‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أصداء حادث قطار سوهاج .. قراءة في مواقف السلطة
مصر - أبريل 12, 2021

أصداء حادث قطار سوهاج .. قراءة في مواقف السلطة

مواقف سلطة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وحكومته إزاء حادث تصادم قطاري سوهاج

قطار سوهاج

 

 

مواقف سلطة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وحكومته إزاء حادث تصادم قطاري سوهاج والذي أدى إلى مقتل نحو 32 مصريا (وزارة الصحة أحصت 19 فقط) وإصابة نحو 165 آخرين بحسب الإحصاءات الحكومية الأولية للضحايا، أثارت كثيرا من التساؤلات حول أسباب إصرارها على طمس الحقائق أمام الشعب المصري والتغطية على الفشل الإداري المستحكم، والعمل على إفلات وزير النقل وقيادات الوزارة من المحاسبة والمساءلة وتحميل المسئولية ــ كالعادة ـ لصغار الموظفين من السائقين والمحولجية؛ رغم أن وزارة النقل تعج باللواءات الذين يتحكمون في جميع الهيئات الاقتصادية والخدمية في ديوان الوزارة ومؤسساتها بالكامل؛ حيث جرى عسكرتها على نحو كامل في أعقاب الانقلاب العسكري منتصف 2013م.

ووقع الحادث في تمام الساعة 11:42 دقيقة، يوم الجمعة 26 مارس 2021م ، حيث اصطدم القطار المكيف رقم 2011 (الأسباني) والقادم من أسوان باتجاه القاهرة، بمؤخرة القطار المميز رقم 157 القادم من الأقصر باتجاه الإسكندرية والمتوقف على السكة الحديد، مما نتج عنه تحطم العربة الأخيرة من القطار المميز وانقلاب العربتين اللتين تليها، وانقلاب جرار القطار المكيف وعربة القوى، ووقوع وفيات وإصابات بسبب الحادث، وبث أحد العالقين بالقطار المميز بث مباشر عبر صفحته في فيسبوك يستغيث «الحوقنا الناس بتموت القطر اتقلب بينا في سوهاج»، وهو ما تلاه اتهام هيئة سكك حديد مصر في بيان لها «مجهولين» بالقطار المميز 157 بفتح بلف الخطر لبعض عرباته، ما أدى لتوقفه، تزامنًا مع مرور القطار الآخر المكيف 2011 فاصطدم به، رواية الهيئة قابلها النائب العام بمطالبته جميع الجهات «الحكومية» بعدم إصدار أي بيانات أو تصريحات عن أسباب الحادث لحين انتهاء التحقيقات.

الملاحظة الأهم أنه في أعقاب الحادث  المؤلم، وجَّه السيسي بإكمال ما أسماه بمخطط «التحديث الجذري الشامل» لمرفق السكة الحديد على مستوى الجمهورية. وهو  ما تبعه وزير النقل الفريق كامل الوزير  بالاعتذار عن حادث تصادم القطارين، وطالب الوزير المواطنين بالصبر والتحمل لحين الانتهاء من تطوير المرفق قائلا: «استحملونا لحد ما نخلص التطوير عشان نوديكم أشغالكم وما نقفلش السكة الحديد»، مضيفًا أن الدولة رصدت 225 مليار جنيه لتطوير السكة الحديد في مصر، وأن وزارته تحاول المواءمة بين متطلبات التشغيل والتطوير. ولم ينس الوزير، في مؤتمر صحفي، مطالبة المواطنين بالتصدي للباعة الجائلين والتوقف عن التهرب من دفع التذكرة وإلقاء الحجارة على القطارات، حتى يستنى للوزارة تطوير المرفق.

هذه التصريحات تستهدف في المقام الأول إغلاق ملف الحادث؛ ذلك أن الربط  بين عدم اكتمال تطوير مرفق السكك الحديد والحادث هو أمر يخالف الحقيقة، وبحسب مصادر بهيئة السكة الحديد لموقع “مدى مصر”[[1]] فإن جرار القطار المكيف رقم 2011  الذي اصطدم بالقطار الآخر هو جرار روسي دخل الخدمة قبل بضعة شهور، والأمر نفسه بالنسبة لبرج الإشارة الذي وقع الحادث بالقرب منه بمنطقة طهطا بمحافظة سوهاج، هو أيضا دخل الخدمة منذ شهور وفقا لمخططات التطوير التي يتحدث عنها السيسي وكامل الوزير، معنى ذلك أن عناصر الحادث من جرار وبرج إشارة قد جرى تطويرهما منذ شهور فلا مجال إذا للتذرع بعمليات التطوير الجارية لأنها تمت بالفعل في المكان الذي وقع فيه الحادث؛ وبالتالي فإن الخلل يكمن في الإدارة وليس في عناصر التشغيل الأخرى؛ الأمر الذي يستوجب محاسبة جميع المتسببين فيه بداية من سائق القطار وحتى وزير النقل ورئيس هيئة السكك الحديد ونائبه لشؤون التشغيل. وكان وزير النقل قد أعلن في 20 ديسمبر الماضي(2020)، تطوير إشارات السكة الحديد بمنطقة طهطا باستبدال النظام الكهربائي القديم فيها بآخر إلكتروني حديث لمتابعة القطارات لحظة بلحظة، وتزويد المزلقانات بأجراس وأنوار وبوابات أوتوماتيكية للحد من الحوادث وتحقيق الأمان للمركبات، موضحًا أن النظام الجديد يتيح لسائق القطار  الاتصال بمراقب التشغيل في حالات الطوارئ أو الأعطال المفاجئة.

تصريحات السيسي مثلت طوق نجاه للفسدة والمسئولين عن الحادث داخل هيئة السكة الحديد؛ ذلك أنه عقب الحادث مباشرة ترددت أنباء داخل الهيئة عن عزم رئيسها، أشرف رسلان، ونائبه لشؤون التشغيل، سامي عبدالتواب، التقدم باستقالتيهما، غير أن تلك الأنباء اختفت تمامًا بعد حديث السيسي الأخير حول ضرورة استكمال عمليات التطوير والتحديث لقطاع السكة الحديد؛ متجاهلا أن المكان الذي وقع فيه التصادم قد جرى تحديثه بالفعل قبل شهور وتباهت الحكومة بذلك باعتباره إنجازا سيمنع من وقوع حوادث القطارات الكارثية كالتي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. ومن الناحية الإدارية فإن عبدالتواب الذي يصل سن التقاعد في إبريل 2021م، هو المسؤول الأول من قيادات الهيئة عن الحادث، وكان رئيس الهيئة أرسل لوزير النقل قبل الحادث طلبًا للتجديد له عامًا آخر في الوظيفة، ولكن بعد الحادث من المتوقع ألا يتم اعتماده.

الملاحظة الثانية، هي أن الحادث أضاف مزيدا من الدلائل والبراهين والتجارب التي تؤكد فشل الإدارة العسكرية؛ فقد جيء بكامل الوزير وهو ضابط كبير بالجيش برتبة فريق، على رأس وزارة النقل خلفا لهشام عرفات الذي قدم استقالته من منصبه في فبراير/شباط 2019 إثر حادث قطار وقع بمحطة رمسيس الرئيسية في القاهرة، وأودى بحياة 21 شخصًا وإصابة 52 آخرين، لكن تغيير الوزير لم يمنع تكرار الحوادث حتى وقعت الكارثة الأخيرة. وكان كامل الوزير يتولى منصب رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وبالتالي كان مسؤولا عن تنفيذ ومتابعة آلاف المشروعات التي ينفذها الجيش منذ عام 2014، وتوسم المصريون في الوزير الجديد -الذي يتسم بالانضباط والعمل الجاد على حد وصف السيسي- القدرة على وقف نزيف حوادث القطارات؛ لا سيما وأن السيسي أشاد بالوزير، ووصفه خلال كلمة له في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة للاحتفال بيوم الشهيد، في مارس/آذار 2019، بأنه من أكفأ ضباط الجيش، قائلا “أنا بأدي (أقدم) للمرفق ده (لهذا المرفق – السكك الحديدية) واحد (واحدا) من أحسن ضباط الجيش، وده مش (وهذا ليس) معناه أن اللي (الذين كانوا) قبله ماكانوش كويسين (ليسوا جيدين)”. وبالتالي فإن فشل أكفأ ضباط المؤسسة العسكرية رغم ما منح له من مخصصات مالية ضخمة دون سابقيه من الوزراء المدنيين برهان ساطع على فشل الجنرالات في حكم البلاد. ولا يتوقف الفشل عند تعدد الحوادث الكارثية بل يمتد إلى الخسائر الضخمة لمرفق السكة الحديد؛ حيث بلغت خسائرها نحو 600 مليون دولار(نحو 10 مليارات جنيه) في السنة المالية 2017/2018م بحسب رئيس قطاع الحسابات الختامية بوزارة المالية عبدالنبي منصور؛ الأمر الذي دفع لجنة الخطة والموازنة في البرلمان نحو تشكيل لجنة تقصي حقائق لمراجعة خسائر الهيئة القومية للسكك الحديد.[[2]] ولا يزال نزيف الخسائر يتواصل بالمليارات حتى اليوم دون حسيب و رقيب أو مساءلة، بل الأكثر دهشة أن معظم القيادات العسكرية في ديوان وزارة النقل تحظى بمرتبات ومكافآت ضخمة رغم هذا الفشل المتواصل، ورغم المخصصات الضخمة التي منحت لهم لتطوير المرفق. وكان وزير النقل أكد في تصريحات سابقة، أن مرفق السكة الحديد مدين بنحو 111 مليار جنيه للبنك المركزي، وبنك الاستثمار القومي، ووزارة المالية بمعدل 35 مليار جنيه لكل منها، بخلاف ديون أخرى لم يذكرها الوزير في تصريحاته. هذه الخسائر الضخمة التي تعلن عنها الحكومة لمرفق المترو والسكة الحديد دفع الشعب إلى التندر والسخرية من فشل النظام العسكري وراجت بينهم النكات بهذا الشأن وأبرزها أن “توكتوك الغلبان يكسب ومترو الحكومة وقطاراتها تخسر”!

الملاحظة الثالثة، أن هذه الكارثة التي تزامنت مع كارثة جنوح العبارة العملاقة “إيفر غريفين” وسد مجرى الملاحة بقناة السويس لأسبوع كامل؛ تتجاهل جميع وسائل الإعلام الموالية للسلطة كشف المستور والصدع بالحق في بعض أهم أسبابها، بل يجري طمس الحقيقة والتغاضي عنها عمدا وهي أن وزارة النقل جرى عسكرتها على نحو كامل؛ وأن الوزارة يقودها من الألف إلى الياء ثلة من العسكريين واللواءات في جميع هيئاتها الاقتصادية والخدمية؛ فالوزير (فريق عسكري) ونائبه لواء، ومديرو الهيئة القومية لسكك حديد مصر والهيئة العامة للموانئ البرية والجافة وهيئة ميناء الإسكندرية وهيئة موانئ البحر الأحمروهيئة موانئ دمياط والهيئة العامة لسلامة الملاحة البحرية، وهيئة تخطيط مشروعات النقل والمعهد القومي للنقل والهيئة العامة للطرق والكباري والنقل البري والهيئة العامة للنقل النهري والهيئة القومية للأنفاق، كلهم لواءات. ولاننسى أن المجرى الملاحي لقناة السويس باعبتاره أهم شريان نقل بحري في العالم يتبع هيئة قناة السويس التي يديرها لواءات البحرية من الألف إلى الياء؛ ثم بعد ذلك يزعمون أن الجيش هو رمز النجاح والإنجاز في مصر؛ فمن أين يأتي كل هذا الفشل في كافة قطاعات الدولة التي يديرها جنرالات؟!

في أغسطس 2017 بعث الأستاذ عبد الناصر سلامة شكوى لرئيس الجمهورية ينذره من خطر عسكرة وزارة النقل، وقام بتحديد 22 مسؤولا بوزارة النقل قادمين من المؤسسة العسكرية لإدارة المواقع القيادية العليا بوزارة النقل. ذكرهم بالاسم، ثم أشار سلامة إلى أن هناك عسكريين آخرين لكنه يريد ألا يطيل في الحديث وأن نواب هؤلاء المسؤولين في معظمهم من العسكريين. [[3]] وكانت جريدة التحرير (الموالية للانقلاب) قد نشرت تقريراً عام 2016 يفيد بحصول 100 جنرال في وزارة النقل على رواتب شهرية تصل لـ 50 مليون جنيه شهريا، بينما يتقاضى باقي الموظفين 8 ملايين فقط مؤكدةً على رفع وزارة النقل والمواصلات شعار: “لا مكان للمدنيين”، وكشف التقرير استمرار كل القيادات الحالية بالديوان العام وبقطاعات الوزارة والهيئات والشركات التابعة لها، الذين جاء بهم الوزير السابق اللواء الدكتور “سعد الجيوشي”، والذين يحمل أغلبهم رتباً عسكرية “عقيد/ عميد/ لواء”، ويتقاضون رواتب باهظة تبدأ من 50 ألف جنيه وتنتهي بـ 200 ألف جنيه.وتطرَّق التقرير إلى حصول الجنرالات على بدل حضور الاجتماعات واللجان المختلفة، بالإضافة إلى الحوافز، حتى بلغ إجمالي الرواتب الشهرية التي يتقاضاها هؤلاء العسكريون أكثر من 50 مليون جنيه شهرياً[[4]]. الغريب في الأمر أن النائب العام حمادة الصاوي النائب العام، تجاهل الوزير الجنرال المسئول الأول عن الوزارة وكل اللواءات بديوان عام الوزارة ومديري كل الهيئات الاقتصادية والخدمية وأمر بحسب سائقي القطارين رقمي (157) المميز و(2011) الإسباني ومساعديهما، ومراقب برج محطة سكة حديد المراغة ورئيس قسم المراقبة المركزية بأسيوط مراقبين بالقسم احتياطيا على ذمة التحقيقات.[[5]]

الملاحظة الرابعة، أن حكومة السيسي تزعم أنها أنفقت أكثر من 45 مليار جنيه (الدولار يعادل 15.75 جنيها) خلال الفترة بين 2014 – 2020، من أجل تطوير وتحسين مرفق السكك الحديدية، أحد أعرق المرافق في مصر، لكن الواقع يشير إلى أن ذلك لم يمنع من استمرار وقوع كوارث متتالية في هذا المرفق. وكان آخر الحوادث الكبيرة قبل حادث سوهاج في أواخر فبراير 2019 بعد اصطدام جرار أحد القطارات برصيف «محطة مصر» بميدان رمسيس في القاهرة نتيجة دخوله المحطة بسرعة فائقة، مما أدى إلى انفجار الجرار ونشوب حريق هائل أسفر عن مقتل 22 شخصًا. وقبلها بأقل من عامين، تسبب اصطدام قطارين في الإسكندرية في مقتل 41 شخصًا.  اللافت في الأمر أنه مع زيادة حجم الإنفاق على عمليات التطوير والإحلال في مرفق السكة  الحديد بحسب تصريحات الحكومة،  لكن في المقابل زاد عدد الحوادث والوفيات والإصابات الناجمة عنها بشكل أكبر. ومطلع العام الجاري(2021)، كشف وزير النقل خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس النواب أنه “تم التخطيط لتنفيذ مشروعات سكة حديد بإجمالي عدد 257 مشروعا بإجمالي تكلفة 220 مليار جنيه حتى عام 2024، مشيرا إلى أنه تم الإنتهاء من تنفيذ عدد 177 مشروعا بإجمالي 45 مليار جنيه. إلا أنه بمراجعة الإحصاءات الرسمية عن حوادث القطارات على موقع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن أقل فترة شهدت حوادث قطارات هي الفترة ما بين 2006 و2016، حيث بلغت 12 ألفا و236 حادثا فقط، أقلها كان في 2012 بواقع 447 حادثا فقط! لكن المفارقة أن عدد الحوادث ارتفع إلى 1793 حادثا في عام 2017، و2044 حادثا في عام 2018، و1863 حادثا في 2019، وهي السنوات التي شملتها عملية التطوير والتحديث، أو الإحلال والتجديد. وحسب تقرير أصدره البنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2018، تعتبر مصر أنها بحاجة إلى إنفاق نحو 10 مليارات دولار على إصلاح السكك الحديدية، البالغ طولها نحو 10 آلاف كيلومتر، وذلك في الفترة بين عامي 2019 و2029م.[[6]] ولا ننسى أن حادث تصادم قطاري سوهاج يأتي  بعد شهرين فقط من حديث السيسي، ومعه الوزير، عن إعادة إصلاح جذرية تحدث لمنظومة السكك الحديدية في مصر كلها. وفي انتظار الانتهاء من عملية الإصلاح، تظل حوادث القطارات أمرًا معتادًا في مصر، حيث ارتفعت قسوة حوادث القطارات إلى 42.4 متوفيًا لكل 100 مصاب في 2019 (مقابل 34.3 متوفيًا لكل 100 مصاب عام 2018)، وذلك بحسب النشرة السنوية لحوادث السيارات والقطارات لعام 2019، والتي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء منتصف العام الماضي(2020).[[7]]

الملاحظة الخامسة، أن النيابة العامة تخلت عن دورها في قيادة التحقيقات لكشف ملابسات الحادث  والمتسببين فيه، وقررت هي بنفسها التخلي عن هذا الدور بندب لجنة خماسية من المهندسين المختصين بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة والمكتب الاستشاري بالكلية الفنية العسكرية وأحد أعضاء هيئة الرقابة الإدارية المختصين قانونًا، لفحص القطارين، وأجهزة التشغيل والسلامة فيهما، وخاصة أجهزة التوقف والتحكم الآلي التحديث الجذري الشامل «البلف» ونظام DEAD MAN DEVICE، إضافة إلى أجهزة غرفة التحكم بالإشارات الموجودة ببرج المراقبة الخاص بأقرب محطة، والإشارات الضوئية المنظمة للسير «سيمافور»، وبيان مدى صلاحية خطوط السكك الحديدية. وهو ما يتفق مع التشكيل الذي وجه السيسي، الحكومة بتشكيله، يوم السبت بعد الحادث بيوم لدراسة أسباب الحادث وتحديد المسؤولين عنه، مع فارق وحيد، أن اللجنة الحكومية تضم ممثل لكلية الهندسة إلى جانب العسكريين. معنى ذلك أن الننزعة العسكرية مسيطرة على تشكيل هذه اللجنة الخماسية؛ وبالتالي فإن توجيه الاتهام سيكون قاصرا على العناصر المدنية الصغيرة في هيئة السكة الحديد والعمل على تبرئة القيادات العسكرية التي تدير الوزارة.معنى ذلك أن الجناة الحقيقيون وهم كبار المسئولين بالوزارة من لواءات والذين برهنت الحوادث على فشلهم باستمرار سوف يفلتون من المسئولية التي يجري تحميلها لصغار الموظفين. وفي معظم الحوادث ينتهي التفسير إلى إلقاء اللوم على «خطأ فردي»، أو مثلما هو الحال في حادثة سوهاج؛ اتهام مجموعة من المجهولين. لكن فحص الأسباب الحقيقية للحادث يشير إلى مشاكل أكثر هيكلية تسمح لهذه الأخطاء بأن تتحوّل إلى كارثة تودي بحياة العشرات. كما يرجع أحد الأسباب الرئيسية لتكرار حوادث القطارات إلى فشل أنظمة الأمان الموجودة لتدارك الحوادث والأخطاء ومنعها من التحوّل إلى كارثة كهذه، بحسب تقرير نشره «مدى مصر» بعد حادثة محطة رمسيس في فبراير 2019م. في الأثناء، يتواصل تساؤل المصريين، لماذا يظل هذا المرفق الحيوي، الذي يقل أكثر من 20 مليون راكب شهريا، وفق الجهاز الحكومي للإحصاء، غير قادر على التطوير، ولماذا لا تتوقف حوادثه ولا كوارثه، رغم ما تنفقه الحكومة المصرية من مليارات الجنيهات من أجل تطويره؟! ويعد مرفق السكة الحديد المصري ثاني أقدم مرفق في العالم بعد بريطانيا، حيث أنشئ في منتصف القرن التاسع عشر، وقد استقله 256.7 مليون راكب خلال عام 2018، مقابل 243.7 مليون راكب في 2017، وفق جهاز الإحصاء المصري.

الملاحظة الخامسة، أن تعدد الكوارث في مرفق السكة الحديد يبرهن على الفشل الإداري واختلال ميزان أولويات الإنفاق لدى حكومة السيسي، وإهمال محافظات الصعيد والدلتا، وضعف الإنفاق على مشروعات إحلال وتطوير مرفق السكك الحديدية مقارنة بمشروعات أخرى تنفق عليها مبالغ طائلة، وكان الأولى الاهتمام بهذا المرفق الحيوي بدلا من تنفيذ منظومة قطارات جديدة (مكهربة) تخدم نخبة الحكم وطبقة الأثرياء، حيث أعلنت الحكومة مطلع سنة 2021م توقيع اتفاق مع شركة سيمنز (Siemens) العالمية، لتنفيذ منظومة متكاملة للقطار الكهربائي السريع في مصر بإجمالي أطوال حوالي ألف كيلومتر، وبتكلفة إجمالية قدرها 360 مليار جنيه (نحو 23 مليار دولار). في الوقت الذي يرى فيه السيسي ووزير نقله كامل الوزير أن إنفاق 45 مليار جنيه خلال سبع سنوات إنجازا عظيما يعاير به الشعب صاحب المال والسيادة في الأساس! إضافة إلى ذلك فإن العاصمة الإدارية التي أوشك النظام على الانتقال إليها بداية من يوليو 2021م أهدرت نحو 500 مليار جنيه دون أن أي جدوى اقتصادية أو إسهام في زيادة الدخل القومي وجرى منحها الأولوية على مشروعات ومرافق أخرى أكثر أهمية لملايين المصريين. ولذلك تمتلئ وسائل التواصل بملايين الأصوات الناقدة لموقف السلطة، معتبرين أنها تنفق ببذخ على المشروعات التي تهم الأثرياء في مقابل تقتيرها على المشروعات التي تخدم عموم المصريين.

الخلاصة أن “مشكلة قطاع النقل في مصر لها مستويان، الأول هو عدم اقتناع الطبقة الحاكمة بمصر أن الشعب المصري له حقوق عليهم بل ينظرون إليه باعتباره قطيعا من العبيد لا يقاد إلا بالكرباج والقمع.  والثاني هو انهيار الكفاءة الفنية للمجتمع بشكل عام، وتوغل الفساد، لذلك تعاني كل قطاعات مصر من انهيار كبير في المستوى التقني”. والبرهان على ذلك أن السيسي الذي رفض من قبل تخصيص 100 مليار جنيه لإصلاح مرفق السكة الحديد، وقال إنه يفضل وضع مثل هذا المبلغ في البنوك ليحقق أرباح بنسبة 10 مليارات إلى 20 مليارا بحسب نسبة الفوائد وقتها. في ذات الوقت فإنه أهدر أكثر من 100 مليار جنيه على مشروع تفريعة قناة السويس دون أي فائدة أو جدوى اقتصادية ثم علل ذلك بأنه لرفع الروح المعنوية! وحتى اليوم لا يزال السيسي يهدر مئات المليارات على مشروع العاصمة الإدارية والقطار الكهربي الخاص بها لأن هذه المشروعات لا تخدم سوى طبقة أهل الحكم وأثرياء القوم.

ومن أسباب أزمة مرفق السكة الحديد أن منظومة السكك الحديدية قديمة جداً في مصر، ولم تشهد تحديثاً على مدى سنوات طويلة. وللأسف فإن ما يقوم به السيسي حاليا هو مجرد شكل من أشكال الصيانة؛ بينما المفترض أن يتم تحديث المنظومة كلها؛ فالصيانة مثلاً تتعلق بتغيير قطع غيار بعينها، أو إحلال قضبان قطارات متهالكة بأخرى جديدة، أما التحديث فهو تغيير المنظومة التقنية بكاملها. ومع تتابع السنوات تخلفت مصرعن أجيال كاملة، من الأنظمة التقنية لتشغيل السكك الحديدية في العالم.

كذلك فإن أحد أهم أسباب الفشل في هذا المرفق وباقي مرافق الدولة الاعتماد على أهل الثقة على حساب أهل الخبرة والكفاءة؛ والبرهان على ذلك هو العسكرة الكاملة لوزارة النقل، بل إن العسكرة امتدت لكافة قطاعات الدولة دون استثناء. إضافة إلى ذلك فإن النظام التراتبي الإداري المعمول به في السكك الحديدية يعتبر من أهم أسباب أزمات المرفق، يحث يتم تعيين الموظف الأقدم في المواقع الإدارية، وبهذا ربما ينتهي الأمر بموظف كان في قطاع الورش رئيساً لهيئة سكك حديد كبيرة، بينما هو لا يملك الرؤية ولا الوعي، بما يحدث من تطور في هذا المجال في العالم، بما يمكنه من إدراك التطور الجاري في ملف السكة الحديد والسعي لتحديثه.

الأكثر خطورة أن السيسي سوف ينفق عشرات المليارات بدعوى التطوير والتحديث رغم أن ما يقوم به ليس سوى شكل من أشكال الصيانة ليبقي مرفق السكة الحديد ــ في حقيقة الأمر ـ  قديما بلا تحديث، الراجح أن السيسي يفعل ذلك من أجل خصخصة القطاع خلال السنوات المقبلة وقد ألمح هو بذلك في مارس 2018 عندما أعلن “ممعناش فلوس لتطوير السكة الحديد”، وبعد تصريحات السيسي بثلاثة أيام فقط وافق البرلمان في 4 مارس 2018م  على تعديل بعض أحكام القانون رقم 152 لسنة 1980، الخاص بإنشاء الهيئة القومية لسكك حديد مصر، والذي يقضي بإشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل وصيانة مشروعات البنية الأساسية، وشبكات هيئة السكك الحديدية على مستوى الجمهورية، إيذاناً بتحرير أسعار تذاكر القطارات من جهة، والدخول في مرحلة خصخصة المرفق من جهة ثانية. ثم جرى رفع أسعار تذاكر القطارات بنسبة تصل إلى 200% ليتحمل الشعب وحده تكاليف صيانة المرفق وهو ما يتسق تماما مع توجهات السيسي بتحميل الفقراء النسبة الكبيرة من ميزانية الدولة. فهل يستغل السيسي هذه الحوادث ليعلن عجز الدولة عن تحديث المرفق والدخول مباشرة في مرحلة الخصخصة التي مهد لها بتصريحاته من جهة وتعديل القوانين من جهة أخرى؟

 

 

 

—————————————————

[1] مصدر بالسكك الحديدية: سوء الإدارة هو المتهم الأول في حادث سوهاج.. والوزير للمواطنين: «استحملونا شوية لحد ما نخلص تطوير.. وادفعوا التذكرة»/ مدى مصر 27 مارس 2021م 

[2] خسائر كبيرة لهيئة السكك الحديد بمصر/ الجزيرة نت 13 يناير 2019

[3] «سيادة الرئيس هذه شكاوي».. عبدالناصر سلامة المصري اليوم  الإثنين 14 أغسطس 2017

[4] الثورة اليوم: 13 مايو 2018، فضيحة.. 100 جنرال بوزارة النقل يتقاضون 50 مليون جنيه شهرياً!

[5] مصر: حبس 8 متهمين احتياطياً في حادث تصادم قطاري سوهاج/ العربي الجديد 29 مارس 2021

[6] حادث قطاري الصعيد.. ينكأ جراح مرفق السكك الحديدية بمصر/ الجزيرة نت 29 مارس 2021

[7] مع الأسف تكررت الكارثة: صدام قطاري سوهاج.. عشرات القتلى ومتهمين «مجهولين» وإيقاف سائقين/ مدى مصر 26 مارس 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قراءة في تصريحات السيسي لـ «دي فيلت» الألمانية

      نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكالة الأنباء الرسمية في مصر، السبت 24…