‫الرئيسية‬ إفريقيا الأزمة السياسية في تشاد وتصاعد التوتر بعد مقتل ديبي
إفريقيا - مايو 4, 2021

الأزمة السياسية في تشاد وتصاعد التوتر بعد مقتل ديبي

مثَّل مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي عبورًا إلى المجهول في المشهد الداخلي والإقليمي والدولي الذي كان إدريس ديبي صاحب الأثر الأكبر فيه؛ على مدى ثلاثين عامًا

الازمة السياسية تشاد

 

مثَّل مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي عبورًا إلى المجهول في المشهد الداخلي والإقليمي والدولي الذي كان إدريس ديبي صاحب الأثر الأكبر فيه؛ على مدى ثلاثين عامًا، حكم فيهم الرجل الذي قُتل أثناء تفقُّده لقواته المنشغلة في مواجهة المتمردين، وذلك بعد ساعات من انتخابه لولاية سادسة. هذا الحدث الذي هزَّ جمهورية التشاد، يُنذر باضطرابات أمنية قد تهدِّد استقرار بلدان مجاورة مرتبكة بالأساس مثل ليبيا والسودان، وهو ما يُمكن أن ينعكس على أمن المنطقة برمتها. فكيف يُمكن أن يؤثر مقتل ديبي على الداخل التشادي والتوازنات الإقليمية والدولية؟ هذا هو ما سنحاول الإجابة عنه خلال تلك الورقة.

 

جذور الأزمة: بعدما أكَّد الرئيس التشادي إدريس ديبي أنه سيرشح نفسه لولاية سادسة في انتخابات إبريل المُقبل، وذكر أنه اتخذ القرار استجابةً لمطالب الشعب، خرج الشعب التشادي محتجًّا في الشوارع بمجرد إعلانه الترشح. وأطلقت الشرطة في تشاد الغاز المسيل للدموع، واعتقلت بعضًا من مئات المحتجين على ترشيح رئيس البلاد إدريس ديبي. وكان ديبي (68 عامًا)، الذي تولى السلطة عبر تمرد في عام 1990، قد دفع بدستور جديد في 2018 أعاد تحديد الفترات الرئاسية، لكنه سمح له بالبقاء في السلطة حتى 2033، فيما يتهمه خصومه بمحاولة إقامة ملكية. وذكر المرشح الرئاسي المعارض يحيى ديلو وحكومة تشاد إن اثنين على الأقل قُتلا بعد أن ذهبت قوات الأمن إلى منزل ديلو لإلقاء القبض عليه. وأعلن ديلو، الذي يعتزم خوض انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها في إبريل أمام الرئيس إدريس ديبي، أن أفراد حرس الرئاسة هاجموه في منزله وأن خمسة من أفراد أسرته، من بينهم والدته، قُتلوا. وقالت الحكومة في بيان لها أن قوات الأمن ذهبت إلى منزل ديلوا لإلقاء القبض عليه بعد أن رفض الامتثال لإخطارين قضائيين، ولكن القوات قوبلت بمقاومة مسلحة. ورأت المعارضة أن اقتحام بيت ديلو رسالة تحذيرية لبقية المرشحين في الانتخابات الرئاسية. وبعد حادثة مقتل أم يحي ديلو؛ أعلن زعيم حزب الاتحاد الوطني للديمقراطية والتجديد المعارض صالح كبزابو، انسحابه من سباق الانتخابات الرئاسية المُرتقبة في الـ 11 إبريل المقبل في البلاد، وأعرب عن أسفه لعدم حصوله على أي استجابة للمطالب الواردة في مذكرة الـ 25 فبراير الماضي، لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.[1]

 

تصاعُد الأزمة: أُجريت انتخابات تشاد 2021 في سياق سياسي متأزم تعكسه المقاطعة الواسعة للانتخابات من أبرز رموز المعارضة، مع بروز مؤشرات على تزايد نشاط الجماعات المتمردة النشطة على الحدود الليبية-السودانية، والحركات الإرهابية العنيفة التي تفاقم خطرها في كل منطقة الساحل الإفريقي. كما ارتبطت الأزمة السياسية في تشاد بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ تراجع أسعار النفط الذي يشكل 90% من صادرات الدولة (بلغ الإنتاج 45 مليون برميل عام 2019). فتوقفت المشاريع الاستثمارية الكبرى، وعجزت الدولة عن أداء خدمة الدَّين، وقلَّصت رواتب الموظفين، وتفاقمت الأزمة الاجتماعية إلى مستويات خطيرة. ومع استفحال الوضع الأمني الليبي زاد نشاط حركة التمرد العسكري ممثلة بـ”اتحاد قوى المقاومة” (وهو تكتل من عدة تنظيمات مسلحة)، يتزعمها تيمان أرديمي، وهو من عائلة الرئيس ديبي ومدير ديوانه سابقًا ومدير شركة القطن التشادية سابقًا، وقد انفصل عن النظام مع شقيقه التوأم عام 2006، وكاد يستولي على الحكم عام 2008. وهو يقيم حاليًا في قطر، وله قواعد متمركزة في جنوب ليبيا وفي منطقة دارفور السودانية أغلبها من قبيلته الزغاوة. وتصاعدت الأزمة في تشاد إثر إعلان متحدث باسم القوات المسلحة، الثلاثاء 20 أبريل 2021، عن وفاة رئيس الدولة إدريس ديبي خلال زيارته لقوات الجيش في جبهة القتال ضد متمردين في شمال البلاد، وذلك بعد يوم من إعلان فوزه برئاسة الدولة لولاية سادسة.[2]

 

تأثير مقتل ديبي على الداخل التشادي: على عكس هجمات المتمردين السابقة على قصر الرئاسة، والتي حظيت بترحيبٍ شعبي، لم يتفاعل الشارع التشادي مع الهجوم ولا مع انقلاب المجلس العسكري بشكل كبير. وتُرجِع أوساط إعلامية محلية هذا إلى وجود “توافق” على إبقاء السلطة في يد أبناء الشمال، وتحديدًا جماعة الزغاوة التي ينتمي إليها ديبي ونجله. إلا أن مقتل ديبي قد أشعل حالة الانقسام التي كانت سائدة خلال فترة الانتخابات من جديد، وانقسمت ردود الأفعال؛ حيث: على مستوى النظام؛ بعد دقائق من إعلان الجيش التشادي الحداد في البلاد إثر مقتل الرئيس إدريس ديبي، خرج بيان يُعلن تشكيل مجلس عسكري انتقالي، بقيادة نجله محمد؛ ليقوم بإدارة شؤون البلاد، ووقف العمل بالدستور وحل الحكومة والبرلمان، إلى جانب إغلاق الحدود البرية بعد مقتل الرئيس، والاستعداد لإجراء انتخابات رئاسية خلال 18 شهرًا، وصفها بأنها ستكون “شفافة”. وعيَّن محمد إدريس ديبي 14 جنرالًا؛ يُعرف أنهم من بين الأكثر ولاء لرئيس الدولة؛ أعضاء في المجلس العسكري الانتقالي الذي أكَّد أن مؤسسات جديدة ستُشكل بعد انتخابات “حرة وديمقراطية” في غضون عام ونصف العام. وعلى مستوى المُعارضة؛ ندَّدت أحزاب المعارضة الرئيسية في تشاد بـ”انقلاب مؤسساتي” غداة تولي محمد إدريس ديبي السلطة في البلاد بعد وفاة والده الرئيس إدريس ديبي. ودعا حوالى ثلاثين حزبًا سياسيًّا في المعارضة الديمقراطية إلى مرحلة انتقالية يقودها مدنيُّون عبر حوار شامل -وفق ما جاء في بيان لهم-. أما على مستوى الجيش؛ فقد كشف جنرال بارز في الجيش التشادي عن انقسامات حادة في القوات النظامية، على خلفية تشكيل مجلس عسكري لإدارة البلاد بقيادة الجنرال محمد إدريس ديبي. حيث رفضت مجموعة كبيرة من جنرالات الجيش التشادي القرارات التي تم الإعلان عنها بعد مقتل ديبي، ولم يعترفوا بالمجلس العسكري.[3]

 

تأثير مقتل ديبي على الوضع الإقليمي: مقتل الرئيس ديبي يُنْعِش نظرية المؤامرة بشأن إعادة ترتيب المنطقة من جديد، وأن الفوضى هي الأقرب لملء الفراغ الذي خلَّفه مقتل ديبي، على مستوى تشاد، ومستوى الإقليم، والساحل الإفريقي. فالواقع الجيوسياسي لتشاد يُضفي بُعدًا إقليميًّا لميراث مرحلة ما بعد ديبي، وعليه ينبغي فهم تطورات الأحداث في إطار السياق العام؛ حيث إن تشاد دولة حبيسة محاطة بمناطق مختلفة تمثل بُؤرًا ملتهبة للتوتر والصراع، مثل جمهورية إفريقيا الوسطى ومنطقة البحيرات التي تضم الكاميرون ونيجيريا والنيجر وليبيا ودارفور بالسودان.[4] ومن ثمَّ يُمكن رصد أهم التداعيات الإقليمية لمقتل ديبي في دولتين أساسيتين؛ أولهما؛ السودان: حيث تشهد مناطق إقليم دارفور السوداني المتاخم لتشاد أحداثًا دموية عنيفة استمرت عشرات السنين، وراح ضحيتها مئات الآلاف بين قتيل وجريح ونازح. وتزايدت حدة التوترات بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية؛ حيث اندلعت أعمال عنف قبلية في منطقة الجنينة –عاصمة غرب دارفور- قُتل فيها أكثر من 300 شخص، وسط اتهامات بمشاركة مجموعات مسلحة من داخل الأراضي التشادية في تلك الأحداث. وبحكم التقارب الجغرافي والتداخل القبلي الكبير بين سكان منطقة دارفور في غرب السودان وسكان المناطق الشرقية والوسطى من تشاد، ظلَّت الأحداث في البلدين تترابط بشكل ملحوظ. وثانيهما؛ ليبيا: حيث تلقي التطورات المتتابعة التي شهدتها تشاد بظلالها على الوضع في ليبيا، لجهة التداخل الواسع بين البلدين والتأثير المتبادل للأحداث الواقعة فيهما على بعضهما البعض، لا سيما في ظل حالة عدم الاستقرار التي تضربهما، والوضع الأمني الرخو في ليبيا منذ 2011 الذي جعل الجنوب الليبي نقطة تهديد واسعة النطاق للمنطقة المحيطة بأكملها؛ حيث تضع تطورات الداخل التشادي المشهد الليبي أمام نُذُر تداعيات سلبية وخيمة، بالإشارة إلى الارتباط الواسع بين البلدين، وتأثير الوضع في ليبيا على الأزمة في تشاد في الفترات الأخيرة، وكذلك تأثير التطورات التي تشهدها تشاد على ليبيا بشكل مباشر. وذلك لارتباط القوام الرئيسي للعناصر الموجودة في تشاد بالوضع في ليبيا (لجهة التدريب والتمويل).[5]

 

تأثير مقتل ديبي على الواقع الدولي: أعادت التطورات الأخيرة في تشاد صراع القوى الدولية في إفريقيا إلى واجهة المشهد من جديد، وأثارت الكثير من التساؤلات حول ملامح تشاد ما بعد إدريس ديبي. حيث تعتبر باريس تشاد منطقة نفوذ تاريخي لها منذ احتلالها بين عامي 1900-1960. والتهديد المتصاعد للحركات المسلحة في منطقة الساحل وبحيرة تشاد متَّن من العلاقة بين الطرفين. حيث تحتضن تشاد مركز القيادة لعملية برخان الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة غرب إفريقيا، ويتمركز هناك قرابة 1000 جندي وعدد من طائرات ميراج 2000 المقاتلة، كما تضم تشاد مركز قيادة مجموعة دول الساحل الخمس، التي تحتوي قوات من تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو. هذه الأهمية الاستراتيجية لتشاد ديبي دفعت فرنسا إلى حماية المارشال الراحل في وجه التمردات التي واجهته خلال سنوات حكمه الطويل، وهو ما تكرر في 2006 و2008 ومؤخرًا حيث قصفت طائراتها في فبراير 2019 المعارضين الذين كانوا يتوجهون بقواتهم صوب العاصمة. إلا أنها لم تتدخل هذه المرة؛ الأمر الذي وضعها في مأزق بعد مقتل ديبي؛ مما دفعها لدعم ابنه ضمنيًا فيما بعد، فخرج الشعب التشادي منددًا بهذا التضامن وبتدخل فرنسا في الشأن التشادي. إلا أن ذلك لم يكن مثار القلق الوحيد في باريس من تطورات الوضع في تشاد، بل أُضيف إليه مطامع موسكو بتوسيع الحضور الجيوسياسي في مناطق نفوذها التقليدية في إفريقيا. فقد ذكرت صحيفة التايمز البريطانية نقلًا عن مسؤولين أن جبهة الوفاق من أجل التغيير بتشاد (فاكت)، التي كانت تخوض معارك عنيفة مع الجيش التشادي مؤخرًا، قاتلت إلى جانب مجموعة فاغنر الروسية خلال الحرب الأهلية الليبية. وأضافت الصحيفة أن أعضاء الجبهة المذكورة تلقوا تدريبات وتسليحًا على أيدي فاغنر الجماعة شبه العسكرية التي يديرها يفغيني بريغوجين الحليف المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن المناطق التي تسيطر عليها هذه المجموعة الداعمة لخليفة حفتر في ليبيا انطلق المقاتلون التشاديون في معركتهم مع إدريس ديبي. وهذا السعي الروسي يتجاوز المكاسب الاقتصادية إلى رؤية استراتيجية مرتبطة بإنشاء ممر جيوستراتيجي ضمن مناطق نفوذ روسي، يخترق القارة السمراء من البحر المتوسط إلى شواطئ إفريقيا الجنوبية على المحيط الهندي.[6] وهكذا أصبحت تشاد في قلب دائرة الصراع الفرنسي الروسي على القارة الإفريقية؛ بعد مقتل إدريس ديبي رجل فرنسا المُقرَّب.

 

الخُلاصة: هذا الوضع التشادي المُعقد؛ سيفتح ملف الصراع القبلي الحاد الذي تُعبِّر عنه واجهات سياسية وعسكرية كثيرة في تشاد، ومن المُتوقع أن يمتد هذا الصراع القبلي إلى مناطق الحدود التي تتداخل فيها القبائل مع بعضها في العديد من دول الجوار، ولعل أكثر الدول تأثرًا ستكون ليبيا والسودان، والتي ربما تُعيد شبكة تحالفاتها من جديد؛ بحثًا عن مصالحها الجهوية والقبلية. الأمر الذي سيفضي بالضرورة إلى تدهور الوضع في الداخل التشادي؛ لا سيما بعد ما اعتبره البعض انقلابًا على الدستورية بتعيين ابن الرئيس السابق إدريس ديبي خلفًا له؛ ناهيك عن الانقسام السياسي والوضع الأمني المُتأزم هناك. إلا أن كل ذلك لا ينفي وجود جيش قوي لتشاد قادر على الإمساك بزمام الأمور؛ رغم أن وجود حالة من الانقسام داخل صفوف الجيش نفسه –كما تردد على لسان بعض القادة-؛ سيطرح تساؤلًا جديدًا حول مستقبل الدولة التشادية ما بعد ديبي، ومدى قدرتها على مواجهة تحديات الداخل والخارج.

 

[1]  “تجدُّد الأزمة السياسية في تشاد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية”، الشارع السياسي، 22/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/dGeTe

[2]  د. دعاء عويضة، “تشاد: من أزمة الانتخابات إلى مقتل ديبي”، قراءات إفريقية، 20/4/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/uk7P5

[3]  د. دعاء عويضة، “مقتل ديبي وتأثيراته على الداخل والخارج”، قراءات إفريقية، 28/4/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/B01jT

[4]  د. حمدي عبد الرحمن، “رحيل الرئيس ديبي في تشاد ومعضلة الأمن في الساحل”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 20/4/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/II3Er

[5]  د. دعاء عويضة، “مقتل ديبي وتأثيراته على الداخل والخارج”، مرجع سبق ذكره.

[6]  “تشاد ما بعد إدريس ديبي.. هل تكون ساحة صراع فرنسي روسي جديدة؟”، عربي TRT، 28/4/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/ektVl

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مقتل الرئيس التشادي.. أبعاد دولية وارتدادات إقليمية يدفع ثمنها “الساحل والصحراء”

    في 19 إبريل الجاري، وبعد يوم واحد من إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية -التي أجريت …