‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين لقاء الفصائل الفلسطينية فى القاهرة: الدوافع والنجاحات والتحديات
فلسطين - فبراير 17, 2021

لقاء الفصائل الفلسطينية فى القاهرة: الدوافع والنجاحات والتحديات

 

 

استضافت القاهرة، فى 8 و9 فبراير الجارى، جلسات الحوار الوطني الفلسطيني، بمشاركة 14 فصيلاً، على رأسها حركتا “فتح” و”حماس”، حول ترتيبات تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية للمرة الأولى منذ 15 عاماً، وذلك عقب اصدار الرئيس الفلسطينى محمود عباس مرسومًا، فى 15 يناير 2020، بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطنى بالتتابع.

 

أولًا: ما هى الدوافع التى تقف خلف هذا اللقاء؟:

يبدو أن هذا اللقاء ما كان ليحدث لولا تواجد تطورين رئيسيين هما:

الأول: أن هناك إدارة أمريكية جديدة هى إدراة جو بايدن، لديها مقاربة معروفة تجاه السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، جوهرها مخالفة مواقف الإدارة السابقة بقيادة ترامب المنحازة لإسرائيل بالكامل، والالتزام بحلّ الدولتين، ووقف الاستيطان، ودعم إيجاد حلول “مُرضية” لقضية اللاجئين، وتخفيف الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية لتأمين انخراطها بمفاوضات جديدة مع إسرائيل، وتأمين الدعم الدولي لكلّ ذلك عبر الرباعية الدولية والفاعلين الإقليميين في المنطقة، خاصة بعد دخول اللّاعبين العرب الجدد، الذين وقّعوا اتفاقات سلام مع إسرائيل، ومن المؤكد أنّ عددهم سيكون بازدياد في المدى المنظور.

التطور الثانى: حدوث تغيرات دراماتيكية متسارعة فى الاقليم، عنوانها تبريد الملفات الساخنة، كان من بين عناوينها المصالحة الخليجية بين قطر وجيرانها، وتلك التحوّلات التي تشهدها تركيا بخفض التصعيد في سوريا وليبيا وفي شرق المتوسط، ويتردّد أنها قطعت أشواطاً بمصالحات مع السعودية ومصر والإمارات. أما إيران، فقد تمّ اختزال الخلافات العميقة بينها وبين الإدارة الأمريكية الجديدة في الإجابة عن سؤال من أين نبدأ؟ رفع العقوبات أوّلاً، أم التزامات إيرانية أوّلاً ثمّ رفع العقوبات؟[1].

وفيما يتعلق بأهداف الأطراف المشاركة فى اللقاء، يمكن توضيحها كما يلى:

1- مصر: تسعى القاهرة إلى إعادة ترميم تداعيات انتخابات 2006 التي جاءت بحماس الى الحكم، مع رؤية واقعية لدى السلطات المصرية اليوم تعترف بقوة وحضور لحماس لا يمكن تجازوه، لكن القاهرة  تفضل تحجيمها، اذا استطاعت فتح تجاوز أزمتها الداخلية، لهذا سيكون على اجندة الحوار الخفية، مواصلة القاهرة جهودها وضغوطها من اجل اقناع قيادة فتح الذهاب للانتخابات في قائمة موحدة تعتمد على تسوية توافقية بين التيار الإصلاحي التابع لمحمد دحلان، وفتح برئاسة محمود عباس، تؤدي لنتائج تحافظ على تفوق حركة فتح في انتخابات المجلس التشريعي، على أن يتم النظر لاحقًا في إمكانية الاستمرار بمراحل الانتخابات الأخرى، مع عدم تحمس الوسيط المصري الوصول إلى محطة المجلس الوطني وإعادة تشكيل منظمة التحرير، لأن الفيتو العربي لا يزال حاضرًا ضد مشاركة حماس والجهاد في المنظمة، كما أن خطط استئناف مسار المفاوضات مع الاحتلال تتعارض مع ذلك[2].

وفى هذا السياق، تقوم كلًا من مصر والأردن بممارسة ضغوط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أجل التصالح مع دحلان المطرود من حركة فتح والمقيم حاليا في الإمارات، وتريدان أن تتم هذه المصالحة قبل الانتخابات لتلافي فوز حركة حماس. وكانت زيارة مديري المخابرات الأردنية والمصرية ( احمد حسنى وعباس كامل)، فى 17 يناير الماضى، إلى رام الله ولقاءهما الرئيس محمود عباس، تصب في هذا الإطار، حيث أن الزيارة كانت بعد يومين فقط من صدور المراسيم الرئاسية بإجراء الانتخابات الثلاثة: التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.

ويبدو أن ذلك، جزء من المخطط المدعوم من قبل كل من مصر والأردن والإمارات وإسرائيل، على إدخال دحلان وتياره إلى الحياة السياسية، والمشاركة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهو ما ربما يؤدي إلى سحق حماس، كما أنه سيمهد لتصدر دحلان الحياة السياسية وقيادة فتح والسلطة في مرحلة قادمة[3].

2- حركة فتح: تسعى إلى حصر حوار القاهرة في البعد الفني والاجرائي والقانوني لانتخابات المجلس التشريعي، وستحرص حركة فتح على أن تؤدي مخرجات الحوار إلى المضي في انتخابات تضمن تجديد شرعيتها، على الأقل في اطار المجلس التشريعي والرئاسي، كي يتمكن الرئيس محمود عباس وفريقه تقديم أوراق الاعتماد مجددًا للمجتمع الدولي، كما ستسعى فتح تقديم حوافز تشجيعية لحركة حماس وبعض الفصائل، لإقناعها بصيغ توافقية، وترحيل ملفات الخلاف إلى محطة تشكيل الحكومة، وهي محطة ستحاول من خلالها دفع حركة حماس الاقتراب من مربعها السياسي، مقابل مساحة من الشراكة المحدودة بسقف مقبول لدى دول الإقليم الأساسية والمجتمع الدولي، خصوصًا الإدارة الامريكية.

3- حماس: ترى حماس في الحوار الوطني فرصة لتشكيل جبهة وطنية، تضم أوسع تمثيل فصائلي، يفرض رؤيته على تيار التسوية السياسية، وينهي حالة الاحتكار للقرار الفلسطيني، كذلك ستسعى حماس عبر الحوار انتزاع مواقف واثمان من السلطة وحركة فتح، توسع هامش المناورة أمامها من خلال تخفيف اعباءها، سواء تلك المثقلة بقبضة حديدية في الضفة الغربية والمتماهية مع الاحتلال، إلى جانب تفكيك حلقات أوسع من الحصار على غزة، تتيح للحركة التفرغ لتركيز جهودها على تعزيز جهود وبنية المقاومة[4]. وفى هذا السياق، فقد أعلنت السلطات المصرية، فى 9 فبراير 2021، فتح معبر رفح “لأجل غير مسمى”، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات[5].

4- باقي القوى والفصائل: فستحرص خلال الحوار على رفع قيمتها ووزنها السياسي أمام الفصيلين الكبيرين (حماس فتح)، حيث ستسجل بعضها حضورًا باعتبارها رقمًا جديدًا في معادلة التمثيل والتأثير في القرار الفلسطيني، سواء من خلال المشاركة المباشرة في الانتخابات، أو من خلال التوافقات والصفقات الجانبية، فيما تسعى أخرى الحفاظ على وجودها بالحد الأدنى، وتجنب خطر الغياب أو الانزواء، نتيجة متغيرات الهندسة السياسية للخريطة الوطنية الفلسطينية[6].

 

ثانيًا: ما الذى تم الإتفاق عليه فى هذا اللقاء؟:

وقد اتفق المجتمعون على مجموعة من النقاط، تتمثل أهمها فى:

1ـ الالتزام بالجدول الزمنى الذى حدده مرسوم الانتخابات التشريعية والرئاسية، مع التأكيد على إجرائها فى مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، دون استثناء، والتعهد باحترام وقبول نتائجها.

2ـ تشكيل محكمة قضايا الانتخابات، بالتوافق من قضاة من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وتتولى هذه المحكمة حصرا دون غيرها من الجهات القضائية، متابعة كل ما يتعلق بالعملية الإنتخابية ونتائجها والقضايا الناشئة عنها، ويصدر الرئيس الفلسطينى مرسوماً رئاسياً بتشكيلها وتوضيح مهامها إستناداً لهذا التوافق وطبقاً للقانون.

3ـ تتولى الشرطة الفلسطينية “دون غيرها”، فى الضفة الغربية وقطاع غزة بزيها الرسمى تأمين مقار الانتخابات.

4ـ إطلاق الحريات العامة وإشاعة أجواء الحرية السياسية، والإفراج الفورى عن كل المعتقلين على خلفية فصائلية أو لأسباب تتعلق بحرية الرأى، وضمان حق العمل السياسى والوطنى للفصائل الفلسطينية كافة فى الضفة الغربية وقطاع غزة، والتوقف عن ملاحقة المواطنين على خلفية الانتماء السياسى أو الرأى بما يوفر بيئة ملائمة لإجراء إنتخابات نزيهة.

5ـ معالجة إفرازات الإنقسام بكل جوانبه الإنسانية والاجتماعية والوظيفية والقانونية، على أسس وطنية شاملة وعادلة وخالية من كل مظاهر التميز الجغرافى والسياسى، من خلال لجنة يتم تشكيلها للتوافق، وتقدم تقريرها للرئيس الذى يحيلها لحكومة ما بعد الانتخابات للمجلس التشريعى للتنفيذ[7].

 

ثالثًا: ما هى التحديات التى يمكن أن يقابلها الإتفاق؟:

ولكن هناك مجموعة من التحديات التى قد تؤدى إلى افشال ما تم الاتفاق عليه، منها:

1- اختلاف حماس وفتح حول الهدف من اللقاء، ففى حين ترى فتح أن الهدف من لقاء القاهرة هو التركيز فقط على كيفية إجراء الإنتخابات كمدخل وحيد لإنهاء الانقسام والشراكة السياسية، دون الدخول فى مناقشات حول القضايا الخلافية الأخرى. فإن حماس ترى أن الهدف من اللقاء لا يقتصر فقط على الانتخابات ولكنه يشمل مناقشة مجموعة كبيرة من الإشكاليات التى رسخت الانقسام أهمها قضية الموظفين في وزاراتها الحكومية، ومدى التزام السلطة الفلسطينية بدمجهم ضمن كادرها الوظيفي، ومسألة الوضع الداخلي لقطاع غزة بعد الانتخابات[8].

2- الخلاف حول المحكمة الدستورية، ففى حين ترى فتح أن القرارات التي أقرها رئيس السلطة، محمود عباس، في شأن القضاء، ولا سيما المحكمة الدستورية، على أساس أنه شأن «لا دخل له بالحوار»، وحجة «الفتحاويين» في تبرير قرارات عباس هي أن «الأراضي الفلسطينية تعيش حالة استثنائية قانونية، لأن الانتخابات لا تشرف عليها وزارة الداخلية بل لجنة الانتخابات المركزية المستقلة بشخصية قانونية». وكان عباس قد أجرى، قبل يومين من إصدار مرسوم الانتخابات الثلاثية، سلسلة تعديلات على الجهاز القضائي عزل خلالها قضاة، وأعاد صياغة قوانين، إلى جانب تغيير رؤساء هيئات رقابية ومالية.

وهو الأمر الذي وصفته «حماس» بـ«التعديلات السوداء» و«السيطرة غير الدستورية على أهمّ مؤسسات السلطة»[9]. كما تتخوف حماس من المحكمة الدستورية، خاصة أنها المحكمة التي قامت بحل المجلس التشريعي السابق، وقطعت رواتب نواب كتلة (التغيير والإصلاح) التابعة لحركة حماس منذ 26 شهراً، فهذه المحكمة ستكون جاهزة لحل المجلس التشريعي القادم، إذا لم تعجب نتائج الانتخابات حركة فتح والقيادة الفلسطينية، ولا يوجد ما يمنعها من حل المجلس القادم وقطع رواتب الموظفين الجدد، بذريعة أن نتائج الانتخابات غير شرعية وغير قانونية، لأنها محكمة سياسية[10].

3- تأكيد البيان الختامى على أن إفرازات الانقسام بكل جوانبها ستعالج من قبل لجنة وطنية يتم تشكيلها بالتوافق، وسترفع توصياتها للرئيس لإقرارها وتحويلها لحكومة بعد الانتخابات لتنفيذها. هذا القرار هو أحد عوامل التفجير الخطيرة للاتفاق، إذ أنه يضع العربة أمام الحصان، ولا يشترط التوافق على إجراءات معالجة إفرازات الانقسام قبل عقد الانتخابات، وهو ما يجعل الباب مفتوحا لصراعات لا تنتهي إذا أجريت الانتخابات قبل حل هذه المشكلات التي لا يمكن لحكومة ما بعد الانتخابات أن تعمل بدون حلها[11].

4- شكوك عدد من الفصائل في نوايا “فتح” و”حماس”، واحتمال ترشح الطرفين عبر قائمة مشتركة أو اتفاقهما على تقسيم المقاعد بينهما. ولا ينفي المتحدثون باسم المنظمتين هذا الاحتمال، بل يثيرونه كقضية مشروعة للنقاش[12].

5- عدم وجود ضمانات لعدم تدخل الاحتلال الإسرائيلى فى تلك الانتخابات، فمن سيمنع الاحتلال من إعاقة حركة مرشحي حماس في مدن وقرى الضفة الغربية؟، ومن سيمنعه من اعتقالهم؟، وما/ من الذي سيجبره على إجراء الانتخابات في القدس وعدم اعتقال الفائزين أو إبعادهم كما فعل في انتخابات 2006؟، ومن الذي سيجبر جنود الاحتلال على عدم التدخل في يوم الانتخابات بالأمن وترك المهمة للشرطة الفلسطينية؟. وبالتالى فإنه فهم من تركيز البيان الختامى على اقتصار تأمين الانتخابات على الشرطة الفلسطينية بأن المقصود هو الأجنحة العسكرية للفصائل فقط وليس الاحتلال[13].

 

 

 

 

[1] “مؤتمر الفصائل الفلسطينية في القاهرة… الواقع والطموحات”، حفريات، 9/2/2021، الرابط: https://bit.ly/2Z4Lpbv

[2] “الاجندات الخفية لحوار القاهرة”، الرسالة نت، 7/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3d1qKgA

[3] “مصر والأردن تضغطان على عباس لمصالحة دحلان قبل الانتخابات”، عربى21، 7/2/2021، الرابط: https://bit.ly/2MSpnGx

[4] “الاجندات الخفية لحوار القاهرة”، مرجع سابق.

[5] “لأول مرة منذ سنوات.. مصر تفتح معبر رفح “لأجل غير مسمى” بالتزامن مع محادثات فلسطينية بالقاهرة”، عربى بوست، 9/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3tLgC1s

[6] “الاجندات الخفية لحوار القاهرة”، مرجع سابق.

[7] “ننشر البيان الختامي لاجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة بشأن الانتخابات”، المرصد المصرى، 9/2/2021، الرابط: https://bit.ly/2NgqRu9

[8] “الإفراج الفوري عن المعتقلين واستياء من سوء المعاملة على المعابر المصرية.. ماذا دار في اجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة؟”، عربى بوست، 9/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3p6xkF3

[9] “حوار القاهرة اليوم: لا آمال كبيرة”، الأخبار، 8/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3aasTEQ

[10] “أبرز النقاط الخلافية في حوار القاهرة المرتقب للفصائل الفلسطينية”، العربى الجديد، 5/2/2021، الرابط: https://bit.ly/372cOiE

[11] “عوامل التفجير في وثيقة الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة”، عربى21، 9/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3727cFc

[12] “هل تمثل الانتخابات الفلسطينية نهاية لأوسلو أم مجرد مناورة سياسية؟”، الخليج الجيدد، 10/2/2021، الرابط: https://bit.ly/2MNjA5e

[13] “عوامل التفجير في وثيقة الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

هل تشهد القضية الفلسطينية تحسن فى عهد الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن؟

  مع وصول الرئيس الأمريكى جو بايدن إلى سدة الحكم، تناولت العديد من الكتابات والتحليلا…