أوراق، من شأنها ترويض السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، من عينة أن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر وقواته ما زالا ورقة ضغط كبيرة بالنسبة لكل من مصر من جهة والإمارات من جهة أخرى، لعرقلة الحكومة الجديدة حال أبدت مواقف معادية، أو متشددة تجاه مصالح الدولتين، أو أبدت انحيازاً واضحاً للمصالح التركية على حساب مصالح البلدين.

من جهة أخرى، رجحت المصادر المصرية أن تكون نتائج الانتخابات الجديدة دافعاً قوياً لتطوير العلاقات المصرية التركية، واتخاذها خطوات جديدة للأمام، ضمن محاولات القاهرة تأمين مصالحها، في وقت تقاطعت فيها تلك المصالح، مع مصالح الحليف الإماراتي، الذي ما زال يدعم حفتر للإقدام على عمل عسكري. ووفق تقارير لوكالة أنباء الأناضول، استبق  المسؤولون في جهاز المخابرات العامة  المصرية التصويت على القائمتين النهائيتين، بفتح قنوات اتصال مع دبيبة، في وقت كانوا يعتبرون أن القائمة التي يدعمونها صاحبة الحظ الأوفر، وزار دبيبة القاهرة أخيراً بدعوة من رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ضمن إطار جلسات الاستماع إلى رؤية المرشحين البارزين للمناصب التنفيذية.

 

 

 المرتزقة والقوات الاجنبية:

وبالتوازي مع اللقاءات والحوارات السياسية في جنيف، لا تزال اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5 تعقد لقاءاتها التي تهدف بالأساس إلى إخراج المقاتلين المرتزقة من ليبيا وفق بنود الاتفاق العسكري الموقع في 23 أكتوبر الماضي، وعلى الرغم من نهاية المهلة المقررة لذلك، تواصل اللجنة العسكرية الليبية المشتركة مطالبتها بـ”التنفيذ الفوري لإخراج كل المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا”، وهو ما يطرح سؤالاً عن أسباب تعثر تنفيذه، وبالتزامن مع ذلك، نشرت شبكة CNN الأمريكية قبل أيام صوراً لأقمار صناعية تُظهِر بناء مرتزقة فاغنر خندقاً ضخماً بين مدينتي سرت والجفرة وسط ليبيا، يمتد لعشرات الكيلومترات وتدعمه سلسلة من التحصينات المعقدة، ولا يتوقف وجود المقاتلين الأجانب على مجموعات “فاغنر”، فبالإضافة إليهم هناك إلى جانب مليشيات اللواء خليفة حفتر مئات المرتزقة من “الجنجويد” السودانية ومن مقاتلين أفارقة وسوريين موالين لنظام الأسد.

وفي السياق نفسه نشرت عملية بركان الغضب قبلها بأيام صوراً تُظهِر تحليقاً مكثَّفاً من طائرات “ميغ-29” في سماء منطقة الجفرة (وسط ليبيا)، مشيرة إلى أنّ هذه الطائرات الحربية كانت تتولى حماية طائرات شحن روسية تنقل المرتزقة من “الجنجويد” من مدينة سرت إلى قاعدة الجفرة حيث تعارض هذه التحركات اتفاق اللجنة العسكرية المشتركة، وتقول مجلة “فورين بوليسي” في تقرير لها بعنوان “الصراع في ليبيا أصبح أكثر فوضوية”، إن تقرير الأمم المتحدة الجديد يذهب الى أن الإمارات العربية المتحدة فتحت خطوط اتصال مباشرة مع الجماعات السودانية المسلحة التي تقاتل في حرب الوكالة الليبية دفاعاً عن أمير الحرب خليفة حفتر، وهو ما قد يزيد تعقيد المشهد.

وينصّ البند الثاني في الاتفاق العسكري على إخلاء جميع خطوط التماس في سرت والجفرة وسط البلاد، من الوحدات العسكرية والمجموعات المسلحة بإعادتها إلى معسكراتها، تزامناً مع خروج جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية “براً وبحراً وجواً في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ التوقيع على وقف إطلاق النار”، بالإضافة إلى “تجميد العمل بالاتفاقيات العسكرية الخاصة بالتدريب في الداخل الليبي، وخروج أطقم التدريب“.

 

انقسامات مجلس النواب:

ومن أبرز التحديات المستقبلية،  الانقسام الحاد بمجلس النواب، حيث  لم تفلح بيانات ومواقف الترحيب المحلي والدولي بالإعلان عن سلطة سياسية موحدة لليبيا في تبديد المخاوف بشأن الانقسام الذي يعيشه مجلس النواب، والذي يمكن أن يكون حجر عثرة دون حصول الحكومة الجديدة على الثقة لمباشرة أعمالها، وعقب انتخاب السلطة السياسية الموحدة، تبادل عدد من النواب التصريحات، لوسائل إعلام ليبية، وقد تباينت فيها الدعوة لعقد جلسة مجلس النواب، لمنح الثقة للحكومة الجديدة، بين طبرق وطرابلس، تبعا للانقسام الذي يعيشه المجلس، منذ إبريل الماضي، على خلفية جدل أثارته مباركة رئيس مجلس النواب في طبرق، عقيلة صالح، للحرب التي شنها خليفة حفتر على طرابلس.

وفي الأثناء، برز طرف ثالث أعلن عن بدء مشاورات لعقد الجلسة في مدينة صبراته، غرب البلاد، فيما استبق رئيس مجلس النواب، المجتمع في طبرق، عقيلة صالح، الخطوة، بدعوة أعضاء المجلس لـ”جلسة تشاورية”، يوم الاثنين المقبل، “ستعقد بمقر المجلس في مدينة طبرق، وقال عقيلة صالح إن “الجلسة ستخصص لوضع الترتيبات اللازمة للنظر في منح الحكومة الثقة فور تقديم تشكيلتها لتتمكن من مباشرة المهام الملقاة على عاتقها”، بحسب بيان نشر على الموقع الرسمي للمجلس ليل الاثنين الماضي، لكن عضو مجلس النواب، محمد الرعيض، أكد أن أكثر من 100 نائب توافقوا على عقد الجلسة في مدينة صبراتة، غرب طرابلس، معللا الخطوة بأنه “لا يمكن لكل النواب الذهاب إلى بنغازي أو طبرق وممارسة دورهم بحرية ودون أي ضغوط تمارس عليهم”، مشيرا إلى أن صبراته مدينة محايدة وتتوفر فيها الظروف الأمنية، كما أنها محاذية لمطار مدينة زوارة، وأكد الرعيض، خلال حديثه لـ”العربي الجديد”، على ضرورة التئام أعضاء مجلس النواب، مرجحا أن جلسة مجلس النواب ستنعقد في الـ15 من الشهر الجاري بنصاب لن يقل عن 120 نائبا.

وحول دعوة عقيلة صالح للجلسة، الأسبوع المقبل، قال: “عقيلة دعا في السابق لجلسات تشاورية لأنه يدرك أن النصاب لن يتوفر فيها ودعوته لجلسة الأسبوع المقبل فقط التشويش على خطوة النواب باتجاه تغيير رئاسة المجلس واستبعاده، ووفقاً للمحاصصة المناطقية التي قامت عليها انتخابات ملتقى الحوار السياسي، يرى الرعيض أن تكون رئاسة مجلس النواب لـ”الجنوب، فرئيس المجلس الرئاسي الجديد من الشرق ورئيس الحكومة من الغرب.

 

ويتوجب على رئيس الحكومة الجديدة، عبد الحميد الدبيبة، تقديم تشكيلته الحكومية في غضون ثلاثة أسابيع من تاريخ انتخابه، أي قبل الـ26 من الشهر الجاري، لمجلس النواب لمنحها الثقة خلال ثلاثة أسابيع أيضا، أي قبل 19 مارس المقبل، لكن ناجي صاديق رئيس حزب “ليبيا الديمقراطية”، يرى أنه من الصعب أن يلتئم مجلس النواب في ظروف تزايد انقساماته قبل هذا التاريخ، وفق تصريحاته لـ“تي أر تي بالعربي”.

ويبدو أن البعثة الأممية تدرك عمق أزمة مجلس النواب ولذا قدمت البديل، فبعد إعلانها عن انتخاب السلطة الجديدة، قالت الرئيسة السابقة للبعثة، ستيفاني وليامز: “على مجلس النواب اتخاذ الخطوات اللازمة لاعتماد السلطة الجديدة”، في مدة لا تتجاوز 21 يوما، وإلا “سيعود القرار في هذا الشأن لملتقى الحوار السياسي“.

 

ترتيبات الوضع الداخلي

وتنتظر السلطة الجديدة الممثلة في المجلس الرئاسي والحكومة ملفات هامة بعد منحها الثقة من مجلس النواب، من بينها إيجاد قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وطرح الدستور للاستفتاء عليه من الشعب وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد، ويرى محللون وسياسيون أن شخصيات الفريق الرئاسي والحكومي الجديد ملزمون بالتعامل مع القوى المحلية الفاعلة على الأرض، والتحالف مع أطراف إقليمية ودولية لتنفيذ الالتزامات في الوقت المحدد ومنع أي عرقلة لمهام الحكومة، كما حدث لحكومة الوفاق الوطني.

وإلى جانب ما سبق، يتواجه الليبيون  والسلكة المستقلة بترتيبات “إنهاء النزاع”، و”إجراء الانتخابات على أسس ديمقراطية”، و”العمل مع الجميع باختلاف أفكارهم ومكوناتهم وأطيافهم ومناطقهم”، و”حل مشكلة الكهرباء والسيولة”، و”حصر السلاح في يد الدولة”، و”انتهاج التعليم والتدريب سبيلًا إلى الاستقرار”، و”خلق وظائف للشباب”، و”تطوير العلاقات مع دول الجوار”.

 

وماذا بعد؟

وعلى أية حال ، فإنه رغم التحديات نحو الوصول لسلام شامل في ليبيا، فإن الهدف الأساس لخارطة الطريق الليبية، هي الوصول  للانتخابات الشاملة وكان جميع المرشحين لمناصب الرئاسة وقعوا خلال ملتقى الحوار الوطني الليبي على تعهد بالالتزام الكامل لنتائج التصويت وإجراء الانتخابات في أواخر العام الجاري، الذي يتضمن “الالتزام التام لخارطة الطريق التي اعتُمدت في تونس نوفمبر 2020، وإجراء الانتخابات في 24ديسمبر 2021، والتزام نتائج التصويت لأعضاء ملتقى الحوار السياسي”. كما شمل التعهد “مراعاة المرشح في تشكيل الحكومة معايير الكفاءة والجدارة والتمثيل العادل للتنوع السياسي والجغرافي ومشاركة المكونات الثقافية والمرأة والشباب، على أن لا يقل تمثيل النساء عن 30% من المناصب القيادية”.

وعلى أثر إعلان رئيسة البعثة الأممية للدعم في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، نتيجة التصويت، قالت إن على رئيس الحكومة الجديدة “تشكيل حكومته في غضون 21 يوماً، وتقديمها لمجلس النواب للتصديق عليها في عضون 21 يوماً أخرى”، وفي حال فشله في ذلك تعود المبادرة بصفة مباشرة إلى ملتقى الحوار الوطني كسلطة أصلية.

والسلطة التنفيذية المؤقتة ذات اختصاصات محددة حسب خارطة الطريق الموقعة في تونس، ومهمتها الأساسية إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر 2021، وهو ما يؤكده المحلل السياسي عبد الله الكبير لـ”الجزيرة نت” أن اختيار السلطة الجديدة كان موفقا لخلوها من الشخصيات الجدلية المرفوضة من قطاعات متعددة من الشعب، ومن بعض الأطراف العسكرية والسياسية. ومن ثم يتوقف تنفيذ خارطة الطريق المحددة من الأمم المتحدة على جدية القوى الدولية في دعم السلطة الجديدة ومساعدتها في الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، كما أن تعاون المؤسسات والقوى المحلية مع الحكومة الجديدة، وعدم وضع عراقيل أمامها، يسهل مهمة السلطة الجديدة في التواصل مع الأطراف المحلية والدولية.

ولعل ما يساعد على التواصل الفاعل، أن السلطة الجديدة مشكلة من شخصيات ليس بينها عداء أو خصام مع أي طرف، وبالتالي لا توجد أية مواقف مسبقة يمكن أن تؤثر في قدرتها على التواصل مع كل القوى واستمالتها لإنجاح جهودها عبر المرحلة التمهيدية للانتخابات.

 

 

المسارات العسكرية والاقتصادية والدستورية

ورغم انتهاء المسار السياسي إلى تشكيل سلطة تنفيذية، إلا أن مسارات أخرى، مهمة لترسيخ التوافق على الإطار السياسي للمرحلة الانتقالية، لا تزال مفتوحة وتواجه تعثراً وهي المسارات العسكرية والاقتصادية والدستورية، وقطعت اللجنة المالية المشتركة، المؤلفة من مسؤولين من وزارتي المالية بحكومتي البلاد، أشواطاً في المسار الاقتصادي، خصوصاً في ما يتعلق بإعداد ميزانية موحدة وتعديل صرف الدينار الليبي والمشاركة في مباحثات لتوحيد إدارتي البنك المركزي، والأهم منه الاتفاق على إعادة فتح الحقول والموانئ النفطية، وذلك في سبتمبر الماضي.

 لكن كل ذلك، بحسب رأي عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، محمد التومي، يتهدده الفشل إذا لم يتم إنجاز المسار الدستوري فمن دون ترتيبات دستورية لن تنجح المرحلة التمهيدية في الوصول إلى الانتخابات المقررة نهاية العام الجاري والتي تعد من أهم استحقاقات المرحلة، ويبقى أمام المبعوث الجديد مهمة رئيسية تتمثل في ضرورة استئناف مفاوضات المسار الدستوري لتجاوز نقاط الخلاف، والوصول إلى مسودة الدستور لتمريرها للاستفاء، وتتمثل أهمية هذه الخطوة في كون “الدستور الضامن الوحيد لانتهاء الفترة الانتقالية إذ تحمل السلطة الجديدة صفة التمهيدية للمرور إلى المرحلة الدائمة وفق الدستور الدائم“.

وحول إعلان أعضاء المسار الدستوري عن اتفاقهم على الاستفتاء على الدستور، في الغردقة المصرية منتصف الشهر الماضي، حيث جرى الاتفاق المبدئي وينتظر استئناف المفاوضات الدستورية للنظر في النقاط الخلافية في مسودة الدستور قبل تمريره للاستفتاء، وهو ما يحمل العديد من القنابل الموقوتة، لأن “بنود مسودة الدستور منها ما يهدد أهم استحقاقات المرحلة المقبلة مثل إسناد إعداد قانون الانتخابات لمجلس النواب وهو المجلس نفسه الذي عرقل الاستفتاء على المسودة المنجزة منذ عام 2017″، بالإضافة لبنود أخرى تتصل بعائدات الثروة، ولا نص فيها لتوزيعها على أقاليم البلاد الثلاث، وهو المطلب الذي تتمسك به بعض الأطراف حالياً، وكان من أسباب الصراع والاقتتال.

وتبقى الأيام المقبلة المحك الأساس لاختبار التفاهمات السياسية والدستورية والعسكرية والاقتصادية الجارية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تصاعد الدعم الاقليمى والدولى لحكومة الوحدة الوطنية فى ليبيا وسط مجموعة من التحديات

  عقب أداء حكومة الوحدة الوطنية الليبية اليمين القانونية أمام مجلس النواب في 15 مارس …