‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا مُحددات المواقف الدولية من التقارب التركي المصري
تركيا - مصر - أبريل 12, 2021

مُحددات المواقف الدولية من التقارب التركي المصري

كانت الأزمة بين أنقرة والقاهرة قد انفجرت عام 2013 بعد قيام الجيش المصري بعزل الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، الأمر الذي واجهته القيادة السياسية التركية بنقد لاذع للغاية، كما احتدمت الأمور مع الخلافات المتصاعدة بين تركيا وعدة دول من بينها مصر على تقاسم الثروات النفطية والغازية في شرق المتوسط، ما نتج عنه جمود شامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتصعيد تعلو وتيرته أحيانًا وتخفت أحيانًا أخرى. ومؤخرًا تفاجأ المُتابعون للشأن التركي بتصريحات مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول مصر، والتي وُصفت بأنها قد تشير إلى بداية عهد جديد من العلاقات بين البلدين.

التقارب التركي المصري

 

كانت الأزمة بين أنقرة والقاهرة قد انفجرت عام 2013 بعد قيام الجيش المصري بعزل الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، الأمر الذي واجهته القيادة السياسية التركية بنقد لاذع للغاية، كما احتدمت الأمور مع الخلافات المتصاعدة بين تركيا وعدة دول من بينها مصر على تقاسم الثروات النفطية والغازية في شرق المتوسط، ما نتج عنه جمود شامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتصعيد تعلو وتيرته أحيانًا وتخفت أحيانًا أخرى. ومؤخرًا تفاجأ المُتابعون للشأن التركي بتصريحات مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول مصر، والتي وُصفت بأنها قد تشير إلى بداية عهد جديد من العلاقات بين البلدين.

 

حيث وصف إبراهيم قالن، المتحدث باسم الرئاسة التركية، في حوار صحفي مصر بأنها قلب العالم العربي وعقله، مؤكدًا استعداد بلاده فتح صفحة جديدة مع القاهرة وعدد من دول الخليج. وقد سبقت هذه التصريحات تصريحات أخرى لمسؤولين أتراك -منهم وزير الدفاع خلوصي أكار ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو- تحدثوا فيها بإيجابية عن مصر. ويرى البعض أن غاز شرق المتوسط هو المحرِّك وراء هذه التصريحات، وأن تركيا تريد الخروج من العزلة التي تعيشها في الشرق الأوسط وأوروبا. فما هي محددات مواقف القوى الإقليمية والدولية من هذا التوجُّه المصري التركي نحو التقارب؟

 

مُحددات الموقفين المصري والتركي: الموقف التركي المُستجد يندرج ضمن مسار بدأته أنقرة منذ فترة لتخفيف حدة التوترات مع عدد من الدول العربية والأوروبية، لا سيما في مواجهة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن التي لا تخفي تحفظاتها على نهج الرئيس أردوغان. ويرجع السبب المعلن لهذا التوجه التركي تجاه مصر بشكلٍ خاص إلى مناقصة التنقيب عن النفط والغاز التي أعلنتها مصر، وأخذت في الاعتبار الحدود المشروعة للجرف القاري التركي. أما الأسباب غير المعلنة فتعود إلى رغبة الرئيس أردوغان في كسر حالة العزلة التي تعيشها بلاده في الشرق الأوسط وأوروبا؛ بحيث باتت محاطة بالأعداء من الجهات الأربع، الأمر الذي انعكس سلبًا على اقتصادها الذي يسجل حالات تراجع ملحوظ، حيث يريد الرئيس أردوغان العودة إلى سياسة صفر مشاكل مع الجيران مجددًا، والتي كانت الأرضية الصلبة للقوة الاقتصادية التي نقلت أنقرة إلى عضوية منظومة الدول العشرين الأقوى عالميًا.[1] وعلى المستوى المصري؛ هناك عدد من العوامل الخارجية أجبرت مصر عام 2020 على إعادة تقييم أولويات سياستها الخارجية وركزت بالتحديد على التحديات وخفضت من حدة التوتر في مناطق التنافس. ومن بين العوامل المؤثرة في التقييم، هزيمة الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات، والنكسة التي تكبدها حلفاء مصر في ليبيا، وفشل الوساطة الأمريكية وحل النزاع حول سد النهضة في إثيوبيا، واتفاقيات التطبيع التي عقدتها دول عربية وخليجية مع الكيان الصهيوني مما يؤثر على مصر كونها وسيط الغرب المفضل في المسألة الفلسطينية. ومن هنا فخفض التوتر مع تركيا هو نتاج لعملية إعادة ضبط القاهرة لمجالات اهتمامها وقلقها.[2]

 

كما أن كلًّا من مصر وتركيا تنتظر بيقظة وخوف موقف الرئيس الأمريكي جو بايدن منهما؛ مصر بسبب المس الواسع بحقوق الإنسان، وتركيا بسبب شراء الصواريخ المضادة للطائرات من روسيا والتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط. ويجب رؤية جهود التقارب بينها وبين تركيا في هذا السياق، ويبدو أن كلتا الدولتين تنوي طرح خارطة سياسية جديدة أمام بايدن، وستكون تركيا –بحسبها- جزءًا من الحلف الجديد مع السعودية، وستكون اتفاقات التطبيع مع الكيان الصهيوني مثابة عائق أمام العقوبات، واستهدفت المصالحة بين دول الخليج وقطر إقامة سور ضد أي انزلاق مؤيد لإيران يمكن أن يقوم به بايدن.[3]

 

وفي الوقت الذي تزايدت فيه المنافسة على السلطة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط والقرن الإفريقي، ومع بدء التغيير الأخير للإدارة في واشنطن في التأثير على الشرق الأوسط، بدأت دول المنطقة في البحث عن طرق للتواصل لبعضهم البعض على الرغم من اختلافاتهم العديدة. وكان من بين هؤلاء مصر وتركيا، وانطلقت مواقف الفاعلين الدوليين من التوجُّه المصري التركي نحو التقارب من الملفات التي تجمع كلًّا من هؤلاء الفاعلين مع الطرفين المصري أو التركي في إطار المصالح المشتركة؛ ويُمكن إلقاء الضوء على مُحددات موقف كل طرف كالتالي..

 

مُحددات مواقف القوى الدولية:

 

الموقف اليوناني: الإشارات الإيجابية لعودة العلاقات المصرية التركية؛ من شأنها أن تثير قلق اليونان، لاسيما بعد فتح مصر باب التفاهم مع تركيا في منطقة شرق البحر المتوسط الغنية بموارد الغاز الطبيعي عبر إعلانها عن مناقصة للبحث عن الطاقة الهيدروكربونية، آخذةً بعين الاعتبار حدود الجرف القاري لتركيا. حيث أن خريطة المناقصة التي أعلنتها الحكومة المصرية توضح بأن المناطق الغربية في المتوسط تم تحديدها بموجب الاتفاق المُبرم بين القاهرة وأثينا، غير أن الخريطة المصرية تشير إلى أن المساحة الأخرى الواقعة شرق خط الطول 28، ترسم الحدود الجنوبية للجرف القاري التركي المشار إليها في الاتفاق التركي الليبي. ويُمكن اعتبار هذا التحرك المصري من وجهة النظر اليونانية؛ إشارة إلى محاولات القاهرة تجنُّب التوترات الحاصلة بين القوى الإقليمية بسبب أزمة جزيرة قبرص، وأن الخيار المصري يمكن النظر إليه على أنه خطوة متعمدة من القاهرة لترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات المحادثات المستقبلية مع أنقرة.[4]

 

الموقف الأمريكي: أدى استمرار حالة عدم الوضوح بشأن الدور الذي يُمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في العالم والشرق الأوسط إلى بدء معظم دول المنطقة بحشد الجهود من أجل إيجاد حلول للمشاكل الإقليمية، بالتزامن مع تزايد التوقعات التي تشير إلى استمرار سياسة الانسحاب الأمريكية من المنطقة، والتي بدأت في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، رغم الشعار الذي رفعه الرئيس الحالي جو بايدن الولايات المتحدة تعود. هذا التذبذب في السياسة الأمريكية، دفع العديد من الفاعلين إلى إعادة تنظيم علاقاتهم الإقليمية والثنائية، فيما أصبح تجنُّب تكاليف الأزمات التي قد تسببها الولايات المتحدة، يمثل سياسات أكثر عقلانية بالنسبة للعديد من الجهات الفاعلة في المنطقة والعالم.[5] ولا شك بأن للخلاف المصري التركي سقف ترسمه كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. هذه الأطراف الثلاثة، تساند الرئيس أردوغان في ليبيا ضد مرتزقة فاغنر حتى لا يكون لروسيا موطئ قدم فيه، حيث استعان الرئيس التركي لمواجهتها بعناصر من التيارات الإسلامية المقاتلة في سوريا ما عقَّد الموقف أكثر، حيث ألقت الأزمة الليبية بظلال قاتمة على أمن مصر، بشكل خاص، والعلاقات المصرية التركية، بشكل عام.[6] وهكذا يُمكن القول بأن الموقف الأمريكي من التقارب المصري التركي غير واضح؛ لكنه بالطبع يظل أحد المحركات باتجاه المصالحة؛ لتفادي حدة التوتر القائم بين الولايات المتحدة وكلٍّ من مصر وتركيا.

 

موقف فرنسا: تبادل الرسائل الإيجابية بين الحكومتين التركية والفرنسية آخذ بالازدياد في التقارب وتحسين العلاقات بينهما في الفترة الأخيرة، فوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو كان قد قال بأن تركيا وفرنسا تعملان على خريطة طريق لتطبيع العلاقات، وأن أنقرة مستعدة لتحسين الروابط مع شريكتها في حلف شمال الأطلسي، وقد أبدت باريس الرغبة نفسها.[7] ومن ثمَّ؛ فمن المحتمل أن تفتح التطورات الإيجابية الأخيرة في العلاقات بين تركيا وفرنسا، الحليف الوثيق لمصر، باب الحوار بين أنقرة والقاهرة.[8]

 

الموقف الإفريقي: تحدَّت تركيا النفوذ المصري في أجزاء من إفريقيا، لكنها كانت معركة شاقة، وأحيانًا كانت مبالغًا فيها في الصحافة الإقليمية. فكانت لتركيا علاقات جيدة مع الرئيس السوداني عمر البشير، المتهم بجرائم الحرب والذي أطيح به في عام 2019، والذي كانت تجمعه بمصر علاقات سيئة، الأمر الذي تغير في الفترة الأخيرة حيث تحسَّنت علاقات مصر بالسودان ف مواجهة إثيوبيا بسبب قضية سد النهضة. وفي موضع آخر؛ التقت مصر وتركيا في جهودهما الدبلوماسية في غينيا بيساو والسنغال والصومال.[9] كما زار رئيس المخابرات المصرية عباس كامل تشاد والنيجر الشهر الماضي، وعرض التعاون العسكري، وكان الدافع الأساسي للزيارتين هو إقامة التوازن مع تركيا، كما تدعم فرنسا وألمانيا هذه المبادرة. من الواضح الآن أن نزاع القاهرة وأنقرة لم يكن له تأثير إيجابي على المدى الطويل. الاتفاق الذي قد يحدث في ليبيا قد يفتح الباب أمام المزيد من التفاهمات، وربما تقوم مصر بتصدير غازها إلى أوروبا عبر ليبيا، ربما تأمل أنقرة بالدخول من الباب نفسه الذي فُتح لقطر، وربما تفرض الظروف الحالية ذلك.[10] ومن ثمَّ فإن التقارب المصري التركي يصب في الصالح الإفريقي الذي سيتحول من ساحة صراع إلى ساحة للتعاون؛ وهكذا فمن المنتظر أن تكون المواقف الإفريقية داعمة لهذا التقارب.

 

الخُلاصة؛ تسمح المصالحة الخليجية لتركيا بتقوية علاقاتها مع قطر والكويت وعمان بينما تتوصل إلى انفراج مع المملكة العربية السعودية، وإلى حد ما، الإمارات العربية المتحدة. بالتوازي مع ذلك، أجرت اليونان وتركيا أول محادثاتهما الرسمية المباشرة منذ خمس سنوات بشأن المواجهة في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، بينما استعدت الأمم المتحدة لعقد اجتماع لاختبار ما إذا كان حل المشكلة القبرصية ممكنًا. ويجب أن تكون القاهرة قد حسبت أنه لن يكون من مصلحتها أن تظل معادية لتركيا بينما كان شركاؤها في الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​-بشكل أساسي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية واليونان والكيان الصهيوني وحتى فرنسا- يوقفون التصعيد مع أنقرة. كما أن لتركيا مصلحة حيوية في منع مصر من أن تكون رهينة للدول الأخرى التي ترغب في استخدامها كدرع في معاركها مع تركيا – خاصة الإمارات واليونان. بهذا المعنى، تمد أنقرة يدها من خلال الانفتاح على مصر، ويمكن قول الشيء نفسه عن القاهرة تجاه تركيا.[11] وبالنظر في علاقات تركيا المتوترة مع الدول الأخرى، يُمكن اقتراح العلاقات التركية الروسية كنموذج محتمل للمصالحة. فعلى الرغم من مواقفهما المتباينة، طورت أنقرة وموسكو تفاهمات سياسية بشأن سوريا والقوقاز وشمال إفريقيا. وحتى لو لم تحدث مصالحة كاملة بين أنقرة والقاهرة في وقت قريب، فربما يدخلون في فترة انفراج، والتي ستظل خطوة إيجابية. مثل هذا التطور قد لا يمنعهم فقط من الإضرار بمصالح بعضهم البعض في المنطقة، بل قد يُمهد الطريق أيضًا للمصالحة في المستقبل.

 

 

——————————————–

[1]  “شرق المتوسط: هل الغاز هو المحرك وراء “الغزل” التركي لمصر؟ – صحف عربية”، عربية BBC، 11/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/2ZUsf

[2]  “تركيا تفاجئ الجميع بـ”انقلاب سياسي”… ماذا يجري خلف الكواليس مع مصر”، عربية Sputnik، 12/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/t7RyF

[3]  تسفي برئيل، “صحيفة إسرائيلية: مصر وتركيا والسعودية.. خارطة سياسية جديدة لمواجهة بايدن بعد قمة “العلا” الخليجية”، القدس العربي، 25/1/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/HpcPq

[4]  محمود حسين، “مصر وتركيا.. مزيد من الإشارات الإيجابية فهل اقتربت المصالحة؟”، D& W، 6/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/vxGIP

[5]  ويسل قورت، “قراءة تركية في المسار التاريخي للعلاقات بين أنقرة والقاهرة”، ترك برس، 24/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/Jeay5

[6]  د. عبد الله الأشعل، “مستقبل العلاقات المصرية – التركية في العام الجديد”، مركز سيتا، 8/1/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/cPgKS

[7]  محمد زاهد غول، “تركيا وفرنسا.. وطريق المصالحة”، الرواية، 12/1/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/9eUMB

[8] SINEM CENGIZ, “Can Turkey and Egypt break the ice after years of chilly relations?”, Arab News, 5/3/2021. At: https://cutt.us/7vMUj

[9] “A thaw in Turkey’s relations with Egypt?”, Al- Monitor, 12/3/2021. At: https://cutt.us/cC995

[10]  هدى رزق، “مصر وتركيا على أبواب المصالحة أو المصالح المشتركة؟”، الميادين، 22/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/ALUWe

[11] Ali Bakir, “Turkey-Egypt relations: What’s behind their new diplomatic push?”, Middle East Eye, 12/3/2021. At: https://cutt.us/GIbxN

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قراءة في تصريحات السيسي لـ «دي فيلت» الألمانية

      نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكالة الأنباء الرسمية في مصر، السبت 24…