‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا الحكومة الليبية الجديدة وتحديات الأمر الواقع
ليبيا - مارس 8, 2021

الحكومة الليبية الجديدة وتحديات الأمر الواقع

 

توصل المندوبون الليبيون الذين حضروا المحادثات السياسية التي تستضيفها الأمم المتحدة في جنيف، في 5 فبراير 2021، إلى تسمية سلطة تنفيذية مؤقتة موحدة جديدة لبلدهم، بعد أن انقسمت ليبيا إلى منطقتين (شرق وغرب)، تدار كل منهما على حدة، منذ عام 2014. اختاروا محمد المنفي من شرق ليبيا لرئاسة مجلس رئاسي جديد مكوّن من ثلاثة أشخاص، ورجل الأعمال عبد الحميد الدبيبة من مصراتة في غرب ليبيا بصفة رئيس وزراء مكلف. وإذا تم تثبيت هذه السلطة التنفيذية، فستستمر في العمل حتى إجراء الانتخابات في أواخر عام 2021[1].

 

أولًا: العوامل التى ساعدت على توحيد السلطة التنفيذية:

لم يحدث التقدم نحو إعادة التوحيد السياسي في ليبيا في فراغ، فقد لعبت عدة عوامل دوراً في تحقق هذا الاختراق. إذ تزايد إحباط الليبيين في جميع أنحاء البلاد من قادتهم لفشلهم في تقديم الخدمات الأساسية على مدى السنوات القليلة الماضية، وتدهورت الأحوال المعيشية بشكل مطرد. وعلى الرغم من أن النخب السياسية الليبية لديها سجل حافل في مقاومة التغيير، إلا أنها أصبحت مدركة لخطر رد الفعل العنيف إذا ما تمسكت بنظام العمل كالمعتاد.

عامل آخر هو المأزق العسكري الذي أعقب الهجوم على طرابلس، إذ وجهت الهزيمة التي منيت بها القوات التي يقودها حفتر في محاولتها للسيطرة على العاصمة، والتي تجلت بانسحابها من ضواحيها في يونيو 2020، ضربة لطموحاتها في فرض حكومتها الخاصة على ليبيا بالقوة. وعلى نحو مماثل، بات المعنيون في غرب ليبيا يدركون بشكل متزايد أنه سيكون من الصعب عليهم الاستيلاء على معاقل حفتر الشرقية بالقوة دون التسبب في اندلاع حريق أكبر يؤججه الرعاة الأجانب لكلا الطرفين. بالإضافة إلى ذلك، سئم الكثير من الليبيين من التدخل الخارجي في شؤونهم، لا سيما وجود القوات الأجنبية، سواء كان الضباط الأتراك والوكلاء السوريون الذين يدعمون طرابلس علناً أو المتعاقدين الأمنيين الروس الذين يدعمون حفتر سراً. وأصبح الشعور بالإلحاح بشأن قطع العلاقات مع الرعاة الأجانب واضحاً خلال المفاوضات التي تدعمها الأمم المتحدة بين ممثلي الائتلافين العسكريين الليبيين التي تجري هناك منذ أكتوبر 2020.

عنصر مهم آخر يجعل فريق القيادة أكثر قبولاً، على الأقل في نظر بعض الناس في شرق ليبيا، هو التقدم المحرَز في معالجة الخلافات المالية التي لطخت العلاقات بين طرابلس وخصومها الشرقيين على مدى سنوات. في أوائل فبراير 2021، وافقت حكومة طرابلس على تحمل جميع نفقات السلطات الموازية في الشرق، بما في ذلك رواتب القوات التي يقودها حفتر وتكاليفها التشغيلية، وإدراج هذه النفقات في الميزانية الوطنية لعام 2021. في المقابل، التزمت الحكومة التي تتخذ من المنطقة الشرقية مقراً لها بالتوقف عن اللجوء إلى مصادرة الإيرادات الموازية، مثل أذونات الخزينة، التي تستخدمها منذ عام 2015. علاوة على ذلك، في أوائل فبراير أيضاً، وافق مصرف ليبيا المركزي على تقديم خط ائتماني بدون فائدة لمجموعة من المصارف، معظمها يعمل في شرق ليبيا.

ويمكن أن يكون للاعتبارات المالية أيضاً دور في قبول الدوائر المؤيدة لطرابلس للسلطة التنفيذية الجديدة. إذ تدرك السلطات في غرب ليبيا أن حكومة موحدة ستمكّن من إعادة عائدات النفط – مصدر الدخل الرئيسي للبلاد، والمحتجزة الآن في حساب تديره المؤسسة الوطنية للنفط – من العودة إلى الدولة[2].

 

ثانيًا: مؤشرات إيجابية فى سبيل استكمال تشكيل الحكومة الجديدة:

تعكس معطيات المرحلة البينية بين إعلان الحكومة الجديدة واستكمال إجراءات التشكيل الحكومي عدداً من المؤشرات الهامة ذات الدلالة في المشهد القادم، ومنها على سبيل المثال:

1- قبول النتائج: وهو مشهد يحسب للنخبة الليبية المشاركة في الحوار السياسي. فالقوائم الخاسرة سرعان ما رحبت بالنتائج وأعلنت دعمها للسلطة الجديدة، وهى نقطة جوهرية في المشهد الليبي، فغالباً ما كان يتم التشكيك في نتائج التوافقات السياسية أو عدم الاعتراف بالنتائج، وبناءاً على هذه الخطوة تمكنت الحكومة الجديدة من الوصول إلى طرابلس وطبرق وبنغازى، وفرضت النتائج أمر واقع جديداً تجري فى ضوئه الخطوة التالية وهى تسلم السلطة على نحو سيشكل سابقة جديدة في المشهد الليبي.

2- شرعية السلطة: أو ما يطلق عليه “تحصين” السلطة باعتمادها ومنحها الثقة من البرلمان، وهى مسألة جدلية في كافة السوابق الليبية، لدرجة أنه لم تتولى حكومة واحدة السلطة دون أن يُطعن في شرعيتها القانونية لأسباب إجرائية مختلفة. ويبدو أنه تم استدراك هذا الموقف مبكراً في ملتقى الحوار،  حيث تم الإقرار بأنه في حال تعذر حصول الحكومة على ثقة البرلمان تعود مرة أخرى إلى الملتقى ليمنحها إياها، كبديل لسد الذرائع أمام أى عملية طعن محتملة. لكن من المهم الإشارة في هذا الصدد إلى أن جوهر الخلاف البرلماني الحالي لا يتعلق بمنح الحكومة الثقة، بل على العكس أكد العديد من النواب تأييدهم لها، وإنما يرتبط باستمرار تداعيات الانقسام البرلماني وإمكانية استكمال النصاب القانوني للجلسة العامة للتصويت.

3- استقطاب الدعم السياسي: وذلك من جانب كافة الأطراف الفاعلة على الساحة، بهدف إجراء مشاورات سياسية حول المرحلة المقبلة، وهى نقطة جوهرية أخرى تشير إلى متغير إضافي في المشهد، فغالباً ما كانت الحكومات السابقة تلجأ للقوى الداعمة فقط، حيث توجه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى الرجمة للقاء القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر ثم رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح فى القبه. وعلى الجانب الآخر توجه رئيس الحكومة عبد الحميد دبيبة إلى مصراته التي تشكل الثقل السياسي في الغرب. كذلك هناك استدراك مهم يتعلق بطى صفحة الخلاف والانقسام الحاد في المشهد الليبي، فضلاً عن إشارة أخرى لكون تحركات السلطة الجديدة بدأت في الداخل أولاً في مؤشر على أولوية كسب ثقته من جهة بالإضافة إلى أولوية ترتيب البيت الداخلي من جهة أخرى.

4- التحرر النسبي من سيطرة النفوذ الخارجي: جاءت عملية اختيار السلطة الجديدة خارج حسابات وتوقعات معظم القوى الخارجية، وهو ما يمنح الحكومة الجديدة هامشاً مستقلاً في تحركاتها الخارجية، دلالة ذلك أن تحليل الخطاب السياسي للقادة الجدد في هذا الإطار يعكس درجة من التوازن في العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية. فالقاسم المشترك هو وحدة لغة الخطاب الدبلوماسي الهادىء في مراعاة مصالح القوى الخارجية في ليبيا دون تمييز أو انحياز، وتقويض دور أدواتها الداخلية، مثل الوجود العسكري من خلال القواعد والقوات العسكرية. ويمكن القول إن تراجع مشروعات التصعيد العسكري في الفترة الحالية سيُقوِّض من دور هذه الأدوات، فالسلطة الجديدة- بحكم كونها ليست امتداداً للقوى السابقة- ليست بحاجة إلى تكديس المزيد من الأسلحة أو استدعاء المزيد من القوى الأجنبية، بل إن دورها الوظيفي يتعارض مع هذا التوجه. وفي المحصلة الأخيرة يمكن القول إن قوى السلطة الجديدة إن لم تنجح فى إنهاء الوجود الأجنبي فى البلاد فلديها القدرة على تقويض دوره[3].

 

ثالثًا: التحديات التى تواجه الحكومة الجديدة:

على الرغم من المؤشرات الإيجابية سالفة الذكر، إلا أن الحكومة الجديدة لا تزال تواجه مجموعة من التحديات التى تعوق عملها بل قد تمنع تشكيلها من الأساس، منها:

1- التوافق مع القوى السياسية: تبدو السلطة الجديدة هى الأقل في الخبرة السياسية إذا ما قورنت بغيرها من الخبرات السياسية للقوائم الأخرى المناظرة التي فشلت في الفوز في منتدى الحوار السياسي. وعلى الرغم من أنها تقدم خطاباً سياسياً تصالحياً ووحدوياً، إلا أن السؤال الرئيسي في هذا الإطار يكمن في مدى امتلاك السلطة الجديدة مقومات وقدرات تنفيذ مشروعها على أرض الواقع، خاصة وأنها محكومة بولاية انتقالية مدتها 18 شهراً يفترض أن تعالج خلالها تراكمات صراع دام لعقد كامل.

كذلك هناك مؤشر دال على التوافق مع معطيات المشهد الراهن، فعلى سبيل المثال أكد رئيس الحكومة عبد الحميد دبيبة في اليوم الأول لإعلان فور قائمته أنه سيعمل على تشكيل حكومة تكنوقراط، لكن يبدو من المشاورات التي يجريها أنه يتجه إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تستوعب كافة القوى السياسية، وهو اتجاه قد يواجه تحديات عديدة، لاسيما في ظل تعارض توجهات النخبة السياسية الليبية[4].

وفى ذات السياق؛ ففى ظل نظام المحاصصة في بعض الوزارات، التي اقتصرت في الفترة الماضية على وزراء ينتمون إلى مناطق محددة، خاصة وزارتَي الداخلية والدفاع. فأن المفاوضات التي خاضها الدبيبة في الأيام الماضية لتشكيل حكومته تعرض فيها لابتزاز واضح من قِبَل بعض الدوائر الانتخابية التي طالبته بتوزير نواب ضمن الحكومة الجديدة، لضمان مشاركة مُمثّلي تلك الدوائر في جلسة منح الثقة التي يُفترض أن يعقدها البرلمان[5].

2- صعوبة الجمع بين أعضاء مجلس النواب: فلا يزال هناك حاجة لحصول الحكومة الجديدة على موافقة البرلمان. ولأن يتم نقل السلطة رسمياً، وفقاً لخارطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة، أمام الدبيبة حتى 26 فبراير لتقديم تشكيلته الوزارية إلى مجلس النواب، ومن تلك اللحظة، يكون أمامه 21 يوماً للموافقة على الحكومة أو رفضها.

وعلى الرغم من أن موافقة البرلمان على الحكومة الجديدة ليست مستحيلة فى الوقت الحالى، حيث تحسن المناخ السياسي في ليبيا بشكل ملحوظ منذ عام 2015، عندما فشلت محاولة مماثلة لكسب التأييد البرلماني لسلطة انتقالية تدعمها الأمم المتحدة. في حين كانت مواقف الجهات الفاعلة الرئيسية في ذلك الوقت صدامية، فقد تبنى كلا المعسكرين اليوم نبرة أكثر تصالحية.

كما أنه في حالة رفض البرلمان منح الثقة للحكومة الجديدة أو عدم انعقاده من الأساس، يمكن لأعضاء المنتدى الـ 74 أن يقرروا نظرياً المصادقة على الحكومة من جانب واحد، وهو خيار احتياطي مصمم لاحتمال أن يثبت مجلس النواب أنه غير قادر أو غير راغب في تلبية أو الوصول إلى الحد الأدنى المطلوب للتصويت بمنح الثقة.

إلا أن الموافقة البرلمانية الكاملة والسليمة مهمة في المرحلة الراهنة. فبدونها، من المحتمل أن تستمر السلطات في المنطقة الشرقية في العمل كحكومة موازية، في حين أن الحكومة الجديدة ستفتقر إلى الأساس القانوني للعمل. ومن غير المتوقع حدوث ذلك (الموافقة البرلمانية الكاملة)، فى ظل انقسام أعضاء مجلس النواب إلى فصيلين في عام 2014، أحدهما في طبرق، التي اتخذها المجلس مقراً رسمياً له، والآخر في طرابلس. ظاهرياً، لا تزال الديناميكيات بين هاتين المجموعتين صدامية، حيث دعا أحد الفصيلين إلى إجراء تصويت بمنح الثقة في طبرق وطالب الآخر بالمضي قدماً في مكان ما في غرب ليبيا (طرابلس بالأساس).

إلا أن ثمة موقفاً وسطاً بدأ في الظهور، ففي بيان أصدراه، في 10 فبراير الحالى، دعا نائبا رئيس مجلس النواب، فوزي النويري وحميد حومة، إلى عقد جلسة عامة في أي مدينة توافق عليها لجنة مدعومة من الأمم المتحدة تمثل الائتلافين العسكريين المتنافسين في ليبيا. وبالفعل، فقد حسم مجلس النواب موقفه في 15 فبراير 2021 من مكان انعقاد جلسته المتعلقة بمنح الثقة للحكومة الجديدة، على أن تكون في مدينة سرت وسط البلاد، خاصة وأن المدينة لا يوجد بها مليشيات، وهي مدينة تتمتع بقبول من جانب أغلب القوى السياسية والعسكرية. غير أن اختيار مدينة سرت نفسها قد يواجه مشكلة، حيث سيتطلب من اللجنة العسكرية المشتركة ضمان سلامة جميع البرلمانيين وتأمين الوصول إلى مطار المدينة، الذي كان محظوراً، بما في ذلك أمام اللجنة نفسها، بزعم وجود متعاقدين أمنيين روس وطائرات مقاتلة روسية هناك[6].

3- السلاح المنفلت: حيث يوجد حالياً ما يقدر بنحو 20 ألف مقاتل أجنبي في ليبيا، بمن فيهم المرتزقة الروس والسودانيون (ويذكر أنهم مدعومون بتمويل إماراتي) ومرتزقة سوريون بتمويل تركي وغيرهم. ويبدو أن هناك صعوبة بالغة فى إمكانية قيام الحكومة الجديدة بإخراج هذه القوات، وهو ما ظهر فى تأكيد الرئيس التركى أردوغان، فى 9 فبراير 2021، إن تركيا لن تنسحب من الصراع الليبي إلا إذا انسحبت الدول الأخرى أولاً، مؤكدًا على أن وجود قواته هناك جاء لدعم حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس، وللدفاع عنها ضد هجوم حفتر العسكري ضد الحكومة التي تشكلت في أبريل 2019[7]. ويعكس تصريح أردوغان عدم ثقته فى قدرة الحكومة الجديدة على إخراج المليشيات الداعمة لحفتر والمدعومة من قبل مصر والإمارات وروسيا وفرنسا.

أكثر من ذلك، فإن الحكومة الجديدة لن تكون قادرة فقط على إخراج المرتزقة ولكنها قد تجد نفسها أيضًا غير قادرة على تحجيم أدوراهم. وهو ما ظهر فى إعلان غرفة عملية “بركان الغضب”، التابعة لقوات الحكومة الليبية، فى 23 فبراير 2021، عن رصد تحركات لمرتزقة شركة “فاجنر” الروسية، الداعمة لقوات حفتر، في الطريق من البريقة إلى سرت. واعتبر البيان أن تحرك المرتزقة الروس نقضا لاتفاق 5+5 لوقف إطلاق النار الموقع في جنيف نهاية أكتوبر 2020. وأشارت “بركان الغضب” إلى أن مرتزقة فاجنر يستمرون في أعمال يُعتقد أنها لمد أنبوب داخل خندق لنقل النفط من الجنوب إلى الشمال الليبي ومنها لشحنه بحراً. وجاء البيان مؤكدا لتصريحات وزير الداخلية بحكومة الوفاق الليبية “فتحي باشاغا” في يونيو 2020، مفادها سيطرة مرتزقة “فاجنر” على حقل الشرارة برفقة مجموعة من الجنجاويد السودانية، معتبرا ذلك “تهديدا خطيرا للأمن القومي الليبي وينال من مصالح كافة الشركات الأمريكية والأوروبية العاملة بالقطاع، التي ستكون رهينة لتغول روسي غير مسبوق”[8].

وبجانب المرتزقة الأجانب، فهناك إشكالية المليشيات العسكرية غير النظامية، والتى ظهرت بقوة مع تعرض وزير الداخلية في حكومة «الوفاق»، فتحي باشأغا، لمحاولة اغتيال في طرابلس، فى 21 فبراير 2021، وسط أنباء عن اشتباكات مسلّحة في مواقع عديدة بين قوات الأمن وميليشيات مسلحة، في أعنف أحداث تشهدها العاصمة ومحيطها منذ التوصُّل إلى قرار بوقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.

ويرى كثيرون أن المحاولة تستبطن رسالة بأنه لن يُسمح بإخراج الميليشيات المنتشرة في طرابلس بمجرّد تشكيل الحكومة الجديدة، وهو التصوُّر المطروح الآن ضمن التمهيد لإخراج المرتزقة. كما أنه يعكس عدم قدرة الأجهزة الأمنية في طرابلس على حفظ الأمن، خاصة أن موكب باشأغا هو الأكثر تأميناً بين الوزراء والمسؤولين منذ مدة طويلة، وسط مخاوف من أن تكون محاولة الاغتيال بداية لاضطرابات تعرقل المسارات السياسية التي تسير جيداً إلى الآن[9].

كما أن هناك إشكالية أخرى، تتمثل فى محاولة قادة المليشيات العسكرية الحصول على مناصب رفيعة فى التشكيلة الحكومية الجديدة من أجل التهرب من المساءلة القانونية على الانتهاكات التى ارتكبوها، ناهيك عن أن الأشخاص الذين يتولون مناصب عسكرية بالفعل لن يتخلوا عنها بسهولة؛ خوفًا من أن يسهل ذلك محاسبتهم على جرائمهم.

وفى هذا السياق، طالبت منظمة العفو الدولية قادة السلطة الجديدة بـ”ضمان عدم تعيين المشتبه في ارتكابهم جرائم بموجب القانون الدولي في مناصب يمكنهم فيها الاستمرار في ارتكاب الانتهاكات”،  كما طالبت المنظمة بـ”تعليق عمل الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في مناصب السلطة”.

وجاءت مطالب المنظمة لسلطات البلاد الجديدة في إطار تقرير، بمناسبة مرور عقد على ثورة 17 فبراير، رصدت فيه استمرار ظاهرة الانتهاكات الجسيمة في البلاد لحقوق الإنسان، بل وتورط السلطات السابقة في “ترقية وإضفاء الشرعية على قادة المليشيات المسؤولة عن الأعمال المروعة، بدلاً من ضمان إجراء مساءلتهم”. وأشارت إلى أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق عين، مطلع العام الجاري، عددا من قادة المجموعات المسلحة في مناصب مهمة، من بينهم، عبد الغني الككلي، وهو قائد مجموعة مسلحة تعمل في طرابلس تحت مسمى “قوة الأمن المركزي، وتم تعيينه كرئيس لـ”جهاز دعم الاستقرار” بتبعية مباشرة للمجلس الرئاسي، وكذلك هيثم التاجوري نائبا له.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد ذكر التقرير أن المجلس الرئاسي رفّع رتبة عماد الطرابلسي، وعينه نائبا لرئيس جهاز المخابرات، تزامنا مع قرار آخر لنقل تبعية “قوة الردع الخاصة” من وزارة الداخلية إلى المجلس الرئاسي مباشرة بصلاحيات أوسع. وأكدت المنظمة أن لجانها ولجان خبراء الأمم المتحدة أثبتت تورط أصحاب هذه الأسماء في انتهاكات واسعة، وأن منحهم وظائفهم الجديدة، بصلاحيات واسعة وتوفير المرتبات لأفراد مجموعاتهم المسلحة، يعد ضربا من التعمية واستمراراً لظاهرة الإفلات من العقاب.

كما أكدت المنظمة على أن اللواء المتقاعد خليفة حفتر لا يزال مستمرا في احتضان الضابط ضمن قواته محمود الورفلي، رغم عديد الطلبات من جانب محكمة الجنايات الدولية لتسليمه، “وبدلاً من ذلك فقد تمت ترقيته إلى مقدم في لواء الصاعقة”. كما لفت التقرير إلى “إيواء حفتر لقادة اللواء التاسع، المعروف باسم قوات الكنيات، على الرغم من تورطها في عمليات القتال الجماعي وإلقاء الجثث في المقابر الجماعية وعمليات التعذيب في مدينة ترهونة”[10].

4- تكتيك “الكمون المؤقت” لقوى المصالح المشتركة: وهى القوى الداخلية والخارجية التي تستغل المرحلة الانتقالية في تعزيز قدراتها وإعادة ترتيب الاصطفافات تمهيداً للمرحلة المقبلة، التي تمثل المحك الحقيقي للمستقبل السياسي للبلاد، والاختبار الحقيقي لتلك القوى في الوقت ذاته، وبالتالي ستتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة مؤقتة ستسعى خلالها إلى تعزيز قدراتها[11].

 

 

————————————————————-

[1] “التحديث رقم 4 لمجموعة الأزمات بشأن ليبيا”، مجموعة الأزمات الدولية، 15/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3smM70n

[2] المرجع السابق.

[3] ” السلطة الانتقالية في ليبيا: فرصة لتغيير الواقع رغم التحديات الصعبة”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 16/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3pNgawr

[4] المرجع السابق.

[5] “ليبيا | خلافات واشتراطات تعترض مهمّة دبيبة”، الأخبار، 25/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3bEPx7T

[6] “التحديث رقم 4 لمجموعة الأزمات بشأن ليبيا”، مرجع سابق.

[7] “هل تنجح الحكومة المؤقتة في ليبيا في إخراج القوات الأجنبية؟”، معهد دول الخليج العربية فى واشنطن، 16/2/2021، الرابط: https://bit.ly/2NUcsUP

[8] “تحركات لمرتزقة فاجنر غرب سرت.. وبركان الغضب: نقض لوقف إطلاق النار”، الخليج الجديد، 24/2/2021، الرابط: https://bit.ly/3aPFE8d

[9] “ليبيا | محاولة اغتيال باشأغا تربك المشهد السياسي”، الأخبار، 22/2/2021، الرابط: https://bit.ly/37FydhR

[10] “قادة السلاح: معضلة السلطة الجديدة في ليبيا”، العربى الجديد، 18/2/2021، الرابط: https://bit.ly/37FghUI

[11] ” السلطة الانتقالية في ليبيا: فرصة لتغيير الواقع رغم التحديات الصعبة”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ماذا حدث؟؟.. قبل سحب الثقة من الدبيبة اليوم

  أعلن المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب الليبي: سحب الثقة من الحكومة بأغلبية 89 نائباً…