‫الرئيسية‬ إفريقيا في اليوم العالمي للمرأة: نظرة على المرأة الإفريقية من الشمال إلى الجنوب
إفريقيا - مارس 22, 2021

في اليوم العالمي للمرأة: نظرة على المرأة الإفريقية من الشمال إلى الجنوب

 

 

تواجه المرأة في إفريقيا العديد من التحديات؛ مثلها مثل بقية النساء في المناطق الأخرى من العالم، ومما يفاقم من الوضع المُتردِّ للمرأة في إفريقيا، الطبيعة المحافظة لهذه المجتمعات لتصعب المسألة بشكلٍ أكبر على المرأة في عملية اتخاذ القرار للمشاركة بشكل منفتح على المستوى الاجتماعي والسياسي. إلا أن هذا لا يمنع أن هناك بعض النماذج الرائدة في هذا المجال. في هذا التقرير نناقش وضع المرأة في ثلاث نماذج لدول إفريقية من أقاليم مختلفة، وكيف أثَّر وضع المرأة في تلك الدول على نهضتها وتقدمها.

 

المرأة في إفريقيا: أُصيبت العديد من النساء الإفريقيات بالصدمة عند مشاهدتهن أكبر نجوم إفريقيا الموسيقيين كوفي أولوميدي وهو يركل بغضب إحدى راقصاته الإناث في مطار نيروبي، الفيديو وإن كان مثيرًا للصدمة لكنه لم يفاجئهن، فالعنف ضد المرأة في الأماكن الخاصة والعامة في إفريقيا مسألة اعتيادية، لا يبدو أن الحكومات الإفريقية تفعل الكثير لتقضي على هذه الظاهرة، ولا يبدو المجتمع الدولي كذلك منزعجًا كثيرًا من هذه المسألة، وفي دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية عام 2005 أظهرت مثلاً أن العنف الأسري مشكلة عالمية تضر بملايين النساء حول العالم، لكن المرأة الإفريقية هي الأكثر عُرضة لهذا العنف. على سبيل المثال نسبة 51% من النساء الإفريقيات وقعن ضحية للعنف. وبالرغم من الالتزام الذي وقَّعت عليه 53 دولة إفريقية عام 1995 ضمن بروتوكول حقوق المرأة الإفريقية؛ لم تحقق إفريقيا أي تقدم ملحوظ في حماية المرأة ضد العنف. هذا  بالإضافة إلى التجاهل السياسي للمرأة في مجتمعات إفريقيا الأبوية.[1]

 

المرأة في مصر: في شمال القارة؛ تواصل السلطات المصرية مسلسل الإنكار لما تتعرض له المرأة من انتهاكات في البلاد، التي كان أبرزها ما رصده تقرير لمؤسسة تومسون رويترز عام 2017؛ من كون القاهرة أخطر مدينة على النساء في العالم، والتهديدات لها أصبحت أكبر منذ ثورة 2011. وقد أشار التقرير إلى أن القاهرة فرضت نفسها كمدينة غير آمنة للنساء، فحسب التقرير؛ تتعرض النساء في القاهرة للتحرش يوميًا، ومنذ ثورة 25 يناير تردَّت الأوضاع الاقتصادية في القاهرة وفي كامل البلاد، وأصبحت نسب البطالة العالية تعني فرصًا أقل أمام النساء لكسب استقلالهن المادي. والجوانب الأخرى الثلاثة التي سلَّط عليها التقرير الضوء هي الممارسات الاجتماعية ومدى توفر الرعاية الصحية والفرص الاقتصادية، إذ صُنِّفت القاهرة أسوأ مدينة للنساء من حيث الممارسات الاجتماعية.[2] وعلى المستوى السياسي؛ قالت مؤسسة كوميتي فور جستس، أنه بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، تتعرض المرأة المصرية لموجة غير مسبوقة من القمع والاعتداء على حقوقها، والانتقاص منها، مع محاولة لإضفاء طابع قانوني على تلك الانتهاكات، فضلًا عن مواصلة قمعها مع بقية فئات المجتمع من قِبل الأجهزة الأمنية. وأوضحت المؤسسة الحقوقية أن مشروعها لمراقبة أماكن الاحتجاز والسجون في مصر، رصد وقوع 554 انتهاكًا ضد 224 امرأة داخل مقار الاحتجاز والسجون خلال عام 2020، وشملت تلك الانتهاكات الإخفاء القسري بحق 92 امرأة، وتعذيب 43 امرأة، كما تم رصد 191 حالة سوء أوضاع احتجاز بحق نساء، وحُرمت 228 امرأة من حريتهن خلال الفترة ذاتها.[3]

 

المرأة في رواندا: ومن شمال القارة إلى وسطها؛ بعد الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في تسعينيات القرن الماضي، والتي خلَّفت قرابة المليون قتيل؛ كان معظم القتلى من الرجال، وكانت النتيجة أن 70 % من السكان في مرحلة ما بعد الحرب كانوا من الإناث. فتكاتفت جميع النساء لإبقاء أسرهن على قيد الحياة، حيث تكفَّلن بالأطفال اليتامى ونظمن مجموعات دعم للأرامل، وانتقلن من تنظيف الركام إلى إعادة بناء المباني، واستزرعن الأراضي، وباشرن بالأعمال التجارية، ونجحن في إعادة الاستقرار في جميع أنحاء البلاد. وألغت رواندا القوانين الأبوية القديمة المُطبقة في كثير من المجتمعات الإفريقية، كتلك التي تمنع المرأة من وراثة الأرض مثلًا. وقد أصدرت الهيئة التشريعية مشاريع قوانين تهدف إلى إنهاء العنف الأسري، وإساءة معاملة الأطفال، وتمضي اللجان المختصة بمواءمة القوانين مع الدستور بإلغاء أو تعديل جميع القوانين التي تحوي مواد تمييزية ضد المرأة. وكانت النتيجة ما نشره الاتحاد البرلماني الدولي في مارس 2020 في دراسة دولية مقارنة، استعرض فيها نسبة مشاركة النساء في البرلمانات حول العالم. والتي رصدت أنه في العقد الأخير، تصدَّرت رواندا العالم على هذا الصعيد، مع نسبة مشاركة للنساء في البرلمان تتراوح بين 60 و64 %.. والأمر هناك لم يقتصر فقط على البرلمان وحسب؛ فالمرأة في رواندا تشكل اليوم أيضًا 50% من مجلس الوزراء و44% من مقاعد مجالس المدن ونصف قضاة المحكمة العليا. أي هناك حضور نسوي مميز جدًا ومتقدم في مراكز ومنظومة صنع القرار، بالمقارنة مع دول القارة الإفريقية وبقية دول العالم.[4]

 

المرأة في جنوب إفريقيا: وفي جنوب القارة؛ خلال افتتاح أول برلمان لجنوب إفريقيا عام 1994، وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري كشف الزعيم نيلسون مانديلا عن الدور النضالي للمرأة في بلاده، رابطًا حينها بين حقوقها كاملة وحرية الدولة، معتبرًا أن حرمانها من حقوقها في حقيقته سلب لحريتها، قائلًا جملته الشهيرة: “لا يُمكن تحقيق الحرية إلا إذا تحرَّرت النساء من جميع أشكال القمع”. وفي كتابه “طريق طويل إلى الحرية” الذي يسرد فيه سيرته الذاتية، استعرض مانديلا الدور الحاسم الذي لعبته الرابطة النسائية للمؤتمر الوطني الإفريقي في حركة المقاومة الشعبية لنظام الفصل العنصري، وكيف قدَّمت المرأة في جنوب إفريقيا أروع الأمثلة في التحمل والجلد ومؤازرة الرجال وتحمل المسؤولية. لم يقف دور المرأة في هذا البلد الإفريقي على النضال من أجل الحرية فقط، بل تجاوز ذلك إلى النضال من أجل الحياة، حيث العمل لتوفير مقومات العيش وهربًا من الموت، فما يقرب من 38% من الأسر في جنوب إفريقيا تعتمد على المرأة بشكل أساسي لإعالتها في ظل غياب العائل الذكوري. وبرغم الأُطر العامة لحقوق الإنسان التي وضعها الدستور الجنوب إفريقي الذي يُعتبر الأكثر تقدمًا في العالم وليس في القارة فقط، فإن العنف ضد المرأة في هذا البلد كان أعلى بخمسة أضعاف من المتوسط ​​العالمي، بحسب منظمة الصحة العالمية. ورغم ذلك؛ فقد استطاعت المرأة هناك على مدار السنوات الماضية أن تكون صاحبة السبق في دفع قاطرة التقدم في هذا البلد للأمام، وذلك بحسب شهادات الكثير من الساسة والمسؤولين، سواء داخل البلاد أو خارجها، توثيقًا لما قدَّمته المرأة من خدمات للنهوض بأمتها وشعبها. وصارت تُشكِّل قرابة 3.6% من الرؤساء التنفيذيين للشركات داخل البلد، إلى جانب 5.5% من رؤساء الشركات، كما أن أكثر من 21.4% من المديرين التنفيذيين من النساء، وذلك بحسب إحصاءات 2014، فيما تذهب المؤشرات إلى أن الوضع الآن تطور بصورة أكبر. ورغم سيطرة النساء على 50% من الحقائب الوزارية في الحكومة الحالية وهي النسبة الأعلى في تاريخ البلاد، فإن بعض الحقوقيات يطمعن في أكثر من ذلك، لافتين إلى أن لذلك دلالة كبيرة على إيمان الدولة بالمرأة ودورها الريادي والقيادي الذي لا يقل أبدًا عن الرجل.[5]

 

الخُلاصة؛ في اليوم العالمي للمرأة؛ تضرب إفريقيا –قارة المُتناقضات- أكبر مثال على دور المرأة الهام والأساسي في تحقيق التنمية لوطنها من ناحية، وكذلك كيف يُمكن أن يؤثر قمع المرأة في المجتمع لتردِّي أوضاعه من ناحية أخرى. ولمَّا كانت التنمية هي الهدف الرئيس على أجندات الدول الإفريقية في تلك الحقبة؛ كان لزامًا على تلك الدول الاهتمام بتنمية المرأة وتعظيم دورها الاجتماعي والسياسي. ووفقًا للعرض السابق لتجارب الدول الثلاث؛ يتبيَّن أن وضع المرأة في كلِّ منهم قد انعكس بشكلِ كبير على الأوضاع العامة في الدولة. فمصر التي كان من المُفترض أن تقود قاطرة التقدم في إفريقيا؛ تعاني الآن من الضعف والهشاشة الداخلية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بجانب التقزُّم الواضح لدورها الخارجي لاسيما على مستوى القارة الإفريقية، والواضح في عدم قدرتها على الحصول حتى على دعم دول حوض النيل في قضيتها مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، وهو الأمر الذي يبدو مفهومًا بالنظر لأوضاع المرأة التي تم عرضها في التقرير، وإن كان ليس السبب الوحيد؛ إلا أنه يُمكن اعتباره الأهم بالنظر لدور المرأة الأساسي في تجارب الدولتين الأخريتين. فبالنظر إلى ما عانته كلتا الدولتين رواندا وجنوب إفريقيا من تجارب صعبة مرَّت بها؛ حيث الإبادة الجماعية في الأولى، ونظام الفصل العنصري في الثانية، إلا أن تجربة تمكين المرأة في كلٍّ منهما قد لعبت دورًا رئيسًا في إعادة بناء الدولة من جديد، حتى صارت رواندا من أكثر الدول أمانًا في العالم، وجنوب إفريقيا من أقوى اقتصاداتها. وهكذا فيُمكن الإضافة لمقولة مانديلا “لا يُمكن تحقيق الحرية إلا إذا تحرَّرت النساء من جميع أشكال القمع”؛ بأنه حينها لا يُمكن تحقيق التنمية كذلك وليس الحرية فح

 

 

—————————————————-

[1]  “نساء إفريقيا الأكثر تعرضا للتعنيف من غيرهن”، Nisaa FM، 30/11/2016. متاح على الرابط: https://cutt.us/mjISN

[2]  “انتهاكات حقوق المرأة في مصر: تقارير دولية خطيرة وإنكار دائم من السلطات”، القدس العربي، 4/11/2017. متاح على الرابط: https://cutt.us/ZrSYY

[3]  “النساء في مصر… واقع ظالم ومستقبل مظلم”، العربي الجديد، 8/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/SsrCn

[4]  جليلة الترك، ” صفحات نسوية مشرقة: المرأة في رواندا نموذجًا”، الحركة السياسية النسوية السورية، 20/10/2020. متاح على الرابط: https://cutt.us/O5oWE

[5]  رندة عطية، ” المرأة في جنوب إفريقيا.. تحديات وطموحات”، نون بوست، 13/11/2020. متاح على الرابط: https://cutt.us/j0ntZ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التدخل العسكري الفرنسي في الساحل وقمة نجامينا

    إن منطقة الساحل إقليم شاسع ويبلغ عدد سكانه ما يقرب من 100 مليون نسمة ويشمل على وج…