‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «الاختيار 2».. توظيف الدراما سياسيا لتحويل الجريمة إلى بطولة
مصر - أبريل 28, 2021

«الاختيار 2».. توظيف الدراما سياسيا لتحويل الجريمة إلى بطولة

لإنفاق الباهظ على (الاختيار 2) لتسويق الرواية الأمنية عن أحداث الانقلاب العسكري وما تلاه من مذابح وحشية، برهان على أن مذبحة فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة والتي قتل وأصاب فيها الجيش والشرطة آلاف المصريين في يوم واحد، تمثل عقدة لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي.

 

 

الإنفاق الباهظ على (الاختيار 2) لتسويق الرواية الأمنية عن أحداث الانقلاب العسكري وما تلاه من مذابح وحشية، برهان على أن مذبحة فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة والتي قتل وأصاب فيها الجيش والشرطة آلاف المصريين في يوم واحد، تمثل عقدة لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي. فدماء الشهدا ستظل تلاحقهم باللعنات إلى يوم الدين، وتهز شرعية النظام وأجهزته الأمنية والعسكرية بعد هذا الكم الهائل من الدماء التي أريقت خارج إطار القانون؛ لا لجناية فعلوها سوى أنهم تمسكوا بالأمل في وطن حر وحماية إرادتهم الحرة وديمقراطيتهم الوليدة ورئيسهم المدني الذي جرى انتخابه في أنزه انتخابات في تاريخ مصر كله قبل هذه المذبحة بعام واحد فقط. كما أن الدعاية الضخمة للمسلسل تبرهن على هروب النظام من العالم الحقيقي الذي فشل في تحقيق أي إنجاز يذكر فيه إلى العالم الافتراضي؛ فشل النظام اقتصاديا وبات يعتمد على القروض والتسول وفرض الرسوم والضرائب الباهظة وغلاء الأسعار، وفشل في حماية أمن الوطن فتنازل عن “تيران وصنافير” وحقوق مصر المائية، زاد الفقر وارتفعت معدلات البطالة في الوقت الذي ارتفعت فيه الديون الضخمة؛ فهرب من الفشل في تحقيق إنجاز حقيقي إلى الإنجازات الوهمية في العالم الافتراضي ودنيا الأفلام والمسلسلات.

(الاختيار 2) يعيد إلى الأذهان سلسلة الأفلام الأمريكية “رامبو” التي قام ببطولتها سلفستر ستالون، أحد أشهر الممثلين في هوليود، في ثمانينات القرن الماضي؛ ليقلب الحقائق ويزيف التاريخ ويظهر الفيتناميين كوحوش بلا قلب أو إنسانية؛ رغم أن أمريكا هي من احتلت فيتنام خلال هذه الحرب التي امتدت لعشرين سنة (1955 ـ1975)، بدعوى مساندة الجنوبيين ضد التمدد الشيوعي، وأرسلت نحو 184 ألف جندي، عاثوا فيها فسادا، قصفوا القرى والمدن بملايين الأطنان من القنابل المحرمة دوليا، ارتكبوا مئات المذابح الوحشية المروعة، وقتلوا عشرات الآلاف من الفيتناميين الذين يدافعون عن وطنهم، واغتصبوا النساء ويتموا الأطفال. ورغم ذلك خرجت السينما الأمريكية في سلسلة أفلام “رامبو” الشهيرة تمجد في العسكرية الأمريكية  وتشوه الضحايا!  واتضح بعد ذلك أن الهدف منها ليس تزييف التاريخ فقط بل محاولة شرعنة جرائم القتل الأمريكية وترميم صورة  الجنود الأمريكيين التي تشوهت بهزيمة مذلة على يد الفتناميين، فبدا رامبو بطلا خارقا يدافع عن الإنسانية والجمال في تزييف واسع ومستفز للحقائق التي باتت معلومة للجميع في يومنا هذا.

المسلسل أيضا يعكس كيف وصل جنرالات الجيش الذين سطوا على الحكم بانقلاب عسكري إلى الحضيض، ويبرهن على أن طبعهم الخسيس غلاب؛ فلا يوجد في التاريخ  سفاح يتباهى بجرائمه في حق شعبه عبر عمل درامي على شاشات التلفاز. فالمسلسل المشبوه يأتي في وقت كان يتعين فيه على أهل الحكم ــ لو كانوا راشدين  ــ لملمة الصفوف لمواجهة العدوان الإثيوبي وجفاف النيل المرتقب باعتبارها قضية قومية تستوجب الوحدة والتكاتف، لكن النظام العسكرى أبى إلا الإصرار على شق الصفوف وتمزيق كل أواصر الوحدة وتفتيت كل معنى لتماسك المجتمع وقوته لمواجهة هذه الأخطار الوجودية الخطيرة. معنى ذلك أن بقاء هذا النظام في حد ذاته أكثر خطورة على مستقبل مصر من العدوان الإثيوبي والتهديد بحجز مياه النيل؛ لأن العدوان الإثيوبي يمكن مواجهته لو كان يحكم مصر عقلاء يقدمون مصالح الوطن على الأطماع والمصالح الشخصية والولاء للوطن على ما سواه؛ أما بقاء هذا النظام فهو استنزاف للوطن وتدمير لقدراته المناعية وإضعاف له أمام أعدائه؛ فلا معنى للوطنية في وطن يحكمه أعداء الوطن بالوكالة. فهؤلاء يصرون على أن يبقى المصريون ممزقين متفرقين لأن وحدتهم  خطر على وجود مثل هذا النظام المستبد الذي يقدم مصالح العدو على مصالح مصر وشعبها، وحماية أمنها القومي.

«الاختيار2» برهان على أن النظام تستحوذ عليه شكوك حول قناعة الشعب بروايته المفبركة حول الأحداث ومذبحة رابعة والنهضة وغيرها من المذابح  الجماعية المروعة؛ ولذلك يستخدم أدوات الدراما وحيلها من أجل تسويق هذه السردية في محاولة لتبرير جريمته الوحشية وفظاعته التي وثقتها شاشات عديدة كانت تنقل أحداث الاعتصام والفض على مدار اليوم. وهي أيضا محاولة لغسل يده الملطخة بدماء الآلاف من الضحايا الأبرياء الذين كانوا يحلمون بوطن حر تسوده العدالة والمساواة.

بعرض المسلسل على هذا النحو فإن السيسي يصر على قتل الضحايا للمرة الثالثة، قتلهم في الميدان وأحرق جثامينهم بعد  أن جرفتها اللوادر العسكرية، وقتلهم مرة ثانية بمحاكمة الناجين من المذابح في محاكمات سياسية افتقدت إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة، ويقتلهم للمرة الثالثة بالإصرار على تبرير الجريمة وتحويلها إلى بطولة من التوظيف الدرامي الذي يجري الإنفاق عليه ببزخ شديد من أموال الضحايا التي صودرت وجرى نهبها على نحو واسع.

هذا الوضع الغريب والشاذ، دفع صحيفة “الجارديان” البريطانية إلى توجيه انتقادات لاذعة للحكومات الغربية لموقفها المشين من الانقلاب العسكري في مصر.وفي سياق تعليقها على حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة في سبتمبر 2018 ضد 75 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين قالت “الجارديان” في  افتتاحيتها:

  • إن المحاكمات الجماعية التي صدرت بإعدام المئات لمجرد احتجاجاهم على الانقلاب العسكري، هي “عار على مصر”».
  • «في الديمقراطيات التي تحكم بناء على القانون يتم عادة محاكمة مرتكبي المذابح، وفي مصر يحاكم الناجون منها ويحكم عليهم في بعض الأحيان بالإعدام.
  • في الديمقراطيات التي يحكمها القانون فالمحاكمات عادلة وسريعة، أما في مصر فالناجون من المذابح يسجنون لخمس سنوات قبل المحكمة وتتم محاكمتهم جماعياً بدون دفاع حقيقي، وهو الأمر المميز والصارخ في محاكمات 739 متهماً الذين يزعم النظام أنهم كانوا ضمن المحتجين الذين خرجوا ضد الانقلاب الذي دفع الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013م.
  • في المقابل لم يقدم أي من عناصر الشرطة للمحكمة أو صدرت ضدهم أحكام ضد ما قاموا به في مذبحة رابعة العدوية التي اعتصم فيها داعمو الديمقراطية، التي أطيح بها، وتم إجبار المتظاهرين على الخروج منها عام 2013».[[1]]

وفي السياق ذاته، ندّدت منظمتا “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” بحالة “الإفلات من العقاب”، ووصفا ما جرى في رابعة بأنها  “أكبر عمليات القتل الجماعي في تاريخ مصر الحديث” وترقى إلى اعتبارها جرائم ضد الإنسانية. واستنكرتا إفلات القتلة من العقاب وكيف يد العدالة عن ملاحقة المتورطين في هذه الجريمة  الوحشية.

الحق أن «رابعة» هي مجزرة مع سبق الإصرار والترصد، ولن يغير من حقيقتها مسلسل يشارك من خلاله ممثلون يحصلون على عشرات الملايين لتغيير تاريخ لا يزال غضا حديثا عاينه ملايين المصريين؛ فدماء الشهداء والضحايا أقوى من تزوير الدراما مهما رصدوا لها من أموال باهظة سطوا عليها من ممتلكات الضحايا وأقوى من أدوات الخداع والإبهار الدرامي!  فكل طاغية أو دكتاتور يبني مجده على انتصارات وهمية؛ فيحيط نفسه ببطانة السوء من مؤيديه ليصنع لنفسه زعامة مصطنعة من تأييدهم الأعمى، يعمل بشكل دؤوب لمحو كل دليل يدينه ويفضح ظلمه وطغيانه، يتلاعب بأجهزة الدولة كما يتلاعب بعرائس الماريونت، يحركهم كيفما شاء ليزيف التاريخ، ويكرس سرديته المليئة بالأكاذيب المضللة والأساطير البديلة لإشباع غريزته الاستبدادية من جهة، وإرضاء غروره وغرور مؤيديه من جهة أخرى. يوظف آلته الإعلامية حتى تسبح بحمده ليل نهار، لتحيل جرائمه الوحشية وسلوكه المشين إلى إنجازات عبقرية تستوجب التقدير والحصول على أنواط الشجاعة.

 

أزمة الشرعية

لا يمكن فهم رسالة مسلسل «الاختيار 2» الذي الذي يجري بثه في رمضان الحالي(1442هــ/2021م) على شاشات النظام العسكري في مصر إلا بناء على  أن هذه مذبحة (رابعة) الوحشية التي ارتكبتها قوات من الجيش والشرطة في 14 أغسطس 2013م، بأوامر مباشرة من وزير الدفاع حينها الجنرال عبدالفتاح السيسي، وأدت إلى مقتل وإصابة آلاف المصريين في يوم واحد، هي الحدث الأبرز والمؤسس لشرعية نظام  3 يوليو 2013م. فالرئيس الأسبق حسني مبارك كان يؤسس شرعية نظامه على أمرين: الأول، هو ثورة 23 يوليو . والثاني، المساهمة في انتصار اكتوبر. وعلى هذ النحو جرى تضخيم ما تسمى بالضربة الجوية الأولى طوال حكم مبارك الذي امتد لثلاثين سنة؛ على اعتبار أن مبارك كان رئيس سلاح القوات الجوية وقتها. أما السادات فكان يعتمد في شرعية نظامه على 23 يوليو من جهة، وحرب أكتوبر من جهة ثانية. وحاول إضفاء المزيد من الشرعية على نظامه من خلال الزعم بأنه رجل الحرب والسلام بعد اتفاق التطبيع مع العدو الصهيوني بعد كامب ديفيد 1978م. والدكتاتور جمال عبدالناصر أسس شرعية نظامه على 23 يوليو رغم أنها كانت انقلابا صارخا على النظام الملكي؛ وبالقوة والقهر والدعاية الضخمة جرى تسويق الانقلاب على أنه ثورة؛ رغم أنه من المعلوم يقينا أن الثورات من صنع الشعوب، أما الانقلابات فمن تدبير الجيوش. وحركة 23 يوليو كانت عسكرية خالصة.

فماذا عن السيسي؟ وماذا عن الشرعية المؤسسة لنظامه وقد اغتصب الحكم بانقلاب عسكري في 3 يوليو 2013م؟ فإلى أيّ شيء تستند شرعية نظام السيسي الذي صعد إلى الرئاسة في سياق غير ديمقراطي، وعلى سلّم انقلابيّ واضح، ولم تكن له سابقة عسكرية تذكر، ولا هو من جيل “الثورة” ولا من جيل الحرب، كما أنّه لم يكن نائباً لرئيس سابق، بخلاف كلّ من السادات نائب عبد الناصر، ومبارك نائب السادات؟!

أحد أهم أزمة الشرعية في نظام السيسي أنه ليس ديمقراطيا ولم يأت بإرادة شعبية؛ كحال الأنظمة العربية التي لا تنبثق شرعيتها من إرادة شعوبها انبثاقا طبيعيا كما في النظم الديمقراطية؛ فالشعب ليس مصدر السلطات، ولا هو المجدد لشرعية النظام الحاكم، والذي لا يستند بدوره في استمراره إلى شرعية الإنجاز، وإنما إلى شرعية تاريخية تقادمت، بما يضعف مفعولها الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، كشرعية الثورة، سواء كانت ثورة حقيقية ضدّ الاستعمار كالثورة الجزائرية، أو الثورة الفلسطينية المعاصرة، أو كانت انقلاباً كما هو الحال في البلاد التي حكمتها أنظمة عسكرية/ قومية، أو شرعية السلالة، أو شرعية التوحيد والتأسيس. وإذا كانت هذه الشرعيات مفهومة في إنشاء الدولة، وفي تسويغ النظام في مراحله الأولى، فإنها غير مفهومة لمنح الديمومة لنظام أو لسلطة سياسية، لا تنبثق عن الشعب، أو لا تملك إنجازاً يعتدّ به.

الدعاية الضخمة التي يحظى بها مسلسل (الاختيار 2) والاهتمام الواسع به من جانب النظام وأجهزته حتى إن إحدى الشركات المخابراتية هي التي تتولى إنتاجه وتنفق عليه بسخاء بالغ إنما يعني أن فضّ اعتصام رابعة هو الحدث المؤسس لشرعية النظام. فاعتصام رابعة والنهضة من وجه كان استمرار لثورة يناير، ومن وجه آخر كان ينطوي على الحق الخالص المثابر الصامد في وجه نظام انقلابي تمكن بدعم دولي وإقليمي من توظيف الغرائز الأولية لتجنيد أحزاب ورموز سياسية يئست من الفوز بثقة الشعب بأدوات الديمقراطية، ثم جرى العصف بهم بعد ذلك في أجواء مشحونة من الكراهية والعنصرية التي تفوق النظم الفاشية  العنيفة. وبهذا كان سحق اعتصام رابعة تأسيساً فعليّاً لحقبة السيسي بأكثر من اعتبار. إنّه الإعلان الصريح عن القطع مع ثورة يناير، وميلاد نظام 3 يوليو القائم على أيديولوجيا الدم والقمع كمبادئ مؤسسة للنظام الجديد القديم.

يدرك السيسي تماماً بشاعة ما اقترفه، بالفضّ الدموي للاعتصام، كما يدرك وضاعة الخديعة التي أحاط بها الرئيس الذي رفع رتبته وعينه وزيراً للدفاع، فما المجد الذي يمكن للسيسي أن يدعيه في بقية (عقود) حكمه كما يأمل؟ لا بدّ والحالة هذه من إعادة تشكيل التاريخ والذاكرة على الفور، لتحويل البشاعة والوضاعة إلى مجد يمكن الافتخار به. ولمّا كان العصف بالثورة والديمقراطية وسحق الإخوان، والتآمر عليهم والمكر بهم، هو التأسيس الفعلي لصعود السيسي، فإنّ المعركة معهم راهنة وستبقى مفتوحة، حتى لو الجماعة نفسها لم تعد فاعلة، وحتى لو كان معسكر الثورة بكل أطيافه وتياراته ممزقا؛ فاستدعاء التاريخ المزوّر واختلاق السرديات من أهم أدوات هندسة الوعي وصناعة الشرعيات الزائفة.

من جانب آخر، فإن السيسي حتى اليوم لا يملك إنجازاً يجدّد به شرعيته، وذلك وسط ما يلفّه من تشكيك، جرّاء الانتكاسات التي منيت بها مصر في الملفات الإستراتيجية الثقيلة، في الجغرافيا والغاز والمياه، وطبيعة العلاقة الغامضة مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يدفع نحو الاستدعاء المزمن واللحوح للحظة التأسيس الأولى، أي سحق الإخوان المسلمين، بعد إعادة تصويرها بما يجعلها إنجازاً وطنيّاً، ويجعل السيسي “الرئيس الضرورة”، و”الرئيس الاختيار” في الوقت نفسه، بحسب مصطلحات الراحل محمد حسنين هيكل! السيسي لم يكن وحده في صناعة المذبحة، كما لم يكن وحده في الإدارة المريبة للملفات الثقيلة للدولة المصرية، مما يجعل الحاجة للعودة إلى لحظة فضّ رابعة حاجة للنظام كلّه، الذي بنى سمعته، على صور أسطورية، تدمج بين “وطنية النظام الناصعة”، و”تحفّزه الدائم ضدّ الأعداء الخارجيين”، وبين الوطنية المصرية العصابية المتمركزة حول الذات. وهذه السمعة التي جرى تصنيعها وتكريسها على مرّ عقود، تعاني الاهتراء وتواجه التشكيك بفعل السياق الذي صعد فيه السيسي، وبفعل تواطؤ أجهزة الدولة مع سياساته المريبة، الأمر الذي يحتاج عملية مستمرة وراهنة لتجديد السمعة والشرعية. ومن هنا فإنّ التوظيف المكثّف للدراما، كما في مسلسل “الاختيار”، وبالرغم من سخونة الحدث، وقرب العهد به وحضور شهوده، هو حاجة للنظام، وبما يعبّر عن أزمته، بقدر ما يعبّر عن انتصاره الراهن![[2]]

 

الأهداف والرسائل

الرسالة الأهم في (الاختيار2) هي التأكيد على تحولات العقيدة القتالية والأمنية للمؤسستين العسكرية والأمنية، فلم يعد النظام يقوم بوظائفه الأساسية في حماية الوطن وأمنه القومي، حتى لو كان العدو بالغ السفور في عدوانه كما في الحالة الإثيوبية التي تصر على حجز مياه النيل بدءا من يوليو المقبل 2021م؛ فالمهم عند النظام العسكري هو قمع  المعارضين في الداخل الذين ينتقدون سياساته وتوجهاته، فهم أكثر خطرا على بقائه واستمراره؛ والغريب أن النظام العسكري يتعامل مع العدوان الإثيوبي الصارخ والسافر بشكل سياسي وعبر المفاوضات رغم اليقين بعبثيتها، أما المعارضون المطالبون بالحرية والديمقراطية فيتم التعامل معهم عسكريا في انقلاب صارخ لوظيفة الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية.

الرسالة الثانية، إن (الاختيار 2) يعيد بناء جمهورية الدم الثانية التي أعلن عنها السيسي؛ ولعل أبرز تمثّلاتها كان في أغنية “احنا شعب وانتوا شعب”، فكان المعتصمون هم العدو وكبش الفداء، وتمت المجزرة التي تلعب دوراً في تماسك الشلة الناشئة وهي هنا النظام العسكري، مع العمل على منع الضحية من الاندماج في المجتمع، كما أن العنف تجاه هذه الضحايا مأمون العواقب فلا خوف من الثأر، بل إن الضحية تُشيطن وتصور على أنها الجاني، وهو ما يُذكرنا بما قاله السيسي بأن الضابط الذي سيَقتُل لن يُحاسَب. وبحسب الفيلسوف “باومان” فإن مثل هذه المجزرة “جريمة القتل الأولى كما جرى في رابعة” تمثل التأسيس التاريخي لشلة النظام الجديد، ويجب أن تخرج الضحية كما يرى باومان حية من المجزرة، لأن بقاءها حية يبث الخوف، ويعني أن النظام في حاجة دائمة إلى الوحدة، وهو ما رأيناه في شماعة الإخوان والإرهاب، ويضيف باومان أن الاشتراك في الدم هو السبيل الوحيد للانضمام لشلة النظام، “فلا يهم كثيراً عدد القتلى من الأعداء/الضحايا”، بل المهم هو العدد الكبير من القتلة، ومن المهم أيضاً ارتكاب الجريمة في العلن، في وضح النهار، وأمام أعين الجميع، ليظل النظام هو المأوى الوحيد. ويختتم باومان حديثه عن ميلاد مثل هذه الشلل المافياوية العنصرية القاتلة كالنظام العسكري في مصر بأن هذه الشلة “لا يمكنها أن تضمن بقاءها زمناً طويلاً إلا إذا حافظت على الجريمة الأولى من النسيان”(جريمة فضح رابعة والنهضة)، فالجناة بعلمهم بوجود أدلة على جريمتهم يجب أن يظلوا متحدين على قلب رجل واحد، “وأفضل طريقة لتحقيق ذلك تتمثل في الإحياء المنتظم، أو المتواصل، لذكرى الجريمة والخوف من العقاب عبر إضافة جرائم جديدة إلى الجرائم القديمة”. ومن هذه المجزرة الأولى تولد الجمهورية الثانية كما يسميها السيسي؛ ولذلك فإن المستهدف من الرسائل الواضحة للمسلسل ليس عموم الشعب المراد خداعه وتضليله، ولكنها جبهة النظام الداخلية من شرطة وإعلام وقضاء، فالجميع شارك في القتل، لتقوم الجمهورية الجديدة على جماجم الضحايا الذين كانوا يمثلون تهديداً لهم، بالإضافة إلى المواطن العادي الذي قد يعجب بالتصوير ومشاهد الأكشن، وبالتالي يكون عرضة في حالة هياجه العاطفي وشعوره بالتهديد لقبول رسائل مثل أن خطر جارك الإخواني أكبر من خطر إسرائيل، وسبيل النجاة هو الالتفاف حول الدولة وقيادتها.[[3]]

الرسالة الثالثة هي تكريس الانقسام المجتمعي وقطع الطريق على أمل في لم الشمل الوطني من خلال اعتماد النظام على نظرية “صناعة العدو”؛ فالمسلسل يحتوي على كثير من الرسائل لكن أكثرها خطورة على الإطلاق هو تعميق تكريس الانقسام السياسي في مصر. ويمكن فهم أهداف ورسائل مسلسل “الاختيار” بجزئيه من خلال اعتماد النظام على الاستغراق في   نظرية “صناعة العدو” وتكريس الانقسام المجتمعي، ويقصد بالعدو هنا “الإسلاميون” بعد أن بات الاحتلال الإسرائيلي صديقا وحليفا وعلى هذا الأساس يصر النظام على تقسيم المجتمع المصري واعتبار نصفه على الأقل من الإسلاميين عدوا له منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، ويتم توظيف  الخطاب السياسي والإعلامي وجميع مؤسسات الدولة لنسج الأكاذيب وفبركة الأخبار والقضايا والتهم حول هذا العدو “الوهمي” (الإرهاب) الذي يتسع بحسب أهواء النظام ليضم جميع الإسلامين الرافضين لانقلابه، كما يتسع ليضم  قوى علمانية أبدت معارضتها لسياسات النظام وتوجهاته. فالإرهاب هو البعبع الذي صنعه النظام بنفسه ويبالغ في تضخيمه من أجل توظيفه سياسيا وإقليميا ودوليا لخدمة أهداف ومصالح النظام حتى لو تعارضت مع الأمن القومي المصري.

الرسالة الرابعة هي ترميم شعبية المؤسسة الأمنية،  فالجزء الأول من المسلسل اهتم بترميم شعبية المؤسسة العسكرية، أما الجزء الثاني فيسعى إلى ترميم صورة الداخلية المعروف عنه البلطجة والاستعلاء على الشعب وإذلاله؛ الأمر الذي جعل المصريين يكرهون الظروف التي تضطرهم إلى التعامل مع أقسام الشرطة. فالداخلية هي سيف النظام العسكري القمعي الذي ترهب به الناس حتى يستسلموا خاضعين للنظام رغم فشله في كل شيء. وخلال السنوات التي تلت ثورة يناير ارتكب ضباط الشرطة وخاصة ضباط وعناصر جهاز أمن الدولة أحط الجرائم وأبشعها وسفكت دماء آلاف المصريين، من أجل إعادة إنتاج نظام مبارك بصورة أخرى تكرس مصالح الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة العميقة، وتضمن استمرار نفوذ المؤسسة العسكرية سياسيا واقتصاديا، فالداخلية مع المخابرات بنوعيها العامة والحربية هي من كانت تمثل “الطرف الثالث” الذي أثار الفوضى بعد الإطاحة بمبارك وعملت على إفشال المرحلة الانتقالية والحيلولة دون تأسيس نظام ديمقراطي، ولما نجحت ضغوط الشعب في اختيار رئيس مدني منتخب لأول مرة في تاريخ البلاد، تآمرت هذه الأجهزة على المسار الديمقراطي ودبرت انقلابها المشئوم بعد عام واحد فقط من انتخاب الرئيس. ونسفت  المسار الديمقراطي بكل عنف ووحشية، وعملت على إعادة تصميم النظام سياسيا واقتصاديا بما يضمن مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني وممالك وإمارات الخليج الثرية التي تربطها علاقة مصالح مع المؤسسة العسكرية.  مسلسل “الاختيار” إذا بجزئيه هو محاولة إعادة الاحترام والهيبة لصورة المؤسستين العسكرية والأمنية بعد أن تشوهت بفعل جرائمها المتكررة واحتكارها للسلطة والثروة بينما يئن غالبية الشعب في الفقر والجوع والحرمان.

الرسالة الخامسة هي تسويق الرواية الأمنية التي يتبناها النظام مهما كانت مفبركة وبالغة الركاكة، فالمسلسل يحاول تكريس الرواية الأمنية حول ثورة يناير والإخوان والانقلاب وتبرير المذبحة الأكبر والأكثر وحشية في تاريخ مصر (رابعة والنهضة) وما يجري حاليا في سيناء، والحط مما عداها من روايات مهما كانت قوية وموثقة وشديد العمق والإقناع، وعلى هذا الأساس يتم  توظيف عناصر العمل الدرامي لتحقيق هذا الهدف،  فيتم توظيف القصة والسيناريو وانتقاء الممثلين والبنية النفسية لشخصيات العمل  والمبالغة في تجميل عناصر الجيش والشرطة ليظهروا في صورة طيبين غيورين على الوطن ويتصفون بصفات أسطورية ، مقابل الإسلاميين المتشددين الإرهابيين الذين يمثلون الشر. ([4]) فـ«”المسلسل” يعكس منطق اللعبة الصفرية التي تمارسها وتجيدها كافة الأنظمة السلطوية، والتي تقوم على مبدأ: إما نحنّ وإما همّ. فيحاول المسلسل “أسْطَرَةَ” العسكر والشرطة، وترسيخ صورتهم الذهنية لدى العوام، وذلك من خلال استعراض “أسطوري” لشخصية ضباط الجيش والشرطة، في الوقت الذي يتم فيه إظهار الآخرين المعارضين في صورة شريرة حتى يستجلب التعاطف مع الأبطال الوهميين من ضباط الجيش والشرطة رغم أنهم السفاحون القتلة في معظم الأحدث التي جرت أثناء ثورة يناير وما بعدها وخصوصا في مذبحة “رابعة”.

الخلاصة، أن الإنفاق الباهظ على عمل درامي لتكريس رواية النظام العسكري حول ثورة يناير ومذابح رابعة والنهضة يؤكد أن النظام لا يزال يعاني أزمة كبيرة في مجالين رئيسَين هما الشرعية والثقة. ولو كان النظام يؤمن أنه يمتلك شرعية حقيقية بين الناس لما اضطر لصرف الملايين على عمل درامي يسعى من خلاله لتثبيت شرعيته في الحكم، وتحويل الانقلاب في وعي الناس إلى ثورة.  ولو لم يكن السيسي وأركان حكمه يعلمون أن أغلبية الشعب المصري لا تثق بهم لما اضطر لمثل هذا العمل لإعادة بناء الثقة. المسلسل في هذا  التوقيت وفي وقت تتعرض فيه مصر لتهديدات وجودية متمثلة في إصرار أثيوبيا على حجز مياه النيل يمثل برهان على خلل الأولويات لدى النظام وأن يتسم بقدر هائل من الغباء يستحق معه أن يكون مسئولو هذا النظام في مستشفى للأمراض العقلية وليس على كراسي الحكم في أكبر دولة عربية.

ما حصل خلال الأيام الماضية من ردة فعل على محاولات تزوير التاريخ كان أمرا جيدا، ولكن المؤمنين بأهمية النضال ضد نظام القمع والانقلاب مطالبون بعمل مستدام لاستثمار الحدث. إن أهم ما يمكن عمله الآن هو البدء بحملة توثيق بالنصوص والفيديوهات والرسائل الصوتية من شهود عيان عبر منظمات حقوقية، ليتحول هذا الجهد إلى كتب ووثائق وأفلام وثائقية تبقى للأجيال القادمة، لضمان وصول الرواية الحقيقية لهم عن الأحداث،[[5]] وبات من الضروري التفكير في عمل سينمائي ضخم لتوقيق الحقيقة عن الجرائم الوحشية التي اقترفتها مليشيات السيسي من الجيش والشرطة والقضاء والإعلام في هذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر.

 

 

 

[1] غارديان: الناجون من المذابح بمصر يسجنون ويعدمون/ “الجزيرة نت” ــ 17 سبتمبر 2018

[2] ساري عرابي/مسلسل الاختيار.. المذبحة أساساً للشرعية!/ “عربي 21” ــ الثلاثاء، 20 أبريل 2021

[3] بلال هشام/الاختيار 2.. تأسيس جمهورية الدم الثانية/ عربي بوست ــ 18 أبريل 2021

[4] خليل العناني/ بؤس “الاختيار” بين العسكر والإسلاميين في مصر/ الجزيرة نت  الخميس 7 مايو 2020

[5] فراس أبو هلال/ كيف يظهر “الاختيار2” أزمة النظام وكيف يمكن استثماره؟/ “عربي 21” ــ الإثنين، 19 أبريل 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قراءة في تصريحات السيسي لـ «دي فيلت» الألمانية

      نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكالة الأنباء الرسمية في مصر، السبت 24…