‫الرئيسية‬ العالم العربي سوريا سوريا بين مقصلة الحرب ويأس اللجنة الدستورية
سوريا - مارس 22, 2021

سوريا بين مقصلة الحرب ويأس اللجنة الدستورية

 

 

 

شهدت الأزمة السورية عدد من الأحداث الهامة في الفترة الماضية، ربما يظهر للوهلة الأولى بأنه ثمة تباعد بينها، بدأت مع تصريحات مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون الذي أشار إلى مجلس الأمن بضرورة التحرك لانقاذ العملية السياسية السلمية من الفشل، وفقًا لطريقة العمل الحالية، والتي أدت إلى عجز اللجنة الدستورية عن تحقيق أي نجاح يذكر رغم مرور ما يزيد عن عام ونصف من انطلاق أعمالها، مؤكداً على الحاجة إلى دبلوماسية دولية بنّاءة في الشأن السوري، واعتبر أنه من دون ذلك فإنه من غير المحتمل لأي مسار إن كان المسار الدستوري أو أي مسار آخر أن يمضي قُدماً.

يبحث هذا التقرير قراءة الوضع الحالي للثورة السورية، ومآلات العملية السياسية، مرورًا بتحليل الدور القطري الجديد وهل جاء على حساب طهران ؟[1]

التلاعب الروسي بالعملية السياسية الدولية:

تعتبر اللجنة الدستورية من مخرجات مؤتمر سوتشي الذي عقدته روسيا في مطلع عام 2018، وتهدف إلى وضع دستور جديد لسوريا، وتحظى بدعم ورعاية من الأمم المتحدة.

وفي الجولة قبل الماضية والتي كانت الرابعة لاجتماعات اللجنة الدستورية والتي انعقدت 25: 29 يناير 2021، وقد صاحبها تكثيف اعلامي ايجابي بأنها ستكون مختلفة، وستدخل الأطراف مباشرة إلى صياغة مقدمة الدستور. وقد ساهمت روسيا ببث الأمل بإمكانية حصول متغير مهم في الجولة الخامسة، حيث أشاد وزير الخارجية سيرغي لافروف بالمناقشات المفيدة حول المبادئ الأساسية في الجولة الرابعة، مؤكداً أن الجولة الخامسة سوف تنتقل إلى العمل المباشر على وضع مقدمة الدستور، ولكن الواقع أن الاجتماعات الأخيرة لم ينتج عنها أي تقدم محسوب، ولم تستطع الوفود الانتقال إلى مرحلة الصياغة الدستورية.

وقد دافع بيدرسون عن المعارضة السورية، مؤكدًا أنها أكملت صياغة المبادئ العشرة الأساسية في الفصل الأول، وأن وفد النظام برئاسة أحمد الكزبري رفضها جميعًا، بل ورفض أيضاً مقترح الأمم المتحدة لتنظيم ووضع منهجية النقاش، بحيث تفضي هذه الخطوة إلى صياغة مواد دستورية أولية من قبل اللجنة المصغرة، ومن ثم عرضها على اللجنة الموسعة لإقرارها، وأصر وفد النظام على مناقشة قضايا السيادة والعروبة والإرهاب، قبل البدء بصياغة المواد الدستورية.[2]

ويهدف النظام من ذلك إضاعة الوقت حتى الوصول إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، المقرر تنظيمها في صيف العام الجاري.

وعلى الرغم من التحليلات التي يقدمها الكثير بأن هناك خلافات بين النظام السوري وروسيا بخصوص هذا الشأن، وأن موسكو ترغب في تقدم اللجنة الدستورية ومساعدتها في تحقيق نجاحات حقيقية، وهو أمر بعيد تمامًا عن الصحة، وذلك لأنه ببساطة، لم يكن خافياً الهدف الروسي من وراء إنشائها، وذلك للالتفاف على قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 الذي نص في فقرته الرابعة على إنشاء حكم ذي مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية خلال ستة أشهر، وعقب ذلك تجرى عملية صياغة دستور جديد للوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة في غضون 18 شهراً، أي أن الدستور بحسب القرار يأتي بعد هيئة الحكم الانتقالي.

استانة لتجديد شرعية الأطراف الضامنة:

وفي إثر هذا التعثر في مسار اللجنة الدستورية ونتيجةً له، دعت الدول الضامنة، روسيا وإيران وتركيا، إلى جولة جديدة من اجتماعات أستانة للمرة الخامسة عشر في 16 فبراير، وهي الاجتماعات التي كانت قد تعطلت منذ أكثر من عام، فيما بدا أن الهدف من الاجتماع الجديد إنقاذ العملية السياسية في سوريا، لكن البيان الختامي الذي أصدرته المجموعة، والذي كان عبارة عن نسخة مكررة عن بيانات الاجتماعات السابقة، كشف عن أن التركيز الأساسي لهذه الأطراف محصور في الحفاظ على بقاء الأوضاع كما جاءت به نتائج سوتشي 2018، عبر استمرار المعادلات القائمة حالياً، ومنع أو مقاومة أي محاولة لتغيير هذه الأوضاع من قبل أطراف دولية أخرى.

تعمدت موسكو التأكيد على أن الكلمة الأولى والأخيرة للأزمة السورية تبدأ منها وأنها صاحبة التأثير الأكبر، وأنها لن تسمح بأي تحرك أممي قد يؤثر على مصالحها.

وفي حقيقة الأمر، جاءت اجتماعات استانة الأخيرة للتأكيد للحيلولة دون دخول أي طرف دولي في المعادلة بما يغير الوضع الميداني، خاصة أن الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن أنه سيعيد دور الولايات المتحدة الأمريكية بقوة في حل أزمات المنطقة، وهو الأمر الذي قد يقلب الأوضاع في سوريا رأسًا على عقب، وبما سيدمر مصالح الاطراف الضامنة. ناهيك أن مسار أستانة ضرورياً بالنسبة للضامنين لإضفاء الشرعية على الوجود العسكري لأطرافه، ويبدو أن أطراف أستانة توافقت بشكل نهائي الحفاظ على الوضع الميداني القائم وتثبيت الخارطة العسكرية الحالية.[3]

كما تنظر هذه الأطراف بأهمية بالغة إلى اللجنة الدستورية، لأنها تشكل الجسر والرابط الرئيس الذي يعطي تحركاتهم بعداً أممياً، على أن تبقى هذه اللجنة شكليةً ودون التطرق إلى قضايا من شأنها التأثير في مصالحهم في سوريا.

إلا أنه يعكس الاستعصاء الحاصل في مسار العملية السلمية السورية التي تقودها الأمم المتحدة عدم نضوج الظروف للوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، التي ما زال ينتظرها الكثير من المساومات والتسويات قبل إنجاز أبسط الأمور، كالاتفاق على مقدمة الدستور. وإذ تنتظر الأطراف الفاعلة معرفة توجهات إدارة بايدن، فإن أغلب الفاعلين يحاولون التمسك بمكتسباتهم التي تم تحصيلها في مرحلة الحرب السورية. إلا أنه بات من الواضح أن المقاربات القديمة للحل في سوريا قد استُنفدت ولم تعد صالحة لإنجاز التسوية المطلوبة، وقد عبَّر المبعوث الأممي غير بيدرسون عن عدم إمكانية الاستمرار بعمل اللجنة الدستورية وفق الطريقة التي تدار بها الآن. ولذلك فالأغلب بقاء الوضع كما هو عليه في الفترة المقبلة، إلا إذا ظهرت رغبة جدية من واشنطن لتغيير المعادلات وهو أمر مستبعد، لعدم قدرة أي طرف على تكلفة هذا الأمر. [4]

الدوحة على الخط السوري:

وفي محاولة لتخفيف حدة الأوضاع المأسوية التي تعيشها سوريا، ولمنع دخول واشنطن أو أوروبا على هذا الخط، فقد شهدت العاصمة الدوحة لقاء ثلاثي جمع قطر وتركيا وروسيا ناقش حلولاً دائمة للأزمة السورية، وشدد على ضرورة تنسيق الجهود لتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة للاجئين، وتسريع وتيرتها، كما ناقش مدى عودة النظام للجامعة العربية.

وكشف  محمد بن عبد الرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري أن الاجتماع بحث تطورات الملف السوري، وإيجاد حل نهائي للأزمة، وإمكانية السماح بوصول المساعدات الإنسانية للاجئين، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية وعدم وجود حل عسكري للأزمة، لافتا إلى أن الاجتماع أكد على دعم مفاوضات اللجنة الدستورية السورية والعودة الآمنة والطوعية للاجئين.

وشدد وزير الخارجية القطري على وجود حاجة ملحة للتحرك السريع من أجل الفئات المحتاجة للمساعدة، خصوصاً مع أوضاع الجائحة التي تشهدها مختلف دول العالم. وأضاف أنه كانت هناك نقاشات حول تسوية سياسية للملف السوري، وسيستمر التشاور بين الدول المهتمة بالشأن السوري حتى التوصل إلى حل الأزمة بشكل نهائي.[5]

وحول عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، كشف الوزير القطري أن موقف قطر هو أن الأسباب التي أدت إلى تعليق عضوية دمشق لازالت قائمة، وقال: نتمنى حدوث تقدم سياسي في سوريا لأنه السبيل الأسلم لعودتها إلى الجامعة العربية. واستطرد أن الدوحة مستمرة في دعم الشعب السوري والوصول لتسوية سياسية تعيد العلاقات لطبيعتها.

من جانبه كشف مولود تشاويش أوغلو وزير الخارجية التركي، أنه تقرر مواصلة الاجتماعات المشتركة مع قطر وروسيا لبحث الملف السوري، والاجتماع المقبل سيعقد في تركيا، مشيراً إلى أنه تم بحث قضية محاربة المنظمات الإرهابية في سوريا، وزيادة الجهود لمضاعفة المساعدات الإنسانية.

وأضاف أن أنقرة تواصل التعاون مع الدوحة لتخفيف الأزمة الإنسانية في سوريا والوصول إلى حل سياسي. مشدداً على أنه لا يمكن إنهاء الصراع إلا من خلال حل سياسي.

وكشف سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي أن هذا اللقاء هو الأول على المستوى الوزاري بين العواصم الثلاث بشأن سوريا، وأكد على المشاركة في الجهود الدولية لتأمين العودة الطوعية والآمنة للاجئين إلى سوريا. وشدد لافروف على أن البيان المشترك يؤكد الحرص على محاربة الإرهاب ومواجهة المخططات التي تهدد وحدة الأراضي، مستطرداً أن تحركات كل اللاعبين الدوليين يجب أن تحترم وحدة أراضي وسيادة البلاد.[6]

علاوة على وجود مؤشرات تؤكد التوافق على الوضع الراهن، مثل إطلاق حكومة الإنقاذ في إدلب مشاريع عمرانية واستثمارات عديدة في الأشهر الأخيرة الماضية، لعل أبرزها تمديد خطوط التيار الكهربائي من تركيا إلى إدلب، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا وجود تطمينات سياسية من قبل تركيا، إلى جانب التطمينات الميدانية التي يؤكد عليها الانتشار الكثيف للقوات التركية في المنطقة وإرسالها تعزيزات مستمرة إلى هناك.

ويبدو أن دخول الدوحة جاء لاعادة الأمل في نفوس النازحين واللاجئين الذين تزداد أوضاعهم صعوبة يومًا بعد يوم، وجاء الدور القطري لتمويل جزء من الدعم العيني والمادي الذي سيقدم لمساعدة الشعب القطري، بعيدًا عن الأجندة الإيرانية الملوثة بالدماء والأشلاء، ولذلك من المتوقع أن يتوسع الدور القطري في سوريا، ولكن من الصعب توقع حدوثه على حساب طهران التي تقاتل على الأرض وتسيطر بمليشياتها على مساحات واسعة من أراضي سوريا، ولكن أغلب الأمر أن دخول قطر جاء كمسار جديد على مستوى المساعدات الانسانية، بجانب المسار السياسي لجنيف والعسكري لاستانة.

الخاتمة:

رغم الاجتماعات المتكررة للأطراف الضامنة للهدنة في سوريا، إلا أن الخلافات بينهم كبيرة ورؤيتهم للحل مختلفة بصورة جذرية، ولكنها تحاول التركيز على القضايا التي يوجد فيها اتفاق في الوقت الحالي وتأجيل الخلافات لما بعد، حيث شهد اجتماع سوتشي خلافات على توزيع مناطق السيطرة ضمن نفوذ المناطق التي ترعاها وتضمنها تركيا وروسيا، والتي طالبت روسيا من خلالها تخلي تركيا عن بعض المواقع في منطقة جبل الزاوية الاستراتيجية بريف إدلب الجنوبي، ورفضت الحكومة التركية العرض الروسي للتخلي عن هذه المناطق التي نشرت فيها نقاطاً عسكرية مدعمة بالجنود والسلاح الثقيل.

ويشكل الموقف من إدلب أحد أكثر النقاط خلافية بين أطراف اجتماع أستانا، فلا تزال مواقفها متباينة بشأن كيفية التعامل مع أزمة إدلب وهو ما يفسر سبب تواضع النتائج التي خرجت بها الجولة الأخيرة من محادثات أستانا.

تعتبر العلاقات بين أنقرة وموسكو على رأس اهتمامات واشنطن، وخاصة في ما يتعلق بالملف السوري، حيث تنظر أنقرة للعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الأهم رغم حجم الخلافات بينهما، وذلك لأن الخلافات التاريخية والاستراتيجية بين روسيا وتركيا كبيرة، وليست سطحية، ومازال إرث الحرب العالمية الأولى جليًا في الثقافة الشعبية التركية، إلا أن الدعم الشامل الذي تقدمه أمريكا للأكراد يمثل حجر عثرة كبير يزداد يومًا بعد يوم.

إلا أن ذلك لا يلغي أن موقف تركيا يقوم في الوقت الحالي على حصول تقدم في أعمال اللجنة الدستورية يؤدي في النهاية إلى تقويض سلطة نظام الأسد، ووصول الأطراف المؤيدة لها للسلطة، إلا أن أولويات تركيا في حاليًا تتمثل في عدم انهيار أستانة، والتنسيق مع روسيا، من أجل إقامة منطقة آمنة على كامل الشريط الحدودي مع سوريا، وتثبيت الجماعات التي تدعمها في إدلب، ومنع روسيا من زعزعة الترتيبات التي تم الاتفاق عليها مع تركيا في إدلب.

 

 

[1] وزيرا الخارجية التركي والروسي يصلان قطر وحراك دبلوماسي في الدوحة لحل مشاكل المنطقة، القدس العربي، 10/3/2021 http://bit.ly/3rIF7ed

[2] مسار السلام السوري بعد تعثُّر الجولة الخامسة للجنة الدستورية: إشكالياته واحتمالاته المستقبلية، مركز الامارات للسياسات، 10/3/2021 http://bit.ly/3crovkX

[3] وزير خارجية قطر ومستشار الأمن القومي الأمريكي يبحثان قضايا إقليمية، القدس العربي، 5/3/2021 http://bit.ly/2OLIW42

[4] مسار السلام السوري بعد تعثُّر الجولة الخامسة للجنة الدستورية: إشكالياته واحتمالاته المستقبلية، مركز الامارات للسياسات، 10/3/2021 http://bit.ly/3crovkX

[5] انور الخطيب،  اجتماع قطري تركي روسي في الدوحة: مسار ثلاثي للدفع بحل سياسي للأزمة السورية، العربي الجديد، 10/3/2021 http://bit.ly/3ezy9EY

[6] يحي عياش،  هل تمهد مباحثات الدوحة لإخراج إيران من الملف السوري؟، عربي 21، 10/3/2021 http://bit.ly/2OjKDG4

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سوريا مشاهد متفرقة لواقع مأزوم

  شهدت الأزمة السورية تطورات محورية في اتجاهات شتى في الفترة الماضية، ربما كان من المستبعد…