‫الرئيسية‬ العالم العربي الذكرى العاشرة للربيع العربي.. سمات الموجة القادمة للثورة ومآلاتها
العالم العربي - فبراير 9, 2021

الذكرى العاشرة للربيع العربي.. سمات الموجة القادمة للثورة ومآلاتها

 

في تحليل لها نشرته في ديسمبر 2020م، تذهب مجلة “إيكونوميست” البريطانية، إلى عدم ضرورة الاحتفال بالذكرى العاشرة للربيع العربي،  وقالت إن الثورات العربية نجحت بالفعل في الإطاحة بعدد من الديكتاتوريين كما جرى في مصر وليبيا واليمن، لكن القوى المعادية للديمقراطية مدعومة من الغرب هي من أجهضت ثورات الربيع العربي وحولته إلى جحيم لا يتوق أحد إلى الاحتفال بذكراه العاشرة.[[1]]

ونوهت المجلة البريطانية إلى إشارة بالغة الدلالة والأهمية؛ إذ أقرت بأن النزعات الاستبدادية ليست شيئا يخص الشرق الأوسط فقط، فأمريكا لديها مستوى ينذر بالخطر من الاستقطاب ورئيس منتهية ولايته يكذب بكل سهولة. لكن المؤسسات القوية والقرون من التقاليد الديمقراطية، تجعل من المستحيل عمليا على أي رئيس أمريكي أن يصبح دكتاتورا. بينما لا تتوافر مثل هذه الضمانات في بلدان الشرق الأوسط. ولعقود من الزمان، كان يحكمها مستبدون بلا رؤية وعدوا بالاستقرار فقط من أجل الاستقرار والبقاء.

وبحسب المجلة البريطانية فإن هناك نحو نصف مليون قتيل و16 مليون لاجئ من دول تدمرت بشكل كامل؛ وتعزو الإيكونوميست أسباب إجهاض ثورات الربيع العربي إلى أربعة أسباب:

  • أولها، الدولة العميقة في دول الربيع العربي، مشيرة إلى أنه جرى الإطاحة بالدكتاتوريين (مبارك ـ القذافي ــ بن علي) لكن بقيت النظم التي كانوا يحكمونها تعمل بكفاءة وبذات الأدوات القديمة؛ وهو ما فتح الباب أمام الثورات المضادة لإجهاض الربيع العربي؛ واعتبرت ما جرى في مصر خير برهان على ذلك. كما فشلت تجربة مصر القصيرة مع الديمقراطية، غرقت ليبيا وسوريا واليمن في حرب أهلية وأصبحت ملاعب للقوى الأجنبية، بحسب المجلة.
  • الثاني، هي دول الخليج العربي الثرية التي أنفقت مبالغ طائلة لتهدئة شعوبها ودعم القوى المناهضة للديمقراطية في أماكن أخرى. وأصبحت المنطقة أقل حرية مما كانت عليه في عام 2010 – وأسوأ حالا وفقا لمعظم المقاييس الأخرى أيضا”. وبحسب الدكتور خليل العناني فإن المساعدات الاقتصادية التي قدمتها الأنظمة في أبوظبي والرياض للسيسي بقدر ببما يزيد عن ستين مليار دولار، ناهيك عن صفقات الأسلحة التي وقعها مع فرنسا وإيطاليا وروسيا والولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، يحصل السيسي على دعم سياسي بهدف تحسين صورته في واشنطن من خلال مجموعات الضغط، ولقد أدى سفير الإمارات يوسف العتيبة دورا محوريا في تسويق الانقلاب المصري عام 2013 لدى الإدارة الأمريكية.[[2]]
  • الثالث، هو الحكومات الغربية، حيث اكتفت المجلة البريطانية  بإشارة محدودة إلى دور الغرب في إجهاض الربيع العربي، وقالت إن هناك تساؤلات عدة تلقي باللوم على الغرب ومسئوليته عن ذلك. هذا التجاهل من جانب المجلة البريطانية لن يطمس الحقيقة المرة والصادمة في حكاية الربيع العربي ألا وهي الإفلاس السياسي والأخلاقي للغرب. فبينما تعطي الحكومات الغربية دروسا حول احترام الديمقراطية فإن سلوكها خلال العقد الماضي كان على العكس تماما من ذلك. لقد فشلت الحكومات الغربية في دعم عمليات التحول الديمقراطي في مصر وليبيا وتونس واليمن، وبدلا من ذلك بادرت بمساندة الأنظمة العربية السلطوية التي ناصبت الربيع العربي العداء. ومنحت البلدان الغربية أولوية لصفقات السلاح والاستثمارات على حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي. ولعل من أهم الدروس التي ينبغي أن تتعلمها الشعوب العربية من مجريات الأحداث خلال العقد الماضي، هو عدم الاتكال على الدعم الخارجي في مواجهة الأنظمة السلطوية ومن أجل تحقيق الديمقراطية.  كما أن المجلة البريطانية تجاهلت دور “إسرائيل” في إجهاض أي تحول ديمقراطي وتحريض قوى الثورة المضادة من أجل الانقلاب على الربيع العربي ووأد أي روح ثورية أو إسلامية أو ديمقراطية.
  • الرابع، هو عدم وعي قطاعات واسعة من شعوب المنطقة بأهمية الديمقراطية؛ موضحة أن “النجاح يتطلب أكثر من مجرد انتخابات. كما أنه يحتاج إلى مواطنين ملتزمين ومطلعين، ومجموعة مشتركة من القواعد واعتقاد مشترك بأن الخلافات السياسية لا تشكل تهديدا وجوديا. لكن الديكتاتوريات هي ذلك التهديد الأكبر، بحكم تصميمها، وافتقارها إلى هذه الصفات – ومنع أي خلافات سياسية من الظهور”. مضيفة أن المتشككين من أن شعوب المنطقة لا تناسبهم الديمقراطية، يغفلون عن النموذج التونسي، ولو أن الأخير في بداياته، ويطبق بشكل غير ناضج بعد.

 

الطغاة وحيل البقاء

وبعيدا عن تحليل المجلة الأمريكية، فإن هذه النظم المستبدة لضمان بقائها واستمرارها، فإنها تلجأ إلى حيل خداعية تضلل بها الجماهير، وهي الحيل التي تعتمد على عدة محاور:

أولا، تقوم مجموعة الديكتاتوريين العرب سواء أولئك الذين نجوا من الربيع العربي أو أولئك الذين انقلبوا عليه بصياغة خطاب سياسي مختلف يتحدثون به بلباقة، ولغة تفترض أن التنمية، وليس الديمقراطية، هي ما ينقص المنطقة. وبحسب رأيهم فمن التضليل التركيز على الحريات والتغيير السياسي والتداول السلمي للسلطة، لأن ما يحتاجه العرب حقا ـ بحسب هؤلاء الدكتاتوريين ــ هو حكم أفضل والمزيد من فرص العمل. لكن حتى بشروطهم الخاصة يفشل العديد من الحكام في تحقيق هذه التنمية. ولعل ما يقوم به عبد الفتاح السيسي ومشروعه التنموي في مصر خير برهان على ذلك؛ فهناك ثرثرة وكلام كثيف عن هذه التنمية للتغطية على الفشل الكبيرالذي يضرب البلاد في كافة القطاعات، وشهد معظم المصريين في عهده تدهورا حادا في مستويات معيشتهم. وتزايدت معدلات الفقر بصورة كبيرة. وتضخمت الديون إلى مستويات غير مسبوقة.

ثانيا، التغطية على جرائم هذه النظم بغطاء كثيف من الأكاذيب، ويجري الإنفاق بشكل هائل على الآلة الإعلامية للنظم العربية المستبدة حتى باتت ماكينة ضخمة تروج أكاذيب النظم ليل نهار دون توقف، ويجري الترويج على نحو واسع حول نظرية المؤامرة، والزعم بأن أمريكا هي التي مكنت جماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر بعد ثورة يناير، متجاهلين أن من دفع بالجماعة إلى هرم السلطة هي أصوات عشرات الملايين من المصريين في أنزه انتخابات شهدتها مصر طوال تاريخها كله باعتراف الجميع دون استثناء؛ سواء كانت انتخابات برلمانية للشعب والشوري أو الانتخابات الرئاسية التي جاءت بالرئيس الشهيد محمد مرسي. كذلك الترويج لأكذوبة أن هيلاري كلينتون أنشأت تنظيم الدولة. واتساقا مع هذه السياسات جرى إعادة صياغة وهندسة جميع مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية والتعليمية من أجل تكريس وترويج أكاذيب النظام ورواياته للأحداث مهما كانت بالغة الكذب والركاكة. وفي سوريا، أقنع الأسد العديد من مؤيديه بأن الانتفاضة السورية كانت من عمل المتطرفين. لم يكن هذا تبصيرا بل نبوءة تم تحقيقها ذاتيا. حيث أطلق سراح عدد كافٍ من المتطرفين في سجونه، وقتَلَ عددا كافيا من المعتدلين، وقام بتجويع السكان لفترة طويلة بما يكفي، وعاجلا أم آجلا تتحول أي حركة سلمية تعارض النظام إلى متطرفة. وتحت لافتة “الحرب على الإرهاب”، تشن نظم تحالف الثورات المضادة حربا كثيفة من الأكاذيب حتى تضمن بقاءها واستمرارها حتى لو على حساب شعوبها وأوطانها.

ثالثا، اعتماد سياسة القمع وأدوات البطش والتنكيل ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة تضمن لعناصرها انتهاك حقوق الإنسان بكل عنف دون خوف من أي مساءلة قانونية أو قضائية. ومثل نظرائه، يعمل السيسي على تمليح الأرض بشغف؛ خشية أن تتجذر أي براعم ثورية أخرى. وتفضل حكومة السيسي الأشخاص الخانعين على المواطنين المهتمين بشئون بلادهم السياسية، وفي الإعلام تتم القراءة من نص مكتوب. وكلمة ضالة في مقهى أو منشور على فيسبوك يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى السجن، وبالتالي من الصعب أن يكون لك رأي في الحكم في ظل نظام يصر على منع ذلك. وهو ما أكدته تصريحات ميشيل دن، الدبلوماسية الأمريكية بمصر أثناء  الانقلاب والتي تعمل حاليا باحثة في معهد كارنيجي للسلام الدولي، حيث  قالت “إن المصريين اخترقوا حاجز الخوف بينهم وبين الدولة، ولكن السيسي استعمل مستوى مذهلا من الوحشية لإعادة بناء ذلك الجدار”. وأضافت أن السيسي “جمع بين الوحشية والهوس بالعظمة في نظرته إلى مصر المقلة في تحسين حياة الناس العاديين لكنها مفرطة في المشاريع الباهظة التي تبدو أنها فرصة للسيسي وحاشيته لنهب الخزينة العامة”.[[3]]

رابعا، يعتمد نظام السيسي إستراتيجية اقتصادية تؤدّي حتماً إلى تصادم أي مطالب ناشئة بتحقيق الديمقراطية مع المصالح الدولية. وذلك من خلال التوسع في القروض الخارجية من مؤسسات التمويل الدولية ويستهدف  النظام بذلك أن يحجز له  موقعا متجذرا في المنظومة المالية العالمية من أجل ربط استقراره بالمصالح الاقتصادية للمنظمات الدولية والدول الغربية والشركات الخاصة. وعلى الرغم من أن النظام يسوّق لنفسه دولياً بأنه حصنٌ ضد الإرهاب وضد تدفقات الهجرة غير الشرعية، غالباً ما تحجب هذه السردية خلفها استراتيجية اقتصادية يعمل النظام على تطبيقها. إنها سياسة قائمة على الاقتراض الشديد بما يورِّط الفرقاء الدوليين في القمع الذي يمارسه النظام، وعلى الحرمان الاجتماعي المتزايد للطبقتَين الدنيا والوسطى، ما يتسبب فعلياً بزعزعة الاستقرار وظهور التطرف العنفي، لا في مصر فحسب بل من الممكن أن يتسبب بذلك أيضاً في مختلف أنحاء المنطقة. ويعتمد النظام لتحقيق  هذه  الحماية الدولية من خلال ثلاثة مكونات: أولاً، ثمة اعتماد متزايد على القروض الخارجية لتمويل العمليات الحكومية ومشاريع البنى التحتية الكبرى. ويشمل ذلك زيادةً في السندات الحكومية وسندات الخزينة القصيرة الأمد، أو “الأموال الساخنة”. ثانياً، شهدت صفقات السلاح زيادةً منذ عام 2014 ما جعل من النظام ثالث أكبر مستورد للأسلحة عالمياً بين عامَي 2015 و2019. وثالثا وأخيراً، أدّى المستوى المرتفع للاستثمارات الخارجية المباشرة في قطاع النفط والغاز المصري إلى ربط الاستثمارات الغربية طويلة الأمد باستقرار النظام. تُشكّل هذه العوامل أساساً للاعتماد الدولي على النظام بسبب المصالح المالية. وتُقدّم أيضاً محفّزات مباشرة للتواطؤ الدولي في القمع وتضع عوائق أمام الدمقرطة. وفي نهاية المطاف، تتسبب هذه الاستراتيجية الاقتصادية بتفاقم التحديات في المدى الطويل مع ما يترتب عن ذلك من آثار مزعزعة للاستقرار على نحوٍ شديد. عندما تُستخدَم تدفقات الرساميل الدولية لتمويل سيطرة الجيش على الاقتصاد المصري، فهي تتيح للجهاز الأمني إحكام قبضته على الدولة. إضافة إلى ذلك فإن مؤسسات التمويل الدولية لن تستطيع استراداد ملياراتها إلا من خلال ضمان بقاء النظام[[4]]، لأن زواله قد يهدد بضياع هذه القروض على هذه المؤسسات التي تملك نفوذا دوليا واسعا لا يمكن التهوين من حجمه ومداه وتأثيره.

 

سمات الانفجار القادم

يرى فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، أن سياسات النظم العربية المستبدة وعلى رأسها نظام السيسي سوف تفضي حتما إلى المزيد من عدم الاستقرار. ويعتقد أنَّ الاضطرابات التي شهدتها السنوات العشر الماضية تمثل بداية لعملية تغيير طويلة ستؤدي في النهاية إلى تحول في الشرق الأوسط. ويعبر عن خلاصة أفكاره بشكل واضح مؤكدا أنه لا يعتقد أن المنطقة لن تشهد أي استقرار حقيقي طالما استمر الطغاة ووكالات الاستخبارات العسكرية في خنق المجتمع”. ويبدي تخوفا من أن تكون هذه الاضطرابات المحتملة أكثر عنفا مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. وتوقع أنَّ “الوضع الراهن لن يمكن الحفاظ عليه، والانفجار القادم سيكون كارثياً. مستخدما مفردات مخيفة كتنبؤات كارثية حال استمر الطغاة وهي المجاعة والحرب الأهلية وانهيار الدولة.[[5]]

ويحذر الباحث «تيموثي كالداس»[[6]] في ورقة بحثية نشرها معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في ديسمبر 2019 من تصلب نظام السيسي وأن هذا التصلب الظاهر يخفي في جوهره هشاشة ستكون سببا في سقوط النظام في مصر بصورة فوضوية للغاية. وتحت عنوان «استبداد السيسي الهش.. لماذا سيكون انهيار النظام في مصر فوضويا للغاية؟» يحذر “كالداس”  من رهان الدول الغربية على الاستقرار الظاهر لنظام السيسي الذي كرسه بوسائل وحشية.  ويقر أن قبضة السيسي على السلطة في هذا الوقت قوية للغاية، لكن الطريقة التي عزز بها هذه السلطة تجعلها أيضا هشة للغاية وحساسة للصدمات غير المتوقعة. وبعد استعراض تركيز السلطات في يد السيسي بعد العصف باستقلال القضاء وتشكيل مجلس تشريعي صوري وتأميم الفضاء الإعلامي وخنق منظمات المجتمع المدني، واحتكار الجيش للنشاط الاقتصادي وسحق أي أمل في التداول السلمي للسلطة بعد إقرار التعديلات الدستورية التي جرت في إبريل 2019م، فإن السيسي ساهم بنشاط بالغ في تفكيك مؤسسات الدولة وتقويض استقلاليتها  ما أسهم في زيادة هشاشة الدولة بشكل عام.

ويرى “كالداس” أن النظام رغم تمكنه من إخماد الاحتجاجات التي خرجت استجابة لدعوة الفنان والمقاول محمد علي، فإن الأمر مسألة وقت حتى تندلع شرارة أخرى و جولة أكبر من الاحتجاجات التي لن يتمكن النظام من إخمادها بسهولة. لكن الأكثر خطورة على مستقبل مصر هو عدم وجود آلية للانتقال السلمي للسلطة كما شوهد في تونس، إضافة إلى عدم وجود مساحة لإعداد قيادات بديلة موثوقة؛ وبذلك فإن الخوف من انتقال السلطة رغم حتميته أجبر السيسي على اتخاذ إجراءات من شأنها أن تجعل أي عملية انتقال للسلطة في مصر فوضوية للغاية، وينتهى “كالداس” إلى أن نصل السيسي الحاد الصلب ربما يكون قد أطاح بخصومه وركز السلطة في يديه، لكنه عندما يواجه تحديا أكثر صعوبة فقد لا يتراجع ولكنه ربما ينهار تماما؛ فالمخاطر المرتبطة بهشاشة النظام المصري كبيرة للغاية ولا يمكن التنبؤ بها على حد سواء.

وترى الأكاديمية الأمريكية «إيمي أستون هولمز» التي عملت سابقا كأستاذ مشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة خلال فترة ثورة يناير، أن غياب المظاهرات والاحتجاجات الشعبية ضد نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي لا يعني الاستقرار كما يردد السيسي وآلته الإعلامية والحكومية؛ ذلك أن النظام يمارس قمعا غير مسبوق لجميع أشكال التظاهر السلمي أو الدعوة إليه. وفي كتابها «ثورات مصر وانقلاباتها .. التحركات الجماهيرية والعسكر وأمريكا منذ مبارك حتى السيسي»، تتوقع «هولمز» أن تكون الثورة أو الانتفاضة القادمة في مصر اقتصادية الدوافع بامتياز. وتفسر ذلك بأنه على الرغم من قمع نظام مبارك وتفرد نخبة من رجال الأعمال بالنفوذ في عهده، فإن إحصائية نشرت عام 2000 أثبتت أن طبقة الـ 1% الأكثر ثراء في مصر تمتلك حوالي ثلث مقدرات البلاد الاقتصادية بنسبة 32%. وتبدي الباحثة الأمريكية دهشتها مضيفة أنه رغم شعارات العدالة الاجتماعية التي رفعها ثوار يناير فإن هذه النسبة قد ارتفعت بشكل كبير، لدرجة أشارت فيها آخر الأرقام المنشورة أن الطبقة ذاتها (1%) باتت تمتلك بحلول 2014 حوالي نصف مقدرات البلاد بنسبة  49%، مما يعني أن مليون مواطن مصري يستحوذون على نصف ثروة البلاد فيما يتصارع 99 مليون مصري على النصف الباقي. وأن الغياب المهول للعدالة الاجتماعية، برأي هولمز: هو وصفة لتحركات قادمة لا يرى المشاركون فيها أي مستقبل لهم في بلد تعوزه الحرية والرفاه على السواء.[[7]]

إضافة إلى ذلك، فإن مشاهد العنف والدماء والاستبداد بعد انقلاب 03 يوليو 2013م؛ دفعت الإذاعة الألمانية “دويتشه فيله”[8] إلى التنبؤ  في نهاية 2014م بالثورة المقبلة في تقرير لها تؤكد فيه أنه «قد يسير الوضع على ماهو عليه لبعض الوقت، فمصر تحولت منذ مدة إلى دولة بوليسية. بيد أن الوضع المزري للاقتصاد ولحقوق الإنسان وتراجع قطاع السياحة واعتماد البلاد على أموال الخليج، من شأنها أن تترجم حالات الاستياء المتراكمة عاجلا أم آجلا إلى احتجاجات واسعة، لتؤكد في نهاية تقريرها أن الانتفاضة المقبلة إنما هي مسألة وقت فقط».

نفس الأمر توقعته صحيفة “الجارديان” البريطانية، بعد مسرحية الرئاسة مارس 2018م، حيث اعتبرت افتتاحية الصحيفة فوز السيسي بفترة ولاية ثانية تدميرا لما تبقى من الديمقراطية، وأن السيسي الذي يرفع شعار “الاستقرار” لا يدفع مصر إلا نحو الأسوأ؛ وأن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإذعان لشروط صندوق النقد بتخفيض الدعم وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وسوء التعليم هي ضمانات فعلية لاستمرار  الفوضى مستقبلا؛  وأنه ـــ بحسب  الجارديان ـــ عندما يضاف إلى هذا المزيج ولع «السيسي» بعمليات الإعدام الجماعي، وعمليات الاعتقال، والاعتداءات الجارفة على الحريات المدنية، فلا عجب أن يتوقع المحللون أن تتجه مصر إلى ثورة أخرى[[9]]. ويذهب مركز “ستراتفور” البحثي لما هو أبعد من ذلك بالتأكيد على أن «ولع «السيسي» بالقوة لابد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا. ومع كل يوم يبقاه في منصبه فإنه يعطي شعبه سببا جديدا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي»[[10]]

ويعزز اندلاع موجة ثانية للثورة أن معدلات وعي المصريين تجاه خطورة بقاء واستمرار نظام الانقلاب الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي ضد المسار الديمقراطي منتصف 2013م،  تزايدت بمستويات قياسية تفوق الوصف والتوقع، وتآكلت شعبية النظام على وقع القمع الأمني والتدهور الاقتصادي والانفراد بالسلطة واحتكار السياسة والاقتصاد والإعلام، بصورة لا تحتاج إلى برهان؛ ونظرا لكثرة الأخطاء والانتهاكات التي ارتكبت منذ 30 يونيو، فإن أعداد الغاضبين اليوم والواعين بأهمية التغيير تتزايد، وهي بشكل عام تتجاوز بكثير أعداد الغاضبين قبل 25 يناير 2011، وما التغيير إلا مسألة وقت. والقمع يؤخر الانفجار ويرفع تكلفة الثورة فقط لا غير، لأننا في زمن صار فيه الشباب أكثر وعيا وأكثر مهارة في استخدام أدوات السماوات المفتوحة. كما أن إخفاق المرحلة الأولي لثورة يناير، يشير إلى أننا على موعد مع موجة ثورية جديدة ستكون أكثر راديكالية في وسائلها وأهدافها، وستسهم في تخليص مصر والمنطقة العربية كلها من الاستبداد والفساد داخليا ومن التبعية والهيمنة خارجيا.[[11]]

خلاصة الأمر أنه «إذا استمرت السياسة الحالية متجاهلة مطالب المصريين وحاجاتهم الأساسية فإن الوصول إلى لحظة التمرد الجماهيري قريبة جدا، وأن ثمة نارا تحت الرماد،  وأن ما يتم ترويجه عن تحمل المصريين لفاتورة الإصلاح المزعوم مجرد ادعاءات غير حقيقية وأمنيات القائمين على الحكم، فلا صبر ولا تضحية وإنما صمت مفروض بالإكراه بأدوات التخويف والترهيب لتمرير إجراءات الإفقار بالقوة المسلحة. وأثبتت حركات الاحتجاج العفوي (الخبز في مارس 2017م، والمترو  في مايو 2017م) وحركات الاحتجاج السياسي (مايو 2016 ضد التنازل عن تيران وصنافير”، ثم سبتمبر 2019م، وسبتمبر 2020م) أن تأثير الجوع والمعاناة يقترب من تأثير التخويف، وكلما ضاقت الفجوة بين التأثيرين والوصول إلى درجة التعادل كلما اقترب المصريون من لحظة الانفجار الكبير وتصفية الحساب مع مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلى حالة الانهيار التي يعيشها المجتمع المصري ويلمسها كل مواطن بنفسه. والذين يراهنون على أن البندقية ستظل دائما صاحبة القرار وأن القمع سيمنع الناس من التظاهر يخطئون في الحسابات؛ فالقوة الباطشة التي استخدمت ضد التيار الإسلامي ليكون أمثولة وعبرة لباقي الشعب يصعب استخدامها مع جمهور جائع يبحث عن قوت يومه وليس لديه ما يخسره.[[12]]

 

 

 

—————————————

[1] إيكونوميست: لا داعي للاحتفال بالربيع العربي في عيده العاشر/ “عربي 21” الجمعة، 18 ديسمبر 2020

[2] خليل العناني/تحذير إلى جميع الطغاة.. مازال الربيع العربي حيا/ “عربي 21” مترجم عن موقع “ميدل إيست آي” الجمعة 18 ديسمبر 2020م

[3] إندبندنت: 10 أعوام على الثورة تحولت فيها مصر إلى “بوليسية”/عربي “21” الإثنين، 25 يناير 2021

[4] ماجد مندور/ أموال للطغاة: رعاة السيسي الدوليون/ موقع صدى التابع لمعهد كارنيجي للسلام 24 نوفمبر 2020

[5] ثورة مصر المفقودة.. واشنطن بوست: عقد مر على الربيع العربي دون تغيير لكن “الانفجار القادم”/ عربي بوست 25 يناير 2021م

[6] تيموثي كالداس/ استبداد السيسي الهش.. لماذا سيكون سقوط النظام في مصر فوضويا للغاية؟/ معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط – ترجمة الخليج الجديد الأحد 22 ديسمبر 2019

[7] إبراهيم عبدالله/ لماذا توقعت أكاديمية أمريكية أن تكون ثورة مصر القادمة اقتصادية؟/ صحيفة الاستقلال

[8] الانتفاضة المقبلة في مصر مسألة وقت فقط/ دويتشه فيلة 12 ديسمبر 2014

[9] «الغارديان»: ولاية «السيسي» الثانية تضع مصر على مشارف ثورة جديدة/ الخليج الجديد 01 أبريل 2018

[10] «ستراتفور»: الثورة القادمة في مصر.. لماذا سيسقط حكم «السيسي»؟/ الرأي اليوم  12 فبراير 2018

[11] د. عبد الفتاح ماضي/ أساطير إجهاض ثورة 25 يناير/  موقع الدكتور عبدالفتاح ماضي   وتم نشره في موقع مصر العربية  الأربعاء 28 يناير 2018م

[12] عامر عبد المنعم/“المترو” وبركان الغضب المكبوت/ الجزيرة مباشر الأحد 13 مايو 2018

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العلاقات المغربية الجزائرية بعد دعوة المغرب للحوار

  شكَّل وصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الرئاسة في 2019 فرصة لضخ دماء جديدة …