‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الدولة والألتراس في مصر.. عن السلطة والتحول الديمقراطي وسيادة القانون
مصر - فبراير 17, 2021

الدولة والألتراس في مصر.. عن السلطة والتحول الديمقراطي وسيادة القانون

 

 

للمرة الأولى، منذ وقوع الحادث في 8 فبراير 2015، يحيي نادي الزمالك ذكرى وفاة 20 من مشجعيه، في أحداث ملعب الدفاع الجوي، بعد سنوات من التجاهل، وقد صرح النادي في رسالة مصورة، قائلاً “أبداً ما نسينا، وأبداً لن ننسى ما حيينَا.. طِبتم وطَابَ مثواكُم؛ رسالة فارس الزمالك إلى شهدائنا فى ذكراهم السادسة”، كما ارتدى لاعبو فريق الزمالك قمصانا كتب عليها الرقم 20 قبل مباراتهم، أمام الاتحاد السكندري في الدوري الممتاز، تخليدا لذكرى مشجعيه، كذلك قررت اللجنة المكلفة بإدارة نادي الزمالك برئاسة عماد عبد العزيز حلمي، بإقامة حفل تأبين لضحايا المذبحة للمرة الأولى[1].

وقد لاقت رسالة نادي الزمالك تفاعلا واسعا من مشجعي النادي، واستنكر عدد منهم دور رئيس النادي السابق مرتضي منصور فى تجاهل تلك الذكرى على مدار السنوات الست الماضية وعدم المطالبة بمحاسبة الجناة، كما حملوه المسؤولية عن الحادث، وطالبوا بمحاكمته، تصدر وسم (#رحم_الله_العشرين) قائمة التفاعلات على مواقع التواصل في مصر، واستذكر الناشطون من خلاله الذكرى المؤلمة مطالبين بالقصاص للضحايا، ومحاسبة “الجناة الطلقاء” الذين حرضوا على الجماهير آنذاك[2].

وقع حادث مصرع قرابة عشرين من جماهير الزمالك، أثناء محاولتهم دخول ملعب أستاد القاهرة لمساندة فريقهم أمام إنبي -كانت التذاكر محدودة لاعتبارات أمنية، وكان هذا موسم الدوري الأول الذي سمح فيه لمشجعين بحضور المباريات منذ وقعت أحداث مشابهة في استاد بورسعيد عام 2012 وأودت بحياة 74 شخصا- لكن قوات الأمن حاصرتهم بين بوابات امدرج المغلقة والقفص الحديدي الذي نصب قبل المباراة بيوم واحد، فلم تترك لهم فرصة الرحيل، كما لم تسمح لهم بالدخول، وألقت عليهم قنابل الغاز، ما أدى إلى مصرعهم؛ إما تحت القفص الحديدي الذي سقط عليهم، أو نتيجة الاختناق، أو التدافع أثناء محاولة الخروج من الحصار المفروض عليهم[3].

أما عن السياقات التي واكبت إحياء نادي الزمالك لذكرى مصرع 20 من جماهيره للمرة الأولى؛ فهي، رحيل مرتضى منصور عن القلعة البيضاء، وقد تزامنت مع رفض القضاء الإداري الطعن المقدم من مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك السابق ضد قرار وزارة الشباب والرياضة بتجميد عضويته[4]، والربط بين رحيل مرتضى وأحياء الذكرى يعود للاتهام الموجه من جماهير “زملكاوية” لمرتضى منصور بمسئوليته عن الحادث، كما يرجع للعلاقة المتوترة دائما بين “منصور” وروابط مشجعي نادي الزمالك “وايت نايتس”[5].

 

السلطة والرغبة المحمومة في السيطرة:

يردنا احتفال النادي الزمالك للمرة الأولى بضحايا أحداث الدفاع الجوي، إلى مسألة أبعد وهي علاقة الدولة في مصر بروابط المشجعين “ألتراس”، وهي بدورها تعيدنا إلى مسألة أبعد وهي علاقة الدولة بالقوى الفاعلة، المنظمة والنشطة، حتى وإن كانت بعيدة عن المجال السياسي، وجل اهتمامها بالكرة والتشجيع؛ لكن يبدو أن السلطة ترفض وجود أية قوة فاعلة ومستقلة عنها حتى وإن كانت غير مسيسة. وجوهر المسألة: أن السلطة –أي سلطة- مسكونة بالسيطرة، السيطرة على كل شيء، على الناس وعلى الموارد والأشياء، وفي مسعاها للسيطرة لا يكبلها سوى سيادة القانون أو قوى سياسية قادرة على مجابهة رغبة السلطة المحمومة للسيطرة، مع التذكير بأن سيادة القانون مرهون بوجود قوى قادرة على الدفاع عن سيادة القانون واستقلال السلطة القضائية، أما في حال غياب هذه القوى تصبح مسألة وقت وتسيطر الدولة على سلطة القضاء وتروض القانون بحيث يصبح معبر عن إرادتها في القمع والسيطرة والتأميم. لذلك فالتحول الديمقراطي، ومن قبله محاولات التغيير سواء كانت بطيئة أو ثورية، بالإضافة إلى منظومة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، ومن قبلهم مسألة الفصل بين السلطات، كل هذه محاولات للحيلولة دون شهية السلطة التي لا تشبع للسيطرة والقمع.

وفي مصر، تعتقد الدولة منذ 2013 أن فتح المجال العام لظهور قوى غير خاضعة بصورة كاملة لسلطة الدولة يترك المجال مفتوح للاضطرابات والاحتجاجات التي قد تطيح بالنظام السياسي القائم، وأن وجود قوى منظمة ولها فاعلية فيه تهديد على استقرار النظام القائم، حتى لو كانت هذه القوى الفاعلة روابط مشجعين “ألتراس”، يكفي فقط أن يقرر قادة هذه الروابط توجيه جهودهم في إتجاه المعارضة السياسية عندها يصبحون بشكل مباشر مصدر خطورة كبيرة على النظام القائم. لذلك تلجأ الدولة في مصر للتشريعات القانونية وللاجراءات الأمنية ولغيرها من السياسات للحيلولة دون ظهور أي قوى جديدة فاعلة هذا من جهة، وإما السعي الجاد لتفكيك القوى الموجودة والفاعلة، أو إختراقها والسيطرة عليها هذا من جهة أخرى، لا تفرق هذه السياسة بين روابط الألتراس وجماعة الإخوان المسلمين أو أي قوى أخرى ذات فاعلية وحضور في الشارع.

والدولة التي تسعى لتأميم المجال السياسي في مصر، في سعيها للتخلص من القوى التي ترى فيها عدو متوقع، تستخدم حملات التشويه والشيطنة تمهيداً للتخلص من هذه القوى ولتجهيز المجتمع لتقبل ذلك، الغريب أن كثيرون من المحسوبون على قوى الثورة والمعارضة يتبنون في تصورهم ورؤيتهم عن مجموعات الألتراس نفس سردية الدولة وتصوراتها.

 

السلطة والألتراس والملعب كمساحة للتنافس:

ظهرت روابط الألتراس في مصر منتصف عام 2007، وطوال سنوات ما قبل الثورة ظل نشاطها العام الأساسي مرتبط بالتشجيع في المدرجات، فالملاعب هي المساحة الوحيدة للعمل في المجال العام بالنسبة للألتراس. لكن مع ذلك ظلت مشكلة مجموعات الألتراس مع السلطة، سواء سلطة الدولة أو سلطة الأندية التي تشجع مجموعات الألتراس فرقها الرياضية، أن العماد الأساسي للألتراس هو التمرد على أنماط التشجيع التقليدية، فالتشجيع بالنسبة لهم ليس مجرد حب النادي أو متابعة مبارياته من أمام شاشة التلفاز، أو الارتباط بروابط المشجعين التي كانت سائدة قبل ظهورهم، وكانت مرتبطة بمجالس إدارات الأندية ولا تخرج عن حظيرة طاعة هذه الإدارة أو المساحة التي رسمتها لها، إنما تقوم فكرة التشجيع في عقلية الألتراس او الـ Mentality على الاستقلال عن قيود مجالس إدارات الاندية، والإبداع الصوتي والبصري في المدرج، والترحال وراء النادي في كل مباراة له حتى لو كانت خارج حدود الدولة، فضلاً عن التشجيع المستمر طوال مدة المباراة سواء كان الفريق خاسراً أو فائزاً، فالأمر الأهم لعضو الألتراس هو التشجيع.

هذه الطبيعة المتمردة وغير المدجنة لروابط المشجعين “ألتراس”، هي التي خلقت هذا التوتر في العلاقة بين هذه الروابط الشبابية التي يتراوح متوسط أعمار أفرادها ما بين 15-20 عاماً وبين السلطة، سواء سلطة النادي أو سلطة الدولة. ومن الجدير بالذكر أن هذا التوتر في العلاقة بين مجموعات الألتراس وسلطة الدولة متمثلة في رجال الشرطة ليس قاصراً على مصر، فيكفي أن نعرف أن الشعار الأبرز الذي تشترك فيه كل مجموعات الألتراس حول العالم هو “كل الشرطة اوغاد” (All Cops Are Bastards) (A.C.A.B) فهناك عداء غير طبيعي بين مجموعات الألتراس وعناصر الشرطة.

يبقى الملعب هو مساحة الصدام التي تكاد أن تكون الوحيدة بين السلطة ومجموعات الألتراس، فالألتراس تعتبر الملاعب هي المساحة التي تعبر فيها عن انتمائها للأندية التي تشجعها وتكشف فيها عن قدراتها الابداعية في التنظيم والتشجيع، بينما نجد أن السلطات المصرية في سعي دائم للسيطرة على جميع المساحات، وفرض هيمنتها على جميع الفضاءات حتى الملاعب، بالتالي حدثت الصدامات بين الجانبين على مسألة أيهما أجدر بالسيطرة على الملاعب، سلطة الأمن التي تنشد الهدوء والنمطية والامتثال، أم روابط الألتراس التي تنشد التعبير المتمرد والمبدع عن الانتماء للنادي.

وقد نجم عن محاولات السلطة استعادة السيطرة على الملاعب، حادثة استاد بورسعيد التي راح ضحيتها 74 شخص من مشجعي النادي الأهلي، في فبراير 2012، في ظل حكم المجلس العسكري[6]، وحادثة استاد الدفاع الجوي، التي وقعت في 8 فبراير 2015، في ظل حكم السيسي، وراح ضحيتها 20 شخصاً من مشجعي نادي الزمالك[7]. كما نجم عنها قرار إقامة مباريات كرة القدم في مصر بدون جمهور[8]؛ للتخلص من “صداع” الجماهير ومجموعات الألتراس.

 

الخاتمة:

بقي أن نقول أن استعادة المجال العام واسترداد المجتمع لفاعليته ليس مرتبطاً بالضرورة بوجود هامش حركة للمعارضة السياسية، إنما هو مرتبط أكثر بوجود هامش للحركة أمام المجتمع غير المسيس، وقد أكدت ثورة يناير أن الجماهير تسبق النخبة في الثورات وليس العكس.

 

—————————————-

[1] الجزيرة مباشر، لأول مرة.. الزمالك المصري يحيي ذكرى ضحايا ملعب الدفاع الجوي (فيديو)، 8 فبراير 2021، الرابط: http://bit.ly/3qhZpuz

[2] الجزيرة مباشر، “رحم الله العشرين”.. مصريون يحيون ذكرى ضحايا ملعب الدفاع الجوي، 7 فبراير 2021، الرابط: http://bit.ly/3daIre0

[3] المصري اليوم، بالفيديو.. 10 مشاهد تكشف «المتورط» في «كارثة استاد الدفاع الجوي»، 10 فبراير 2015، الرابط: http://bit.ly/37sV807

[4] العربي الجديد، في ذكرى مذبحة “الدفاع الجوي”… جماهير الزمالك تحتفل بإقصاء مرتضى منصور، 7 فبراير 2021، الرابط: http://bit.ly/3rRcGKV

[5] مصر العربية، في الذكرى الأولى.. 5 أسباب أدت إلى مذبحة الدفاع الجوي، 8 فبراير 2016، الرابط: http://bit.ly/3agOMT0

[6] BBC عربي، تسلسل زمني لقضية “مجزرة بورسعيد”، 20 فبراير 2017، الرابط: http://bbc.in/2ZioWYx

[7] الجزيرة مباشر، لأول مرة.. الزمالك المصري يحيي ذكرى ضحايا ملعب الدفاع الجوي (فيديو)، 8 فبراير 2021، الرابط: http://bit.ly/3qhZpuz

[8] اليوم السابع، تعرف على القصة الكاملة لعودة الجمهور للملاعب منذ 5 سنوات وحتى الآن، 6 فبراير 2018، الرابط: http://bit.ly/2NohBUH

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعدام 17 معتقلا سياسيا بقضية كرداسة..  مغزى التوقيت بين الرسائل والدلائل

      لعامل التوقيت في تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 معتقلا سياسيا في قضية “اقت…