‫الرئيسية‬ العالم العربي الإمارات آفاق التقارب المصري التركي بليبيا في ضوء خلافات أبوظبي والقاهرة
الإمارات - مصر - يناير 11, 2021

آفاق التقارب المصري التركي بليبيا في ضوء خلافات أبوظبي والقاهرة

 

 

مسارات التقارب بين تركيا ومصر على الصعيد الليبي، باتت مرتبطة بسلسلة من الزيارات المتقاطعة إلى ليبيا وتركيا من قبل الأطراف التركية والليبية والمصرية مؤخرا.

حيث زار وفد أمني مصري رفيع المستوى العاصمة الليبية طرابلس، في 27 ديسمبرالماضي في خطوة مفاجئة، بحثت مع المسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دولياً، إعادة العلاقات بين الجانبين، واستئناف الرحلات الجوية المتوقفة بين طرابلس والقاهرة منذ عام 2014. وضم الوفد نائب رئيس جهاز المخابرات ومسؤولين كبارا من وزارتي الخارجية والدفاع، وجاءت زيارته بعد نحو أسبوع من لقاء رئيس جهاز المخابرات المصرية، عباس كامل، في بنغازي، مع كل من الجنرال خليفة حفتر ورئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح. ولذلك تكتسب الخطوات المصرية الراهنة أهمية بالغة على عدّة صعد.

وفي السياق نفسه، نقل مسؤول مصري أن الزيارة التي أجراها وفد من بلاده إلى طرابلس مؤخرا، هدفت إلى قطع الطريق أمام تحريض من أبوظبي لـ”حفتر” على مغامرة عسكرية جديدة، بحسب “مدى مصر“. وذلك في ضوء رغبة القاهرة في التحرك لمنع المزيد من الحضور العسكري التركي في ليبيا، وهو ما قد يسمح به استمرار القتال.

 

دوافع مصرية

وبحسب تقيرات استراتيجية، هناك خمسة أسباب رئيسة دفعت القاهرة إلى إحداث هذا التموضع الجديد:

أولا، فشل الرهان على الجنرال حفتر في السيطرة على المنطقة الغربية، والقضاء على الفصائل المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

ثانيا، الرغبة في إنجاح مسار التسوية السياسية لضمان عدم العودة مجدّداً إلى التصعيد وتجنب التدخل العسكري المباشر، لما يحمله ذلك من مخاطر الدخول في صدام مباشر مع تركيا.

ثالثا، أن أي عودةٍ إلى التصعيد العسكري ستعني مزيداً من الانخراط العسكري التركي في الصراع، وهو ما لا تريده القاهرة.

رابعا، اقتناع صانع القرار المصري بضرورة إيجاد مسافةٍ بين المصالح المصرية في ليبيا ضمن التحالف الداعم لحفتر والمصالح المصرية منفردة، لأن مثل هذه المسافة تُساعدها في فتح خطوط تواصلٍ مع الأطراف الليبية الأخرى والأطراف الخارجية الأخرى من خارج هذا التحالف كـتركيا.

خامساً، رغبة مصر في لعب دور فعال في التسوية، بعدما تراجع دورها خلال السنوات الماضية لحساب أطراف إقليمية أخرى منها ما هو حليف كالإمارات ومنها ما هو منافس كتركيا.

إلى جانب، خلافات بدت على سطح منظومة العلاقات الإماراتية المصرية مؤخرا، ورغبة أبوظبي في اقحام الجيش المصري في حرب عسكرية قي ليبيا، على عكس تقديرات مؤسسة الجيش المصري، التي تحاول أن تبني قراراتها العسكرية خارج مصر، وفق تقديراتها العسكرية  المستقلة بعيدا عن مهاترات السياسيين.

وليبيا ساحة من ساحات التنافس التركي المصري في الإقليم، حيث تقف أنقرة والقاهرة على طرفي نقيض في الصراع. وقد ساهمت القطيعة المصرية التركية بعد عام 2013، وما أعقبها من استقطاب إقليمي حاد في المنطقة، في تعميق الخلافات التركية المصرية في ليبيا، وحالت دون حصول تعاون بين الجانبين، على الرغم من أن الأهداف الرئيسية لكلا البلدين في ليبيا تلتقي في إنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية. وقد أخذ التنافس بين الطرفين شكلاً صدامياً، بدلاً من أن يكون تعاوناً تنافسياً يُراعي مصالح الجانبين، ويُدير خلافاتهما بحيث لا تخرج عن السيطرة. وفي ظل عجز أيٍّ من طرفي الصراع الليبي عن حسم الصراع لصالحه، تبرز أهمية التعاون المصري التركي حلا وسطا يُمكن أن يُساهم في إنهاء الصراع، بما يراعي المصالح التركية والمصرية.

 

دوافع أنقرة للتقارب

 

فيما ترغب تركيا أن تُشكل ليبيا بوابة لإعادة استئناف العلاقات مع مصر، وتحويل التنافس معها من تنافس صدامي إلى تعاون تنافسي، بحسب الباحث الليبي محمود علوش بمقاله بـ”العربي الجديد”: “هل تتعاون مصر مع تركيا في ليبيا“…

كما كان لافتاً أن الزيارة المصرية لطرابلس تزامنت مع زيارة تركية أخرى رفيعة، أجراها وزير الدفاع خلوصي أكار وقادة آخرون في الجيش. ولدى أنقرة علاقة جيّدة مع السراج ونفوذ كبير على الفصائل الرئيسية في المنطقة الغربية. ومع ذلك، لم تستخدم هذا النفوذ لعرقلة الانفتاح بين طرابلس والقاهرة، في مؤشّر على أنها لا تُعارض، من حيث المبدأ، مثل هذا الانفتاح، ما دام أنّه يصب في الأهداف الرئيسية نفسها التي تعمل عليها، وهي إعادة الاعتبار الإقليمي والدولي لشرعية حكومة الوفاق، على الرغم من أن الأخيرة لن تستمر فترة طويلة، إذا ما نجح الحوار الليبي في اختيار سلطة جديدة، فضلاً عن التأكيد على مركزية السلطة في ليبيا، ومنع تكريس الانقسام بين الشرق والغرب.

بل سبق لتركيا أن دعمت اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة في جنيف في نوفمبر الماضي، وأيدت قرار حكومة الوفاق وقف العمليات العسكرية على أطراف سرت، في رغبة منها بتهيئة الأرضية لإطلاق حوار سياسي. كما أنّها لم تُبدِ اعتراضاً على زيارة وفد من طرابلس إلى القاهرة بعد نحو شهر من إبرام اتفاق جنيف. وتسعى أنقرة من خلال تسهيل دور مصري أكبر إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

أولاً، إبداء احترامها المصالح المصرية في ليبيا، وإقناع القاهرة بفوائد تعاونها معها، بعيداً عن انخراطها في التحالف الفرنسي الإماراتي، وتهميش الدورين الفرنسي والإماراتي اللذين يُعرقلان تسوية سياسية متوازنة، لا تُعطي الأفضلية لحفتر.

 ثانياً، رغبة أنقرة في أن تُشكل ليبيا بوابة لإعادة استئناف العلاقات مع مصر، وتحويل التنافس معها من تنافس صدامي إلى تعاون تنافسي، على غرار التعاون التنافسي التركي الروسي في ليبيا وسورية وجنوب القوقاز.

ثالثاً، تركيز أنقرة على تفكيك التحالف الإقليمي المُشكّل ضدّها في شرق المتوسط، وإبعاد مصر عن اليونان وقبرص، تمهيداً لإبرام اتفاقية معها لترسيم الحدود البحرية.

وقد قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، في 14 نوفمبر الماضي  في حوار مع قناة محلية تركية، إن بلاده مستعدة للتجاوب مع مصر، في حال أظهرت الأخيرة إرادة التحرّك بأجندة إيجابية في القضايا الإقليمية. وعلى الرغم من أن لغة المنطق والجغرافيا تفرض على مصر وتركيا التعاون في القضايا الإقليمية، ومنها ليبيا، إلّا أن عقباتٍ حالت دون حصول هذا التعاون، ويُمكن تلخيصها بثلاث رئيسية:

انخراط البلدين في استقطاب إقليمي حادّ يتجاوز الجغرافيا الليبية، ويتعلق بصراع على ثروات شرق المتوسط.

التأثير الفرنسي والإماراتي الكبير على القاهرة يضغط باتجاه عرقلة أي انفتاح مصري على تركيا.

معضلة حفتر في المشهد الليبي، إذ تراه أنقرة جزءا رئيسيا من المشكلة، ولا يُمكن أن يكون مشاركاً في الحل، فيما لا تريد القاهرة المجازفة بتأثيرها في الشرق من خلال إبعاد حفتر، لأنه المُهيمن بالفعل على المنطقة هناك.

وعلى الرغم من هذه العقبات، إلا أن الديناميكية الحالية للسياستين، المصرية والتركية، في ليبيا تفيد بأن القاهرة وأنقرة باتتا تُدركان، أكثر من أي وقت مضى، أهمية تجاوز الخلافات الثنائية، والمضي في مسار التعاون في الساحة الليبية، وعزل هذا المسار عن تأثير القضايا الخلافية الأخرى، كالصراع في شرق المتوسط.

 

الخلافات الإماراتية المصرية

ولعل العامل الأبرز في تحديد شكل ومستوى التقارب بين أنقرة والقاهرة في المرحلة الآنية أو توقفه أساسا، هو حجم الخلافات المتصاعدة بين كل من القاهرة وأبوظبي، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

فعلى الرغم من الدعم الاستراتيجي الإماراتي المقدم لمصر منذ الانقلاب العسكري في العام 2013، والتناغم السياسي والاقتصادي بين نظامي السيسي والنظام الحاكم بالإمارات، بحسب تقدير استراتيجي لـ”الخليج الجديد” إلا أن الفترة الاخيرة شهدت العلاقات عدة تقلبات، تمثلت في تقلص المساعدات المالية المقدمة من ابو ظبي للقاهرة، إثر الأزمة المالية بمنطقة الخليج وأزمات النفط وكورونا، ومحاولات القاهرة اتخاذ قرارات مستقلة عسكريا عن الإمارات في ليبيا واليمن، وبالعودة لسير العلاقات بعد ذلك بين السيسي وحكام الإمارات، قالت العديد من الدراسات إن “الأمور لم تسر بعد ذلك كما كانت عليه في السابق، وبدأت الخلافات تدب، والتباين بشأن المواقف المختلفة يطفو على السطح. وربطت الإمارات أي دعم مالي بضرورة حصولها على مكاسب اقتصادية أو عقود تشاركية في مشروعات كبرى في مصر، في الوقت الذي رهن فيه السيسي أي موقف سياسي أو إقليمي داعم للإمارات بمقابل وثمن يتم دفعه، مؤكداً أن صفحة الماضي تم طيها، في إشارة إلى دعم الإمارات له خلال أحداث 30 يونيو 2013 وما تلاها.

 

أزمة احتكار القطاع الطبي المصري

ومع بدء ظهور مسلسل الخلافات الاماراتية المصرية للعلن، تجلى خلاف كبير في نهاية ديسمبر الماضي، دفع نحو تضاد في السياسات، حيث رفض مجلس إدارة جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في مصر، 29 ديسمبر الماضي، بشكل مبدئي استحواذ مجموعة “كليوباترا”، المملوكة للإمارات، على مجموعة “ألاميدا” للرعاية الصحية، خشية آثار سلبية على قطاع الرعاية الصحية في البلاد. وأخبر الجهاز وزارة الصحة والسكان بالآثار المحتملة للصفقة، موضحا أن الدراسة المبدئية لسوق المستشفيات الخاصة متعددة التخصصات في نطاق محافظتي القاهرة والجيزة بينت أن من شأن الصفقة خلق كيان احتكاري في سوق الرعاية الصحية.

وأشار إلى أن ذلك سيحدث من خلال تعزيز هيمنة شركة “كليوباترا” على مستشفيات الدرجة الأولى والثانية في نطاق محافظتي القاهرة والجيزة على أقصى تقدير باعتباره سوق معني منفصل. ولفت مجلس إدارة الجهاز في خطابه لوزيرة الصحة الدكتورة “هالة زايد”، إلى أن ذلك سيؤثر سلبا على قطاع الرعاية الصحية الخاصة في مصر، من خلال رفع أسعار الخدمات الطبية وانخفاض جودتها وإضعاف فرص الاستثمار المحتملة أو المرجوة في هذا القطاع. ومن بين الآثار السلبية الأخرى، سيطرة شركة “كليوباترا” على الكفاءات الطبية من الأطباء والأطقم الطبية المختلفة، والتحكم في أجورهم لعدم وجود بديل أو منافس قوي يمكن الاستعاضة به عن شركة كليوباترا في حال قيامها بالاستحواذ على أقرب منافسيها، وهي شركة “ألاميدا” للرعاية الصحية.

و”كليوباترا” تعمل على إدارة وملكية كل من “مستشفى القاهرة التخصصي” و”النيل البدراوي” و”الشروق” و”الكاتب” و”كوينز”، و”مستشفى بداية” فيما ترتبط “ألاميدا” بإدارة وملكية كل من مستشفيات “السلام الدولي” بالمعادي و”السلام الدولي” بالقطامية، و”دار الفؤاد” 6 أكتوبر و”دار الفؤاد” مدينة نصر و”معامل يوني لاب” و”المركز الألماني لإعادة التأهيل” و”مجموعة عيادات طبيبي 24/7“. وكان من المتوقع إبرام صفقة الاندماج خلال أيام، بين المجموعتين، والمقدرة ما بين 450 مليونا إلى 500 مليون دولار، لتكون واحدة من أكبر صفقات الرعاية الصحية في أفريقيا والشرق الأوسط لعام 2020.

وعلى مدار العامين الأخيرين، نجحت شركة “أبراج كابيتال” الاقتصادية الإماراتية العملاقة، والمتخصصة في إدارة الملكيات الخاصة، في إتمام أكثر من صفقة استحواذ لها على أكبر كيانات طبية داخل مصر، نقلتها من مُجرد مُستثمر إلى شبه مُحتكر لهذا القطاع الطبي الذي يخدم الملايين من المواطنين. استحواذ “أبراج كابيتال” الإمارتية على القطاع الصحي داخل مصر، أخذ وسيلتين بواسطة الشركة نفسها، التي قامت بعملية استحواذ على بعض المعامل الطبية كمعملي “البرج” و”المُختبر”، أو من خلال شركة أسستها بالشراكة مع البنك الأوروبي و”بروباركو”، التابعة للوكالة الفرنسية للتنمية، والتي قامت بدورها بشراء عدة مستشفيات.

وحذر العديد من المراقبين من خطورة هذه النوعية من الاحتكارات، لدرجة أن النائب في البرلمان السابق “أيمن أبو العلا”، عضو حزب “المصريين الأحرار”، قدم طلب إحاطة حذر فيه من “محاولات الشركة متعددة الجنسيات، التي لا تفصح عن مموليها والمساهمين فيها، للتحكم في أسعار تقديم الخدمات الصحية، مما سوف يؤدي إلى فشل نظام التأمين الصحي الشامل، من جهة غير معلوم المساهمين فيها“.

وبحسب “وكالة بلومبرج”، فالحكومة المصرية كبحت خلال الفترة الماضية جماح صفقات استحواذ بالقطاع الطبي، لا سيما من قبل مؤسسات إماراتية وسعودية خشية سيطرة استثمارات أجنبية وخليجية على قطاع بالغ الحساسية في دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، أكثر من ثلثهم تحت خط الفقر وفق البيانات الحكومية، في حين تتجاوز النسبة 50% وفق تقديرات مؤسسات دولية.

 

التقارب الاماراتي مع إثيوبيا:

كما أن العامل الإقليمي المتعلق بضيق صدر النظام المصري من موقف الإمارات إزاء إثيوبيا، وأن تعاطف حليفه الإماراتي مع أديس أبابا لا يتوقف عند قضية تيغراي بل يشمل أيضاً سدّ النهضة. ويبقى بالطبع أن خيارات ساكن البيت الأبيض الجديد جديرة بالتأثير على مجمل قضايا المنطقة، خاصة لدى مصر التي تتلقى من واشنطن معونات اقتصادية وعسكرية بقيمة 2,1 مليار دولار سنوياً، ةفق  نا ذهبا إليه “القجس العربي: في افتتاحيتها 28 ديسمبر 2020. كل هذا قد لا يعني بالضرورة أن السيسي استقر على نبذ حفتر نهائياً، ولكن التحول هام حتى الساعة، والأرجح أنه يعد بالمزيد الأهم.

 

دور إماراتي بالبحث عن بديل للسيسي

ولعله من أبرز لفات الخلاف بين النظمامين المصري والإماراتي، ما سربته تقارير إعلامية مؤخرا، حول اضطلاع الإمارات بدور بالبحث عن بديل للسيسي في حكم مصر في العام 2017، وفق مصادر تحدثت لـ”العربي الجديد”، في ديسمبر الماضي،  بشأن السبب الأبرز لتوتر العلاقات بين عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، والذي كانت له تأثيرات على التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.

إذ كانت الأمور تسير بشكل يمكن وصفه بالجيّد وذلك إلى أن رصدت دوائر معلوماتية قريبة من النظام تحركات إماراتية مكثفة لصناعة بديل للسيسي، يمكن اللجوء إليه ضمن خطة بديلة، في حال حدثت أي تطورات يكون من الصعب معها استمرار السيسي في موقعه، وبدأ الترتيب الاماراتي  منذ نحو 3 سنوات، وتجلّت أقوى أحداثه بإطاحة وزير الدفاع السابق صدقي صبحي، ورئيس الأركان السابق محمود حجازي، حيث  رصدت محاولات للتواصل بين مسؤول إماراتي بارز من أشقاء ولي عهد أبوظبي، وحجازي، وكانت تهدف إلى التوافق بشأن إمكانية أن يكون بديلاً جاهزاً للسيسي خلال أي مرحلة قد تضطر إليها الأطراف كافة..

وهو ما اعتبره السيسي التفافاً عليه من جانب الحليف الإماراتي الذي دعمه للوصول إلى قمة هرم السلطة في مصر، بعد إطاحة الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين، بدعم وتمويل من جانب أبوظبي التي حشدت أيضاً معها دولاً خليجية أخرى في إطار هذا الهدف. كما اعتبر السيسي أنّ الأمر بمثابة طعنة في الظهر من جانب صهره (محمود حجازي)، وشريكه في التحركات كافة التي أعقبت ثورة 25 يناير عام 2011.

وكان حكام الإمارات يراهنون على حجازي، ربما بعدما لمسوا إمكانية تجاوبه معهم، فضلاً عن تطلعاته ومهماته التي كانت تفوق موقعه ونفوذه، وهي المساحات التي كان السيسي يسعى طوال الوقت لشغلها بصهره حتى يجنّب نفسه أي أزمات لاحقة، كما حدث في إسناد رئاسة اللجنة المصرية المعنية بشؤون ليبيا إليه، بالإضافة إلى إسناد عدد من الملفات شديدة الحساسية له أيضاً“. إلا انه بعد انكشاف الأمور، قدم ولي عهد أبوظبي بشخصه، مبررات للسيسي كان من بينها أنّ الأمر لم يكن من باب التآمر عليه أو بهدف تجاوزه، ولكن كان بمثابة تفكير وترتيب مستقبلي، في حال سارت الأمور على غير ما يرام في ظلّ تقلبات داخلية ودولية.. وقد انتهى النقاش وقتها وفق ما تظاهر السيسي، باعتباره تقبل الاعتذار الإماراتي، ولكنه أضمر في نفسه أمراً آخر.

ثم بدأ السيسي بعدها في تقليص نفوذ حجازي، كما بدأ بتكليف دوائر قريبة منه بمراجعة كافة تحركات وزير الدفاع حينها صدقي صبحي، ومراقبة كافة اتصالاته، وانتظر السيسي الفرصة المناسبة لإنهاء ذيول تلك المؤامرة، كما كان يصفها مقربون منه، وهي الفرصة التي سنحت بعد حادث الواحات الإرهابي في أكتوبر عام 2017، الذي راح ضحيته عدد من ضباط جهاز الأمن الوطني، وأسفر عن اختطاف ضابط شرطة، قبل أن يتم تحريره بعدها بأيام في عملية تدخلت فيها القوات المسلحة. فبعد أيام من هجوم الواحات أقال السيسي حجازي..

كما انتهز السيسي فرصة محاولة الاغتيال التي تعرض لها صدقي صبحي، رفقة وزير الداخلية السابق مجدي عبد الغفار بمطار العريش العسكري، في ديسمبر عام 2017، وأسفرت عن مقتل ضابط عسكري برتبة كبيرة من حراسة وزير الدفاع السابق، لإطاحة صبحي الذي فشل في تأمين خط سيره. وذلك على الرغم من النص الدستوري الذي كان يحصن صبحي، وكان يضمن عدم المساس به لمدة 8 سنوات، لكن السيسي تمكّن من انتزاع موافقة من أعضاء المجلس العسكري بشأن الخطوة

وتم السيناريو والخطة الإماراتية التي حبكتها ابوظبي حول السيسي، وكان السيسي مقتنعاً بأنّ محاولة أبوظبي السابقة بهدف الضغط عليه، ودفعه لتبني المواقف الإماراتية كافة من دون تفكير، أو من دون مراعاة لمواقف ، وكان السيسي  يعلم أنها لم تكن محاولة للإطاحة به، ولكن هذا لا يمنع أن يتولد هذا التفكير إذا تطورت الأمور واتسعت الهوة بين الجانبين في أي وقت وتلح أبوظبي على حصد أكبر قدر من المكاسب جراء علاقتها بالقاهرة، على اعتبار أنه تسديد فواتير سابقة دفعتها الإمارات للسيسي خلال السنوات الأربع الأولى التي أعقبت إطاحته بالرئيس الراحل محمد مرسي من حكم مصر، ومحاربة جماعة الإخوان المسلمين..

إلا أن كثير من التقديرات بأن هناك توجيهات عليا بمراجعة رئاسة الجمهورية المصرية، قبل الشروع في التجاوب مع أي مقترحات إماراتية بشأن المواقف المشتركة بين البلدين في عدد من ملفات المنطقة. هذا التوجه على الرغم من أنه لم يصدر في أوامر كتابية، إلا أن العاملين على ملفات مشتركة مع الإمارات يدركون جيداً التغير في السياسات العامة، ولايدري أحد ما إذا كان نهجاً جديداً دائماً أم أنه موقف عابر. مقابل ذلك، فالسياسات الإماراتية تجاه مصر متغيرة منذ فترة، ربما لأن صنّاع القرار هناك يرون أنهم قدموا الكثير من الدعم المالي للقاهرة خلال فترات سابقة، من دون أن يجنوا مقابلاً يوازي حجم ما أنفقوه، بخلاف تنفيذ سياستهم الرامية لمحاصرة جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي

وبحسب مجلة “فورين بوليسي” فإن الإمارات هي الدولة الوحيدة التي تهمل أمريكا وغيرها من القوى تدخلاتها، ومن أحد المحفزات الرئيسية للإمارات لدعم حفتر، هو هوسها بالإسلاميين، حيث تريد الإمارات إنشاء دكتاتورية في ليبيا تقوم بمحو أي شكل من أشكال الإسلام السياسي، وهو ما يضعها على خلاف مع كل من قطر وتركيا اللتين ترغبان في مشاركة الإسلاميين.

 

آفاق المستقبل الليبي في ضوء المتغيرات

على مدى السنوات الماضية، شهدت ليبيا عدّة مبادرات للحل السياسي، لكنّها جميعها وصلت إلى طريق مسدود، بفعل غياب التوافق الإقليمي والدولي لدعم الحل السياسي. لذلك، سيعطي أي تعاون مصري تركي في الفترة المقبلة زخماً أكبر لمسار التسوية السياسية، وسيعود بالفائدة على مصالح البلدين، وعلى الشعب الليبي الذي لم يعد في استطاعته تحمّل سنوات إضافية من الانقسام السياسي، ويتطلّع إلى مرحلة انتقالية تُلبي تطلّعاته التي علّق الآمال عليها بعد ثورة 17 فبراير. وانتهت جولات الحوار السياسي الليبي، التي عُقدت في نوفمبر الماضي، تونس، برعاية أممية، باتفاق على تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر 2021. وخلال الشهور الأخيرة، بدت مؤشرات للتقارب بين القاهرة وأنقرة، خاصة حول الأزمة الليبية، وذلك بعد تكبد “حفتر” خسائر فادحة، وفقدان أغلب مدن الغرب الليبي، ما دفع مصر إلى تبني دعم التسوية السياسية في البلاد.

 

تفاهمات مصرية تركية

ووفق تطورات الواقع اللوجستي بليبيا، فقد تنطلق من الميدان الليبي إلى آفاق أرحب للتقارب بين الحكومتين الليبيتين وذلك بحسب ما ذهب إليه، موقع “الحرة” الأمريكي في تحليله عن هذه التطورات ونقل الموقع الأمريكي عن المحلل المختص بالشأن التركي، “محمود علوش” قوله إن “الانفتاح المصري على حكومة السراج فرضه التدخل التركي، كما أن عدم ممانعة تركيا لانفتاح حلفائها الليبيين على القاهرة ووقف العمليات العسكرية على حدود سرت يؤكدان احترام الأتراك لمصالح المصريين واستعدادهم للتعاون معهم.

 

السيناريو الأقرب

ويتضمن العديد من التغيرات التي تشير إلى وجود خيارات جديدة لدى الأطراف الإقليمية والدولية بشأن الملف الليبي، فطرابلس تحولت في الآونة الأخيرة لمجال للتغيرات الحاصلة في كواليس الملف الليبي سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي، وبالتزامن مع عودة نشاط البعثة الأممية مجدداً في مسارات الحل الليبي.  اذ من المتوقع فرض حلول مصنوعة خارج البلاد وفرضه بطريقة أو أخرى ورغبتها في معالجة العقبات التي يعاني منها ملتقى الحوار السياسي، “يشير إلى وجود سيناريوهات فرضها الأمر الواقع في ليبيا من جانب، ومن جانب آخر وجود أطراف خارجية حليفة لشخصيات ليبية لا يراد لها مغادرة المشهد“.  ومن ضمن السيناريوهات المطروحة، سيناريو بقاء المجلس الرئاسي الحالي مع تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة ، وهو السيناريو الأقرب والأكثر صلة بالواقع اليوم، أما عقيلة صالح “فرسالته واضحة بأنه يريد اللحاق بالركب والحفاظ على موقع له على الأقل، أي تقدير استمراره رئيساً لمجلس النواب.

ولعله من ضمن الاتجاهات الداعمة لوحدة الصف الليبي، ما دعته إليه سفارات خمس دول كبرى  لدى ليبيا،مؤخرا، في بيان مشترك، بشأن ضرورة وجود قيادة قوية وموحدة في ليبيا مرتبط بالإشادة بدور حكومة “الوفاق”، ويقول: “البيان كما في نصه جاء بعد لقاء السفراء الخمسة بالسراج، ولا بد من وجود رابط بين الدعوة لقيادة موحدة وقوية وبين الإشادة بالسراج وحكومته.. وأمام ذلك المشهد الملتبس، فإن خارطة التفاهمات الإقليمية والدولية لا تزال غير واضحة والاتفاق على بقاء السراج ومجلسه وتشكيل حكومة منفصلة لا يشكل ضامناً لمصالح تلك الدول، كما أنّ الخلافات المصرية الإماراتية تتجاوز الملف الليبي إلى ملفات أخرى تتعلق بالمصالح والأمن المصري، فتغير العلاقة بين القاهرة وأبوظبي بدأ منذ التطبيع الإماراتي مع إسرائيل وهي خطوة تدرك القاهرة أنها مبنية على مصالح اقتصادية بين أبوظبي وإسرائيل تهدد مصالحها.

فليبيا مجال مهم للقاهرة والتقارب مع تركيا فيها مهم في ملفات أخرى، وباعتبار حفتر لا يزال مقرّباً من أبوظبي قد تعود القاهرة للدفع بخصمه في الشرق عقيلة صالح، الذي يحاول إحداث تقارب هو الآخر مع أنقرة. فشبكة العلاقات الجديدة قائمة على مصالح متغيرة ولكنها لن تفضي إلى حلول دائمة في الملف الليبي بسبب سرعة المتغيرات في ساحات التوتر المصاحبةش للساحة الليبية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حقوق الإنسان في مصر.. عن كلمة السيسي والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. قراءة في المضامين وردود الأفعال

    ألقى عبدالفتاح السيسي كلمة[1]، في مؤتمر حافل شهد حضور عدد من الوزراء والنواب…