‫الرئيسية‬ إفريقيا سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة
إفريقيا - مصر - نوفمبر 30, 2020

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آبي أحمد في الخامس من نوفمبر 2020م، شن عملية عسكرية واسعة ضد إقليم “تيجراي” الذي تسيطر عليه “جبهة تحرير تيجراي”:

السيناريو الأول، (حرب قصيرة)، هو سيناريو تتباه الحكومة الإثيوبية وتسوق له آلتها الإعلامية، التي تشيع حالة من الثقة بأن الحكومة المركزية ستفرض سلطتها وأن الجيش سوف يتمكن من حسم الصراع وإنهاء ما تصفه بالتمرد.  وتعتمد الحكومة الفيدرالية والمؤيدون لها في ترويج هذا السيناريو على أن “جبهة تيجراي” تقف في هذا الصراع المسلح متجردة من أي دعم؛ وليس أمامها سوى خيارات محدودة تتعلق بطرق الإمداد والتموين  بالموارد والمعدات العسكرية اللازمة لمواصلة قتال طويل وممتد؛ ذلك أن معظم اتصالاتها اللوجستية تمر عبر أديس أبابا أو إريتريا التي أعلنت دعمها للموقف الحكومي؛ كما أن الحدود البرية الأخرى التي تمتلكها تيجراي هي مع السودان؛ مما يضع الحكومة السودانية الجديدة في موقع رئيسي يمكنها من القيام بدور أكثر تأثيرا على مجريات الصراع.

السيناريو الثاني،(حرب أهلية طويلة)، وهو سيناريو تعززه المؤشرات والحقائق والتجارب؛ فالحرب الأهلية التي اندلعت بدايات نوفمبر 2020م، تعكس حالة من التمرد بدأه الإقليم برفض قرار حكومة آبي أحمد تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وحكومات الأقاليم التي كانت مقررة العام الجاري إلى العام المقبل”2021″ بسبب تفشي جائحة كورونا. ولم يلتزم الإقليم بهذا القرار وأجرى انتخابات في سبتمبر 2020م لتشكيل حكومة وبرلمان الإقليم، وهي الانتخابات التي لم تعترف بها الحكومة الفيدرالية المركزية واعتبرتها شكلا من أشكال التمرد وأن السكوت عليه يمكن أن يشجع أقاليم أخرى على التمرد. وبالتالي فإن هذه الحرب الأهلية قد تطول لعدة أسباب:

  • أبرزها عدم استعداد رئيس الوزراء آبي أحمد للتراجع عن هجومه على «جبهة تحرير شعب تيجراي» قبل إتمام العملية العسكرية وتحقيق أهدافها. وقد صوّت البرلمان الإثيوبي في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، على تصنيف “جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي”(TPLF) كمنظمة إرهابية. وجمدت إثيوبيا أيضًا الحسابات المصرفية للشركات المرتبطة بالجبهة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني. كما جرى حل «الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا» (EPRDF)، التي حكمت البلاد نحو ثلاثة عقود تقريبًا، وكانت تتشكل من أربع مكونات كبرى أبرزها جبهة تحرير شعب تيجراي. وإنشاء حزب الازدهار التابع لآبي أحمد بديلًا منها، والتي لم تقبل “تحرير تيجراي” الانضمام له؛ إضافة إلى استهداف أعضاء الحزب من جبهة تحرير شعب تيجراي. ومع عدم اعتراف الحكومة الفيدرالية بحكومة الإقليم باعتباره غير قانونية وجاءت بانتخابات غير معترف بها جرى وقف التحويلات المالية لحكومة إقليم تيجراي وتحويلها إلى رؤساء البلديات مباشرة. كما أجرى آبي أحمد تغييرات هائلة في قيادة الجيش والمخابرات والشرطة بما يعزز قبضته على السلطة؛ وهي خطوات من شأنها تأجيج الصراع وإطالته؛ وسيؤدي ذلك إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في إثيوبيا، مع ارتفاع عدد القتلى المدنيين والنازحين؛ وقد أعلن السودان عن استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين من شعب تيجراي، وسط توقعات بأن يصل عدد اللاجئين  إلى نحو مائتي ألف إثيوبي.
  • السبب الثاني، أن قيادة تيجراي لديها خبرات وقدرات عسكرية لا يستهان بها تصل إلى مابين 200 إلى 250 ألف مقاتل؛ كما أن العديد من القادة العسكريين في المنطقة هم قادة عسكريون سابقون في قوة الدفاع الوطنية، تم طردهم منذ أن تولى “آبي أحمد” منصبه، مما منحهم درجة عالية من الخبرة والقدرة. كما يزعم مسئولو الجبهة أن نسبة كبيرة من القيادة الشمالية لقوة الدفاع المسلحة التابعة للجيش الإثيوبي، ومقرها ميكيلي، قد دعمت حكومة تيجراي الإقليمية، وأن نسبة كبيرة من الأسلحة والمعدات قد تم الاستيلاء عليها لصالح التيجراي. وفي هذا الصدد لا يمكن تجاهل أن جبهة تحرير تيجراي هي التي قادت التحالف الحكومي الذي حكم إثيوبيا من 1991م حتى 2018م، وقد كان رئيس الوزراء الأسبق ميليس زيناوي الذي تبنى مشروع سد النهضة هو قائد الجبهة وزعيم التيجراي. وكان لعرقية التيجراي نفوذ واسع في نظام الحكم قبل أن يصعد آبي أحمد ويعمل على تهميش نفوذ التيجراي الذين اعتبروا صعود آبي أحمد تهديدا لهم وتقليصا لنفوذهم الذي أقاموه على مدار سنوات طويلة. هذه الأسباب ربما تفضي إلى صراع طويل الأمد قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الذين يعيشون في تيجراي؛ وبالتالي، ستكون الجبهة قادرة على حشد المزيد من القوة النارية والمقاتلين كلما انتقلت المعركة إلى التضاريس الجبلية الأكثر صعوبة بالقرب من «ميكيلي»، عاصمة أقليم “تيجراي”.
  • السبب الثالث، أن إثيوبيا تتشكل من خريطة عرقية تعاني من اضطرابات وتوترات أهلية مستمرة منذ عقود؛ حيث توجد في إثيوبيا نحو 80 عرقية و4 ديانات ما يجعلها قابلة للاشتعال الطائفي والعرقي في أي وقت إذا ضعفت سلطة الحكومة أو تخلت عن دورها في ضبط الأمور.  كما تعاني قومية الأورومو والتي تمثل 34.4% من السكان من ظلم واضطهاد وتهميش من جانب الحكومة؛ لأن غالبيتهم يدينون بالإسلام. وقد اعتقل آبي أحمد في يوليو الماضي قادتهم وزج بنحو 4 آلاف في السجون لأسباب سياسية. كما خرجت قومية التيجراي من التحالف الحكومي وتتعرض لتهميش واسع منذ سيطرة آبي أحمد على السلطة ولم يبق سوى أقلية “الأمهرة”(27% من نسبة السكان)، والتي تملك نفوذا واسعا وتحظى بامتيارات كبيرة؛ ولذلك فهي تدعم الحملة العسكرية من جانب الحكومة المركزية ضد إقليم تيجراي، بخلاف وجود حدود مشتركة بين الأمهرة والتيجراي متنازع عليها؛ الأمر الذي يهدد باشتعال فوضى أهلية كبرى. وينقل راديو “صوت أمريكا” عن مجموعة الأزمات الدولية أن الصراع بين الإقليمين (التيجراي والأمهرة)يمكن أن  يتصاعد ويهدد بنشوب حرب أهلية.
  • السبب الرابع، تعتبر الانتخابات المرتقبة في إثيوبيا  إحدى أسباب الفوضى وتعقيد المشهد؛ وبحسب صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية فإن “آبي أحمد يحكم دولة منقسمة، وقريبًا سوف يضطر للقتال في انتخابات صعبة تأجلت بسبب فيروس كورونا”. حيث كان مقررا أن تجرى في أغسطس 2020م ولكن تفشي جائحة كورونا دفع الحكومة الإثيوبية إلى تأجيل الانتخابات إلى 2021م. وكان ذلك هو الذريعة التي دفعت “جبهة تحرير تيجراي” إلى الخروج من التحالف الحاكم. هناك أيضا أجنحة حكومية وعرقية تسعى لإشعال جرائم الكراهية على أسس دينية وتعزيز نزعات التطرف والتشدد الديني؛ وقد تعرض المسلمون في إقليم أمهرة صاحب الأغلبية المسيحية لهجمات إرهابية في ديسمبر 2019م؛ أدت إلى إشعال النيران في أربعة مساجد وأكثر من 150 من المحلات التجارية والممتلكات التابعة للمسلمين وتعريضها للنهب والسرقة، في الوقت الذي اكتفت فيه حكومة آبي أحمد باستنكار هذه الجرائم دون التحرك الفعال لمحاكمة المتورطين فيها. وما يثير المخاوف أن الإقليم الذى شهد هذه الجرائم الإرهابية كان معروفا بالتعايش السلمي المشترك لأصحاب الديانات المختلفة.
  • السبب الخامس، هو احتمال استغلال كل من القاهرة والخرطوم لهذا الصراع لدعم حركة تحرير تيجراي بهدف كسب مواقف أكثر قوة أمام الحكومة الإثيوبية بشأن ما يتعلق بمفاوضات تشغيل سد النهضة الذي يهدد دولتي المصب بالحرمان من حصصهما المائية، وبالتالي فإن جبهة تحرير تيجراي يمكن أن تجد لها داعمين إقليميين في صراعها مع الحكومة المركزية، يعزز من قدرتها على شن حرب استنزاف طويلة الأمد ضد الحكومة المركزية. ويمكن لمصر استباقا لحجز المياه في يوليو 2021م، دعم جبهة تحرير تيجراي وجماعات انفصالية أخرى، ولن يكون إيجاد مثل هذه الجماعات أمرًا صعبًا، فهناك أكثر من 12 جماعة مسلحة في إثيوبيا بخلاف جبهة تيجراي. بعضهم يعمل على قلب نظام الحكم، والآخر يهدف إلى الانفصال عن الحكومة الفيدرالية.

السيناريو الثالث، (صراع إقليمي على غرار النموذج الليبي)، فهناك مخاوف من أن يتحول الصراع الإثيوبي الداخلي بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير تيجراي، إلى صراع إقليمي؛ وتعززت هذه المخاوف بعدما قصفت “جبهة تيجراي” مناطق إريترية في أعقاب إعلان الحكومة الإريترية دعم الحملة العسكرية التي يشنها آبي أحمد ضد الإقليم، إضافة إلى تصاعد التوتر في القرن الإفريقي الذي يشهد فوضى منذ عدة عقود؛ علاوة على ذلك فإن التوترات الإقليمية بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي الذي تخشى كل من مصر والسودان من أن يقلل حصتهما المائية، ربما يكون عاملا مؤثرا في تحولات الحرب واتساعها وإطالتها. إلى جانب أن تحالف الثورات المضادة الذي يضم (إسرائيل ــ الإمارات ــ السعودية ــ مصر) يعمل على بسط نفوذه في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويعمل على الحد من النفوذين القطري والتركي من جهة، والنفوذ الإيراني من جهة أخرى. وبحسب صحيفة  The Guardian البريطانية، فإن هناك مخاوف من أن يفضي هذا النزاع إلى تكرار سيناريو ليبيا في إثيوبيا، وكلما طال أمد الحرب، زاد احتمال أن تجتذب قوى خليجية متنافسة.

 

تداعيات الصراع

على المستوى الشخصي فإن الصراع الذي يترافق مع انتهاكات لحقوق الإنسان يهدد بتقويض سمعة “آبي أحمد” كزعيم ذي توجه ليبرالي و إصلاحي بعد اتفاق السلام التاريخي الذي أبرمه مع إريتريا المجاورة في سبتمبر/أيلول 2018، والذي أسهم في حصول “آبي أحمد” على جائزة نوبل للسلام، وعلى المستوى المحلي والإقليمي فإن السلام مع إريتريا عزز جاذبية إثيوبيا للمستثمرين الأجانب. لكن الحرب الأهلية التي اندلعت مع توقعات بطول الصراع سوف يهدد جاذبية إثيوبيا كوجهة استثمارية مع المخاطرة بالتصعيد نحو صراع إقليمي كبير. وأمام التعتيم الإعلامي المفروض على الحرب وما يجري بها، فإن التأكد من صحة المزاعم التي يرددها كل طرف تبدو محل شك كبير.

وبنظرة فاحصة إلى المشهد فإن “آبي أحمد” قد وضع نفسه في ورطة من خلال إعلانه المتواصل رفض المحادثات مع “تيجراي”؛ الأمر الذي يعكس إستراتيجيته الشاملة التي تقوم على تركيع الإقليم بعملية عسكرية تعتمد على القوة الغاشمة حتى يدخل بعد ذلك في مفاوضات  مع الإقليم  من موقف قوة؛ يمكنه من توظيف هذا الانتصار من أجل تركيز السلطة السياسية في العاصمة “أديس أبابا” وتهميش مستويات القوة التي تتمتع بها الإقاليم. وبالتالي فإن آبي أحمد يريد تأسيس نظام مركزي يعتمد بشكل أساسي على قوة الجيش بعيدا عن الخريطة العرقية والطائفية التي تشكل إثيوبيا منذ عقود طويلة. لكن هذه الإستراتيجية لا تمنح “أبي أحمد” مجالا للمناورة والتراجع على المدى القصير؛ وبالتالي فإنه لن يدخل في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع قادة تيجراي قبل تحقيق انتصار حاسم من شأنه أن يظهر قدرة الجيش المركزي على السيطرة على الإقليم ليكون عبرة لباقي الأقاليم التي تفكر في التمرد على السلطة المركزية في أديس أبابا.

انتصار أبي أحمد في هذه الحالة قد يكون كفيلا بتعزيز السلطة المركزية وتركيع باقي الأقاليم؛ لكن ذلك لن يكون سهل المنال؛ فما يقوم به الجيش حاليا سيفضي حتما إلى نزاع طويل ومستمر قد يخبو حينا ويطفو حينا؛ لكنه أبدا لن يموت وستبقى نوازع الثأر والانتقام تهيمن على الإقليم ما بقي “أبي أحمد” على رأس السلطة. أما في حالة هزيمة “أبي أحمد” أو عدم قدرة الجيش على تحقيق انتصار حاسم وسريع؛ فإن ذلك قد يفضي إلى تفكك نظامه، خصوصا مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررا العام الجاري “2020م” وقد جرى تأجيله  إلى “2021” المقبل بسبب تفشي جائحة كورونا؛ وقد يؤلب ذلك أقاليم أخرى على السلطة المركزية وخاصة أقليم وعرقية “الأورومو” الذين تصل نسبتهم إلى نحو 36% وقد دخل آبي أحمد معهم في صدام عنيف خلال الشهور الماضية وزج ببعض قادتهم في السجون بتهم سياسية.

 

حدود الموقف المصري

العناد والمراوغة الإثيوبية في ملف سد النهضة خلال السنوات الماضية،  تجعل من التدخل المصري والسوداني في هذا الصراع الداخلي والحرب الأهلية الإثيوبية أمرا لا مفر منه؛ فمن أبجديات السياسة توظيف الحدث واستغلاله من أجل تحقيق الأهداف المصرية السودانية التي لم يتمكن الجانبان من التوصل إليها عبر بوابة المفاوضات التي لم تسفر عن شيء؛ حيث مضت أديس أبابا في إنشاء السد والانفراد بقواعد ملئه وتشغليه على النحو الذي يهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر ويحرم القاهرة من حصتها في مياه النيل التي تصل إلى نحو 55.5 مليار م مكعب. وحتى كتابة هذه السطور لم تخرج تقارير من إثيوبيا أو مصر حول مثل هذا التدخل، لكن الإعلام شبه الرسمي التابع للمنظومة الأمنية لنظام السيسي أبدى قدرا من الشماتة في إثيوبيا.

بالنسبة لمصر، فإن القاهرة لا تمتلك حدود برية مع إثيوبيا، لكن لديها مصلحة إستراتيجية في اندلاع الصراع وإطالة أمده؛ عسى أن يفضي إلى إضعاف الموقف الإثيوبي في ملف سد النهضة الذي يشهد عنادا وتلاعبا من جانب حكومة آبي أحمد؛ يهدد الأمن القومي المصري في الصميم؛ وبالتالي فإن العلاقات الجيدة بين القاهرة والخرطوم يمكن أن تتحول إلى تحالف وثيق لاستغلال الفرصة وإجبار إثيوبيا على تقديم تنازلات في ملف السد ومياه النيل. أو على الأقل فإن استمرار القتال الأهلي بين الحكومة المركزية وإقليم “تيجراي” والتدهور المحتمل للوضع الأمني؛ قد يدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في تمويل المشروعات الكبرى التي تقوم بها حكومة “آبي أحمد” وعلى رأسها سدالنهضة؛ لا سيما في ظل سوء مناخ الاستثمار العالمي لأسباب تعود إلى تفشي جائحة كوورنا؛ وهو ما يصب تلقائيا في تعزيز الموقف المصري وقدرته على كسب تنازلات إثيوبية لم تكن لتحصل عليها دون هذه الفوضى الإثيوبية.

وتواجه محاولات القاهرة للتدخل في أزمة تيجراي، صعوبات تتعلق بالمسافة الجغرافية وبنقص خبراتها في مثل هذه العمليات، والأهم تقلبات حلفائها المفترضين. وأي تدخُّل مصري في أزمة تيجراي يصعب أن يكون تدخلاً بالقتال أو القصف لأن ذلك يحرج القاهرة، ويزيد التفات الشعب الإثيوبي حول آبي أحمد. وإذا كان هناك تدخل فلن يكون سوى عبر إمداد “جبهة تحرير تيجراي” بالسلاح بشكل سري ومن الأبواب الخلفية، وذلك لن يكون إلا عبر البوابة السودانية الذي تربطه حدود مشتركة مع “تيجراي”. ويعزز من هذا الاحتمال إعلان الجيش  المصري يوم السبت 14 نوفمبر “2020”م عن تدشين تدريبات عسكرية مشتركة بين القاهرة والخرطوم، تحت مسمى “نسور النيل 1” امتدت حتى 26 نوفمبر، واللافت في الأمر أن هذه التدريبات جرت على الأراضي السودانية، وتمثل مؤشرا على عمق العلاقات بين الحكومتين ، كما أنها تعتبر أول تدريب قتالي مشترك بين الجيشين في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير في إبريل 2019م. وتشمل التدريبات تخطيط وإدارة الانشطة القتالية، فضلاً عن مجموعات كوماندوز تقوم بمهام بحث وإنقاذ، بحسب البيان. ونقلت قناة الحرة عن مصدر عسكري سوداني،  تأكيده إجراء كل من الخرطوم والقاهرة مناورات جوية مشتركة قرب قاعدة مروي الجوية السودانية في شمال البلاد. هذه التدريبات العسكرية المصرية/ السودانية تزامنت  مع توجه رئيس مجلس السيادة العسكري في السودان الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى إثيوبيا على رأس وفد رفيع المستوى لبحث آخر مستجدات المفاوضات بشأن سد النهصة. وبحسب هذا المصدر لقناة الحرة فقد وصلت أسراب مقاتلات مصرية، من أبرزها مقاتلات من طراز “ميج 29/إم 2” روسية الصنع.

وقبل 19 عامًا من تصريح الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن أن مصر يمكن أن تفجر سد النهضة، توقعت وكالة المخابرات المركزية في عام 2001 أن النزاعات على المياه ستشكل تحدياً كبيراً للأمن الدولي في العقود القادمة، معتبرة أن الأزمات المتعلقة بنهر النيل باعتبارها واحدة من أكثر النقاط الساخنة المحتملة لحروب المياه. وكشفت برقية للسفارة الأمريكية تعود إلى عام 2010، نشرها موقع “ويكيليكس” لاحقاً، أنَّ المصريين فجَّروا معدات كانت في طريقها إلى إثيوبيا في منتصف السبعينيات. وكانت تقارير تحدثت عن تهديد رئيس جهاز المخابرات الأسبق عمر سليمان بمنع أو تخريب السد؛ لكنها كانت مجرد تهديدات، وإن صحت فإنها تدلل على أن نظام مبارك كان أكثر حرصا من نظام السيسي فيما يتعلق بحماية الأمن القومي المصري. ويكفي أن نشير هنا إلى أن الرئيس الشهيد محمد مرسي وحكومته قد ناقشوا صراحة قصف السد؛ على عكس نظام السيسي الذي اتخذ مواقف أكثر ليونة (باهتة) تجاه إثيوبيا بحسب موقع  INTERNATIONAL POLICY DIGEST الأمريكي؛ الأمر الذي قوض المصالح المصرية ويهدد الأمن القومي لها بشكل مباشر.

لكن التدخل المصري السوداني المشترك في أزمة إقليم “تيجراي” يعوقه خمسة أمور:

  • الأول أن الأوامر الصادرة للجيش السوداني هي الوقوف على الحياد، حسبما ذكرت مصادر سودانية لمجلة Foreign Policy الأمريكية، فيما يقود رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك وساطة إفريقية لا تلقى آذاناً صاغية كبيرة.
  • الثاني أن السودان الذي يمثل شريكاً للقاهرة في المخاوف من سد النهضة، أثبت مراراً أنه قد ينفرد بطريقه الخاص بالتفاوض، كما أن البلاد في حالة هشاشة بعد الإطاحة بحكم البشير، والحكم منقسم بين القوى اليسارية والعسكريين، والأخيرون أظهروا درجة عالية من البراجماتية مثلما حدث في هرولتهم نحو التطبيع مع إسرائيل وقبلها في التخلي عن الرجل الذي صنعهم عمر البشير، بطريقة لا تجعلهم شريكأً موثوقاً، بينما القوى اليسارية تميل لآبي أحمد الذي كان وسيطاً في عملية انتقال السلطة وتعتبره كان أكثر إنصافاُ لها.
  • الثالث، أن السودان تقليدياً في موقف أضعف تجاه إثيوبيا التي تفوقه سكاناً ما يقرب مرتين ونصف، وتتميز بطبيعة نظامها العسكري، وجغرافيتها الهضبية، وهي أمور دفعت الخرطوم للتغاضي عن التجاوزات الإثيوبية العسكرية في منطقة الفشقة. كما أن التحالف مع القاهرة في هذا الأمر قد تكون له عواقب وخيمة؛ ويجر الخرطوم نحو نزاع مسلح مع الجارة الأكبر “إثيوبيا” بينما ستكون القاهرة في منأى من هذه المخاطر لبعدها الجغرافي وعدم تشاركها مع إثيوبيا في أي حدود برية.
  • الرابع هو الدور الإريتري؛ فالسودان يخشى من التورط في أزمة تيجراي بدعم مصري، لأن مواقف إريتريا شهدت تحولات كبرى خلال السنوات القليلة الماضية؛ فإريتريا كانت تكن عداء شديدا لإثيوبيا؛ وكان أسياس أفورقي رئيس إريتريا قد أعرب عن مواقف سلبية تجاه سد النهضة عندما أعلنت إثيوبيا في عهد رئيس الوزراء السابق ميليس زيناوي عن البدء في إنشائه في إبريل 2011م. لكن آبي أحمد بمجرد صعوده إلى السلطة في 2018م أجرى مصالحة مع الجارة الصغيرة وبذلك تحولت مواقف إريتريا من دعم الموقف المصري إلى دعم الموقف الإثيوبي؛ وهو ما تمثل في زيارة أفورقي لإديس أبابا وموقع سد النهضة في أكتوبر 2020م في إعلان صريح عن تغيرات كبرى في مواقف إريتريا. ويبدو أن هذا التقارب في طريقه إلى أن يصبح “تحالفا إقليميا” بعد دعم إريتريا للعملية العسكرية التي يشنها آبي أحمد ضد إقليم “تيجراي”. من جانب آخر، فرغم أن إريتريا دولة صغيرة مقارنة بالسودان وإثيوبيا، إلا أنها دولة تشبه (إسرائيل) أو كوريا الشمالية بالنسبة لمنطقة شرق إفريقيا، إذ تمتلك نظاماً أمنياً عسكرياً صارماً، وسبق أن صمدت لفترة طويلة في الحرب الدموية التي خاضتها مع إثيوبيا التي تفوقها عدة أضعاف من حيث عدد السكان. وإريتريا تقف الآن بقوة مع إثيوبيا في مواجهة إقليم تيجراي، رغم أن نخب الحكم في الاصمة الإريترية «أسمرة» تنتمي لقومية التيجراي أيضاً لكن بين رئيس اريتريا أسياس أفورقي ونظامه وبين الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي ثأر طويل بسبب قيادة الجبهة للحرب الإثيوبية المدمرة ضد أريتريا. ولقد سافر مبعوثو الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، في 11 نوفمبر”2020″م، لمقابلة رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق عبدالفتاح البرهان، على الأرجح لمطالبة الجيش السوداني، الذي يتمتَّع بالسلطة الحقيقية، بقطع أيِّ احتمالٍ للدعم اللوجستي للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، حسبما ذكرت «Foreign Policy».
  • العائق الخامس أمام تحالف مصر والسودان لاستغلال أزمة تيجراي هو موقف عواصم الخليج خصوصا في أبو ظبي والرياض، لا سيما وأن هناك اتهامات للإمارات بدعم الحكومة الإثيوبية، فقد اتهم جيتاشيو رضا المتحدث باسم جبهة تحرير تيجراي الإثيوبية، الإمارات بدعم حكومة أديس أبابا وأن حكومة إثيوبيا تعتمد الآن على دعم الطائرات بدون طيار الإماراتية التي تنطلق من القاعدة الإماراتية العسكرية في “عصب” بإرتيريا، حيث تمتلك أبوظبي قاعدة عسكرية شمال ميناء عصب. هذا الدعم العسكري الإماراتي المحتمل لإثيوبيا، يأتي بعد دعم اقتصادي سخي، فقد سبق أن تعهدت الإمارات بتقديم 3 مليارات دولار من المعونة إلى إثيوبيا، وهي الخطوة التي مكنت الأخيرة من تحديث منظومة جيشها الدفاعية والحصول على منظومة “بانتسير إس 1” الروسية المتطورة للدفاع الجوي، لاستخدامها في حماية سد النهضة، من أي تهديد. وبخلاف الاستثمارات السعودية الإماراتية في أديس أبابا فإن هناك أحاديث عن شراء مستثمرين خليجيين أراضي زراعية في محيط سد النهضة.

خلاصة الأمر، في ظل غياب تسوية سياسية للصراع بين الحكومة الفدرالية وسلطات إقليم تيجراي، قد تتصاعد الأزمة  التي باتت تهدد وحدة البلاد وتنذر بتفكك الدولة الإثيوبية، مع تصاعد نزعات الانفصال لدى قيادات جبهة تحرير تيجراي في الوقت الذي يدعم فيه الدستور الفيدرالي الإثيوبي هذا الحق، كما تنطوي هذه الأزمة على مخاطر كبيرة تهدّد الاستقرار الإقليمي، خصوصا مع تنامي صعوبة الفصل بين التوترات الداخلية والصراعات الإقليمية التي تشهدها المنطقة.

أما بشأن انعاكاسات هذه الأزمة على العلاقات مع مصر وأزمة سد النهضة؛ فإن هذا الصراع في إقليم تيجراي قد يضعف حكومة آبي أحمد في إثيوبيا بما يكفي لإجبارها على تخفيف موقفها التفاوضي في أزمة سد النهضة، وبالتالي تسهيل التوصل إلى اتفاق ملزم يحمي رفاهية الأطراف الثلاثة مع الحفاظ على حقوق مصر والسودان المكتسبة في مياه النيل، ومع ذلك، هناك دلائل على أن الوضع يمكن أن يدفع تلك الحكومة في الاتجاه المعاكس. وبينما تمثل الحرب الأهلية الإثيوبية، فرصة لمصر والسودان، لامتلاك ورقة ضغط ضد إثيوبيا، إلا أنه في مثل هذه الصراعات فإن تدخلاً محدوداً وغير فعال يمكن لإثيوبيا تجاوز تأثيره خاصة عبر الدعم الإريتيري، والإماراتي، فإن هذا قد يفاقم وضع مصر إذا تمكن آبي أحمد من تحقيق انتصار حاسم وسريع. ولكن من شأن تنسيق سوداني مصري مع دول الخليج أن يكون لصالح البلدين العربيين المتشاطئين على النيل. ولكن السعودية والإمارات وإعلامهما لا يؤيدون القاهرة عادة إلا في الملفات التي تحظى باهتمامهما وتحقق الهدف الأساس وهو حماية أمن “إسرائيل” وضمان مصالحها، مثل مواجهة الإسلاميين وإجهاض الديمقراطية ودعم توجهات التطبيع مع الكيان الصهيوني. بينما المصالح الحقيقية للشعب المصري وحماية أمنه القومي، لاتحظى بأي دعم من عواصم تحالف الثورات المضادة الثرية بالخليج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والهوامش

  • النزاع بين إقليم التيغراي والحكومة الفدرالية لإثيوبية .. أسبابه ومآلاته/ العربي الجديد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 15 نوفمبر 2020
  • هل تتجه إثيوبيا نحو حرب أهلية؟ دروس التاريخ وآبي أحمد يقولان “نعم”/عربي بوست 15 نوفمبر 2020
  • هل تواجه إثيوبيا خطر الانقسام بسبب سياسات رجل الاستخبارات الغامض؟/عربي بوست 8 نوفمبر 2020
  • ما دلالات الموقف المصري من الحرب الدائرة شمالي إثيوبيا؟/ “عربي 21” السبت، 14 نوفمبر 2020
  • “5” أهداف وراء المناورات الجوية المصرية السودانية/ الخليج الجديد الأحد 15 نوفمبر 2020
  • هل تستغل مصر حرب تيغراي لتحقيق مكاسب بأزمة سد النهضة أم يخذلها حلفاؤها الخليجون؟/ عربي بوست 16نوفمبر 2020
  • ستراتفور: الحرب الأهلية في إثيوبيا ستطول.. وهذه أبرز تداعياتها الإقليمية/ الخليج الجديد السبت 21 نوفمبر 2020
  • ما هي الدول المعنية بتداعيات الحرب في إثيوبيا؟/ الجزيرة مباشر 17 نوفمبر 2020
  • ستراتفور: الحرب الأهلية في إثيوبيا ستطول.. وهذه أبرز تداعياتها الإقليمية/ الخليج الجديد السبت 21 نوفمبر 2020
  • القصة الكاملة لاحتجاجات إثيوبيا.. “الأورومو” يثورون ضد ابنهم آبي أحمد وهو يعتبرها عرقلة لسد النهضة/عربي بوست 1 يوليو 2020
  • صديق قدير عبدو/إثيوبيا.. جرائم الكراهية تتزايد والسلطة تكتفي بالاستنكار (تقرير)/ وكالة الأناضول 6فبراير 2020
  • سيناريوهات التدخل العسكري لحل أزمة سد النهضة/ إضاءات 2 يونيو 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

استجواب عباس كامل في الكونجراس الأمريكي

    “عباس كامل رئيس المخابرات المصرية يواجه استجواب بشأن تورط مزعوم في مقت…