‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا تصريحات المسئولين الأتراك الإيجابية تجاه مصر… هل تدفع نحو تحسين العلاقات بين البلدين؟
تركيا - مصر - مارس 22, 2021

تصريحات المسئولين الأتراك الإيجابية تجاه مصر… هل تدفع نحو تحسين العلاقات بين البلدين؟

 

 

اشتعل جدل جديد على خلفية أنباء تحدثت عن مراعاة مصر لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، المعلنة من قبل تركيا في البحر الأبيض المتوسط، أثناء تحديد حدود القطعة رقم 18، في مناقصة تتعلق بالبحث عن النفط والغاز الطبيعي. وعلى الرغم من عدم تأكيد الجانب المصرى على هذه الأنباء، فقد صدرت رسائل إيجابية من تركيا حيال هذا الموقف على مستوى وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، ومتحدث الرئاسة إبراهيم قالن، ووزير الدفاع خلوصي أكار. ما جعل العديد من المراقبين يرجحون أن تكون هذه التطورات كاشفة عن إمكانية وجود مباحثات تجري بصمت بين تركيا ومصر من أجل توقيع «مذكرة تفاهم» من أجل ترسيم «حدود مناطق الصلاحية البحرية» بين الدولتين شرقي المتوسط[1].

 

أولًا: إشارات إيجابية للتقارب بين أنقرة والقاهرة:

بعد أن شهدت العلاقات المصرية التركية منذ عام 2013 توترًا كبيرًا، إثر رفض الرئيس التركي طيب أردوغان الاعتراف بشرعية الحكم بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، ثم تصاعدت الخلافات نتيجة التدخل التركي في ليبيا.

ولكن خلال الفترة الماضية، بدأت العلاقات بين البلدين فى التحسن، حيث تدور منذ فترة مفاوضات بين الجانبين التركي والمصري على المستوى الاستخباراتي، بجانب رسائل الغزل السياسي التى بدأت بعدما أبدى الجانب المصري مراعاة “الجرف القاري التركي” خلال أعمال التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسط، كما يشير مراقبون[2].

فقد أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، فى 3 مارس 2021، إنه يمكن التفاوض مع مصر لتوقيع اتفاقية معها تتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية شرقي المتوسط، على غرار الاتفاقية الموقعة بين تركيا وليبيا، مؤكدا أن مصر “احترمت جرفنا القاري أثناء توقيعها اتفاقية مع اليونان ونحن نقدر ذلك”[3].

وفى السادس من الشهر ذاته، قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، خلال إشرافه على مناورات “الوطن الأزرق 2021” البحرية، إن مراعاة مصر لـ”الجرف القاري التركي” خلال قيامها بأعمال التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسط “يعتبر تطورًا مهمًا للغاية”. ونقلت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية عن أكار قوله إن أنقرة تنتظر استمرار قيام القاهرة باحترام للجرف القاري التركي عند شروعها في أنشطة تنقيب. وأضاف وزير الدفاع التركي: “لدينا قيم تاريخية وثقافية مشتركة مع مصر، وبتفعيل هذه القيم نرى إمكانية حدوث تطورات مختلفة في الأيام المقبلة”[4].

وفى الثامن من الشهر نفسه، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، استعداد بلاده لفتح صفحة جديدة مع مصر ودول الخليج، داعيًا إلى ترميم العلاقة بين القاهرة وأنقرة، ووصف متحدث الرئاسة التركية، خلال مقابلة أجرتها وكالة بلومبيرغ الأمريكية، مصر بـ”قلب العالم العربي”، مؤكدا استعداد أنقرت لترميم علاقتها بالقاهرة واستمرار المباحثات بين البلدين في عدة قضايا، إذ أن الشراكة مع القاهرة ستساعد في تقليل التوترات في المنطقة[5].

ولم تكن تلك المحاولة الأولى من الجانب التركي لتهدئة الأوضاع مع الجانب المصري. إذ سبقتها تصريحات لمسؤولين أتراك منها؛ ما أعلنه ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي عن وجود اتصالات على مستوى المخابرات بين القاهرة وأنقرة بشأن ليبيا. وأيضًا ما صرح به المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في أكتوبر 2020، بشأن رغبة بلاده في إعادة العلاقات مع مصر. وفي يوليو 2020، تحدث وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو عن ضرورة عقد اتفاق مع مصر حول تعيين منطقة اقتصادية خالصة في شرق المتوسط[6].

 

ثانيًا: دوافع التقارب بين البلدين:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من الأسباب التى قد تدفع البلدين نحو التقارب، منها:

1- اتفاق المصالح فى منطقة شرق المتوسط، حيث يبدو من المشهد وتصريحات الأتراك أن أبرز أسباب المقاربة بين أنقرة والقاهرة، هو إبداء مصر مراعاتها للجرف القاري التركي في شرق المتوسط، بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحري الموقعة مع اليونان العام الماضي، الأمر الذي رحبت به تركيا ونظرت إليه بشكل إيجابي[7].

وفى منطقة شرق المتوسط، فبحسب خبراء فإن أنقرة تحاول منذ فترة إقناع القاهرة بأن توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين لتحديد المناطق الاقتصادية بينهما سيعيد إلى مصر مناطق كبيرة كانت قد خسرتها لصالح اليونان وقبرص نكاية في تركيا، وأن إعادة ترسيم الحدود سيوسع من مناطق مصر الاقتصادية في البحر المتوسط، ما يعني ارتفاع حصة مصر من ثروات الغاز الطبيعي والنفط الموجودة في شرق المتوسط. وهو الأمر الذي سيعود على مصر بمنافع ضخمة تتمثل في استثمارات مع شركات عالمية.

وفي نفس الوقت تقطع الطريق على خط الغاز “East Med” الذي تسعى إسرائيل لإنشائه وتصدير الغاز من خلاله لأوروبا، وهو ما سيؤثر سلباً على تموضع مصر كمنصة إقليمية لتصدير الغاز، حيث هناك نية جادة لدى إسرائيل وقبرص واليونان في إنشاء خط غاز (East Med) واهتمام من الاتحاد الأوروبي لإنجاز الخط الذي سينقل الغاز من إسرائيل وقبرص عبر خط يمتد في المياه العميقة في البحر المتوسط ويصل إلى اليونان ثم إلى أوروبا؛ ليصبح بديلاً عن الغاز الروسي الذي يسيطر على السوق الأوروبية[8].

ومن هنا يمكن تفهم حرص مصر عند طرحها لمزايدة عالمية في نهاية شهر فبراير 2021 للتنقيب على البترول والغاز في 24 منطقة موزعة ما بين البحر المتوسط والصحراء الغربية وخليج السويس على مراعاة الحدود التركية البحرية فى شرق المتوسط؛ حيث تقع المناطق التي طرحتها مصر في مياه البحر المتوسط غير المتنازع عليها، بعيداً عن مناطق الخلاف بين تركيا واليونان، وهي منطقة لم ترسم فيها مصر بعد حدودها البحرية سواء مع تركيا أو اليونان.

وفي نفس الوقت، فإن بعض المناطق التي طرحتها مصر في المزاد تتوافق مع الرؤية التركية لحدودها البحرية الجنوبية أو ما يطلق عليه “الجرف القاري التركي”، مما جعل تركيا ترى المزايدة المصرية بشكل إيجابي يفتح الطريق أمام تهدئة العلاقات بين الجانبين، وهو ما انعكس على التصريحات الإيجابية من قبل المسئولين الأتراك كما هو مشار إليه أعلاه[9].

وما يزيد من إمكانية قيام مصر وتركيا بترسيم الحدود البحرية بينهما أن اتفاق تعيين الحدود البحرية الموقع بين مصر واليونان، فى أغسطس 2020، به ثغرات عمدت مصر إلى وضعها تفيد بإمكانية تعديل الاتفاق ودخول تركيا طرفاً فيه، وأن الاتفاق مع اليونان جزئي وأن تعيين الحدود ليس نهائياً وسيتم استكماله لاحقاً بل وحتى تعديله إذا ما دخلت مصر أو اليونان في مفاوضات مع دول أخرى تشترك مع أحد طرفي الاتفاقية في مناطق بحرية. وفي هذا الإطار لا يخرج الطرف المقصود عن كونه تركيا[10].

ومن الجدير بالذكر هنا، أن اتفاق ترسيم الحدود بين مصر وتركيا لن يكون بالضرورة على حساب ترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان. وفى هذا السياق، فقد تحدثت تسريبات عن عقد اجتماع “مصري – تركي” بحضور مسؤولين من اليونان وقبرص لمناقشة ترسيم الحدود البحرية وحل الخلافات بينهم. وهو ما يتوافق مع الرؤية التركية التى سبق وأن دعت إلى مؤتمر يضم جميع الدول المعنية بشرق المتوسط للاتفاق على حل الخلافات العالقة باعتبار هذه الخطوة السبيل الوحيد لتجاوز التحديات الحالية والتوصل الى تسوية عادلة وتقاسم للثروات في المنطقة[11].

أكثر من ذلك، فإن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التى وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019، تعطى مجموعة كبيرة من الامتيارازات للقاهرة، تتمثل فى:

(أ) تضيف اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية مع حكومة الوفاق الليبية لحدود مصر البحرية الاقتصادية منطقة تقدر مساحتها بـ 35 ألف كيلومتر مربع، بخلاف ما يفترضه التصور اليوناني-القبرصي. الذي ينتزع تلك المنطقة لصالح اليونان.

(ب) إذا دخل خط “ميد إيست” حيز التنفيذ، سيعني خسارة مصر لدورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وبالتالي ليس من مصلحة مصر إنشاء وإنجاز هذا الخط. وأي ترسيم حدود بحري يقطع الطريق على الخط، ويعيق إنشاء هذا المشروع يتماشى بشكل مباشر مع المصلحة المصرية، ويعضد آمالها في أن تصبح المنصة الرئيسية في شرق المتوسط لنقل وتصدير الغاز المسال إلى أوروبا، وهو ما يكفله أيضا اتفاق الترسيم التركي مع حكومة الوفاق.

(ج) هذه التطورات تفسر ما قاله وزير الخارجية المصري سامح شكري في 8 ديسمبر 2019، بأن الاتفاقية التركية – الليبية لا تمس مصالح مصر. وفي 29 من الشهر نفسه، قال الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، إن لديه أن القاهرة سعيدة بالاتفاقية. كما ضغط المسؤولون في وزارة الخارجية المصرية ونظام المعلومات الجغرافية على الرئاسة من أجل قبول الاتفاقية التركية الليبية، فالاتفاق لا يمهد الأرضية لمصر فقط لترسيم حدودها البحرية مع تركيا، بشكل يضمن لها مساحات اقتصادية أكبر في  مياه المتوسط، بل يمثل أيضا ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها مصر للتوصل مع اليونان لاتفاق لترسيم الحدود بشكل يحقق المصلحة المصرية.

(د) هذا ما يرجح ما أشارت إليه بعض التقارير، من أن الجانب المصري في مفاوضاته الأخيرة مع اليونان، إبان زيارة رئيس وزرائها لمصر في 18 يونيو 2020، تسلّح بشكل غير مباشر بالاتفاق التركي – الليبي البحري، لمطالبة اليونان بالحصول على ٦٠% من مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة المشتركة، في مقابل حصول أثينا على ٤٠% منها[12].

2- أن التقارب بين مصر وتركيا هو جزء من التقارب الاقليمى بين تركيا وقطر من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى، في ظل إعلان المصالحة الخليجية فى يناير الماضى.

ففيما يتعلق بالتقارب التركى والقطرى مع الإمارات، ففى 18 فبراير 2021، غرد وزير الصناعة والتكنولوجيا التركى مهنئًا بنجاح “مسبار الأمل” الإماراتى لاستكشاف المريخ، وقد ردت وزيرة الدولة للتكنولوجيا المتقدمة بالإمارات على التهنئة متمنية لتركيا رحلة اكتشاف ناجحة إلى القمر فى عام 2023. وفى 22 من الشهر ذاته، فقد تم إجراء مباحثات ثنائية بين قطر والإمارات فى الكويت حول إجرءات تنفيذ إعلان المصالحة الخليجية.

وفيما يتعلق بالتقارب مع للسعودية، فقد ذكرت وكالة بلومبيرج الأمريكية، فى 4 فبراير الماضى، أن الإمارات والسعودية تدرسان إقامة علاقات أفضل مع تركيا يمكن أن تفيد التجارة والأمن بالمنطقة. وفى 10 من ذات الشهر، فقد أكد وزير الخارجية التركى أن أزمة الخليج أصبحت خلف ظهورنا ومستعدون لتفعيل تعاوننا مع منطقة الخليج بأكملها. وفى 14 فبراير، تم الإعلان عن عودة الحركة التجارية عبر منفذ “أبو سمرة” بين قطر والسعودية. وفى 23 فبراير، السفير التركى بالدوحة يقول أن “بلاده دعمت جهود المصالحة الخليجية منذ البداية”، وتأمل بعلاقات جيدة مع السعودية.

وفيما يتعلق بالتقارب مع القاهرة، ففى 23 فبراير، تم عقد مباحثات قطرية مصرية بالكويت لتنفيذ بيان المصالحة الخليجية. وفى نفس اليوم، فقد أبدى السفير التركى بالدوحة تفاؤله بتحسن العلاقات مع مصر، ويقول “إن العلاقات التجارية والاستثمارات بين البلدين مستمرة، على رغم المشاكل على الصعيد السياسى”[13].

3- المتغير الدولى: حيث يواجه النظام التركي متغيرًا دوليًا يتمثل في تغير الإدارة الأمريكية وتولي إدارة ديمقراطية بقيادة “جو بايدن” الذي أعلن بالفعل خلال حملته الانتخابية عن عدم تسامحه مع التجاوزات التركية، سواء في ملف حقوق الإنسان أو بحق الأكراد، أو بسبب شراء تركيا منظومةَ الدفاع الروسية S-400[14]. وهو الأمر نفسه بالنسبة للقاهرة، والذى ظهر خلال الاتصال الهاتفى بين الخارجية الأمريكية والمصرية فى نهاية فبراير الماضى، والذى أعلنت فيه الخارجية الأمريكية على ضرورة مراعاة مصر لقضايا حقوق الإنسان وحثها على عدم شراء طائرات سوخوى 35 الروسية. ومن هنا، فإن الدولتين قد تجد فى الضغوط المتوقعة عليهما من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة دافع لتقليل الخلافات بينهما لقطع الطريق على الإدارة الأمريكية فى استغلال هذه الخلافات للضغط على أى منهما.

 

ثالثًا: عوائق التقارب بين البلدين:

ومع ذلك، فإن هناك مجموعة من العوائق التى قد تحول دون تحسين العلاقات بين البلدين، منها:

  • الاختلاف حول مستوى التقارب: ففى حين تسعى تركيا إلى التقارب مع مصر فقط على المستوى الاستخباراتى والاقتصادى، وهو ما ظهر فى تأكيد المسئولين الأتراك على وجود اتصالات استخباراتية فى الوقت الذى ينفون فيه وجود اتصالات دبلوماسية، بجانب الحرص التركى على عدم تأثر التبادل التجارى بين البلدين بالتدهور السياسى بينهما، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين أنقرة والقاهرة بنسبة 7% خلال الشهور العشرة الأولى من 2020، بعدما وصلت إلى 4.499 مليارات دولار مقابل  379 مليارات دولار في نفس الفترة من 2019[15]. وأخيرًا، تركيز الاتصالات الأخيرة على إمكانية عقد اتفاقية لترسيم الحدود البحرية فى منطقة شرق المتوسط، حتى تكون تركيا قادرة على القيام بمزيد من محاولات استكشاف الغاز فى هذه المنطقة الغنية بالنفط والغاز حتى تستطيع تركيا تقليل نفقات استيراد الغاز والنفط الذى تعتمد على استيراده من الخارج.

ولكن فى المقابل، تتمسك مصر بضرورة أن يكون التقارب أيضًا على المستوى السياسى والدبلوماسى، حيث تطالب القاهرة أنقرة بإرسال سفير لها لمصر، ويقوم بحلف اليمين أمام السيسي، ما يعنى اعتراف بشرعية النظام الذى تعتبره تركيا نظام غير شرعى لأنه انقلب على سلطة منتخبة والأهم أنها كانت سلطة حليفة. بجانب تخوف تركيا من أن اعترافها بشرعية نظام تعتبره منقلب قد يمهد الطريق أمام قيام محاولات انقلابية للإطاحة بالسلطة الحالية مثل تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة فى عام 2016. فضلًا عن أن ذلك قد يتسبب فى فقدان تركيا لأحد أهم حلفائها فى المنطقة ممثلًا فى جماعة الإخوان المسلمين.

ولعل أهم هذه التحفظات تتمثل فى؛ التحفظ الأول، ضرورة توقف قادة تركيا وخاصة أردوغان عن توجيه الانتقادات وإطلاق التصريحات ضد السيسي، ولعل ذلك قد ترجم فعليا على أرض الواقع، ففي خطاباته مؤخرا تجنب الرئيس التركي الحديث عن الانقلاب في مصر، وتحدث عن محادثات استخباراتية. أما التحفظ الثانى، فهو توقف عناصر جماعة الإخوان المسلمين والذين لجأوا إلى تركيا بعد الانقلاب في مصر، عن القيام بفعاليات تستهدف النظام المصري، وتعد هذه المسألة من أكثر القضايا الحاضرة على طاولة الحوار الاستخباراتي بين البلدين. والتحفظ الثالث، هو مسألة التواجد العسكري في ليبيا، واتهام مصر لأنقرة بجلب مسلحين من سوريا إلى البلد المجاور لها[16].

كما تخشى القاهرة من أن تكون التصريحات التركية الإيجابية مجرد محاولة للسير على درب حليفتها قطر التي عقدت اتفاق مصالحة مع مصر في يناير الماضي، ولم تقدم تنازلات في القضايا الخلافية وحافظت على منهجها الإعلامي في التعامل مع الشأن المصري، وما يزيد التخوف المصرى فى هذا الشأن، أن أنقرة قد تفسر استدارة مصر على الساحة الليبية، وحتى ولو كانت لا تزال لها تحفظات عليها، بأنه قبول مصرى بالتعامل مع الواقع السياسي التركي هناك، فتأييد القاهرة لحكومة عبدالحميد الدبيبة المدعوم من أنقرة، واستقباله في القاهرة عقب اختياره لهذه المهمة، قد تفهم منه أنقرة عدم وجود ممانعات سياسية مصرية حاسمة للتفاهم معها[17].

كما أن القاهرة ترى أن جميع الرسائل السياسية والأمنية والاقتصادية التي وصلت من أنقرة إلى القاهرة تعبر عن رغبة تركية لتحييد مصر في بعض الملفات الإقليمية، وهي الدولة الأكبر في المنطقة التي يمكنها التصدي لتركيا. وأخيرًا، فإن القاهرة ترى ذلك محاولة من قبل أنقرة فى قطع الطريق على إمكانية فرض عقوبات على تركيا نتيجة سياستها الصراعية فى منطقة شرق المتوسط خاصة فى ظل الإدارة الأمريكية الجديدة التى ترفض التصورات والتحركات التركية فى هذه المنطقة[18].

2- فيما يتعلق بترسيم الحدود فى شرق المتوسط، فإن تركيا تريد ترسيم الحدود البحرية مع مصر عبر المفاوضات الثنائية، بينما تريد القاهرة ترسيم الحدود على أساس اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار1982، والتي لم توقع تركيا عليها؛ لإقرار قانون البحار بأحقية الجزر في امتلاك مناطق اقتصادية خالصة (بغض النظر عن وضعها الجغرافي أو مساحتها)، وهذا يعني بالنسبة لتركيا أن العديد من الجزر الملاصقة للسواحل التركية، وواقعة في نفس الوقت تحت السيادة اليونانية، سوف تؤدي إلى إهدار مساحات كبيرة من المناطق الاقتصادية الخالصة أمام السواحل التركية لصالح اليونان[19].

أضف إلى ذلك، فمن غير المرجح الدخول فى مفاوضات بين مصر وتركيا لترسيم الحدود البحرية بينهما، ليس فقط بسبب التوتر السياسي القائم، ولكن لسببين تمتزج فيهما العوامل الاقتصادية والجيوسياسية. أولهما انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في ليبيا، وسعي القاهرة إلى ترسيم حدودها معها أولاً حتى لا تحدث مشكلات مستقبلية. وثانيهما استمرار الخلافات بين تركيا واليونان على الحدود بينهما، بسبب جزيرة كريت من جهة، واستمرار الخلاف بين تركيا وقبرص من ناحية أخرى. وهنا لا تريد الدولة المصرية التورط في أي تحرك يؤدي إلى حساسيات بينها وبين الدولتين المعاديتين لتركيا[20].

وأخيرًا، فهناك توجه دولى لتحجيم الدور التركى فى منطقة شرق المتوسط، الأمر الذي تجلى بشكل أكثر وضوحًا مع تحول منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة إقليمية (سبتمبر 2020)، وانضمام كلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا والإمارات العربية المتحدة كمراقبين بالمنظمة، وأيضًا مع إطلاق وزراء خارجية دول اليونان وقبرص وفرنسا والسعودية ومصر والإمارات والبحرين لمنتدى الصداقة (فيليا) الهادف إلى بناء الصداقة والسلام والازدهار في المنطقة، وتعزيز الروابط بشكل خاص في مجالات الطاقة والأمن والسياسة. يُضاف إلى ما تقدم اتجاه دول منتدى شرق المتوسط نحو تعيين حدودها البحرية، وهي أمور قد أسهمت في فرض عزلة سياسية على تركيا بالمنطقة[21].

3- المعارضة اليونانية: فبعد أن عارضت مصر محاولة اليونان رسم حدودها البحرية اعتبارًا من جزيرة ميس (على بعد كيلومترين فقط من قضاء قاش جنوبي تركيا)، ما دفع أثينا إلى الشعور بخيبة أملها الأولى والتراجع عن أطروحتها التي روجت لها حول “امتلاك الجزر لجرف قاري”[22].

فقد أثارت الإشارات الإيجابية بين مصر وتركيا ومراعاة مصر لحدود الجرف القاري لتركيا خلال طرحها مزايدة للتنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط، استياء كبيرا في وسائل إعلام يونانية. فقد استخدمت صحيفة “تا نيا” عنوان “اللعبة الخبيثة لمصر مع تركيا”، وأكدت أن ترخيص القاهرة للتنقيب فى الرقعة “رقم 18” على الخريطة من قبل مصر خلال طرحها مزايدة للتنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط، تسبب بقلق كبير لدى اليونان، وأشارت إلى أن أثينا تتابع عن كثب التصريحات بشأن تقارب محتمل بين مصر وتركيا.

أما موقع “energia.gr” اليوناني، فاعتبر أن قرار مصر بالترخيص للتنقيب في الرقعة رقم 18، في المنطقة البحرية التي حددتها أثينا والقاهرة كمنطقة اقتصادية خالصة “يخلق العديد من علامات الاستفهام”. وأشارت إلى مراعاة مصر لحدود المنطقة التي أعلنتها تركيا جرفها القاري والتي زودت الأمم المتحدة بإحداثياتها[23].

من جانبها، أفادت صحيفة “ذا انديكيتور” اليونانية أن أثينا تلقت معلومات حول قرب توصل مصر إلى اتفاق مع تركيا بشأن ترسيم حدودها البحرية، وأن هذا الاتفاق سيلحق ضررا بالمصالح اليونانية مستقبلاً، مضيفة أن “المشكلة تكمن في أن الخطوط الرئيسية لإحدى المناطق البحرية في المتوسط​​ لم يتم التعامل معها كما هو متفق مع اليونان، بل يبدو أنها تم تنظيمها مع تركيا”[24].

ويبدو أن الغضب اليونانى من إمكانية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وتركيا بدون التشاور مع اليونان كان الدافع الرئيسى وراء زيارة وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس إلى القاهرة، فى 8 مارس الحالى. ةهى الزيارة التى جاءت بعد أيام قليلة من اتصال هاتفي بين السيسي ورئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس[25].

كما كشفت صحيفة “حرييت” التركية عن انزعاج اليونان من قيام السيسي عندما قام بزيارة أثينا في نوفمبر 2020، بتقديم مقترحًا بأن اتفاقية طريق خط أنابيب الغاز “إيست ميد” الموقعة بين اليونان و”إسرائيل” وقبرص اليونانية في يناير 2020 بموافقة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، استبعد فيه قبرص اليونانية. ويشمل المقترح المصري تغيير مسار الخط من “إسرئيل- قبرص- كريت- مصر، إلى “إسرائيل- مصر- كريت”[26].

 

[1] ” تحركات في العلاقات التركية – المصرية”، القدس العربى، 10/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2OlHup2

[2] ” رسائل الغزل من تركيا.. هل تفتح صفحة جديدة مع مصر والخليج؟”، مصر العربية، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3buUOQI

[3] “وزير الخارجية التركي: توقيع اتفاقية بحرية مع مصر أمر ممكن”، وكالة أنباء تركيا، 3/3/2021، الرابط: https://bit.ly/30v2ZpX

[4] ” وزير دفاع تركيا يرحب بـ”تطور مهم” من جانب مصر.. وقناة تركية تتساءل عن إمكانية التوصل لاتفاق”، سى إن إن العربية، 6/3/2021، الرابط: https://cnn.it/3enAx1t

[5] ” رسائل الغزل من تركيا.. هل تفتح صفحة جديدة مع مصر والخليج؟”، مرجع سابق.

[6] “تركيا تتودد لمصر.. لماذا التقارب مهم وإن كان مشروطًا؟”، مصر 360، 8/3/2021، الرابط: https://bit.ly/30pGDGe

[7] ” رسائل الغزل من تركيا.. هل تفتح صفحة جديدة مع مصر والخليج؟”، مرجع سابق.

[8] “هدنة تكتيكية أمام تحديات مشتركة.. ما وراء التقارب المصري-التركي الحالي؟”، عربى بوست، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/38nSnxk

[9] المرجع السابق.

[10] ” مصر وتركيا.. مزيد من الإشارات الإيجابية فهل اقتربت المصالحة؟”، دويتشه فيلة، 6/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3bsC5VZ

[11] “تركيا ومصر.. ملامح “تقارب” وتحسين للعلاقات تلوح في الأفق”، نداء بوست، 10/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3byhL5r

[12] “العلاقات المصرية التركية: القضايا والإشكاليات”، المعهد المصرى للدراسات، 20/7/2020، الرابط: https://bit.ly/3t70AOi

[13] “مؤشرات على تقارب تركي عربي”، الأناضول، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3kXWENd

[14] “دبلوماسية التصريحات: دوافع وأهداف “الغزل السياسي” التركي لمصر”، المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3rBdP9J

[15] ” رسائل الغزل من تركيا.. هل تفتح صفحة جديدة مع مصر والخليج؟”، مرجع سابق.

[16] “هل تقود محادثات “المتوسط” لتطبيع العلاقات بين مصر وتركيا؟”، عربى21، 8/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3bB6Qbv

[17] ” غزل تركي.. وصمت سياسي مصري لجسّ النبض أولا”، العرب، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3rw0OhO

[18] المرجع السابق.

[19] “العلاقات المصرية التركية: القضايا والإشكاليات”، مرجع سابق.

[20] “صراع السياسة والطاقة في المتوسط: مصر تطمئن اليونان”، العربى الجديد، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3eolYuv

[21] “دبلوماسية التصريحات: دوافع وأهداف “الغزل السياسي” التركي لمصر”، مرجع سابق.

[22] “شرق المتوسط.. خطوات مصرية عقلانية وموازين جديدة محتملة (تحليل)”، الأناضول، 10/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3ciO87t

[23] “”غدر” و”لعبة حبيثة”.. امتعاض يوناني من التقارب بين تركيا ومصر”، ترك برس، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/30sWG62

[24] ” مصر وتركيا.. مزيد من الإشارات الإيجابية فهل اقتربت المصالحة؟”، مرجع سابق.

[25] “هل توقع مصر اتفاقا لترسيم الحدود البحرية مع تركيا؟”، إندبندنت عربية، 9/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2OHoz7N

[26] “حراك يوناني لمنع تقارب محتمل بين تركيا ومصر بشرق المتوسط”، عربى21، 6/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3qxCb2V

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

«6» حقائق تؤكد مسئولية السيسي عن أزمة سد النهضة.. فمتى يكف الجنرال عن ترويج الأكاذيب؟

      لا يكف جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي عن نشر أكاذيبه بين الناس بشأن مسئول…